شريعتنا الإسلامية رائدة الإحسان إلي الحيوان

 
الجمعة/فبراير/2022
   

في الخامس عشر من أكتوبر عام 1978م صدر عن “العصبة الدولية” بباريس “إعلان عالمي لحقوق الحيوان”، بمبادئه الأربعة عشر التي تنظم ـ كما يرون ـ “حقوق” الحيوان ، والتي من أجلها تنادوا ـ ومازالوا ـ يتنادون ليل نهار “آخذين” على “شرائع” غيرهم “قسوتهم علي الحيوان، وعدم تلبية حقوقه، وعدم الرفق به عند ذبحه الخ”، ساعين لـ” تقنين، وعولمة شريعتهم”، في حين أن لشريعة الإسلام الغراء قصب السبق في شأن الإحسان إلي الحيوان، ولها”فلسفة” رائدة لما عداها من الشرائع والتشريعات.
تمهيد
بداية ليس بمستغرب ـ في إطار إنشغال العقل المسلم بمواجهة تحديات جسام تفرض عليه استعادة وعيه وثقته بهويته، وموروثه التشريعي والحضاري الضخم ـ أن تتناول هذه السطور موضوع “الإحسان إلي الحيوان”، وبيئته، كجانب من جوانب التمايز “التشريعي” والسبق الحضاري. وبخاصة في ظل تنامي اتجاهات عالمية/عولمية تتمثل قضية “رعاية الحيوان، وحقوقه” موضوعا يستحق النظر فيه / الضغط من أجله علي الحكومات والمجتمعات والتشريعات.
إنها “علاقة سلوكية” تقوم على القيم والمبادئ
لاشك أن علاقة الإنسان ببيئته ومنها “إحسانه” إلي الحيوان “علاقة سلوكية” تقوم على القيم والمبادئ، وليس ثمة حضارة بلا قيم يتبناها الإنسان -المتحضر- في نظرته للكون والأحياء (1)، وتُـلزمه الوفاء بها نحو الحيوان ليكون نافعاً للإنسان كما قدّر الله تعالى:(صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون) النمل: 88. فمن رحمته ـ تعالى ـ أن سخَّر هذه الأنعام للإنسان ليمده ببعض أسباب الحضارة: (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون· ولكم فيها جمال حين تُريحون وحين تسرحون· وتحمل أثقالكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم· والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينه ويخلق مالا تعلمون) النحل: 5 ـ 8، ويقول تعالى:(وإن لكم في الأنعام لعبرة نُسقيكم مما في بطونه من بين فرثٍ ودمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين) النحل: 66·
ولا يغيب عن البال إنه من شأن الاتفاق على أهمية قضية ما أن يؤثر على مواقف الناس، ومن ثم على أفعالهم. ويمكن لمقارنات تشريعية حول “الإحسان” أو كما يسمونها “حقوق الحيوانات” أن يحقق أثراً فعلياً وممتداً يحقق ذلك الأمر لملايين الحيوانات حول العالم. “فنتعاون فيما اتفقنا عليه” دون مغالاة أو تطرف أو مزايدات.
لقد رأى المهتمون بهذا الأمر أن ما تتعرض له الحيوانات من “معاناة” قد بلغ حداً غير مسبوق: (فحوالي 60 ملياراً من الحيوانات تستخدم سنوياً لإنتاج اللحوم والألبان والبيض، ويتم تربية أغلبها في “أنظمة صناعية مكثفة وبهرمونات وكيماويات غير صحية”، لا يتم فيها تلبية احتياجاتها الخاصة بالحياة الكريمة. كما يوجد ما يزيد عن 600 مليون كلب على مستوى العالم، إلى جانب عدد مشابه من القطط، حوالي 80% منها تعيش كحيوانات ضالة أو غير مرغوب فيها. كما تتزايد بمعدل كبير التجارة غير الشرعية – وغالباً ما تكون غير إنسانية، قتلاً واصطيادا جائرا- في الحيوانات البرية لاستخلاص أعضاء أجسادها، وعاجها وجلودها وفرائها. إنها تجارة وسوق سوداء تبلغ مبيعاتها 10 مليار دولار سنوياً، ولا يتعداها في ذلك سوى تجارة الأسلحة والمخدرات. لذا فهناك “مبادئ ثلاثة” ينبغي مراعاتها: تناقص أعداد الحيوانات، وتحسين الأساليب التجريبية، واستبدال الحيوانات بأساليب أخري لا تعتمد على استغلالها”. كما يجب الأخذ بعين الاعتبار تأثر الحيوانات أيضاً بفعل الكوارث الطبيعية)(2).
لذا فإن الإعلان الدولي لحقوق الحيوان هو اتفاق بين الأمم سعي واضعوه لتحقيق هدف استراتيجي:”الاعتراف العالمي بأن الحيوانات كائنات تتمتع بالإحساس، وقادرة على الشعور بالألم والمعاناة، وينبغي احترام احتياجاتها، وتوفير (حياة كريمة) لها، ومعاملتها برفق، وإنهاء القسوة ضدها إلى الأبد”. فتحسين مستوى الحياة الكريمة للحيوانات يمكن أن يؤدي أيضاً إلى تحسين مستوى الحياة الكريمة لمن يعتمدون (ما يزيد عن مليار نسمة) على تلك الحيوانات لتوفير سبل العيش (توفير عائد مادي، والتحرر من الجوع، والعطش، وسوء التغذية، والمرض، والخوف والقلق والألم، وعدم الارتياح البدني والحراري الخ.)”. كما يعتمد الناس على رفقة الحيوانات أيضاً، وفي بعض الحالات، يتم اعتبارها جزءاً من العائلة.
بين يدي الإعلان العالمي لحقوق الحيوان
– يؤكد واضعو الإعلان أن العديد من الأمم لديها نظام “قانوني” لحماية الحيوانات سواء الأليفة منها أو البرية، لكن ينبغي السعي لضمان فعاليتها المستمرة، وتطوير ظروف أفضل وأشمل لرعاية الحيوان.
– ستكون رعاية الحيوانات هدفا مشتركا لجميع الأمم.
