وصية لقمان

 
الخميس/ديسمبر/2019
   

أ.د. ناصر أحمد سنه

كاتب وأكاديمي من مصر

أيها الباحثون: عن سبيل “إيماني، قيمي، علمي، عملي، صحيح، صالح، مُصلح” للإنسان والحياة والكون.
سبيل يربط بين العقيدة، والأخلاق (في مرجعيتها الإلهية)، بالعمل والتطبيق والتنفيذ فلا ” فصام، ولا إنفصال، ولا نفاق”.

أيها الباحثون: عن نسق لعالم الأفكار، وعالم الأشياء.. جناحي الطيران في عالم التحضر والنماء الرفاه.

أيها الباحثون: عما “يجدد حياتكم”، ويثري خصائصكم ومهاراتكم وقدراتكم الخلقية والنفسية والشخصية وإلإجتماعية.

أيها الباحثون: عن كل ما من شأنه تطوير مساركم العلمي، والتعليمي، والمهني، والوظيفي، فيكلله بالنجاح.

أيها الباحثون: عما يخلصكم من أفكاركم، وتصرفاتكم، وعاداتكم، و”صورتكم الذهنية” السلبية.

أيها الباحثون: عن الرؤية الإيجابية للنفس البشرية، وعن صلاح البيئة المجتمعية، وعن التوازن في قيم الحياة.. الفردية والمجتمعية والإنسانية.

أيها الباحثون: عما يعينكم علي تخطي عوائق التغيير النفسي والإجتماعي، ويزيل عنكم “بواعث قلقكم على ذواتكم ومستقبلكم”، ويلهمكم بدء “حياة مُبهجة واعدة”.

أيها الباحثون: عن “فن التغيير ومهاراته وإدارته”، وعن قصص حقيقية لشخصيات تغيرت، فأثرت في المجتمع، و”كسبت” الكثير من الأصدقاء، وحققت الكثير من النجاحات.

أيها الباحثون: عن الأسس الحقة للتعارف والتواصل مع الذات، والآخر.. في نطاق الأسرة والمجتمع والوطن والإنسانية.

أيها الباحثون: عن أسس تربية وتنشئة الأبناء وإعدادهم، وترسيخ مقومات صلاحهم، وعن تهيئة الجو الأسري القيمي المجتمعي الصالح لهم.

أيها الباحثون: عن مهنة تنمية الموارد البشرية Human Resoueses، ومهن خدمة الإعلام والإعلان والعملاء، والتطوير المؤسسي.

أيها الباحثون: عن الأسلوب العلمي والعملي لتطوير المجتمع وتنميته، وترقية الثقافة والذوق الإنساني الرفيع.

أيها الباحثون: عن استثمار اقتصادي حقيقي..لا ربوي، ولا إحتكاري، ولا إستغلالي، ولا “أخطبوطي، عبر شركات متعددة الجنسيات”.

أيها الإستراتيجيون، والتربوين، والمعلمون، والخبراء، والمحاضرون، والمديرون، والإستشاريون، والإقتصاديون، الباحثون: عن البرنامج الشامل المتوازن المتكامل للتنمية البشرية الحقيقية؛ عليكم جميعاً بوصية لقمان في القرآن الكريم.

يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}(لقمان:12-19).

لاشتمالها على قصة “لقمان الحكيم“.. سُميت السورة الكريمة بهذا الاسم. وهي من السور المكية، التي تعالج موضوع العقيدة، وتعنى بالتركيز على الأصول الثلاثة لعقيدة الإِيمان وهي “الوحدانية، والنبوة، والبعث والنشور“. ولقد أشارت السورة إلى فضيلة الحكمة، وتفضل الله بها، وكيفية التأمل والنظر لمعرفة الله تعالى وصفاته، وذم الشرك، والأمر بمكارم الأخلاق، والنهي عن القبائح والمنكرات. كما تضمنت وصايا ثمينة أنطقه الله بها، وكانت من الحكمة والرشاد بمكان!. وهذه خطوط عريضة عامة لعلها توضح الهدف المراد:

(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ):
لقد أعطينا لقمان الحكمة: وهي الإصابة في القول، والسَّداد في الرأي، والنطق بما يوافق الحق. قال مجاهد: الحكمة الفقه والعقل. وقال القرطبي: والصحيح الذي عليه الجمهور أن “لقمان” كان حكيماً ولم يكن نبياً. كما إن الحكمة هي: التوفيق والصدق في القول والعمل. فــ “الحكيم” يضع الأمور في مواضعها الصحيحة، فهو صاحب “فاعلية” نحو نفسه ومجتمعه ووطنه وإنسانيته، ويسعي لتهذيب نفسه، وتربيتها التربية الإيمانية الحقة، ويمضي في سبيل “كمالها”، و”كمال” كل ما يتربط به من حوله.. فيَسعد، ويُسِعد.

