وفي أنفسـكم أفــلا تبصــرون الجلــد

 
الثلاثاء/ديسمبر/2019
   

الدكتور منصور أبوشريعة العبادي

رسم يوضح مقطع عرضي من الجلد البشري

 إن من ينظر إلى الجلد نظرة سطحية قد يظن أنه مجرد غلاف من اللحم يغطي ما تحته من أعضاء الجسم مثله كمثل الأغلفة التي يستخدمها البشر اليوم لتغليف مختلف أنواع الأجهزة والمعدات التي يصنعونها. ولو أن أمر تصنيع جسم الإنسان وغيره من أجسام الكائنات الحية قد ترك للصدفة كما يعتقد الجاحدون لكان حال تصميم الجلد على أقصى تقدير كالحال الذي يظنه عليه من ينظر إليه هذه النظرة السطحية. بل إني أعتقد اعتقادا جازما لا شك فيه أنه لو وكل الأمر إلى علماء البشر ليقوموا بتصميم جلد الإنسان شريطة أن لا يكونوا قد اطلعوا مسبقا على تركيبه لكان تصميمهم أقرب للتصميم الذي ذكرناه آنفا. إن جلد الإنسان قد تم تصميمه بحيث يقوم بوظائف متعددة يجهلها أكثر الناس وقد لا تخطر حتى على بال علماء الأحياء الذين تمكنوا بعد دراسات كثيرة من كشف هذه الوظائف والآليات التي تستخدمها مكونات الجلد للقيام بهذه الوظائف.

 إن من أهم وظائف الجلد هو استخدامه كحاسة لللمس وهي أكثر الحواس الخمس تعقيداﹰ وأكثرها أهمية فالجسم يمكن أن يعمل بلا ضرر يذكر في غياب حواس السمع والبصر والشم والذوق. ولكن في غياب حاسة اللمس فإن الجسم قد يتعرض إلى ضرر كبير قد يؤدي به إلى الهلاك وذلك بسبب عدم تكيفه مع الجو المحيط به. ويستخدم الإنسان هذه الحاسة للتعرف على درجة حرارة الجو المحيط بجسمه لكي يتخذ التدابير اللازمة لحماية جسمه من الحرارة الزائدة أو البرودة الزائدة وكذلك التعرف على الأشياء التي تلامس أو تضغط على جسمه والتعرف كذلك على خصائص الأجسام المختلفة كالصلابة والليونة والخشونة والنعومة والطراوة واليبوسة وخاصة من خلال خلايا الحس الموجودة في أصابع اليد. وسيوقن القارئ بعد التعرف على تركيب الجلد وعلى الآليات التي يستخدمها للقيام بوظائفه المختلفة على أكمل وجه أن هذا الجلد لا يمكن أن يصمم إلا من قبل صانع لا حدود لعلمه وقدرته وهو القائل سبحانه وتعالى “وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)” الذاريات.
إن من يريد أن يصمم جهازا ما عليه أولا أن يحدد الوظائف التي يقوم بها هذا الجهاز ومن ثم يقوم بتصميم المكونات التي تقوم بهذه الوظائف على الوجه المطلوب. وجدير بالذكر أن المهندسين يبذلون جهودا مضاعفة عندما يطلب منهم تصميم الأجهزة التي تقوم بأكثر من وظيفة وذلك لتضارب متطلبات كل وظيفة من هذه الوظائف. وسنسرد أولا الوظائف التي على الجلد أن يقوم بها لضمان عمل بقية أعضاء جسم الإنسان ككل ومن ثم نشرح مكونات الجلد والآليات التي تستخدمها للقيام بهذه الوظائف. إن الوظيفة الأولى للجلد هي حماية ما تحته من أعضاء الجسم المختلفة من المؤثرات المختلفة الموجودة في الجو المحيط بالجسم. وهذه المؤثرات إما على هيئة أجسام كبيرة تصطدم بجسم الإنسان أو أجسام بالغة الصغر كذرات الغبار والدخان وبخار الماء والمركبات الكيمائية والميكروبات بمختلف أنواعها وإما على هيئة موجات كهرومغناطيسية كالحرارة والأشعة الضوئية وغير الضوئية وخاصة الضارة منها.