– أن مبادئ رعاية الحيوانات التي تطبقها كل “دول الإعلان” ستحظى بالتشجيع والاعتراف والتطبيق بموجب إجراءات محسنة على المستويين المحلى والدولي مما يحترم الاعتبارات الثقافية والاقتصادية كما يحترم التقاليد الدينية والثقافية.
– سيتم اتخاذ كافة الخطوات من جانب الأمم لمنع تعرض الحيوانات للقسوة وللحد من معاناتها.
– سيتم وضع وتطوير معايير مناسبة بشأن رعاية الحيوانات على سبيل المثال لا الحصر، المعايير التي تحكم استخدام وإدارة حيوانات المزارع، والحيوانات المرافقة، والحيوانات المستخدمة في البحث العلمي، والحيوانات التي تتعرض للجفاف، والحيوانات التي تعيش في ظروف الحياة البرية، والحيوانات المستخدمة للترفيه.
نصوص “الإعلان العالمي لحقوق الحيوان”
نص “الإعلان العالمي لحقوق الحيوان” (3) علي مايلي:
المادة 1- تولد جميع الحيوانات حرة، ولها نفس الحقوق في التمتع بالحياة.
المادة 2- لكل حيوان حق الاحترام. ولا يجوز للإنسان بصفته أحد الأنواع الحيوانية أن يبيد الحيوانات الآخري أو أن ينتهك الحق سالف الذكر باستغلال هذه الحيوانات، ومن واجبه أن يضع معارفه في خدمة الحيوانات. ولكل حيوان حق التمتع باهتمام ورعاية وحماية الإنسان.
المادة 3- لا يجوز أن يتعرض أي حيوان لمعاملة سيئة أو لأفعال وحشية. وحيثما يكون ضروريا قتل حيوان، يتعين الاضطلاع بذلك علي نحو فوري دون تعريضه للآلام والقلق الشديد.
المادة 4- لكل حيوان بري حقه في أن يعيش حرا فر أرضه الطبيعية، أو في بيئته الجوية أو المائية، وفي أن يتكاثر. وإن أي حرمان من الحرية، حتي لأغراض تربوية، يكون مخالفا لهذا الحق.
المادة 5- لكل حيوان من الأنواع التي تعيش غالبا مرتبطة بالإنسان الحق في أن يعيش وينمو بالمعدل حسب ظروف الحياة والحرية الخاصة بتلك الأنواع. وأي تغيير يحدثه الإنسان في هذا المعدل أو في هذه الظروف لغايات تجارية يكون مخالفا لهذا الحق.
المادة 6- لكل حيوان يختاره الإنسان رفيقا له الحق في أن يعيش قدر عمره الطبيعي. فالتخلي عن الحيوان فعل قاس ومهين.
المادة 7- لكل حيوان يؤدي عملا الحق في أن تحدد ساعات عمله وكثافته بشكل معقول، وفي تغذية تعوضه جهوده، وفي الحصول علي الراحة.
المادة 8- إن إجراء تجارب علي الحيوانات سواء كان لأغراض طبية أو علمية أو تجارية أو غيرها المقترن بمعاناة جسدية أو نفسية يتعارض مع حقوق الحيوانات. ويتعين استنباط وسائل فنية بديلة.
المادة 9- حينما تربي الحيوانات بإعتبارها موردا غذائيا فإنه ينبغي تغذيتها، وإيؤائها، ونقلها، وذبحها بدون إحداث أي قلق أو ألم لها.
المادة 10 – لا يجوز استخدام أي حيوان لتسلية البشر. إن عروض الحيوانات وأعمال الترفيه المتضمنة عروضا للحيوانات تتعارض مع كرامة الحيوان.
المادة 11- أي فعل يتضمن قتلا غير ضروري لحيوان من الحيوانات يعد جريمة ضد الحياة.
المادة12 – أي فعل يتضمن قتلا لعدد من الحيوانات البرية يعد إبادة جماعية، إي أنه جريمة ضد الأنواع. إن تلويث البيئة الطبيعية وتدميرها ينتج عنهما إبادة جماعية.
المادة 13- يتعين معاملة الحيوانات الميتة باحترام. وتحظر مشاهد العنف ضد الحيوانات في الأفلام السينمائية أو التلفازية ما لم يكن القصد منها التدليل علي تهديد لحقوق الحيوانات.
المادة 14- يتعين تمثيل منظمات حماية الحيوانات والمحافظة عليها علي مستوي الحكومات. ويكفل القانون الدفاع عن حقوق الحيوانات، مثلها مثل حقوق الإنسان.
لشريعة الإسلام قصب السبق في “الإحسان” إلي الحيوان
إن الحق ما فيه نفع يختص به جانب ويتوجب علي آخر، وهو عند القانونيين:”مصلحة مادية أو أدبية يحميها القانون”. والحق أعلى قيمة في سلم القيم الإسلامية، وهي علي ثلاثة أنواع: حق الله تعالي، وحق العبد، الحق المشترك، أي ما أجتمع فيه الحقان. و”حقوق الحيوان” تندرج تحت الحق المشترك بين الله تعالي والعبد. فحق الله تعالي بالنسبة لمخلوقاته من الحيوانات تتمثل في عدم إيذائها، أو القسوة عليها بل الرفق والرحمة بها، وحق العبد يتمثل في جملته في الانتفاع بالحيوان سواء كان مأكولا أو مركوبا أو غير ذلك(4). ولعل في هذه الجوانب من حقوق الحيوان من منظورها الإسلامي (المنطلق من الوحي المقدس، وتوسع فيها الفقه الإسلامي في أبواب وأحكام متعددة.. رعاية وزكاة وتزكية وصيدا وطهارة ونفقة الخ) ما قد يختلف عن المنظور التشريعي الغربي.
ولاشك أن “فكرة حقوق الإنسان/ الحيوان”، بتسميتها وفلسفتها ومضامينها المتداولة اليوم، هي غربية، بغض النظر عن التقائها وتقاطعها مع كثير من المبادئ والقيم الدينية، بل واستمدادها منها بشكل مباشر أو غير مباشر.
فأسس الاختلاف بين النظرية الإسلامية وبين الغربية تتلخص فيما يلي: المرجعية الإلهية والمرجعية الإنسانية، والعالمية المطلقة أو النسبية، عالمية تواجه عالمية لنصل إلى النسبية، والنظام العام المختلف بين الحضارتين.
