ولا الظل ولا الحرور

ولا الظل ولا الحرور

 

الدكتور نظمي خليل أبو العطا

أستاذ النبات في جامعة عين الشمس سابقاً

مدير مركز ابن النفيس للخدمات الفنية في البحرين حالياً

 

 القرآن الكريم كتاب الله المعجز لا تشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا 🙁 قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًاعَجَبًا {1} يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا)[1].

نبهنا الله سبحانه وتعالى فيه أن الأشياء المتباينة لا تستوي ، فالأعمى والبصير لا يستويان وما تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور كذلك لا يستوي الأحياء ولا الأموات.
قال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ {19} وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ {20} وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ {21} وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ)
[2].

قال المفسرون : الظل : هو الفيء وجمعه ظلال وظلول وأظلام ومثاله ظل الشجر.

الحرور : شدة الحر ليلاً كالسموم.

تقرر الآيات القرآنية أنه لا يستوي الأعمى والبصير وهذا معلوم لنا جميعاً ولا الظلمات ولا النور وقد سبق لنا في موضوع سابق أن كتبنا عن الظلمات والنور واختلاف الليل والنهار وأهميتها في عملية الإزهار.

 صورة لنوع من أنواع الصبار  يعيش في شمال شرق المكسيك

 

وفي السطور القليلة القادمة سوف نعيش بإذن الله مع اختلاف الظل والحرور وتأثيرها على عالم النبات لنتبين الجانب العلمي في عدم تساوي الظل والحرور.
في البداية نقول : لقد وردت كلمة الظل في القرآن الكريم ست مرات ، أما كلمات ظلاً وظلها وظلالاً وظلاله ، وظلالهم وظله وظل وظليل وظللنا فقد وردت ثمانية عشرة مرة.

 

أما كلمة (الحر) فقد وردت في القرآن الكريم مرتين ، وكل من كلمتي حراً والحرور وردت مرة واحدة.

وعندما نرجع إلى عالم النبات لنتبين كيف لا يستوي الظل والحرور فإننا نجد أن علماء النبات يعولون كثيراً على اختلاف صفات الظل عن صفات الحرور في عالم النبات ومن أهمية ذلك فقد قسموا النباتات على أساس اختلاف عاملي الظل والحر إلى قسمين كبيرين هما نباتات الظل ونباتات البيئة الحارة والمسمات بنباتات الجفاف ، وبالدراسة العلمية نجد فعلاً أنه لا يستوي نباتات الظل مع نبات الحر.

فنباتات الظل قد وهبها الله سبحانه وتعالى خصائص حيوية تجعلها تتلائم مع الضوء الخافت القليل والرياح القليلة والانخفاض النسبي لدرجة الحرارة بالمقارنة بالبيئة الحارة المكشوفة، أما نباتات البيئة الحارة فتتعرض للضوء الساطع والحرارة العالية والرياح الدائمة والسريعة .

وقد انعكست الصفات الفيزيائية واليميائية والجيولوجية والمناخية والحيوية المختلفة لكل من البيئة الظلية ، والبيئة الحارة على الشكل الظاهري والتركيب الداخلي ووظائف الأعضاء وأيض (Metabolism)النبات وهذا ما سنتطرق إليه في السطور القليلة القادمة بإذن الله .

الظل والحرور والشكل الظاهري والتشريح الداخلي للنبات :

 

 نوع من أنواع الصبار له أشواك حادة

لقد خلق الله سبحانه وتعالى نباتات الحر بحيث تتلائم مع الحرارة العالية ، وفقد الماء والجفاف والتهدل مع ندرة الماء عادة في البيئة الخارجية ، والضوء الساطع كما يلي :

تستجيب النباتات الأرضية والمائية استجابة موجبة إلى الضوء ومع ذلك فللكثير من تلك النباتات شدة إضاءة تتجنب ما يزيد عليها ، فالهائمات النباتية (النباتات حرة الحركة في الماء Phytoplankton) تصعد إلى الطبقات العليا في الصباح الباكر عندما تقل شدة الضوء أو يظلل بيئتها ما يحول دون وصول الكمية الكافية من الضوء إليها ، أما إذا زادت شدة الضوء عن الحد المطلوب فإن تلك النباتات تغوص إلى مسافات بعيدة داخل الماء لتظلل نفسها وتحميها من الزيادة في شدة الضوء.

أما النباتات الأرضية والتي لا تستطيع التحرك حركة نشيطة سريعة ، لأنها مثبتة في التربة ، فإن الله سبحانه وتعالى أعطى تلك النباتات من الخلقة ما يجعلها تتكيف مع زيادة الضوء وقلته، فنجد أن بعض النباتات مزودة بشعيرات أو بثور من الماء تعكس الضوء الزائد ، وبذلك يحمي النبات من الهلاك كما في نبات الثلج.

كما أن بعض الخلايا الداخلية للورقة قد استطالت بطريقة عمادية على باقي أنسجة الورقة الداخلية ، وذلك لتحمي الأنسجة الداخلية للورقة من شدة الإضاءة وكذلك لتحمي عضيات البناء الضوئي (البلاستيدات الخضراء ) مع وجود حركة دائرية للسيتوبلازم وبذلك تتحرك البلاستيدات فلا تبقى الواحدة منها معرضة لنفس كمية الإضاءة والشدة لمدة طويلة فلا تتلف بسبب شدة الضوء ومدته ،كما أن الله سبحانه وتعالى وهب لتلك النباتات بلاستيدات ملونة أخرى مهمتها حماية البلاستيدات الخضراء من الضوء الساطع .