 وأما الوظيفة الثانية فهي حفظ أعضاء الجسم غير المثبتة من الاندلاق خارج الجسم كالمعدة والأمعاء ومن تقليل مدى حركة الأعضاء المعلقة كالقلب والرئتين والكبد وغيرها. أما الوظيفة الثالثة فهي العمل بالتعاون مع الدماغ على حفظ درجة حرارة الجسم ككل عند درجة ثابتة وهي 37 درجة مئوية.

 أما الوظيفة الرابعة فهي منع تسرب الماء من الجسم والذي يشكل الماء منه أكثر من سبعين في المائة. أما الوظيفة الخامسة فهي الإحساس بكل ما يلامس الجسم من المؤثرات الخارجية التي ذكرناها آنفا. وأما الوظيفة السادسة فهي إضفاء الجمال على شكل الجسم وذلك من خلال إخفاء أعضاء الجسم الداخلية ومن خلال إنبات الشعر في مناطق محددة من الجسم. أما الوظيفة السابعة فهي التخلص من بعض فضلات الجسم والأملاح من خلال العرق مما يخفف العبء عن الكلى. أما الوظيفة الثامنة فهي تصنيع فيتامين- دال الضروري لنمو العظام وذلك من خلال الاستفادة من الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس. أما الوظيفة التاسعة فهي تخزين الشحوم والماء الزائدة عن حاجة الجسم وذلك لكي يستفيد منها الجسم في الحالات الطارئة. أما الوظيفة العاشرة فهي تحديد اللون الخارجي للجسم من خلال أصباغ الميلانين الموجودة فيه.
والجلد في الإنسان عبارة عن غلاف لحمي يحيط بكامل الجسم وتتراوح مساحة سطحه في الإنسان البالغ بين متر ونصف مربع ومترين مربعين وبمتوسط 1.8 متر مربع وذلك تبعا لحجم الجسم. أما سماكة الجلد فهي متغيرة حسب مكانه من الجسم وتتراوح بين نصف ملليمتر لجلد الجفون وصيوان الأذن وخمسة ملليمترات لجلد أخمص القدم وراحة اليد. أما وزن الجلد فيصل إلى ما يقرب من عشرة بالمائة من وزن الجسم أي ما بين خمسة وعشرة كيلوجرامات. ويتكون الجسم من ثلاث طبقات رئيسية وهي الطبقة الخارجية والتي تسمى البشرة (epidermis) والطبقة الوسطى وتسمى الأدمة (dermis) والطبقة الداخلية والمسماة ما تحت الأدمة (hypodermis). ويبلغ متوسط سمك البشرة 0.2 ملليمتر بينما يبلغ متوسط سمك الأدمة ملليمترين أي عشرة أضعاف سمك البشرة وأما سمك ما تحت الأدمة فيعتمد على كمية الدهون المخزنة في الجلد والتي تتفاوت تفاوتا كبيرا بين الأشخاص وذلك حسب طبيعة أجسامهم.
تقوم طبقة البشرة بوظائف متعددة أهمها الأولى والرابعة وهما حماية الجسم من المؤثرات الخارجية ومنع نسرب الماء منه وقد تم ذلك بطريقة بالغة الإتقان لا يمكن أن تخطر على بال بشر. فمن المعروف أن الخلايا الحية لا يمكن أن تعيش إلا في وسط مائي يمدها بالغذاء ويخلصها من مخلفات الأيض الذي يحدث فيها وعلى هذا فإنه من غير الممكن أن تكون الخلايا التي تقع على سطح الجسم حية. وكان الحل العجيب لهذه المشكلة من خلال تصنيع طبقة تحتوي على خلايا حية خاصة وهي خلايا الكيراتين والتي تحتوي على كميات كبيرة من بروتين الكيراتين وتغذى هذه الخلايا من خلال غشائها الملاصق لخلايا طبقة الأدمة. وعندما تنقسم كل خلية من هذه الخلايا إلى خليتين تبقى أحدهما ملاصقة للأدمة لتتغذى منها بينما تندفع الأخرى إلى الخارج مكونة طبقة تتغذى بشكل جزئي من الخلايا التي أسفلها مما يؤدي إلى موتها التدريجي كلما ابتعدت عن طبقة الخلايا الحية التي تقع أسفلها. وأثناء الموت التدريجي لهذه الخلايا فإنها تستطيل بشكل مستعرض موازيا لسطح الجلد لتظهر على شكل حراشف أو قشور متراصة ومتداخلة تغطي ما تحتها من الخلايا وتقوم بحمايتها من المؤثرات الخارجية وتمنع دخول المواد السائلة والغازية إلى الداخل أو إلى الخارج. وقد وجد العلماء أن طبقة البشرة تتكون من خمسة طبقات فرعية أولها من الأسفل الطبقة القاعدية أو النامية (stratum basale) وهي طبقة بسمك خلية واحدة فقط وهي التي تنتج الخلايا للطبقات التي تليها. أما الطبقة التالية فهي الطبقة الحرشفية (stratum spinosum) وفيها تبدأ عملية موت الخلايا التدريجي أو ما يسمى بعملية التقشر أو التقرن وهي قادرة على الانقسام ولكنها تنتج خلايا ضعيفة صغيرة الحجم. ومن ثم الطبقة الحبيبية (stratum granulosum) والتي تحتوي على صفائح حبيبة وهي التي تعطي للجلد لونه المميز بسبب وجود صبغة الميلانين. ومن ثم الطبقة الفاتحة أو الشفافة (stratum lucidum) وهي طبقة لا توجد إلا في مناطق معينة من الجسم كراحة الكفين وأخمص القدمين. وأخيرا الطبقة القرنية ( stratum corneum) وهي مكونة من بقايا الخلايا الميتة تماما وخاصة مادة الكيراتين المتصلبة على شكل قشور.