إن أهم خلل تعاني منه حركة حقوق الإنسان/ الحيوان وثقافتهما، أنها ركزت على “الحقوق” وأهملت أصل هذه الحقوق ومناطها. فأصبحنا أمام “إنسان/ حيوان الحقوق”، وتضخيم البعد الفردي/ الطبيعي على البعد الجماعي. أما حركة حقوق الحيوان، والمرجعية الفكرية التي تؤطرها وتوجهها اليوم، فهي لا تكاد تلتفت إلى الأبعاد الروحية والربانية والدينية للشعوب المتنوعة، ولا ترى سوى مجموعة من الطلبات والرغبات والتطلعات التي تحقق احتياجاته المادية والجسدية ومحسناته السياسية والقانونية. وحقوقه نفسها تصبح خاضعـة للتطوير والتكييف المستمر بلا حدود ولا محددات.
شريعة الإسلام تضع “ضوابط” محددة وواضحة للحياة، وتربطها بالإيمان بالله تعالي.
شريعة الإسلام تضع “ضوابط” للحياة بكافة أشكالها وأطرافها، وتحددها بدقة ووضوح وتربطها كلها بالله تعالي” والإيمان به” مما يكفل لها التنفيذ والاحترام وعدم الانتهاك أو الاستهزاء/ كما لا تترك الأمر للأهواء والشهوات المتقلبة. هذه الضوابط يسميها الله تعالي”العقود” :”يا أيها الذين امنوا أوفوا بالعقود، أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلي عليكم…”(المائدة:1). وفاء بالعقود ثم بيان الحلال والحرام من الذبائح والمطاعم والمشارب والمناكح.. شرائع تعبدية، بناء علي عقود إيمانية.
كما إن شريعة الإسلام تولي هذه “الضوابط والحقوق” لكل نوع من الكائنات”، كما “الواجبات” الملقاة علي المكلفين أهمية كبري لأنها من “الأمانات” الواجب أدائها لأهلها.. أداء لحقوق الله عز وجل الآمر بها، مع تحمل مسئولية الإنسان عن ذلك.. مثوبة أو عقوبة من الله تعالي.
في الشريعة الإسلامية يُنظر إلى الأنعام على أنها مخلوقة كخلق الإنسان، بل هي أمم مخلوقة كأمم البشر خُلقت في توازن وانسجام: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أُمم أمثالكم، ما فرطنا في الكتاب من شيء، ثم إلى ربهم يُحشرون) الأنعام: 38. وحين يرد ذكر الأنعام في القرآن الكريم فإنما يرتفع بذلك شأنها وتعلو مكانتها، ومن ثمَّ حملت عدد من سور القرآن الكريم أسماء: البقرة والأنعام والنحل والنمل والعنكبوت والعاديات والفيل، ولقد ذُكر الكثير من الحيوانات والطيور والحشرات فربط بعضها بالإنسان بعامة وبكثير من الأنبياء والصالحين بخاصة، وكمضرب للأمثال، فهذه ناقة الله معجزة”صالح،” وحوت “يونس”، وغنم “داود”، والخيل والهدهد والنمل مع “سليمان،”وطير”إبراهيم” على الأنبياء جميعاً صلوات الله وسلامه، كما ذُكر الحمار كدليل على (البعث) مع الرجل الصالح وكمضرب مثل لمن لم ينتفع بعلم الله تعالى، والكلب مع أصحاب الكهف، ومتعلم للصيد، ومضرب للأمثال، والغراب “كمُعلم”لأبن آدم، كذلك تم ذكر الضفادع والنحل والعنكبوت.
كما أنه ما من نبي إلا ورعى الغنم فهي مهنة الأنبياء، ولقد نالت الإبل “الإبل عز لأهلها ، والغنم بركة” (5)، والخيل “الخيل معقود في نواصيها الخير إلي يوم القيامة”(6) رعايةً واهتماماً خاصاً في ظل الحضارة العربية الإسلامية: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُـلقت؟) الغاشية: 71، وهذا الربط يتغلغل في وجدان أفراد بناة الحضارة العربية الإسلامية ليوجه سلوكهم نحو الكائنات التي شرَّفها الله تعالى بهذا الذكر·· شكراً على نعمه، وتأملاً في خلقتها، وإحساناً إليها، وحفاظاً عليها، ورفقا بها، ومسئولية نحوها، واستثمارا ً لها في الأوجه المشروعة·
الشريعة الإسلامية تحض على العناية بالبيئة الزراعية توفيراً لمرعى صحي وآمن للحيوان
تحض الشريعة الإسلامية على العناية بالبيئة الزراعية توفيراً لمرعى صحي وآمن للحيوان: “من أحيا أرضاً ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العوافي (كل من طلب رزقاً من إنسان وحيوان وطائر) منها فهو له صدقة”(7)، ولقد أكد فقهاء الإسلام (الحنفية وغيرهم) على النهي عن أكل الحيوانات الجلالة والتي تأكل الروث والغائط اليابس فيتسرب إلى لحومها فيفسده، وذهبوا إلى حبسها ـ ثلاثة أيام على الأقل ـ تُعطى فيه علفاً طاهراً ليستقيم به لحمها وتؤكل بعدها(8). هذا في الوقت الذي نجد فيه صناع الأعلاف في الحضارة الغربية وبسبب ارتفاع أثمان البروتين المضاف إلى تسمين الماشية قد تحولوا لمصادر أقل كلفة “الأغنام المريضة المستبعدة والمخلفات الحيوانية من المجازر وغيرها”، ولتوافر نفقات الطاقة ـ أيضاً ـ عالجوا هذه الأعلاف المستجدة بأنظمة حرارية منخفضة على مدار عشر سنوات (1975 ـ 1985م) إلى أن ظهرت أول حالة من مرض جنون البقر((BSE عند الإنسان العام 1985م، ودلت الدراسات أن مرض جنون البقر مشابه لمرض يصيب الأغنام، هو مرض سكرابى (Scrapie)، فكان ـ بعد تحدي سنن الله تعالى بإطعام الماشية المجترة للأعشاب باللحوم ـ أن خسر الإقتصاد المحلي والدولي مليارات الدولارات، لإعدام الأبقار وتعويض المزارعين والعمال في “صناعتها”. لذا أصدرت بريطانيا في يوليو العام 1988م قانوناً يعلق استخدام الأعلاف المحتوية على بروتين حيواني (9)·
