لماذا أنا إنسان مسلم؟

الدكتور ناصر أحمد محمد سنه  
الخميس/أغسطس/2021
   

لعقود من الزمن، بداية من فترة الشباب الباكر، استجمعت قواي العقلية والفكرية وطرائقي العلمية والبحثية المتاحة وقتئذ، للغوص في بحر من المناقشات العقلية الصريحة، والقراءات الفكرية العميقة. وكان أكبر درس لي هو أن أجثو علي ركبتي متأملاُ مشاهد فيزياء الكون، من مفردات تكوين الذرة (من أبسطها إلى أثقلها) إلي نجوم وكواكب المجرة. ولم أجد من يجادل ـ عقلياًـ في أن هذا الكون قد خـُلق مسبقاً قبل مجيء الإنسان إليه (مخلوقاً مثلها). فخلق السموات والأرض، وما فيهن ـ ليس “صدفة، أو وجدتا بنفسيهما، أو تجمعت علي هذا النحو أو من صنع الطبيعة”.

وما هذه الطبيعة التي “خلقت” كل هذا؟. إن كل هذه “الافتراضات” لا تصنع نظاماً دقيقاً متسقاً متوازناً مترابطا متكاملاً. وتؤكد أحدث نظريات الفيزياء: “الانفجار العظيم” أن الكون كان: “كتلة كثيفة واحدة ذات درجة حرارة عالية، وفي لحظة معينة (بإرادة خارجية) انفجر انفجاراً هائلاً وتشكل علي ما هو عليه”. وتبين أن المقادير الدقيقة للقوي الكونية الأربع الأساسية: الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والنووية القوية، والنووية الضعيفة قد تحددت بعد أقل من جزء من مليون من الثانية عقب حدوث هذا الانفجار. ولو حدث تغيرً طفيفً جدًا فيها لما وجد الكون كما نعرفه اليوم. وهذا الكون في تمدد واتساع مستمرين ويتجه نحو خفض درجة حرارته، حسب نظرية “الانكماش العظيم”. وثبت أن الكون لا يعرف أي تحوُّل مجاني عشوائي. وكل قوانين الفيزياء ثابتة على امتداد الكون حتى بات من الممكن حساب كل مسألة كونية بنفس القوانين. فأي أمر يحدث فيه له دور يؤديه في “سيمفونية” القوى الطبيعية الكونية.
وكنت أتتبع دورة الماء (سر الحياة)، وانقصي دورة استقلاب الكربوهيدرات والبروتينات والدهون في المخلوقات. ومرّ الشغف بعلم الكيمياء وتحضير مركبات معملية ثم الخروج لتأمل حديقة زاهرة مخملية.

وكم أخذتني الدهشة عند مشاهدة وتصنيف “مجهري” لما انشقت عنه الأرض من تعاريج الأوراق وبتلات الأزهار وتراكيب الحشرات وخصائص الطفيليات. كذلك بمدارسة علمي الأجنة والتشريح المقارن بين عديد المخلوقات وعيناتها المتحفية.

فتكوين الجنين يبدأ من التقاء نطفة مع بويضة، ثم تتكون خلية، فاثنتين، فأربع، فثمان، ثم ست عشرة الخ. ثم تتخصص مجموعة من الخلايا لتكوين عضو من الأعضاء حني يكتمل المخلوق.. كاملاً متميزاً في ذاته وشخصيته، وبصمات أصابعه ورائحته وعينيه وصوته، ثم شفرته الوراثية الخاصة والفريدة. وتتابعت الرحلة العلمية المعرفية المتراكمة نحو إيمان التعقل المكتسب القائم على البحث والموازنة والتأمل والمقارنة. فكثرت مداومة التبصر في كتاب الله المقروء وشواهده وإشاراته العلمية، مع التأمل والتفكر في آيات الآفاق والأنفس. فالكون كلام الله المنظور، ونواميسه حـُق علينا اكتشافها وتسخيرها وحتى الكتاب المقروء، القرآن، يتطلب “اجتهاداً بشرياً” لمحاولة فهمه وللجمع بين القراءتين: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (سورة العلق، الآيات:1-5).
دين مُقنع عقلياً وعلمياً
تركيب الهواء بالغ الدقة، ففيه أكسجين ولو زادت نسبته لاشتعلت الحرائق في الكون. وهو للإنسان والحيوان يتنفساه، مخرجين ثاني أكسيد الكربون، ومن ثم يقوم النبات بالبناء الضوئي وعملية “إرجاع وتركيب” لتكتمل دورة الحياة. وتوجد “زوجية تكاملية” في النبات والحيوان والطير والإنسان. وخلقت الكائنات الحية على قاعدة “الخلية”. وحدات متشابهة في التركيب، وكلٌ لها “ذاكرتها” وبها مادة صبغية ورائية في النواة تحمل صفات المخلوق “وبرمجته”، وتنقلها بالتزاوج والتكاثر من جيل لآخر. وكثيراً ما استوقفني علم وظائف الأعضاء (الفسيولوجي) وترابطها الوثيق. وفي جسم المخلوقات الحية نسق تخضع له أجهزتهما (الجهاز العصبي والمناعي والدوري والحركي والبولي ـ التناسلي والهضمي الخ). كذلك تتناسب كل مادة وعصارة هاضمة وهرمون وأنزيم ليعمل بطريقة محددة ودقيقة، وفي وقت (ساعة بيولوجية) وموضع مناسب ومهيأ تهيئة كاملة لوظيفته، ومختص لنوع أو أنواع معينة من النشاطات والسلوكيات والاستجابات والنتائج الخ.