رسم يوضح مقطع عرضي لجلد الانسان يوضح الخلايا السطحية

 وهذه الطبقة القرنية قابلة للتقشر وتتطاير بشكل تدريجي في الهواء أو تزول مع الماء عند الاغتسال كلما تكونت طبقة جديدة. وتستغرق عملية التقشر ابتداء من انقسام الخلية في الطبقة القاعدية وانتهاء بتطايرها في الهواء من سطح الجلد سبعة وعشرين يوما أي أن بشرة جلد الإنسان تتغير بكاملها في كل شهر مرة تقريبا. وتعتبر أظافر اليدين والقدمين امتدادا للجلد وهي مكونات قرنية صلبة جدا ومرنة وشفافة يفرزها الجلد. وتقوم الأظافر بمهام مختلفة كالإمساك ببعض الأشياء الدقيقة أو حك الجلد عند تعرضه للأذى وغير ذلك من المهام المعروفة.
ويتحدد لون جلد الإنسان من لون البشرة والتي يحددها بالتالي كمية أصباغ الميلانين (melanin) الموجودة فيها حيث يوجد في السنتيمتر المربع الواحد ما يقرب من عشرة آلاف خلية صبغية.

 وصبغة الميلانين مكون مهم في البشرة حيث تعمل على امتصاص الأشعة فوق البنفسجية وتمنع وصولها بشكل كبير إلى الطبقات الداخلية من الجلد حيث أن هذه الأشعة قد تدمر بعض أجزاء الشريط الوراثي الموجود في أنوية الخلايا والذي قد يؤدي إلى ظهور الخلايا السرطانية في الجلد. وعلى الرغم من الضرر الذي قد تحدثه الأشعة فوق البنفسجية للجلد إلا أنها ضرورية لتكوين فيتامين – دال الذي يلزم في عملية بناء العظام. وتتراوح درجات لون جلد الإنسان بين الأبيض الفاتح والأسود الغامق فهناك البني الفاتح والبني الغامق والأسود الفاتح والأبيض الغامق. وتلعب أشعة الشمس دورا مهما إلى جانب العامل الوراثي في تحديد لون البشرة ولذا نجد ارتباطا وثيقا بين لون جلد السكان وطبيعة المنطقة التي يسكنونها فالمناطق الاستوائية أغلب سكانها من السود والمناطق القريبة من القطبين أغلب سكانها من البيض فسبحان القائل في كتابه الكريم “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)” الروم.

“وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)” الروم.