في ظل الحضارة الغربية تُحقن الأبقار بالهرمونات ويضاف إلى أعلافها مضادات حيوية لزيادة إنتاجها من الحليب و اللحوم: “ومئات المزارع في أوربا سوف تتوقف عن الإنتاج ـ مؤقتاً ـ لوصول 15.000 طن أعلاف فيها هرمون يصيب الإنسان بالعقم مع أنه مصرح باستخدامه بالولايات المتحدة الأميركية!!”(10)، كما يرى العلماء أن الإفراط في الاعتماد على التلقيح الاصطناعي “غير المراقب بدقة” لإكثار الأبقار المنتجة للحليب أسهم بشكل فاعل في انتشار مرض إيدز البقرBovine Immunodeficiency Virus في الولايات المتحدة الأميركية(11)، ففي مرض جنون البقر وايدز البقر والحمى القلاعية وحمى الوادي المتصدع، وأنفلونزا الطيور والخنازير وما أحدثته من وفيات بشرية وكوارث اقتصادية عالمية تصديقاً لقوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) الروم /41، وفيها: (رسائل إلهية لأمم لاهية)(12)·
حين تُحرّم شريعة الإسلام أنواعاُ من الأطعمة الحيوانية: (حُرمت عليكم الميتةُ والدم ولحم الخنزير··) المائدة: 3، ولقد أثبت خبراء الطب الحديث خطورة هذه الأطعمة على الصحة العامة لنقلها الكثير من الأمراض،، ومع ذلك مازال استهلاك (النقانق) المصنوعة من الدم وكذا لحم الخنزير وتربيته سارياً على قدم وساق ضمن منظومة الحضارة الاستهلاكية·
التشريع والفقه الإسلامي لم يقف عند حقوق الأكل والشرب للحيوان
ولم يقف التشريع والفقه الإسلامي عند حقوق الأكل والشرب للحيوان بل تعداها إلي أبعد من ذلك، بقول الإمام “العز بن عبد السلام” تحت عنوان:”حقوق البهائم والحيوان على الإنسان”:” وذلك أن ينفق عليها نفقة مثلها ولو زمنت أو مرضت بحيث لا ينتفع بها، وأن لا يحملها ما لا تطيق، ولا يجمع بينها وبين من يؤذيها من جنسها أو من غير جنسها بكسر أو نطح أو حرج، وأن يحسن مباركها وذبحها إذا ذبحها، ولا يمزق جلدها ولا يكسر عظمها حتى تبرد وتزول حياتها، وأن لا يذبـح أولادها بمرأى منها، وأن يفـردها ويحسن مباركها وأعطانها، وأن يجمع بين ذكورها وإناثها في إبان إتيانها (حق الجنس والتناسل) وأن لا يخذف صيدها ولا يرميه بما يكسر عظمه أو يرديه بما لا يحلل لحمه”(13).
و”في الإحسان إلى الدواب المملوكة”: وذلك بالقيام بعلفها أو رعيها بقدر ما تحتاج إليه، وبالرفق في تحميلها ومسيرها، فلا يكلفها من ذلك مالا تقدر عليه، وبأن لا يحلب من ألبانها إلا ما فضل عن أولادها، وأن يهنأ جرباها ويداوي مرضاها، وإن رأى من حمَّل الدابة أكثر مما تطيق فليأمره بالتخفيف عنها، فإن أبى فليطرحه بيده، (فـمن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده)، وعند السفر في الخصب تُعطي الإبل حظها من الأرض (تأكل من نبات الأرض)، وعند السفر في السِنة (الجدب) فبادروا بها نقيها (عجلوا السير والرجوع بها لتأكل). ويقول المعصوم صلي الله عليه وسلم:“لا تقصوا نواصي الخيل فإن فيها البركة، ولا تجزوا أعرافها فإنها أدفاؤها، ولا تقصوا أذنابها فإنها مذابها”(14).
وهناك في شريعة الإسلام نظام الحسبة والاحتساب علي الحيوانات ورقابة المحتسب(15) علي: قيام أصحاب البهائم بعلفها وسقيها والأنفاق عليها، منع تحميلها وهي واقفة لما فيه ضرر بها وتعذيب لها، وإعطائها راحة يوم وليلة، ولا تستعمل في طحن أكثر من ربع ويبة (الويبة المصرية = أربعون رطلاً)، وعلي الجزارين ألا يذبحوا بسكين كالة، وفي الرقابة علي البياطرة جاء:”علاج الحيوان أصعب حالا من أمراض الآدميين لأن الدواب ليس لها نطق تعبر به عما تجد من مرض وألمن وإنما يستدل عليها بالحس والنظر، فيحتاج البيطار إلي حسن بصيرة بعلل الدواب وعلاجها فلا يتعاطي البيطرة إلا من له معرفة وخبرة”، ويمنع المحتسب من خصي البهائم، ومن نطاح الكباش، ونقار الديكة (التحريش بين البهائم).