لا مجتمع بلا قيم، أو اتجاهات تجريدية عمومية، واجبة وملزمة ومُحددة لتوجه وسلوكيات أفراده نحو مختلف الموضوعات والمواقف. فهي إحدى المؤشرات الدالة على (نوعية حياة) المجتمعات، ومستوي تحضرها، ونسق تفكيرها، وبوصلة تعديل سلوكها، واختياراتها المستقبلية. و”ماهية الإنسان والمجتمعات” رهن بنسق تلك القيم المتبناة، والتي يحددها الدين، وما يرشد إليه من أخلاق وقيم ومعاملات وعبادات. كما تحمله وصايا الآباء والمعلمين والتربويين والمصلحين.. الخ. لذا فللقيم دور نفسي وتربوي وتعليمي واجتماعي وإنساني كبير في صلاح وإصلاح، وتماسك ورفعة، ورقي المجتمعات.

(أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ، وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ):

وقلنا له: اشكر الله على إِنعامه وإِفضاله عليك، حيث خصَّك بالحكمة، وجعلها على لسانك. كما أن من يشكر ربه فثواب شكره راجع لنفسه، وفائدته إنما تعود عليه، لأن الله تعالى لا ينفعه شكر من شكر، ولا يضره كفر من كفر، ولهذا قال بعدها: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)، أي ومن جحد نعمة الله فإِنما أساء إلى نفسه، لأن الله مستغنٍ عن العباد، محمودٌ على كل حال، مستحقٌ للحمد لذاته وصفاته. إنه “سُلم قيمي” أعلاه شكر الله تعالى، ثم شكر الوالدين، وطاعتهما، وإلتزام بالعقيدة والمبدأ والمسؤولية الفردية بعيدا عن العواطف، والتقليد -التبعية العمياء- والمحاكاة. إن أكبر عامل في زيادة الإنتاج: زرع الثقة في المرؤوسين.. والثناء على إنجازاتهم، وإثابتهم عليها.. أشكر لك، أفصح عن شكرك. قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ)[1].

(وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ):
البيان الذي علَّمه الله الإنسان، ميزة بالغة الأهمية عندما يوظف أصلح توظيف. فاللغة عاملٌ حيادي، والبشرية بالبيان، والحوار، والسؤال، والجواب، والتعليق، والاستيضاح.. تربية وتهذياً وتعليماً وإعلاماً ترقى إلى الواحد الديَّان، أو تهوي إلى أسفل سافليين: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ )[2]. ثم ذكر تعالى بعض نصائح لقمان لابنه: (إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ) [3]، وقال المعصوم صلى الله عليه وسلم: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)[4].

– ينبغي مطابقة الوعظ، القول، التعليم، التدريب.. للعمل:(مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَيُجَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، وَيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ؛ أَدْخَلَهُ اللَّهُ جَهَنَّمَ)[5] فالتطبيق بلا إخلاص غير مقبول، والإخلاص من دون تطبيق لا يكون، والمؤمن يأخذ بالأسباب، ويتوكَّل على ربِّ الأرباب.

– (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ):
بدأ بالتحذير له من الشرك الذي هو نهاية القبح والشناعة والظلم العظيم.
واذكر لقومك موعظة لقمان الحكيم لولده، حين قال له واعظاً ناصحاً مرشداً: يا بني كن عاقلاً ولا تشرك بالله أحداً، بشراً أو صنماً أو ولداً، أي إِن الشرك قبيح، وظلم صارخ؛ لأنه وضعٌ للشيء في غير موضعه، فمن سوَّى بين الخالق والمخلوق، وبين الإِله والصنم فهو -بلا شك- أحمق الناس، وأبعدهم عن منطق العقل والحكمة. ِفنهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل التقوى، فأرقى عمل أن تطيع الله عزَّ وجل، وأرقى علم أن توَحِّد، فليس عجباً أن يكثِّف الله عزَّ وجل فحوى دعوة الأنبياء كلِّهم بالتوحيد: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِي}(الأنبياء:25).