أما طبقة الأدمة فيوجد فيها معظم المكونات التي تقوم ببقية وظائف الجلد والتي أهمها الإحساس بالأشياء التي تلامس الجسم وضبط درجة حرارة الجسم والمحافظة على سلامة البشرة وكذلك بقية الوظائف التي ذكرناها آنفا. فالمكون الأول وهو المسؤول عن إنبات الشعر فيتكون من بصيلة الشعر (papilla of hair) ومنها ينبت الشعر ومن ثم جراب أو غمد الشعرة (hair follicle) والذي يمتد من مكان البصيلة إلى سطح البشرة ومن خلاله تصل الشعرة إلى سطح الجلد. ويرتبط بجراب الشعرة العضلة الناصبة للشعر (hair erector muscle) وهي تعمل على شد الجراب عند الحاجة مما يؤدي إلى انتصاب الشعرة من الوضع المائل التي هي عليه في الأصل وذلك عند التعرض للبرد أو الخوف. أما المكون الثاني فهو الغدد الدهنية (sebaceous glands) وهي موجودة في أعلى طبقة الأدمة وتصب الدهن (oil) الذي تفرزه في جراب الشعرة ومنه يتسرب إلى سطح الجلد. أما المكون الثالث فهو الغدد العرقية (sweat glands) وهي موجودة في أسفل الأدمة وأعلى طبقة ما تحت الأدمة وفيها تتكون المادة العرقية والتي تتسرب إلى سطح الجلد من خلال قناة الغدد العرقية. أما المكون الرابع فهي الأوردة والشرايين والتي تتفرع إلى شبكة كثيفة من الشعيرات الدموية تقع تحت البشرة تماما وتقوم بوظيفة مهمة سنشرحها فيما بعد. أما المكون الخامس فهي المستقبلات الحسية والتي تأتي على ستة أشكال تتواجد على أعماق متفاوتة من سطح الجلد وهي حساسة لسبعة أنواع من المؤثرات وهي الحرارة والبرودة والألم واللمس الخفيف والضغط القوي والاهتزازات وحركة الشعر والتي سنشرحها بشيء من التفصيل فيما بعد.

رسم لمقطع عرضي للجلد البشري يوضح الادمة

أما الطبقة الأخيرة فهي ما تحت الأدمة وتتكون من نسيج ضام رخو يتخلله كميات كبيرة من المواد الدهنية. وتقوم هذه الطبقة بوظائف عديدة أهمها عزل الجسم فمن المعروف أن الدهون عازل جيد تعمل على عزل أعضاء الجسم الداخلية عن تقلبات الجو الخارجية. ومن وظائفها تخزين الطاقة فكل ما يزيد عن حاجة الجسم من الطاقة المأخوذة من الطعام يتم تحويلها إلى دهون يتم تخزينها في هذه الطبقة. وتعمل هذه الطبقة على امتصاص الصدمات التي تقع على الجسم وتمنع من دخولها إلى أعضاء الجسم الداخلية. ومن وظائفها أيضا تسهيل حركة وانزلاق الجلد على ما تحته من عضلات وعظام وخاصة عند المفاصل. ويتم تمديد الشرايين والأوردة التي تغذي الجلد وكذلك بعض أعضاء الجسم التي تقع تحت الجلد خلال هذه الطبقة وذلك لسهولة تمديدها فيها وغياب المكونات فيها.
وسنشرح فيما يلي وظيفة كل مكون من هذه المكونات والآليات التي تستخدمها للقيام بهذه الوظيفة أو الوظائف التي صممت من أجلها. إن الوظيفة الأهم للمكون الأول وهو الشعر هي لحماية الجسم من تقلبات الجو المختلفة من برودة وحرارة ولذلك نجد أن جلود جميع الحيوانات مكسوة بكميات كثيفة من مختلف أنواع الشعر. ولقد كرم الله عز وجل الإنسان بتقليل كمية الشعر الذي يكسو جسمه وهو يعلم سبحانه أن هذا التقليل لن يؤدي به إلى الهلاك فقد زوده بالعقل والأيدي الماهرة التي ستساعده على إيجاد ما يكسو به جسمه من جلود الحيوانات وألياف النباتات وريش الطيور وذلك ليستر عورته وليحمي جسمه من حر الصيف وبرد الشتاء. وشعر الإنسان يتكون من نوعين مختلفين نوع خفيف بطيء النمو على شكل زغب فاتح اللون ويكسو معظم أجزاء الجسم ما عدا الشفتين وراحة اليد وأخمص القدم. أما النوع الثاني فهو من النوع الكثيف سريع النمو ويكسو الرأس والحواجب والرموش والأباط والعانة بالإضافة إلى اللحية والشوارب عند الرجال. ومما يدل على أن هذا التصميم قد تم من قبل عليم خبير هو أن بعض مناطق الجلد بقيت مكسوة بالشعر كجلدة الرأس وحواجب ورموش العين وقد تم تحديد حدود هذا المناطق بشكل بالغ التقدير ليبدو الإنسان في أجمل صورة.