أمثلة إجمالية لكيفية إحسان الإنسان إلي الحيوان في الشريعة الإسلامية
يمكن إجمال أمثلة لكيفية إحسان الإنسان إلي الحيوان في الشريعة الإسلامية (16):
– وجوب رعايته وتغذيته وعلاجه. تروي كتب السيرة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مر على بستان لرجل من الأنصار فدخله فإذا جمل يئن وتذرف عيناه، فأتاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمسح عليه، فسكت الجمل ثم قال: “من رب هذا الجمل”، فجاء فتى من الأنصار فقال: هذا لي يا رسول الله، فقال له: “ألا تتق الله ـ عز وجل ـ في هذه البهيمة التي ملكك الله، إنك تجيعه وتُدئبه“(تتعبه وتجهده)، فخجل الفتى وتغير سلوكه نحو الجمل·
-عدم إيذائه أو تعذيبه بأي صورة كانت مثل: التحريش بين البهائم، قتله دون منفعة، جعله غرضا للرمي، حني لو كان من أجل تعلم الرمي، وحرمة أكل الذي جعل غرضا للرمي واعتباره ميتة..عقوبة لإيذائه وتعذيبه. كذلك حرمة التمثيل به سواء بعد الموت أو عن طريق الرمي به وتقطيع بعض أجزائه، إخصائه، وسمه وضربه علي الوجه، أو تكسير قوائمه. ولقد لعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً (الهدف يرمي إليه)(17)، في حين نجد مسابقات “مصارعة الثيران”، والتحريش بين الديكة، وغيرها قائمة علي قدم وساق. كما نجد المواطن الأميركي ولغرض الصيد ـ بل وللقضاء علي السكان الأصليين ـ يوشك على استنزاف الجاموس الأميركي (الثروة الحيوانية الرئيسة للهنود الحمر)، ونجده: “يدمر 100 ضعف ما يدمره المواطن الهندي من موارده الطبيعية”(18)، وفي كاليفورنيا أدى الإفراط في اصطياد ثعالب البحر ـ طمعا في فرائها إلى تكاثر القنافذ البحرية “التي كانت تتغذى عليها الثعالب”، ومن ثم دمرت القنافذ الشعاب المرجانية و الغابات العشبية وما يعيش عليها من أحياء· ولقد أجهضت الولايات المتحدة مؤتمر قمة الأرض في “ريو دى جينيرو” بموقفها المتشدد ضد الحفاظ على التنوع البيولوجي وذلك حفاظاً على مصالح شركاتها التكنولوجية وعمالقة صناعاتها الدوائية·
– عدم التقاط ضالة الإبل، والبقر.
– حرمة الفرقة بين الحيوان الأم وأولادها إذا كانوا صغاراً سواء بالبيع أو الذبح أو غيره. وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: كنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حُمرة (طائر كالعصفور) معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرةُ تعرش (تظلل بجناحيها على من تحتها) فجاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: “من فجع هذه بولدها؟ رُدوا ولدها إليها”، ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: “من حرق هذه”؟ قلنا نحن، قال:“لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار”(19). وهاهو الفاتح عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ نزلت حمامة بفسطاطه (خيمته) وجعلت عشاً في أعلاه وعندما أراد الرحيل رآها فلم يشأ أن يهيجها بتقويض الفسطاط، فتركه فكان من أثر ذلك أن تكاثر العمران من حوله ومن ثم كانت مدينة “الفسطاط”(20)·
– عدم تحميله فوق طاقته أو إرهاقه/ إيلامه في العمل، ولا يجوز الركوب علي ما لم يخلق لذلك كالبقر.
– عدم وضع حيوان مركوب مع آخر أقوي منه، كي لا يرهقه.
– تحريم لعنها أو سبها، بل الصبر عليها.
-كثيرا ما يستخدم مربو الحيوانات وسماً “علامة بوساطة الكي” للتعرف إلى حيواناتهم، لكن من رحمة الإسلام ألا تكون بالوجه فقد نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن وسم الحيوان في الوجه، فقد رأى ـ صلى الله عليه وسلم ـ حماراً موسوم الوجه فأنكر ذلك فقال: والله لا أسمه ألا أقصى شيء من الوجه” وأمر بحماره فكوى في جاعرتيه، فهو أول من كوى الجاعرتين (الوركين حول الدبر)(21)، كما مر ـ صلى الله عليه وسلم ـ ببعير قد لصق ظهره ببطنه، محمَّل فوق طاقته فقال: “اتقوا الله في هذه البهائم المعجمه فاركبوها صالحةً وكلوها صالحةًَ”(22)، كما حذر صلي الله عليه وسلم:” إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله أنما سخرها لكم لتبلغكم إلي بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض فعليها أقضوا حوائجكم” (23)، ونهي رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يركب ثلاثة علي دابة”(24). وهاهم صحابته وخلفاؤه وقد تمثلوا هديه، فالفاروق عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يرى نفسه مسئولا أمام الله تعالى عن تعثر بغلة بشاطئ الفرات: لمَ لم أسو لها الطريق، والخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ ينهى عن ركض الفرس إلا لحاجة ويكتب إلى صاحب السكك: “أن تحدد حمولة البعير بالا تزيد عن 600 رطل وقد كان يُحمل عليها 1000 رطل، ولا تحمِّل بلجام ثقيل، ولا تنخس بمقرعة في نهايتها حديدة”(25)·


ـ لقد عرفت الحضارة الإسلامية المحميات الطبيعية واضعةً التشريعات للحفاظ على البيئة الحيوانية، فكانت مكة والمدينة أول المحميات الطبيعية: (وحُّرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً) المائدة: 96، “أن هذا البلد ـ (مكة) ـ حرّمه الله لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط ُلقطته إلا لمن عرفها”(26)، فكان ذلك أنموذجاً للعناية بالبيئة الحيوانية في مختلف بقاع الأرض، بينما لم تعرف الحضارة الغربية هذه المحميات إلا العام 1864م، عندما أعلنت الحكومة الأميركية وادي “يوسميتى” محمية طبيعية(27)، ولمراقبة التعديات على غابات الأمازون ـ والتي تعادل مساحتها مساحة أوربا الغربية ـ تم في البرازيل العام 2002م تدشين مشروع بكلفة مليار دولار(28)·
ـ في العام 1886م صدر قانون عن الحكومة الأميركية يقضي بقتل الطيور الجارحة (الصقور والبوم) التي تفتك بصغارِ دجاج الفلاحين، وخلال عام ونصف العام قُضي على 125 ألف طائر جارح، فزادت عدد الفئران التي كانت (طعام هذه الطيور) وأضرت بالمحاصيل الزراعية ضرراً يفوق ما لحق بصغار الدجاج· لكن لضررها المحقق إذ (لا ضرر ولا ضرار) أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم بقتل خمسة من الدواب، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:” خمس من الدواب كلهن فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأر والكلب العقور”(29).