كما أن النوم واليقظة نسقان مصغران للموت والحياة، ولغة الضحك والبكاء موحدة وواحدة بين كل البشر. إن الكون ليس محكوماً فقط بنسق البناء الواحد، بل الأنفس والعمران البشري كذلك. لذا استبعدت- بكل طمأنينة عقلية وفكرية- كل افتراض بأن: “الكون وجد من تلقاء نفسه أو أوجدته الصدفة أو الاحتمالية، أو قامت علي شؤونه الطبيعة، ولا شيء وراء هذا العالم، أو أنه يسير وحده ميكانيكاً، أو وجد دون قيومية إشراف أعلى. بل إنه تجليات “البناء الواحد” الدال علي الوحدانية. فالواحد لا يصدر إلا عن الواحد، ووحدة البناء تؤكد وحدانية الخالق. إذ لو استقل أحد المتعددين بالتصرف تعطلت صفات الآخرين، ولو اشتركوا تعطلت بعض صفات كل منهم، وتعطيل صفات الإلوهية يتنافي مع جلالها وعظمتها فلابد أن يكون الإله واحداً أحداً.
دين إنساني اجتماعي عالمي
وجدت في الإسلام وتعاليمه: الوضوح والتوازن والوسطية والشمولية والواقعية والإنسانية والمرونة والقابلية لاستصحاب مستجدات العصر. وشرائعه وشعائره “ذات نفع اجتماعي” كما تشبع حاجات الإنسان: الروحية، والمادية، والأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية، والعاطفية، والجمالية، والبيئية، والرياضية، والترفيهية. وشاهدت فيه ـ بثبات ومعصومية مصدرية: القرآن الكريم السنة النبوية ـ “المرجعية الإلهية” للقيم والأخلاق والمعاملات. وبذا تحل أزمات ثقافة المادة والشك والعدمية، و”السيولة” القيمية، و”النسبية” الأخلاقية، و”الواقعية” البراغماتية. وتأكدت فيها الكرامة الإنسانية التي تكسب البشرية هدايتها للمعروف، ونهيها عن المنكر، وتمتعها بالطيبات، واجتنابها الخبائث واضعة، عنها، أصرها والأغلال التي كانت عليها: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (سورة الأعراف:157).
وتبين حث الإسلام علي القول الحسن، والعمل الصالح المُصلح للحياة. وإنكاره على من يخالف قوله فعله، ولا يسلم الناس من لسانه ويده، فعن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) (رواه البخاري في صحيحه). ووجدته يفرض علي أن أسمو على مشاعري ومصالحي، فلا اجعل بغضي لقوم سبباً يمنع من العدل معهم وإعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم. فالإسلام خصم للظلم والعدوان والفساد والإفساد، وغايته “العدل” الذي هو اقرب للتقوي، غاية التدين الصحيح. فإن أصلنا الواحد ـ مع اختلاف الشعوب والقبائل والألوان واللغات ـ مدعاة للتعارف. فالتنوع سبيل التعاون والتكامل وفق معيار إنساني: التقوى والعمل الصالح، وهما “أعمال كسبية” يتسابق فيهما الناس.. مرضاة لربهم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (سورة الحجرات، الآية:13).
ولقد آمنت بالإسلام “ديناً عالمياً” لا ينحصر في بيئة خاصة ولا هو مقصور على جنس أو عصر بعينه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (سورة الأنبياء، الآية:107).

