هل توصلت العلوم الحديثة إلى ما يؤيد الدين في أن الكون حادث غير سرمدي؟

 
الثلاثاء/ديسمبر/2019
   

 

 

الكون كتاب الله المنظور الدال على قدرته وجلاله

السؤال: هل توصلت العلوم الحديثة إلى ما يؤيد الدين في أن الكون حادث غير سرمدي؟ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..

قام فضيلة الدكتور محمد دودح الباحث المتفرغ في الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن بالرد:

 وبعد: منذ القدم كان هذا الكون العجيب الممتد حولنا محط تساؤل الإنسان وفضوله، ومن بين الأسئلة: كيف ظهر هذا الكون إلى الوجود؟, هل هو حادث أم أزلي ؟, وما عمره؟, هذه بعض الأسئلة التي كانت دوما محل جدل بين المؤمنين بمبدأ الخلق والملحدين الذين ادعوا عدم احتياج الكون إلى خالق لأن المادة أزلية بزعمهم.

 ولم يفت المفكرين المسلمين بيان تلك المسألة ودفع وهم أزلية المادة والجواب على الاعتراضات الفلسفية, فقالوا بأن الذات العلية أزلية لا يحدها حادث عارض كالزمان أو المكان, لأن الزمان مبني على حركة الأجرام وتغير المكان بانتظام, والحركة وليدة الحدوث ولا بد لها من قدرة أوجدتها وحفظت النظام, قال ابن تيمية رحمه الله: “الليل والنهار وسائر أحوال الزمان تابعة للحركة فان الزمان مقدار للحركة والحركة قائمة بالجسم المتحرك”، “وأما قدم شيء من العالم فلا دليل لكم عليه بل دليلكم يدل على نقيضه فإنه لو كان المفعول مقارنا للفاعل لزم ألا يحدث في العالم شيء”، بينما قال أبو حامد الغزالي رحمه الله بأن الكون حادث وأنه لم يكن قبله زمان, أي أن بدء الزمان والمكان قد وقع مع خلق الكون؛ لأن الزمان مرتبط بالحركة، ولو تصورنا أن كل شيء في هذا الكون قد سكن وتوقف إذن لتوقف الزمان، أي لم يَعُد هناك زمان, وهكذا فمن الخطأ توهم وجود زمان قبل خلق هذا الكون, وعندما أشارت النظرية النسبية إلى أن الزمان بُعْد رابع كالطول والعرض والارتفاع كان بديهيا عدم وجوده في عالم لم تخلق بعد أبعاده الأخرى, وقد تجمع اليوم من الأدلة العلمية ما يكفي للقطع بخلق الكون منذ عدة مليارات من السنين وأن سرمدية المادة وهم والدليل العلمي يدفعه, ولذا قد تلاشت الآن تماما فرضية الحالة المستقرة Steady State للكون التي تقول بأن الكون لا مولد له, أي أنه لا نهائي في الزمان والمكان, رغم أنها كانت نظرية مقبولة في الأوساط العلمية حتى منتصف القرن العشرين.

 كم هو عمر الأرض؟ وما هو عمر الكون؟

 هناك عدة طرق لتقدير العمر مثل معدل تزايد ملوحة البحار لتقدير عمر البحار ومعدل تحلل المواد المشعة لتقدير عمر القشرة الأرضية وعمر النيازك والأحجار القمرية, وأما تقدير عمر الكون فيعتمد على معدل تباعد المجرات أو “ثابت هابل”, وعلى هذا الأساس يقدر عمر الكون بمليارات السنين, وباستخدام أدق الأجهزة في قياس قيمة ثابت هابل تقديره حاليا حوالي: 24 (30-20) كم/ ثانية مما يعطي عمرا للكون حوالي: 12.5 (10-15) مليار سنة (عمر الكون = سرعة الضوءثابت هابل×مليون).

والحقيقة أن مجرد اكتشاف الإنسان لظاهرة الإشعاع كان كافيا لدفع وهم أزلية المادة تهربا من الإقرار ببدء الخلق الذي يقطع بوجود الخالق وقدرته وأزليته وحده، لأنه ما دامت الشمس وجميع النجوم الأخرى مشتعلة وتبعث الإشعاعات؛ إذن فلا بد من وجود بداية لها لأنها لو كانت أزلية لنفد وقودها منذ مليارات السنين.