ـ نهى الإسلام عن تلويث المياه عموماً “من معروف أن ملوثات المياه كثيرة منها الكيماوي ومنها البكتيري ومنها الطبيعي”سواء بالتبول أو التبرز فيها، سواء أكانت راكدة أم جارية: “اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق والظل”(30)، كما نجد رحمة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تتبدى في: “لا يشوى السمك في النار وهو حي”(31)، أما في أميركا فيلقى بـ500 طن من الزئبق كل عام لتذهب للأسماك ولحومها، ويقدر ما يُلقى سنوياً في البحار والمحيطات بنحو 250 ألف طن من الرصاص الذي لا يقل سمية عن الزئبق و 1000طن من الكادميوم الذي يصيب نخاع العظام مسبباً فقر الدم، كما أُعلن في سويسرا العام 1989م أن جزءاً من أعالي “نهر الراين” قد اختفت فيه صور الأحياء بنسبه 90% وذلك بسبب التلوث بالسموم وبخاصة المبيدات الحشرية (32)، ومع ذلك ولمنع المكسيك من تصدير إنتاجها السمكي المنافس، تتذرع أميركا أن المكسيك تتبع أساليب من شأنها أن تهدد بقاء الدلفين!!: لكن محكمة منظمة التجارة العالمية حسمت الأمر لصالح المكسيك وأعطتها الحق في اتخاذ إجراءات انتقامية ضد الولايات المتحدة!!، كما أن ملف التنازع حول حق الصيد في المياه الإقليمية المغربية لم يغلق بين المغرب من جهة وأسبانيا والاتحاد الأوربي من جهة أخرى·
– وواجبات وتشريعات آية في الرفعة والسمو تتعلق بطريق الذبح وتزكيته: كعدم جره أو سحبه بقسوة أو شدة، بل أراحتها وتقديم الماء لها وتوجيهها نحو القبلة، وإحداد الشفرة قبل الذبح وليس أمامه، والشفرة حادة تنهر الدم، وإيضاح محل الذبح، والتسمية حال الذبح. في حين تتنادي أصوات شاذة في الغرب تأخذ على المسلمين “قسوتهم بذبح أنعام الأضاحي”، في حين لم نسمع لهؤلاء صوتا ًمؤثراً حين تقع الحروب الإستخرابية الإستنزافية العنصرية، والمجازر بشأن المسلمين في فلسطين والعراق والصومال والشيشان وكشمير والبوسنة وكسوفا الخ···
– الحضارة الإسلامية تقدر العمل مهما كان متواضعاً طالما صدر عن قيمها السامية، فسقي كلب كان سبباً في دخول فاعله الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “دنا رجل من بئر فنزل فشرب منها وعلى البئر كلب يلهث، فرحمه، فنزع إحدى خُفيه فسقاه، فشكر الله له، فأدخله الجنة”(33)، وفي رواية “أن بغيا سقت اكلبا فغفر لها”، “أسقها فإن في كل ذات كبد رطبة اجر”(34).

كما أن الافتقار إلى الرحمة بالهرة كان سبباً في دخول امرأة النار، فعنه ـ صلى الله عليه وسلم انه قال: “عُذبت امرأة في هرة: حبستها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها، إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض”(35)، فما الظن ـ إذن ـ بشريعة تربط بين العناية بالحيوان، سقاءً و إطعاماً، وبين مغفرة الله تعالى أو عذابه الدائم؟. بينما على الجانب الآخر نجد أن الطاعون الأسودBlack plaque الذي حصد نحواً من ربع إلى ثلث سكان أوروبا بدءاً من العام 1346م ‘ كان بسبب إبادة السكان ومجازرهم ـ المعنوية والماديةـ بشان القطط: “أنها لم تذكر أبدا في الإنجيل، كما أنها رمز للشيطان والشر والسحر والهرطقة (المتبادلة بين الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية)، وهي قادمة من الشرق، والكنيسة تكره كل ما جاء من الشرق···الخ”، وكان عند إعدام مجرمة ـ في فرنسا ـ أن تحرق معها 14 قطة!!، ومن ثم اختل التوازن الطبيعي، فتزايدت الفئران زيادة رهيبة حاملة البراغيث التي تنقل هذا المرض الفتاك(36)· في حين قال الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم:” لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها كلها، فاقتلوا منا الأسود البهيم”(37).
ـ منذ قرون عديدة عرفت الحضارة الإسلامية “جماعات الرفق بالحيوان” في دمشق الشام ومصر والمغرب وغيرها قبل ظهورها في القرن التاسع عشر في بريطانيا. ويقال أن “مرجة” دمشق التي كانت متنزه أهل الحاضرة كانت “وقفاً علي الخيل التي تعبت من الجهاد وهرمت”. كذلك أوقف السلطان” قيتباي” “حوض الدواب” في صحراء المماليك لتشرب منه الدواب أثناء سيرها في هذه الأماكن، وتستريح في اسطبلات، وتعالج في العيادة الملحقة بالحوض. وكانت الوقفية تنص علي أن ” يحصل أرباب الوظائف من البيطريين والمسئولين عن إطعام الحيوانات ورعايتها علي رواتب من ريع أراضي زراعية موقوفة علي ذلك”. كذلك كان ما عرف “بوقف الحيوانات الضالة” حيث رصد بعض الراغبين في مثوبة الله تعالى بعض أموالهم وقفاً لهذا الأمر، وبدأ ينفق من ريعها على إطعام الكلاب التي ليس لها صاحب استنقاذا لها من الجوع حتى تستريح بالموت أو الاقتناء (38)، بينما القوة الغربية المهيمنة (حضارياً) و التي تحدد “الأفكار الحاكمة” محلياً وعالمياًَ تخترع الشعارات “مثل جماعات الدفاع عن حقوق الحيوان”، وتروج وتغالي وتزايد في ذلك الأمر دونما سند من واقع يؤيد ذلك·
جدل مشتعل..”حقوق الحيوان فأين حقوق الإنسان؟”(39).
– شاشة السينما تعرض لمدى الدلال والاهتمام الذي تنعم به الحيوانات الأليفة في كنف مربيها في الغرب، في حين ينعم الخدم بالإذلال والإهمال من مستخدميهم. ألم يصدم “العالم المتحضر” بصورة الرجل الأبيض في جنوب إفريقيا، وهو يجلس كلبه في المقعد الأمامي لسيارته راميا خلفه خادمه الأسود؟.