رسم يوضح مقطع عرضي لشعرة ضمن مقطع عرضي في البشرة

وعلى الرغم من أن الذكر والأنثى قد انحدرا من أصل واحد وهو سيدنا آدم عليه السلام إلا أن جسم الأنثى قد جرد من الشعر إلى حد ما باستثناء فروة الرأس والحواجب وبعض المناطق حول عورتها. أما الذكر فقد أبقى على جسمه بعض الشعر الخفيف وكذلك أنبت شعر شاربه ولحيته ليميزه بذلك عن الأنثى.

ويقوم الشعر بوظيفة الحماية من الحر من خلال امتصاصه لحرارة أشعة الشمس والحيلولة دون دخولها إلى الجسم أما الحماية من البرد فيتم من خلال طريقتين أولهما عمل الشعر كطبقة عازلة إذا كان كثيفا وثانيهما من خلال انتصاب الشعر مما يعمل على حبس كمية من الهواء داخل جراب الشعرة فيعمل هذا الهواء المحبوس كطبقة عازلة تحول دون تسرب الحرارة بشكل كبير من الجسم إلى الجو المحيط. والجدير بالذكر أنه ليس كل جراب شعر يحتوي على شعر وهذا ضروري لإخلاء بعض مناطق الجسم من الشعر ولكن تستخدم هذه الأجربة الخالية من الشعر لإفراز الدهن من الغدد الدهنية. وتتراوح كثافة الشعر على الجلد بين 200 و 300 شعرة في السنتيمتر المربع الواحد وتوجد أكثر كثافة له في الرأس حيث يبلغ العدد الكلي للشعر في فروة الرأس مائة ألف شعرة في المتوسط. وكما ذكرنا سابقا فإن لكل شعرة في جلد الإنسان عضلة صغيرة تحركها عند الحاجة وللقارئ أن يتخيل كم يكون حجم هذه العضلة إذا ما قارناها بحجم الشعرة وأشهد أنه لا يستطيع صانع غير الله أن يقوم بهذه المهمة البالغة الدقة. وكما هو معروف فإن الشعر كما هو الحال مع الجلد له عدد كبير من الألوان كالأبيض والأسود والأشقر والأحمر وما بين ذلك من درجات.

الشعر كما هو الحال مع الجلد له عدد كبير من الألوان كالأبيض والأسود والأشقر والأحمر وما بين ذلك من درجات

أما وظيفة الغدد الدهنية فهي إفراز مادة دهنية تصبها في جراب الشعرة ومنه تتسرب إلى سطح الجلد فتعمل أولا على تليين خلايا البشرة القاسية لكونها ميتة أو شبه ميتة وكذلك تليين الشعر وجعله لامعا. وتعمل المادة الدهنية ثانيا عندما تنتشر على سطح الجلد على منع دخول الماء وبقية السوائل وكذلك الفطريات والبكتيريا إلى داخل الجلد.