 ويقول المعصوم صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ: يَعْبُدُونَ شَمْسًا، وَلا قَمَرًا، وَلا وَثَنًا، وَلَكِنْ أَعْمَالا لِغَيْرِ اللَّهِ، وَشَهْوَةً خَفِيَّةً)[6].
ويقول صلى الله عليه وسلم: (الشرك أخفى في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة، وأدناه أن تبغض على عدلٍ ، وأن تحبَّ على جورٍ)[7].

– المصاحبة بالمعروف وفي المعروف وللمعروف.. مبدأ ومقياس أساس يزن علاقات وتفاعلات الأسر والأقران والأوطان والبشرية جمعاء، ويحل تلك المعضلة المتعلقة بشأنهم جميعاً. وفي حياة المؤمن عقائد وقضايا ومبادئ ليست خاضعةً للمساومة. كما أنه استنادا إلى إيمانهم بأن البشرية المتحدة في أصل واحد.. المختلفة أجناسا وألوانا ولغاتاً، المتفرقة شعوبا وقبائل، الغاية من جعلكم هكذا ليست التنازع والتناحر، بل التعارف والتآلف: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13). فالتنوع يدعو إلى التعاون والتكامل وفق معيار: التقوى والعمل الصالح، وهما أعمال كسبية (وليست وراثية، عنصرية) يتسابق ويتصالح عليهما البشر.. خدمة لمجتمعاتهم وإنسانيتهم.

(وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ):
القدوة، والقيادة، والتواصل، و” الإنابة إلى الله تعالى”.. سبيل واضح مستقيم، لم ينقطع من لدن أبو البشر “آدم” عليه السلام، وحتى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومن سار على هديه، واتبع سبيله. فالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة وأمهات المؤمنين والصالحين والصالحات، والمصلحين والمصلحات، وسائر القدوات؛ وإظهار التأسي والفخر بهم، واحترامهم وتقديرهم يملؤ “الحاجة للقدوة”، ويسد “قابليات شديدة للاستهواء بنماذج سلبية”، ويحقق جدارة الانتماء، يقول الله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب:21). إنه لا بدّ من مرجعية وطريق صحيحة: (دينك، دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا)[8].

(يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ):
“محاسبة النفس” على الصغير والكبير، ومراقبة “الحسيب السميع البصير سبحانه وتعالى” {كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك} [9]. الشيء الذي ينبغي أن يُخاف منه هو أكل حقوق الآخرين، والطغيان عليهم. إن الخصائص التي خصَّ الله الإنسان بها خصائص حياديَّة يمكن أن تستخدم في الحق، ويمكن أن تستخدم في الباطل. فحينما يعلم المرء أن الله أعطاه هذه الحواس والقدرات والمهارات وسيحاسبه عليها فسيوظَّفها التوظيف الأمثل للحق وبالحق، ولتعمير الأكوان لا تدميرها. ثم “تقويم الآداء” وتفعيل المسؤولية والحقوق والواجبات الذاتية الفردية، والتي تتبلور جميعها وتتكامل لتشكل المسئولية المجتمعية. ثم لا ينفع الإنسان: القادة، المجتمعات البشرية غير الصدق. فكل شيء لا يخفى على الله تعالى.

– (يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ):
بعد أن انتهى من التوحيد انتقل للأعمال، وبدأ بأهمها إقامة الصلاة. فهي الوسيلة الأساسية لصيروة استكمال “الصلة، والتواصل، والتعرف” على الخالق سبحانه وتعالى، ثم تربية للنفس والمجتمع، ومن ثم إلزامهما بالصراط المستقيم، وأداء الحقوق والمواثيق جميعها. كما تجتمع في الصلاة كل العبادات من طهارة وزكاة (الزكاة مال، والوقت مال) وقيام وتفكر ودعاء، والمداومة على الصلاة من أكبر أسباب الرزق. وصلواتنا وعباداتنا (تغلب عليها العمل والصفة الجماعية، و”روح الفريق”)، وأعمارنا موقوتة بأوقاتها، في ذلك حسن “إدارة للأوقات”. لذا كانت التربية الخلقية والقيمية جوهر الإسلام وغايته: فعن مَالِك أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:”بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ”، وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ”[10].