– ألم يبلغ حسد المهاجرين للحيوانات، لحصولهم على “الإقامة” والدفء والمسكن والمأكل؟، في حين تبقى ظلمة الأزقة مسكن هؤلاء المشردين، والمزابل مطعمهم.
– تنامي الأخبار عن مراكز التجميل المتكاثرة في إنحاء العالم من أجل زبنائها من الكلاب، وشيوع “مسابقات جمال الكلاب”.
-ألم يأت خبر هؤلاء الغربيين الذين يوصون بكل ميراثهم لكلابهم الأثيرة؟، وهؤلاء الذين ينفصلون عن زوجاتهم فيرفعون “دعوي لحضانة الكلب”. ألم نسمع بمحاكمات، للمساس بكرامة حيوان، وحق رعايته؟.
– ألم يطلع الإعلام بخبر الكثير من النسوة، اللواتي أردن التعويض عن حرمانهن من الإنجاب، بتربية أعداد من القطط بدلا من “كفالة أطفال أيتام”؟. ألا يتم تذكر المرأة وغيرها كثير، التي رمت بابنها بالتبني مع القطط والكلاب، يأكل أكلهم ويشرب مثلهم ويضطجع مضجعهم؟.
– ألم يسارع الإعلام في نقل أخبار جمعيات مثل “حمير.. وبخير” التي أسسها شباب جعلوا الدفاع
عن الحمار هدفهم، وأكرموه بارتداء ملابس تحمل صوره؟.
– ألم تثر ثائرة الممثلة الفرنسية “بريجيت باردو” من أجل “حقوق الحيوان”، وأنشأت له مؤسسة لحمايته
ولم تفوت فرصة إلا هاجمت المسلمين، ووصفتهم “بالوحوش لأنهم يذبحون الأضاحي”؟. ولم تكلف نفسها عبء التنديد بمن يذبح كل يوم إخوتها من بني ادم. أم إن “بريجيت” تناست ما فعله أبناء جلدتها في الجزائريين، عندما صدقوا أن فرنسا “بلد الحريات”، وموطن “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”. إن هؤلاء لا يعلمون أن شريعة الإسلام ترفق بالحيوان في جميع أحواله (المتسقة مع وظيفته المشروعة) وحين تذكيته: “إن الله كتب عليكم الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته” (40). والتزكية -كما هو متفق عليه عند اللغويين والمفسرين- هي تزكية ذات وجهين هما التطهير والتنمية.
– يبقي تذكر أن تكريم الله للإنسان “خليفة الله في أرضه” وتمييزه له عن باقي مخلوقاته بالعقل وتسخيره الكون لخدمته، نراه يسعي في الكثير من البلدان لـنيل “حقوقه الحقيقية العادلة”. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948م، قد تحدث بتفصيل وإسهاب عن حقوق الإنسان، لكن الشُقة بادية كل لحظة بينه وبين الواقع العالمي المعيش. فعندما يُقتل حيوان ما فإن كل جمعيات البيئة وجمعيات حقوق الحيوان تستنفر كل مراكزها في العالم وتدين بشدة مرتكبي هذه الجريمة. لكن عندما يحدث القتل والتدمير والتشريد للآلاف من العرب والمسلمين لا نكاد نسمع صوت جمعيات حقوق الإنسان إلا همسا وبات السؤال: حقوق الحيوان فأين حقوق الإنسان؟.
خلاصة القول
في ضوء الخصوصيات الدينية والتشريعية والثقافية والاجتماعية بين المجتمعات البشرية، حين يُجيل المرء النظرَ في حضارة الإسلام وتوجيهاته بشان التعامل مع الحيوان وبيئته يجدها تُبنى على قيم الرفق والرحمة: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء: 107،: “من لا يرحم لا يُرحم” (41)، والإحسان، وحسن الانتفاع ـ بما سخَّره الله تعالى ـ من هذه المخلوقات في تناغم وانسجام وتوازن:(إنّا كل شيء خلقناه بقدر) القمر: 49، بينما تقوم شريعة الحضارة الغربية ـ وهي “تغالي في إظاهر حبها” للحيوانات، وتجعلها تشاركها طعامها ومنازلها وغرف نومهاـ على مبادئ “قهر الطبيعة” واستغلالها واستنزاف مواردها وصولاً لتحقيق أقصى عوائد مادية: “إن أخلاق الإنسانية ـ إذا ما أصبحت جماعة واحدة لن تكون إلا أخلاقاَ ضد الطبيعة، تلك العدوة الأبدية التي يجب علينا أن نقهرها إذا كنا لا نريد أن نصبح حطاما تحت أقدامها”(42). يقول “روجيه جارودى”:”إن ما نسميه اليوم علماً لم يعد تلك الحكمة والمعرفة اللتان يتحدد بهما مجموع علاقاتنا بالطبيعة وبالمجتمع وبما يعلو على ذلك من كائنات، إنه في الواقع أنموذج حضارة، إنه ليس العلم، و إنما “العلم الغربي”: العلم الذي يستهدف تحويل الطبيعة بقصد تملكها، والذي يعمل محركاً للنمو من خلال المعالجة الفكرية والتقنية للأشياء والأشخاص”(43)·
إن حضارتنا ـ وإن ضعف أبناؤها حيناً عن النهوض بتبعاتها، وتطبيق تشريعاتها في كافة المجالات ـ تظل بمبادئها وقيمها، راسخة صالحة لضبط الحقوق/ الواجبات، وكبح جماح التنمية وترشدها بما لا ينعكس سلباً على البيئة، وهي قادرة على رأب الصدع الخطير بين ثنائي التنمية والمحافظة على البيئة وبخاصة الحيوانية منها. كما تضع الضوابط الرشيدة المتوازنة لما يسمي (الحرية الطبيعية /الحق الطبيعي للإنسان والحيوان). إن هذه الحضارة بحاجة إلى بسط وتطبيق قيمها ليتسنى تقديمها (للآخر) الحضاري إنقاذاً للبشرية وبديلاً عن التصادم الحضاري ولتقود العالم نحو العمران لا نحو الخسران(44)، أما حضارتهم وإن علا زبدها حيناً من الدهر: (فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، كذلك يضرب الله الأمثال) الرعد/17·

يمكن التواصل مع المؤلف أ.د./ ناصر أحمد سنه على الإيميل التالي:
[email protected]

الهوامش والمراجع
1- أنظر: د· حسين مؤنس، “الحضارة”، سلسة عالم المعرفة، العدد:237، جمادى الأولى 1419هـ، الكويت. وانظر أيضاً مقال لكاتب السطور بعنوان:”حضارتـنا وحضارتهم العناية بالبيئة الحيوانية أنموذجاً”، مجلة الوعي الإسلامي: العدد:455، رجب 1424هـ،أغسطس ـ سبتمبر 2003م، ص 41-45، الكويت.