وهكذا ساهم علم الفيزياء Physics في توجيه ضربات أليمة للملحدين قبل أن يوجه لهم الضربة القاضية بتأكيد بدء الخلق, ولا يمكن تجاهل دور علم الفلك Astronomy, فكليهما قد ساهم بطريقة أو أخرى في معرفة العديد من خصائص الأجرام السماوية البعيدة بما يدفع أزلية الكون، فقد كشف “فاستو مالفن سليفر” عام 1913م أن بعض الأجسام السماوية التي كان يعتقد سابقًا أنها غبار كوني تبتعد عنا بسرعة 1800كم/ ثانية، وقد عرف من بعد أن تلك الأجسام لم تكن إلا مجرات, ثم أعلن إدوين هابل عام 1929 قانونه القائل بأن المجرات (خارج مجموعتنا المحلية) تبدو منحسرة بسرعة تتناسب طرديًّا مع بعدها, وكان مغزى هذا الاكتشاف مفاجأة كبيرة للعلماء، لأنه يعني أن الكون قد عانى من التوسع عند نشأته, وبسبب حدية سرعة الضوء لا يعني أنه يتوسع الآن لأن الضوء القادم يحتاج لأزمنة تتناسب مع الأبعاد, فيحتاج الضوء القادم من القمر حوالي 1 ثانية, ومن الشمس حوالي 8 دقائق ومن أقرب نجم حوالي 4.3 سنة ومن أبعد ما يمكن رصده سيحتاج باستخدام أكبر وحدة للزمن عمر الكون أي حوالي 50 سنة من سنوات الشمس (حوالي 250 مليون سنة من سنوات الأرض).

وعماد نظرية الانفجار العظيم هو أن انفجارًا قد وقع للمادة الأولية للكون مما أدى لتوسعة ومن ثم برودته, وفي اللحظات الأولى من عمر الكون كانت درجة الحرارة هائلة نتيجة لتجمع المادة, وقد سادت فيها الجسيمات الأولية التي تمثل لبنات الذرات، ثم وجدت الذرات ومنها تألف الغبار الكوني الذي نشأت منه فيما بعد المجرات, ولو شغَّلنا الفيلم عكسيًّا فمن الضروري إذن أن الكون كله كان متركزًا في البدء في نقطة صغيرة ولكنها قد جمعت كل كتلة الكون الحالي, وبسبب الانضغاط الهائل كانت البداية ذات حرارة هائلة لا تبلغها اليوم أعظم النجوم, ومع كل درجة حرارة يصدر إشعاع ذي طول موجي محدد يميزها, فلو كان هذا التصور صحيحا فلا بد من إشعاع يغمر الكون كله الآن يعكس تلك الحرارة الهائلة, وهو ما كشفه بالفعل بنزياس وولسون عام 1965, وتأكد وجود هذا الإشعاع عندما أرسلت مؤسسة (ناسا) الأمريكية لأبحاث الفضاء قمرًا صناعيًّا عام 1989م, وبهذا أصبحت نظرية الانفجار العظيم BIG BANG مقبولة لدى معظم العلماء وأساسها تجمع مادة أولية في حيز صغير, ولك أن تواصل تشغيل الفيلم عكسيا حتى تصل إلى لحظة “الإبداع العظيم” التي لا يسبقها سوى انعدام المادة.

 إن وهم أزلية المادة لا مستند له في الأصل كما هو حال كافة ادعاءات الملحدين التي تتلبس ثوب العلم, ونظرية الانفجار العظيم ليست إلا تصور وليد تجارب علمية أيدت عمليا بدء الخلق الذي نادى به رسل الله, بالإضافة إلى جزئيات نظرية قابلة للتعديل وفق معطيات الكشوف العلمية, ولا يخفى أن التسمية بالانفجار مهما كانت عظمته فيها بعض التضليل لأنها تقصر العودة في تلاشي الكون إلى مادة أولية مكومة وليس إلى مجرد العدم, ولا مبرر مقبول لتلك التسمية سوى التهرب السافر من الخلق من العدم المحض الذي يلزم بوجود الخالق, ولكنها لم تمنع أحد أعلام الفيزياء وهو البروفيسور ستيفن هاوكنج البريطاني من الاعتراف بأن وحدة البدء تقطع بوجود الخالق وبالطبع وحدته ناهيك عن التصميم المتقن والنظام الذي يمثل كشفه تاريخ العلم التجريبي بأجمعه، وبالمثل قال ألفريد هويل: “تقول نظرية الانفجار الكبير بأن الكون نشأ نتيجة انفجار كبير، ونحن نعلم أن كل انفجار يبعثر المادة دون نظام، ولكن الانفجار الكبير عمل العكس, إذ عمل على جمع المادة وفق تصميم وقدرة فريدة لتشكيل المجرات والنجوم والتوابع ونشأة الإنسان على هذه الأرض”, والنتيجة الحتمية التي توصل إليها العالم الأمريكي جورج كرنشتاين قد أعلنها بقوله: “كلما دقَّقنا في الأدلة التي يقدمها الكون المفتوح الصفحات أمامنا واجهتنا على الدوام الحقيقة نفسها وهي أن هناك قدرة إلهية خلف بدء الخلق وكافة الأحداث”, ولكن المدهش أن علامات بدء الخلق التي تعلنها رسالة الكون إلى أهل النظر قد أمر القرآن الكريم بالبحث عنها في قوله تعالى: “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” العنكبوت 20.

مع تحيات الدكتور محمد دودح

[email protected]


الوسوم:


مقالات ذات صلة