ثمار حرث النساء

 
الأثنين/يونيو/2021
   

   وأنت تتلو سورة البقرة هل استوقفتك الآية الكريمة: “نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ…” (البقرة:223)؟!. وهل خطر ببالك لماذا وردت كلمة: “نِسَاؤُكُمْ”، وليس “أرحامكم”؟. حيث أن رحم الزوجة هو الأرض الخصبة، ومحل الحرث، ووضع البذر “ماء الزوج” بغية إنبات الثمر (الذرية). فهل توجد ثمار يانعة أخري تتجاوز رحم الزوجة ـ ربما جعل هذا الرحم عقيماُ لا يثمر طفلاُ ـ إلي عموم نفسية الزوجة، وجسدها؟، وهل إذا فات إحداهن رزق الإنجاب، فإنها تجني ثماراُ أخري؟.

    ويتكون السائل المنوي من حيامن (حيوانات منوية) تشكل نحو 10% من النطفة وتحمل شيفرة جينات الزوج، وسوائل وعناصر أهمها: بلازما منوية (وسط يُبقى الحيامن حية ميسورة الحركة)، وسكر فركتوز (طاقة للنطف)، وأحماض أمينيه (نسبة البروتينات 1/20 من  كتلة ماء الرجل)، وحمض ستريك، وكالسيوم، وصوديوم، وزنك، وبوتاسيوم، ومغنيسيوم، وأنزيمات، وفيتامين “ب12″، وبروستاجلاندين الخ. ولأن مهبل الزوجة وإفرازاته حامضية القاعدة، فكان السائل المنوي محلولاُ قلوياً لحماية الحيامن. كما يحتوي على مضادات الالتهاب كى لا تتعرض الحيامن للهجوم عندما تدخل جسم المرأة. وهذا السائل ليس فقط مجرّد وسيلة لحماية وحمل الحيوانات المنويّة، بل قد يؤثر أيضاً على تحفيز عملية الإباضة لدي الزوجة، وعلي عدد البويضات التي يتمّ إنتاجها لديها. ويتراوح الحجم الطبيعي لدفقة ماء الرجل ما بين 2-5 مل. ودورياُ.. يتعرّض جسد الزوجة لكمية لا بأس بها من مني الزوج.

   ولقد أجمعت دراسات قام بها كلا من د. “سارة روبرتسون”  (جامعة “اديليد”/ استراليا)، د. “ستيوارت برودي” (جامعة غرب اسكتلندا)، د. “تراسي” (رئيس فريق بحثي بجامعة “انجليا الشمالية”/ المملكة المتحدة) أن محتويات السائل المنوي لها إشارات (Seminal signaling) تساعد علي إطلاق هرمونات “الأوكسيتوسين” (يسبب الشعور بالهدوء والمحبة)،  و”البروجستيرون” (يقلل من الشعور بالقلق والتوتر)، و”السيروتونين” (يساعد في تحسين الحالة المزاجية)، و”الميلاتونين” (يحدث استرخاءً ونوماُ صحياُ). مما له تأثير قوي في زيادة الشعور بالاسترخاء والنوم الصحي، والهدوء النفسي، والمحبة عند الزوجة وإلي زيادة قوة ارتباطها بزوجها.

   ومن المعلوم أن مجال تمتع الزوج بزوجته فسيح، وعلى أي وجه من الأوجه، شريطة أن يتم الإتيان في محل الحرث والإنبات. فقد أكدت دراسة نشرتها (عام 2015) “جمعية علم الأحياء الجزئية” في “فيينا” بأن ماء الزوج- عند امتصاصه من الفرج ـ يعمل كمضاد للاكتئاب عند النساء. ذلك لأن بروتينات السائل المنوي تمر سريعاُ إلي مجري الدم فتصل إلي الدماغ وتؤثر مباشرة علي الحالة المزاجية. كما يعمل علي خفض مستوي هرمون “الكورتيزول”، مما يساعد في تقليل الشعور بالتوتر وخفض مستوي ضغط الدم. ووفقًا لدراسة أجريت على (293) سيدة في جامعة نيويورك، ثبت أن تعرض رحم المرأة للسائل المنوي يمكن أن يقلل من أعراض الاكتئاب لديها. وقارنت الدراسة بين النساء اللواتي مارسن العلاقة الحميمة في وجود “واق ذكري”، وبين اللواتي مارسنها بدونه، ووجد أن اللواتي تعرضن لماء الرجل تحسنت حالتهن المزاجية وظهرت عليهن أعراض اكتئاب أقل.

    وفي خلاصة يشير كلا من د. “جريج أدامز” في جامعة “ساسكاتشوان”، ود. “لورا بيرمان” أستاذ الطب النفسي في كلية فاينيبيرغ/ جامعة “نورث ويسترن”: “أن مكونات النطف تعمل بمثابة إشارة هرمونية لمخ الزوجة تساعد في إفرازاتها الهرمونية التي تسفر عن مزاج هادئ لدي النسوة”. كما تسهم محتوياتها في زيادة الأجسام المضادة لدي السيدات مما يزيد من قدرة أجسامهن علي مقاومة الأمراض. ويساعد علي تقليل الشعور بالألم مثل ألم الظهر، والصداع. حيث ذكرت د. “سيندي ميستون” الاختصاصية في علم النفس الفسيولوجي الجنسي (جامعة تسكاس أوستن): تبين من دراسة أجريت في جامعة جنوب “إلينوي” أن إطلاق الإندورفينات الجسمانية عقب العلاقات الحميمة مع الأزواج يساعد ـ بفاعليةـ في تخفيف ألم الصداع النصفي لدي نصف النسوة  محل الدراسة.