2- يرجي مراجعة المواقع ذات الصلة بموضوع “حقوق الحيوان” عي الشبكة الدولية للمعلومات.
3- مواد الإعلان مذكورة في د. جون ب ديكنسون:” العلم والمشتغلون بالبحث العلمي”، سلسلة عالم المعرفة، العدد: 112، ابريل 1987م، الكويت. كذلك د. اشرف صبحي:”الإسلام وإعلان حقوق الحيوان”، ضمن أوراق مؤتمر “رعاية وتنمية الثرة الحيوانية في الحضارة الإسلامية والنظم المعاصرة”، بجامعة الأزهر، مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، في الفترة من 28فبراير- 1 مارس 2004م.
4- للمزيد راجع أوراق مؤتمر “رعاية وتنمية الثرة الحيوانية في الحضارة الإسلامية والنظم المعاصرة”، بجامعة الأزهر، مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، في الفترة من 28فبراير- 1 مارس 2004م.
5- متفق عليه.
6- متفق عليه.
7- مسند الأمام أحمد 3/043·
8-الموسوعة الفقهية ـ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ـ قسم الأطعمة صـ64، وأنظر: “منار الإسلام” العدد: 5 السنة: 28 جمادى الأولى 1423هـ، صـ12 ـ 17، الإمارات العربية المتحدة·
9- أنظر أبقار وأغنام: العدد: 10، 1997م، دار النشر الزراعي للشرق الأوسط، لبنان، صـ36 ـ 83·
10- خبر بثته هيئة الإذاعة البريطانية في إحدى نشراتها الإخبارية يوم 16/7/2002 م·
11- أبقار وأغنام: العدد: 10 1997م، دار النشر الزراعي للشرق الأوسط، لبنان، صـ42 ـ 44·
12- “منار الإسلام”، العدد: 5، جمادى الأولى 1423هـ، ص18 ـ 22، الإمارات العربية المتحدة·
13- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، القاهرة المكتبة التجارية الكبرى، ج 1، ص 141.
14- رواه أبو داود في سننه، مكتبة عيسي الحلب، ج1، ص 451.
15- يراجع: “معالم القربة في أحكام الحسبة” لابن القرشي.
16- للمزيد راجع أوراق مؤتمر “رعاية وتنمية الثرة الحيوانية في الحضارة الإسلامية والنظم المعاصرة”، بجامعة الأزهر، مرجع سابق.
17- متفق عليه· وللمزيد من الأحكام الفقهية حول صيد الحيوان، وإجراء المسابقات عليه، والتحريش بينها، فضلا عن التشريعات الأخرى المتعلقة بالحيوان يرجي مراجعتها من مظانها في المصادر الفقهية.
18- عودة الوفاق بين الإنسان والطبيعة: د·جان مارى بليت، سلسة عالم المعرفة، العدد/189، ربيع الأول 1415هـ، الكويت·
19- رواه أبو داود بإسناد صحيح.
20- د··يوسف القرضاوى: “الإيمان والحياة” مكتبة وهبة، ط7 / 1401هـ، صـ247 ـ 249، القاهرة.
21- رواه مسلم·
22- رواه أبو داود·
23- رواه أبو داود في سننه.
24- رواه الطبراني.
25- انظر: الايمان والحياة، المرجع السابق·
26- رواه البخاري برقم (1587)، ومسلم برقم (1353)·
27- الإسلام والبيئة: عبد العظيم أحمد عبد العظيم، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية 1999م ص 36·
28- في خبر بثته هيئة الإذاعة البريطانية في إحدى نشراتها الإخبارية يوم 25/7/2002 م·
29- رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
30- سنن أبي داود،ج1، ص 6، ط· مصطفى الحلبي·
31- رواه أحمد·
32- الإنسان والبيئة، المرجع السابق·
33- رواه الشيخان وابن حبان ومالك وأبو داود·
34- ابن حبان وابن ماجة والبيهقي.
35- أخرجه البخاري تحت رقم 3482، ومسلم تحت رقم 2242.
36- جان شارل سورنيا: تاريخ الطب، ترجمة د·إبراهيم البجلاتى، سلسلة عالم المعرفة، العدد: 281، صفر 1423هـ، الكويت·وانظرPugnetti, G·, (1983): MacDonald Encyclopedia for cats· MacDonald & Co· London & Sydney·
37- رواه احمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي عن عبد الله بن مغفل.
38- الإيمان والحياة، مرجع سابق·
39- خواطر في مدونات علي الشبكة الدولية للمعلومات.
40- سنن الترمذى ـ كتاب الديات ـ باب ما جاء في النهي عن المثلة ح/9231· وللمزيد من أحكام وآداب الذبح في الشريعة الإسلامية، مقارنة بغيرها من طرق الذبح، يرجي مراجعتها في مصادرها الفقهية والعلمية.
41-متفق عليه·
42- المشكلة الأخلاقية والفلاسفة لاندريه كريسون، ترجمة الإمام د·عبد الحليم محمود، و أبو بكر ذكرى، دار الشعب، القاهرة 1399هـ ـ 1979م، صـ 803·
43- عودة الوفاق بين الإنسان والطبيعة، مرجع سابق.
44-بتصرف من مقال لكاتب السطور بعنوان:”حضارتـنا وحضارتهم العناية بالبيئة الحيوانية أنموذجاً”، مجلة الوعي الإسلامي، مرجع سابق..


الوسوم:


مقالات ذات صلة