الحل في الحفيظ العليم والقوي الأمين

 
الثلاثاء/ديسمبر/2019
   

عندما طلب سيدنا يوسف عليه السلام من الملك ان يجعله على خزائن الأرض قدم سيدنا يوسف مؤهلاته الصالحة للوظيفة ” قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ” (يوسف 55)، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسير ذلك ( أي حفيظ للذي اتولاه فلا يضيع منه شئ في غير محله، وضابط للداخل والخارج، عليم بكيفية التدبير والاعطاء والمنع والصرف في جميع أنواع التصرفات وليس ذلك حرصا من يوسف على الولاية وإنما رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاية والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه، فلذلك طلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض وولاها إياه ) انتهى، فهذه الوظيفة تحتاج الى الحفيظ الذي يحفظ الغذاء من التبديد، ومن التسيب والمحسوبية، والوقوع في يد المحتكرين وهو قادر على القيام بهذه الوظيفة في أمانة عالية ويشرف عليها بنفسه لأخلاقه وإخلاصه، وهو عليم بكيفية حفظ المحاصيل في سنابلها، وكيفية وضعها في الحصن او المكمور، وعليم بما يفسدها ويصلحها، وعليم بأعراض الإصابة بالكائنات الحية الدقيقة والسوس وغير ذلك من المفسدات، وهذه الوظيفة تحتاج إلى الأخلاق والعلم، فصاحب الخلق من دون علم لا يصلح، وصاحب العلم بلا خلق لا يصلح، وفوق كل ذلك فقد كان على علاقة طيبة مع الملك ووضع خبرته تحت تصرف الملك وقال له الملك “إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ “(يوسف 54).

أي متمكن أمين على الأسرار، أي انه محل ثقة (من أهل الثقة) وفي الوقت نفسه من أهل الخبرة، وأهل الثقة من دون خبرة وعلم يفسد أكثر مما يصلح، وأهل الخبرة من دون الأمانة والثقة أيضا لا يصلح. إذاً علينا البحث عن أهل الخبرة الثقة، وأهل الثقة الخبير، وهذا الصنف من الناس متوافر ولكن البعض منهم يعزف عن تقديم نفسه وهذا خطأ، فقد قدم سيدنا يوسف نفسه للملك، وكسب ثقته وبين له خبرته.

وعندما رشحت ابنة الرجل الصالح في مدين سيدنا موسى عليه السلام عرضت على والدها مؤهلاته الصالحة للعمل في الرعي والحراسة والسقي، والصالحة للعيش معها ومع اختها وأبيها في أمان فقالت: ” قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ” (القصص26).

فالأمين غير القوي لا يستطيع القيام بمهام هذه الوظيفة المحتاجة إلى القوي، والقوي غير الأمين لا يصلح للعيش وسط هذه الأسرة المؤمنة الملتزمة بدينها، وهذا معيار آخر يؤكد أهمية أهل الخبرة والمؤهلات وأهل الأخلاق والثقة. وقد اختارت السيدة خديجة رضي الله عنها الزواج من المصطفى صلى الله عليه وسلم لأمانته وصدقه ومقدرته على الحفاظ عليها، وعلى أموالها وتجارتها، فهو أهل ثقة لديها، وهو أهل خبرة سبق أن اختبرته عندما ذهب للتجارة في بضاعتها، وهو أمين صاحب حسب ونسب.

فعلينا إن أردنا إصلاحا لشئون حياتنا أن نختار أهل الخبرة صاحب الخلق وأهل الثقة صاحب الخبرة، وهذا ما تفتقده معظم الدول العربية التي ساد فيها أهل الثقة غير الأمناء من أنصاف المتعلمين وتوارى فيها أهل الخبرة، وهذا يبين خطورة الوثوق على أسرارنا مع الخبراء الأجانب أصحاب الخبرة، أصحاب المصلحة، منعدمي الأخلاق والدين .

وإذا أردنا إصلاح التعليم فعلينا أن نولي أهل الثقة من أهل الخبرة في مجال التعليم واذا أردنا إصلاح الاقتصاد فعلينا ان نولي أهل الخبرة في الاقتصاد والمشهود لهم بالاخلاق الحميدة، وقد بين ذو القرنين هذا الأمر فقال: (قال ما مكني فيه ربي خير) قال الشيخ عبدالرحمن بن السعدي رحمه الله في تفسير ذلك: فلم يكن ذو القرنين ذا طمع ولا رغبة في الدنيا ولا تاركا لإصلاح أحوال الرعية، بل قصده الإصلاح، فلذلك أجاب طلبهم (في بناء السد) لما فيه من المصلحة وشكر ربه على تمكينه واقتداره، فقال لهم (ما مكني فيه ربي خير) أي مما تبذلون لي وتعطونني، وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم (اجعل بينكم وبينهم ردما) أي مانعا من عبورهم عليكم ) انتهى.

هم طلبوا منه سدا، وهو بخبرته جعل لهم ردما، والردم أقوى وأقدر من السد على مجابهة الهزات الأرضية وعوامل التعرية وغيرها، وجعل الردم من الحديد والطين المحروق، ثم بعد ذلك غطاه بطبقة من النحاس ليحول دون تآكل الحديد بالعوامل الجوية، فهذا رجل عليم خبير أمين قال الله تعالى عنه : ” إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً{84} فَأَتْبَعَ سَبَباً{85} ” (الكهف) فهو متبع للأسباب الإلهية في الخلق ومتبع للعلم النافع الذي علمه الله تعالى له.

وهذا الصنف العليم الخبير التقي لا يقبل الرشوة ولا العمولات المسماة هذه الأيام بالهدايا فإذا أردنا إصلاحا لأحوالنا فعلينا بالتمكين العلمي الأخلاقي لأبنائنا، وبناء جسور الثقة والمحبة بين العلماء وأهل الخبرة والمتنفذين وأهل السياسة لنكون كما قال الملك لسيدنا يوسف “إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ “(يوسف 54)، وهذه دعوة قرآنية لمد جسور الثقة والإخلاص بين الخبراء والسياسيين حتى تستقر الأمور وتقل الفتن ويتفرغ كل لعمله واتقانه في ثقة وأمانة. إذاً الحل الأمثل لمشاكلنا : التربوية، والعلمية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية وغيرها تكمن في اختيار الحفيظ العليم والقوي الأمين والمتبع لنواميس الله في الخلق (فأتبع سببا)، إذا فعلنا ذلك وطبقناه في حياتنا فسيقل الاهمال في الأعمال، والهدر في الأموال، والتخبط في المشاريع، والفساد في التنفيذ، والتسيب في العمل، واستغلال المال العام للمصالح الشخصية، وأتقن كل منا عمله، ولم يتكلم إلا فيما يفهم، ولم يعلم إلا ما يتقن، لحظتها سنحقق المعجزة التربوية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية التي حققها عمر بن عبد العزيز وجده الفاروق (رضي الله عنهما) عندما اختار البنت الأمينة ليزوجها لعاصم ابنه جد عمر بن عبد العزيز حيث اختار له الزوجة الصالحة الأمينة التي أبت أن تغش اللبن وعندما قالت لها امها إن عمر لا يرى قالت البنت ولكن رب عمر يرى. هذا درس لشبابنا ومتنفذينا علينا دراسته .

الدكتور نظمي خليل أبو العطا موسى

http://www.nazme.net


الوسوم:


مقالات ذات صلة