إنه “حقيقة إنسانية مطلقة” تسع التاريخ، والأزمنة، والأمكنة كلها. فالمسلم لا يكتمل إيمانه إلا بالإيمان بالأنبياء والرسل السابقين: (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (سورة البقرة، الآية:285).
كما أنه مرن في تشريعاته وآدابه العملية وقواعده العامة التي تترك المسلمين أحراراً في وضح القوانين الملائمة لأقطارهم وأزمانهم وفاقا للصالح العام والاجتهاد المقبول. وشعاره الرقي والتقدم، وعدم الحَجْرٍ على المعارف والحريات المنضبطة بأخلاقياته. ويحث علي العلم والتعقل والتدبر والتفكر والتجريب. فكثير من الملل تحصر المعرفة في المنقول عندها، أما هو فيقر وسائل معرفية: الوحي، والإلهام، والمعقول، والتجربة.
دين مقنع إيمانياً
لم أجد الإسلام “ديناً كهنوتياً غامضاً، له طلاسمه ورجاله العارفين أسراره”. إنه لا يقر أية واسطة بين الإنسان وربه،: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (سورة البقرة، الآية:186).

ويحترم الشخصية الإنسانية ويؤمن بترقيها إذا استجابت للإيمان والفطرة. فكل خصائصه موائمة لتلك الفطرة، ووضوحه جلي بادِ في عقائده، وشرائعه، وشعائره، وتعاليمه. فعقائده تتسم بالبساطة واليسر والوضوح، وتتخذ سبيلها إلى العقل والقلب معاً. عقيدة سهلة تتفق مع المنطق أساسها: الإقرار بإله واحد أبدع الوجود ودبر أمره على سنن حكيمة شاملة ومطردة. وتصوير “العظمة الإلهية” في الإسلام جمع بين الحقائق العلمية الثابتة والفلسفات النفسية والتربوية. فيرفض الإشراك بالله في كل صوره فذلك امتهان صارخ للعقل، وسقوطً بالإنسانية. وغالباُ ما تنسب الملل والنحل لمؤسسها أو لأقوامها، وتربط بين كرامة الإنسان وبين الانتماء الحصري لها. لكن الإسلام ـ كونه للبشرية جمعاء ـ ينسب لمبدأ مجرد عام وصفة لمن اسلم وجهه لله.
ولما تابعت بحث ما يكتبه غير المسلمين عن (الله)، و(الدين)، و(الرسل السابقين)، ومقارنة الرسائل التي يروجونها، وبين أخبار وتقارير وقصص القرآن، فوجدت سياق القرآن والسنة المشرفة أحكم وأدق وأعمق وأشمل. ومعجزة الإسلام: القرآن، معجزة بيانية موضوعية مجردة خالدة، نزلت علي شخص ليس بكاتب ولا قارئ ولا شاعر ولا ساحر لكنه أتى بنص معجز لا يجارى ولا يبارى من قومه المتميزين بالفصاحة والبيان. ولقد عرفت هذا الإله العظيم عن طريق النبي “محمد” صلي الله عليه وسلم. ودرست سيرته، فتجاوبت فطرتي مع رسالته، واستراح فكري وقلبي إلى دعوته. ولم لا.. فابلغ دليل عقلي تاريخي هو نهوضه، صلي الله عليه وسلم، بالعرب. شعب “جاهلي ضيق الأفق”، فبعث إليهم نبي “أمي”، كامل البشرية وغير متصف يتأله أو تكبر أو تجبر، فلم يمض قرن حتى وصلوا إلى مغرب الشمس ومشرقها. وزاد احترامي للإسلام معرفتي أنه خاتم منهج النبوات كلها. والحقيقة التي تضافر على إبلاغها آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وصار كل يوم يمر يزيدني حباً ـ عقلانياُـ له، واحتراماً لتعاليمه، وثقة في صلاحيته للعالمين، وجدارته للبقاء أبد الآبدين: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (سورة الأنعام، الآيات:161-163).
وبعد كل ما سبق، وغيرها كثير من التجارب والتأملات والشواهد والأدلة التي لا يتسع المقام لذكرها، يبقي السؤال: لماذا جاءت كلمة (إنسان) قبل كلمة (مسلم) في عنوان هذا المقال؟. ذلك لأن (الإنسان) آية من آيات الله، وهو مؤهل بعقل برهاني، وقبس روحي، وحرية اختيار، وهداية للسبيل الحق سبيل إسلام الوجه لله رب العالمين. كما إن الإنسانية والإسلام قرناء. ولذا فإننا نختار الإسلام نقلاً وتعقلاً، وقناعة متجاوزة التقليد والوراثة. وأننا لنعتز ونفاخر بأننا مسلمون نستوعب التلقي المتواتر ـ وإيماناُ قلبياًـ عن المبلغ عن ربه الرسول الأكرم محمد صلي الله عليه وسلم، مع اليقين العقلي عبر قراءة آيات الله تعالي الهاديات في الآفاق وفي الأنفس: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (سورة فصلت، الآية:53).
أ.د ناصر أحمد محمد سنه
كاتب وأكاديمي ومن باحثي موسوعة الأعجاز العلمي في القرآن والسنة
[email protected]




مقالات ذات صلة