وعندما يقل إفراز المادة الدهنية فإن الجلد يصبح جافا وخشنا ولذلك يلجأ الناس لاستخدام مختلف أنواع الزيوت لتليين جلودهم وشعورهم. وتتفاوت مناطق الجلد في عدد الغدد الدهنية الموجودة فيها فهي أكثر ما تكون في الوجه والرقبة وشعر الرأس وقناة الأذن وحول الأعضاء التناسلية وشبه معدومة في راحة اليد وأخمص القدم. وفي توزيع الغدد بهذا الشكل حكمة بالغة تدل على أن الذي وزعها عليم خبير سبحانه وتعالى فالوجه هو أكثر ما يراه الناس من الإنسان ولذلك أراد الله عز وجل أن يكون جلده أنعم من بقية الأجزاء. أما باطن اليد والقدم فقد أخلاها الله عز وجل من الغدد الدهنية ليتمكن الإنسان من إمساك الأشياء باليد دون أن تنزلق ويمشي على السطوح الناعمة برجليه دون أن يتزحلق فسبحانه من عليم خبير. ويتكون هذا الدهن من خليط من الجلايسيريد والأحماض الدهنية المتحررة والشمع والسكوالين والكوليسترول وإستر الكوليسترول ويتراوح عدد الغدد الدهنية في السنتيمتر المربع الواحد بين 200-900 غدة.
أما وظيفة الغدد العرقية فهي إفراز العرق الذي تدفعه إلى سطح الجلد من خلال القناة العرقية والمسامات الموجودة في سطح البشرة. وهناك نوعان من الغدد العرقية فالنوع الأول هي الغدد العرقية (Eccrine sweat glands) والتي تنتشر في جميع أنحاء الجسم وهي عبارة عن أنبوب طويل ملفوف على بعضه عند قاعدة طبقة الأدمة ثم يستقيم في أعلاه ليفتح عند سطح الجلد. والعرق الذي يفرزه هذا النوع من الغدد عبارة عن محلول مائي مالح يشكل ملح الطعام أي كلوريد الصوديوم أكبر مكوناته بعد الماء ووظيفته الأولى هي تبريد الجسم والتخلص من الأملاح. وتزداد كثافة غدد هذا النوع في راحة اليد وأخمص القدم حيث أن قليلا من الرطوبة تساعد اليد على الإمساك بالأشياء بإحكام وتساعد القدم على الوقوف بثبات على بعض الأسطح فسبحان من قدر هذا فأحسن التقدير. أما النوع الثاني من الغدد فهي الغدد العرقية (Apocrine sweat glands) والموجودة فقط في الأباط والعانة وتصب قناتها في جراب الشعرة فيخرج عرقها مع إفرازات الغدة الدهنية.

رسم توضيحي لمقطع عرضي في الجلد البشر تظهر في الغدد العرقية

والعرق الذي يفرزه هذا النوع من الغدد يحتوي إلى جانب الملح أنواع معينة من البروتينات والكربوهيدرات وهو عديم الرائحة عند خروجه من الجلد إلا أنه بعد تكاثر البكتيريا فيه يعطي رائحة غير مرغوب فيها وتختلف من شخص إلى شخص. إن وظيفة هذا النوع من العرق ليست معروفة على وجه التحديد ومن المرجح أنه يلعب دورا في الإثارة الجنسية بين الأزواج والله أعلم. وتبلغ كثافة الغدد العرقية 100 غدة في السنتيمتر المربع الواحد أي يوجد في جلد الإنسان ما يقرب من مليوني غدة في المتوسط. أما كمية العرق الذي تفرزه هذه الغدد فيتفاوت كثيرا بين الأشخاص ويبلغ متوسط ما يفرزه الجلد من عرق لترا واحدا في اليوم وقد يصل إلى أضعاف ذلك عند بعض الأشخاص. إن للعرق وظائف عدة أهمها تبريد جسم الإنسان فعند ارتفاع درجة حرارة الجسم ترسل المستقبلات الحسية الحرارية الموجودة في الجلد إشارات للدماغ الذي يقوم بإرسال أوامر بفتح مسامات الجلد ليخرج العرق فيعمل عند تبخره من سطح الجلد على امتصاص كمية من حرارة الجسم فيبرد.

ومن وظائفه حماية سطح الجلد من الجفاف والعمل بالتعاون مع الكلى على تنظيم كمية الماء والأملاح في الجسم وكذلك إخراج الأملاح الزائدة وبعض المواد السامة من الجسم ويعمل كذلك على قتل بعض أنواع البكتيريا باستخدام أنزيمات موجودة في العرق.
أما وظيفة الشعيرات الدموية إلى جانب دورها الأساسي وهو تروية خلايا الجلد فهي تبريد الجسم. ولذلك نجد شبكة كثيفة من الشعيرات الدموية تحت طبقة البشرة مباشرة والتي يوجد فيها تعرجات كثيرة على شكل حلمات لتستوعب هذا العدد الكبير من الشعيرات. ويبلغ متوسط طول الشعيرات الدموية في السنتيمتر المربع الواحد من سطح الجلد نصف متر.

