هداية الموائمة المعيشية

الدكتور ناصر أحمد محمد سنه  
الأثنين/يوليو/2021
   

يوجد عشرات الآلاف من المخلوقات وحيدات الخلية. وغشائها الخلوي (كما الحال في خلايا الكائنات الأكبر حجماً) به “موائمة” خاصة لوظائفه الحيوية من حركة وتغذية منتقاة وانقسام تكاثري الخ. وهذه الموائمة تجعل من هذا الغشاء كما لو كان غشاء “عاقلاً يجيد التمييز وحسن اختيار ما يتوافق مع وظيفته”.

ولا تمتلك الضفادع أسنانًا للمضغ لكن وهبت تجويف فم واسع لبلع كامل فرائسها (من الحشرات وغيرها). ولأقدامها وسائد لزجة تثبّت خطوها في البرك والمستنقعات فهو يعد من فئة البرمائيات. وللذود عن نفسه.. لدي “الضفدع الشيلي” عيوناً وهمية على ظهره تظهره كأنه أفعى خطيرة فيهابه الأعداء. ويظهر ضفدع السهم السام “dendrobates بهيئات ملونة زاهية وملونة لكنه سام.

وهو صغير الحجم (طوله 2-5 سم، ووزنه 3 جم)، ويقفز لمسافة 10-20سم. وخلافا لمعظم الضفادع هذه الأنواع تنشط خلال النهار ويقتل شخصاً بمجرد ملامسة جلده، فيفرز مادة سامة  “باتراكوتسينا”. ويكفى نحو اثنين ميكروجرام يحتويها جلده لقتل عشرة بالغين. وسمي بذلك لاستخدام الهنود الحمر إفرازاتها لتسميم رؤوس الأسهم لتقتل فوراُ. أما ضفدع الرعب” horror frog“/الضفدع المُشعر” فعند شعوره بالخطر يكسر أصابعه فتشق العظام طريقها عبر الجلد وتبرز للخارج، فيستعملها كمخالب حادة للدفاع عن نفسه. ثم يلتحم العظم واللحم مجدداً بعد فترة قصيرة.

لدي “الضفدع الشيلي” عيوناً وهمية على ظهره تظهره كأنه أفعى خطيرة فيهابه الأعداء

  ويتواءم الحلزون الكوبي مع بيئته أيًا كانت، ويفرز “الحلزون الضعيف عديم العضلات” سائلا مخاطيا لزجاً يساعده علي الانزلاق إلي الأمام. بينما يعيش حصان البحر في بيئات بحرية ضحلة عامرة بتيارات الماء القوية لكن ذيلًه يجعله موثوقاً إلي النباتات فلا ينجرف جسمه. بينما تتحرك مجدافيات الأرجل على سطح الماء بقرون استشعارها الممدودة كالباراشوت،. ويتحرك نجم البحر بالتلاعب بضغط الماء عن طريق أنابيبه الدقيقة أسفل قدمه، ويملك إخطبوط النوتي أصدافًا داخلية يملؤها بالهواء ليطفو كالغواصة، وتحوز السلحفاة البحرية ترسًا انسيابيًا للحركة يشبه العجلة، ويسحب الحبّار الماء ويضغطه بقوة فيتحرك بالدفع النفّاث كالطوربيد.

    وتضع أنثى سمكة “جاو فيش” (في المياه الضحلة بجزيرة “كورون” بالقرب من السواحل الفلبينية) أكثر من 400 بيضة؛ داخل فم الذكر/ الأب. فيصوم.. ولا يمكنه مضغ أي طعام طيلة فترة وضع البيض داخله؛ لحين الفقس وخروج الذريعة للحياة. كما يضطر الذكر لإبقاء فمه مفتوحاً طيلة فترة الحضانة؛ لتوفير الماء الغني بالأكسجين اللازم للبيض. كما يقوم بتدوير البيض حتى يحصل الجميع بالتساوي على حصته من الأكسجين.