  ومن المعلوم أنّ الاحتقان والضغط داخل رحم المرأة يزداد بشكل أكبر عند دخول النطفة، ليساعد الحيامن على التحرك في بوتيرة أسرع، للوصول إلى البويضة وتلقيحهاّ. كما ينصح أطباء بالمني كـ “طلق طبيعي” مقارنة بالطلق الصناعي المستخدم عند الولادة. وعلي جانب آخر.. تسهم مكونات السائل المنوي (وبخاصة بروستاجلاندين) في تقليل تقلصات الرحم وقت حدوث الدورة الشهرية، مع زيادة كفاءة طرد إفرازاتها الشهرية بسرعة أكبر. وربطت دراسات بمركز “هاتشنسون لابحاث السرطان” بين ماء الرجل وانخفاض خطر الإصابة بسرطان الثدي وتعزيز الصحة العامة للنساء. ونظرًا لما يحتويه من مضادات الأكسدة مثل الجلوتاثيون بيروكسيديز وفيتامين ج والبيروفات وكارنيتين، وحمض اليوريك، وعناصر مثل: الزنك، وتعزيزه من إفراز هرمون الأستروجين مما قد يسهم في مكافحة “الإجهاد ألتأكسدي” زيادة نضارة البشرة والشعر والأسنان. وذلك وفق دراسة لمستشفي “رويال” ادنبره/ اسكتلندا. وإن كان هذا الأمر يحتاج لمزيد من الدراسات المعمقة.

“بصمة” المني، و”ذاكرة” الرحم

   ينشد الشاعر فيقول:

    إنما الأرحام أرضون لنا محترثات      فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات

  وقد شبهت النساء بالأرض التي تحرث لأن كليهما يمد الوجود الإنساني بأسباب بقائه، فالزوجة تمده الوجود بعناصر تكوينه من الذرية، والأرض تمده بأسباب حياته من الأطعمة والفاكهة. وقد تبين علمياً تمايز السائل المنوي من رجل إلى آخر، مما يسمي “بصمة ماء الرجل” كسائر البصمات الآخري. فلكلّ زوج “شيفرة خاصة” لسائله المنوي (يحمل جيناته وصفاته). وهو يرسل ذلكم السائل/ الرسالة “كخاتم” إلي جسد زوجته. كما تبين أن للمرأة (وعاء الحمل) خلايا مناعية متخصصة لها “ذاكرة وراثية” تختزن الشيفرة الوراثية للجسم الدخيل الأول. وتبقي هذه الخلايا مدة 120 يومًا. وإذا تغيرت أي أجسام دخيلة للمرأة مثل “السائل المنوي” قبل هذه المدة وحدثت علاقة زواج وأدت إلي حمل، فإن الجنين سيحمل جزءًا من الصفات الوراثية للجسم الدخيل الأول والجسم الدخيل الثاني وتختلط الأنساب. كما قد يحدث لها خلل في جهازها المناعي ويتسبب في تعرضها للأورام السرطانية. وهذا يفسر علميًا زيادة نسبة الإصابة بأورام الرحم والثدي للسيدات متعددات العلاقة الجنسية. ولعل في ذلك تعليلاُ لاقتصار زواج المرأة من رجلٍ واحدٍ (دون التعدّد في حقها) لتأثر جسدها وتناغمه وتشوشه إذا كان مع أكثر من رجل في الوقت عينه.

    كما يوجد فارق بين عدّة المطلّقة: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قرُوءٍ..) (البقرة:228) فأول حيض للمطلقة يزيل ما بين 32% – 35%, وتزيل الحيض الثانية ما بين 67% – 72%. أما الحيض الثالثة فتزيل ما تبقي من بصمة الرجل. وعندها يكون الرحم قد استعد لاستقبال شيفرة جديدة (بصمة زوج جديد). وأما عدة الأرملة: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا…) (البقرة:234) فهي تحتاج وقتاً أطول من المطلّقة لنسيان تلكم “الشيفرة” الّتي خلفها زوجها الراحل، وذلك لحالتها النفسيّة التي تثبت البصمة لديها بشكل أقوى، وارتباطها أكثر بحرث زوجها. والخلاصة:  لعل فيما ورد سابقاُ ما يشي بدقة اختيار اللفظ القرآني: “نِسَاؤُكُمْ”، وليس “أرحامكم”؟. فقد أفادت الدراسات بأن بدن الزوجة كله يتأثر بمحل الحرث ووضع البذر. وثمة ثمار يانعة أخري تتجاوز رحمها إلي عموم نفسيتها، وجسدها.

 

أ.د ناصر أحمد محمد سنه

كاتب وأكاديمي ومن باحثي موسوعة الأعجاز العلمي في القرآن والسنة

[email protected]

 




مقالات ذات صلة