ويتم التحكم بدرجة حرارة الجسم من خلال نظام تحكم يستخدم التغذية الراجعة السالبة فعند ارتفاع درجة حرارة الجسم فإن الأوامر تصدر من الدماغ إلى توسع هذه الشعيرات لتمر من خلالها كميات كبيرة من الدم الحار والذي سيبرد نتيجة لإشعاع جزء من حرارته من أسطح هذه الشعيرات ومنها إلى سطح الجلد. أما عند انخفاض درجة حرارة الجسم فإن الأوامر تصدر من الدماغ إلى تضيق هذه الشعيرات وتقل كمية الدم المار من خلالها فتقل بالتالي كمية الحرارة المشعة من سطح الجلد.
وأما المكون الخامس من مكونات الأدمة وما تحت الأدمة فهي المستقبلات الحسية حيث يوجد منها ستة أنواع تتواجد على أعماق مختلفة عن سطح الجلد وتستجيب لأنواع مختلفة من المؤثرات. وقد صنف العلماء هذه المستقبلات إلى ثلاثة أنواع رئيسية وهي المستقبلات الحرارية (Thermoreceptors) وتستجيب للتغيرات في الحرارة والبرودة والمستقبلات الميكانيكية (Mechanoreceptor) وتستجيب لللمس الخفيف والضغط القوي والاهتزازات وحركة الشعر ومستقبلات الألم (Nociceptor) وتستجيب لأي ضرر قد يصيب الجلد. وعند دراسة تركيب هذه المستقبلات الحسية يتجلى للدارس مدى علم الله وقدرته في تصميمها. بل إن المطلع على ما يصنعه البشر اليوم من حساسات (sensors) لاستخدامها في التطبيقات المختلفة يجد الفارق الكبير بين صنع البشر وصنع خالق البشر وصدق الله العظيم القائل “صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)” النمل.

رسم توضيحي لمقطع عرضي في الجلد البشر تظهر فيه المستقبلات الحسية

إن أبسط المستقبلات الحسية هي مستقبلات الألم (pain) وهي عبارة عن نهايات عصبية حرة ومعراه (free nerve ending) موجودة في طبقة البشرة قريبا من سطح الجلد وتستجيب لأي تخريب أو ضرر قد يحصل في الجلد ويقدر عددها في الجلد وبقية أجزاء الجسم بثلاثة ملايين نهاية عصبية. وأما مستقبلات الحرارة فتسمى حويصلات رافيني (corpuscules of Ruffini) وهي عبارة عن شبكة من النهايات العصبية في داخل حويصلة مغزلية الشكل بطول ملليمتر واحد وتقع في منتصف الأدمة ويبلغ عددها ستة عشر ألف مستقبل موزعة على جميع أنحاء الجسم مع زيادة في التركيز في رؤوس الأصابع والأنف والشفاه والجبهة وتوجد أعلى كثافة لها في رؤوس أصابع اليد حيث تبلغ 75 مستقبل في السنتيمتر المربع الواحد. وتستجيب هذه المستقبلات للزيادة في درجة الحرارة وليس لقيمتها المطلقة وتبلغ أعلى استجابة لها عند 40 درجة مئوية. وأما مستقبلات البرودة أو فقدان الحرارة فتسمى كريات كراوس (Bulbs of Krause) وهي أيضا عبارة عن لفيفة من النهايات العصبية المعراه موجودة داخل غشاء كروي وتقع على عمق 0.5 ملليمتر من سطح الجلد ويبلغ عددها مائة وخمسين ألفا موزعة على جميع أنحاء الجسم مع زيادة في التركيز في رؤوس الأصابع والأنف. وتستجيب هذه المستقبلات للنقصان في درجة الحرارة وليس لقيمتها المطلقة وتبلغ أعلى استجابة لها عند 20 درجة مئوية.
أما مستقبلات اللمس والضغط الخفيف فيوجد منها نوعان وهي أقراص ميركل وحويصلات ميسنر ( Merkel disks & Meissner’s corpuscles). فأقراص ميركل عبارة عن خلايا متخصصة تسمى خلايا ميركل مرتبطة بنهايات عصبية وموجودة في الطبقة القاعدية من البشرة أي قريبة من سطح الجلد وتوجد أعلى كثافة لها في رؤوس أصابع اليد حيث تبلغ 750 مستقبل في السنتيمتر المربع الواحد. وهذه المستقبلات بالغة الحساسية لأي شيء يلامس الجلد لأول مرة ثم تقل حساسيتها لوجوده مع مرور الوقت ولذلك نجد أن الجلد يألف الملابس ولا يرسل أي إشارات للدماغ عنها.