– (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ):
أمر بكل خير وفضيلة، ونهي عن كل شر ورذيلة.. أمر بالمعروف، ونهي عن منكر، يسبقهما معرفة بالمعروف والمنكر و”فقههما”، ثم رقابة وحسبة واحتساب، ورفق بالمدعوين، و”نقد بناء”، ووقوف علي “ثغور” الصلاح والإصلاح، بلا خمول أو كسل أو سلبية أو تهاون أو تهويل، فكيف -إذن- يستشري الفساد والإفساد الفردي، والأسري، والمجتمعي، والوطني، والإقتصادي، والإنساني؟

– (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ):
الفضائل ثمار من الله سبحانه على قدر علو الهمة، والعزم والإرادة، والرأي والمشورة. ماأجملها وأقومها من قيم ومهارات، وأدب نفسي،  وسبل لتنمية بشرية إيمانية حقيقية.

يقول الشاعر:   إن كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة     فإن فساد الراي أن تترددا.

ويقول آخر:    إن كنت ذا رأي فكن ذا مشورة      فإن فساد الرأي أن تستبدا.

(وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ):
ثم الأدب مع الناس، فلا تمل وجهك عنهم تكبراً عليهم. قال القرطبي: أي لا تمل خدك للناس كبراً عليهم وإِعجاباً، وتحقيراً لهم، وهو قول ابن عباس. ولا تمش متبختراً متكبراً، وتوسَّط في مشيتك واعتدل فيها بين الإِسراع والبطء، واخفض من صوتك، فلا ترفعه عالياً فإِنه قبيح لا يجمل بالعاقل، تواضع وعدم خيلاء، ثقة وحسن هندام، تبسم وإعتدال، وطموح لمواجهة التحديات، وتحمل المسؤوليات، وحسن إدارة للأوقات وللنفقات، وبراعة إنصات، وبلاغة خطاب، بلا خجل ولا انطواء، ولا عصبية أو حدة طباع، ولا رد على السيئة بالسيئة.. أليست أنموذجاً رائعاً يُحتذي لما يسمى (مهارات واللسان والعين والأذن، و”لغة” الجسد Body language الخ). ومحاربة لسلوكيات وتصرفات وعادات سلبية (تخلية وتحلية).

– إنها “البيئة الإيمانية” التي تؤثر تأثيرا إيجابياً في التربية والتعليم والتدريب.. عقيدة وعبادة وسلوكا، فــ (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجّسانه)[11]. إن “المشاركة الفعالة” في تقوية الإيمان من خلال المصاحبه والاصطحاب لأداء الصلاة والفرائض الدينية، وتنمية “الوازع الديني والخلقي”، والتزام الصحبة الصالحة، ومد جسور التواصل مع أهل الخبرة والصلاح في المحيط الأسري وخارجه، وتكثيف جرعات الثقافة الإسلامية..
وتبقى أسس وفن الحياة قوامها: إشعار بأهمية حسن الخلق، وبالأمان، والحب، والعدل، والاستقلالية، والحزم.. أمان في المنزل، أمان على المستقبل، أمان من مخاوف تفكك الأسر. ويبقى أنه كلما زاد التعبير عن مشاعر الحب والمودة والاحترام زادت فرص التفاهم، والعدل، والنجاح والتوفيق.

– قد يتم فقدان كل شيئ في ثانيةٍ واحدة، فالبطولة ليس أن يعيش الأفراد والشعوب في الدنيا مرفوعي المَقَام، ولا كثيري المال؛ بل البطولة أن نلقى الله عزَّ وجل وهو راضٍ عنا. أن نعرفه في الدنيا كي نسعد بهذه المعرفة في الآخرة. ياله من أنموذج رائع “للتنمية البشرية” الحقيقية.. تنمية تُعمر الكوان وتُدخل الجنان.

يمكن التواصل مع الكاتب: أ.د. ناصر أحمد سنه على الإيميل التالي:

[email protected]

المراجع:

[1] من سنن الترمذي عن أبي سعيد رضي الله عنه.

[2] سنن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] النسائي عن عائشة رضي الله عنها.

[4] مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[5] من سنن ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[6] سنن ابن ماجة عن شداد بن أوس رضي الله عنه.

[7] تخريج أحاديث الإحياء.

[8] كنز العمال عن ابن عمر رضي الله عنه.

[9] رواه الشيخان من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[10] مسند الأمام أحمد، برقم:8595.

[11] في الصحيحين.


الوسوم:


مقالات ذات صلة