 

 صورة لبعض الهائمات في المحيط ألتقطت بالأقمار الصناعية

بعض النباتات مثل الكافور ( Eucalyptus rostoratus)والدفلة (Nerium Olender)تتعرض أوراقها إلى الضوء وانعكاساته على الأرض من الناحيتين العليا والسفلى لذلك فقد خلق الله سبحانه وتعالى لتلك الأوراق أنسجة عمادية في السطح العلوي والسطح السفلي للورقة.

أوراق نباتات البيئة الحارة عامة جلدية ، تحتوي كمية أكبر من خلايا التدعيم المدعمة مغلظة الجدر ، وبها أيضاً ألياف لتدعيم هذه  الخلايا تمنع فقد الماء بالحر الشديد وتدعمها فلا تتهدل بالحرارة العالية ، كما أن تلك الخلايا تعمل كحاجز جزئي ضد الضوء الشديد والحرارة العالية.

 

 صورة لنبات الكافور

المعلوم أن الثغور هي الفتحات الموجودة في الورقة والتي يتصل الوسط الخارجي من خلالها مباشرة بالوسط الداخلي للورقة ، فمنه يخرج ويدخل الهواء للورقة ويخرج الماء منها بظاهرة النتح ، ولتأثر النبات بالحرارة العالية نجد أن سطح الأوراق السفلى (منطقة الثغور عادة ) للنباتات التي تعيش في المناطق الحارة تغطيها طبقة كثيفة من الشعيرات التي تمنع فقد الماء بالحرارة العالية والرياح الشديدة وتكون الشعيرات أيضاً مناطق محبوسة الهواء فوق البشرة فتعمل كمنطقة عازلة لسطح الورقة عن الوسط الخارجي الحار الجاف المهلك للنبات ، وبدون تلك الحماية التي وهبها الخالق سبحانه وتعال لتلك النباتات من غير طلب منها أو حول وعلم لها ، فإنها تهلك وتموت بالحرارة العالية وفقد الماء من الثغور.

تلتف أوراق بعض نباتات البيئة الحارة كما يلف الورق على بكرة الصيدلية أو المحالات التجارية (دائرياً) التفافاً تاماً تحت ظروف الحر الشديد والجفاف القاتل فتحمي الثغور بعيداً عن الحر الخارجي كما هو الحال في نبات قصب الرمال .

خلق الله سبحانه وتعالى لنباتات المناطق الحارة ثغوراً غائرة في مستوى منخفض عن باقي خلايا البشرة ، وتكون الخلايا المحيطة بالثغور غرفاً متصلة بالثغور من خلال فتحات ضيقة والثغر محمي بطبقة غليظة شمعية من مادة الكيوتين ، ومحاط بشعيرات وبذلك يحمي من فقد الماء بالحرارة العالية والجفاف الشديد.

حيث أن الأوراق وما عليها من ثغور هي أهم أعضاء فقد الماء في النبات وتأثره بالجو الحار الجاف الخارجي ، فقد خلق العليم الخبير معظم نباتات المناطق الحارة بأوراق صغيرة مختزلة السطح وقد تختفي تلك الأوراق تماماً في النبات اليافع أو تبقى على هيئة حراشيف ، وبغياب الأوراق أو اختزالها فقد وهب الله سبحانه وتعالى الساق القدرة على القيام بأهم وظيفة للأوراق وهي عملية تكوين الغذاء بالبناء الضوئي وزوده سبحانه تلك السيقان بالبلاستيدات الخضراء التي تقوم بعملية البناء الضوئي.
لقد وهب الخالق سبحانه وتعالى العليم الحكيم الخبير معظم نباتات البيئة الحارة أوراقاً لحمية عصيرية بداخلها مواد مخاطية محبة للماء وممسكة به فلا يفقد منها بسهولة ، وجدر خلايا تلك الأوراق والسيقان مدعمة بطريقة تحميها من الحرارة العالية .

وعلى النقيض مما سبق فإن لنباتات الظل خصائص عامة تتلائم مع البيئة الظليلة وما تميزت به من ظل ، وقلة ضوء وانخفاض في درجة الحرارة ووفرة للماء وتزاحم للنباتات وهذا ما يثبت الاختلاف العلمي بين الظل والحرارة كما يلي :

الخلايا العمادية في نباتات الظل ضعيفة التكوين أو معدومة ويتضح هذا التدبير الإلهي في تراكيب كثيرة من أوراق نباتات الظل .

خلق الله سبحانه وتعالى نباتات الظل بأوراق عريضة مفلطحة قد يصل قطر الورقة إلى نصف متر في بعض الأحيان وتصل الورقة مع تفلطحها فإنها واسعة الثغور بحيث يسهل خروج المياه وتبادل الغازات بين الوسط الداخلي والخارجي للورقة.

البلاستيدات الخضراء في نباتات الظل كبيرة مكدسة على السطح العلوي للورقة لاقتناص أقل كمية من الضوء في البيئة الظليلة .

خلايا التدعيم وطبقات الكيوتين قليلة في أوراق وسيقان نباتات الظل
الثغور في نباتات الظل سطحية والشعيرات الحامية لها قليلة أوغير موجودة .

فهل يشك عاقل بعد هذا في صدق قول ربنا سبحانه وتعالى في آياته حيث قال سبحانه : ( وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور.

التواصل مع المؤلف  :

موبايل 0097339622238

هـ 0097317334685

[email protected]


[1]  سورة الجن

[2]  سورة فاطر

مصدر الصور : http://en.wikipedia.org/wiki/Main_Page


الوسوم:


مقالات ذات صلة