أما حويصلات ميسنر فهي أكثر تعقيدا في تركيبها من أقراص ميركل وتقع أسفل منها في طبقة الأدمة وتستجيب للضغط الخفيف وللاهتزازات ذات الترددات المنخفضة التي تقل عن 50 هيرتز وتوجد أعلى كثافة لها في رؤوس أصابع اليد حيث تبلغ 1500 مستقبل في السنتيمتر المربع الواحد. أما مستقبلات حركة الشعر (Hair Follicle Receptors) فهي عبارة عن نهايات عصبية ملفوفة حول جذر الشعرة وتحس بأدنى تحرك للشعرة من أي مؤثر خارجي ويقدر عددها بعدة ملايين أي بعدد شعر الجسم. أما مستقبلات الضغط القوي والاهتزازات فتسمى حويصلات باسينيان (Pacinian corpuscles) وهي أبعد المستقبلات عن سطح الجلد في أسفل الأدمة وأكبرها حجما وأكثرها تعقيدا في التركيب ويقدر عددها بثلاثين ألف مستقبل وتوجد أعلى كثافة لها في رؤوس أصابع اليد حيث تبلغ 75 مستقبل في السنتيمتر المربع الواحد. ويشبه تركيب هذه المستقبلات تركيب البصلة فهي مكونة من طبقات كثيرة قد يصل عددها إلى العشرين طبقة يملأ بينها مادة سائلة وتوجد الألياف العصبية في لب هذا المستقبل. وتستجيب هذه المستقبلات لأي ضغط أو شد يقع على الجلد وخاصة الضغط القوي وكذلك تستجيب للاهتزازات الميكانيكية ذات الترددات العالية والتي تصل إلى 300 هيرتز.
إن هذه المستقبلات الحسية المختلفة تشكل ما يطلق عليها حاسة اللمس (touch sense) رغم أنها لا تقتصر على اللمس فقط بل تحس بحرارة وبرودة الجو المحيط بالجسم. إن هذه الحاسة تعتبر معجزة من معجزات الخلق فزراعة ما يقرب من خمسة ملايين مستقبل حسي في جلد لا يتجاوز سمكه الخمسة ملليمترات ولا تتجاوز مساحته المترين معجزة علمية تجعل العلماء والمهندسين يحنون رؤوسهم إجلالا لمن صنع هذا الجلد. إن التعقيد الموجود في ملايين الخلايا الحسية المزروعة في الجلد وملايين الأعصاب التي تنقل النبضات الحسية إلى الدماغ لا يكاد يذكر مع التعقيد الموجود في مراكز الإحساس والبرامج المخزنة فيها. وتقع حاسة اللمس الابتدائية في مقدمة الفص الأوسط من المخ بينما تقع وحدات المعالجة الحسية خلفها على نفس الفص وتحتل أعصاب أصابع اليد والشفتان والوجه واللسان أكبر مساحة من المساحة الكلية لحاسة اللمس كما هو مبين في الشكل المرفق وكما شرحنا ذلك في مقالتي الدماغ والأعصاب. إن هذه الحاسة تقوم بإبلاغ الدماغ عن أيّ شيء يلامس جلد الإنسان وتحديد طبيعة هذا الشيء وعن أي تغير في درجة حرارة الجو المحيط به من خلال حساسات مختلفة الأنواع على مسافات متقاربة موزعة على جميع أنحاء الجسم وبحيث يمكن للإنسان تحديد الموضع الذي تمت عنده الملامسة بدقة عالية.

 إن حساسية هذه المستقبلات لا يضاهيها حساسية أي حساس صنعه البشر فالإنسان يستطيع أن يحس بحشرة قد لا ترى بالعين المجردة عندما تحط على يده بل إنها من شدة حساسيتها يمكنه أن يحس بالأشياء التي تلامس ملابسه فينتقل هذا اللمس الخفيف للملابس ومن ثم للجلد ومن ثم للحساسات المزروعة فيه. لقد أشار القرآن الكريم إلى حقيقة أن الجلد هو جهاز الإحساس الرئيسي في جسم الإنسان فقال عز من قائل “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)” النساء.

المراجع
1- القرآن الكريم
2- مواقع متفرقة على الإنترنت
للتواصل مع الكاتب: [email protected]
لمزيد من المقالات للكاتب:
http://mansourabbadi.maktoobblog.com/

 


الوسوم:


مقالات ذات صلة