حرباء ملونة تصطاد بلسانها الطويل
رسم لشكل لسان الحرباء

نماذج لموائمات في أمة الزواحف

   قد تبدو الحرباء بطيئة السعي علي معاشها مما قد تتعرض لعدوان أعدائها. لكن يسبقها لسانًها بالغ الطول والسرعة ليساعدها لصيد قوتها من الحشرات، كما أنها بارعة في التلون (لتصبح بلون صخرة أو جذع شجرة الخ) والتخفي والتمويه البيئي تحايلاً علي أعدائها حتي باتت مضرب المثل في ذلك. كما رزقها الله تعالي عينين تتحركان مستقلتين عن بعضهما البعض. ووقت الفجر.. تغدو عيون التماسيح حمراء لوجود سطح عاكس للضوء (البساط الشفاف) “Tapetum lucidum” ، يعكس الضوء في خلايا المستقبلات الضوئية، مما يتيح رؤية فائقة في حالات الإضاءة المنخفضة. وهو الوحيد الذي يحرك فكها العلوي أثناء الطعام أما باقي الكائنات الحية فتحرك فكها السفلى. بينما فك “أفعى الأَصَلة العاصرة” غير مثبّت بجمجمتها فيمكّنها من ابتلاع فريستها مهما كان حجمها.

 

نماذج لموائمات في أمة الحشرات

   جراد الصحراء “لا يورث غذاءً، بل سلاحا”. حيث يتغذي علي أوراق نبات Calotrpus procers المُحتوية علي سُمين يريدهما الجراد (دون سائر سمياته) للدفاع عن نفسه ضد أعدائه. ويترك منهما مخزوناُ بجانب بيضه حيث تفقس حشراته الصغيرة فتجد “أسلحة كيميائية دفاعية”. وهل تابعت حشرة “بتيلوسيرس” التى تتصنع الموت بجوار بيت للنمل، وعلي بطنها شعيرات ناعمة حمراء تحيط بغدة تفرز رحيقاً. ويمتزج الرحيق بالشعيرات ليكون “فخاً جاذباً”. فعندما تلعقه نملة “تتخدر” فتنهض الحشرة “المخادعة” فتفصل رأسها عن جسدها. وتدفع خرطومها في رقبتها فتمتص مكوناتها الحيوية فلا يبقي من النملة إلا جلدها، لتعاود التماوت مرة أخري. وعلى شاكلتها.. ينخر “الزنبور” بإبرته السامة المركز العصبي “للجندب النطاط” فـ “يخدره”، ولا ينفق فيفسد لحمه، بل يبقي “لحماً محفوظاُ” تبيض عليه الأنثى، وتغطي الحفرة وتموت وقد “أمنت” لصغارها غذائهم قبل قدومهم. ويشن النمل (السفاح) غارات على مستعمرات مجاورة، فيقتل ملكتها، وينهب محتوياتها، ويعيث فيها فسادها، ويقتاد شغالاتها فيجبرهن على العمل لديه.

  ويربي النمل قملة النبات ويحميها مقابل ندى العسل السكري الذي تفرزه له ويعشقه، وزهرات النبات تعطي الحشرات رحيقها المجاني لقاء لصق حبوب لقاحها على ظهر الحشرة لتنقلها إلى مياسم أزهار أخرى وتتزاوج. وتستطيع النحلات الطنانة رف جناحيها بسرعة 230 رفة/ ثانية. فتولد شحنات كهربائية موجبة، فتجمع غبار طلع الأزهار (ذو شحنة سالبة) فيلتصق بأجسادها. وتتحسس النحلات الحقل الكهربائي للزهرة، وتحديد ـ من علٍ ـ الأزهار التي تمت زيارتها من أخريات اعتماداً على الشحنات الموجودة في الأزهار. ويستطيع الذباب الطيران في أي اتجاه والطيران على أحد الجانبين ويقرر وجهته في واحد على مائة من الثانية. وله ثمان وثلاثين عضلة، عشرون منها تحرك الأجنحة والباقي لتحريك الرأس في جميع الاتجاهات. ويتعدي عدد ضربات جناحيه 200 ضربة / الثانية. وله في كل عين 600 عدسة وكل عدسة تتصل بمخ الذبابة. وهذه العيون ترى في كل الاتجاهات وتستطيع أن ترى أكثر من 100 صورة / ثانية. وجسمه مغط بزوائد تمكنه من الالتصاق بأي جسم. وعندما تلتهم الذبابة شيئاً من الطعام تبادر إلى فرز أنزيمات هاضمة عليه، لتحلله، فيصل ـ في ثوان ـ إلى معدتها مهضوماُ ومغايراً لحالته الأولي.

    نماذج لموائمات في أمة الطير

  كالشراع.. أجنحة طائر القطرس المحيطي طويلة ورفيعة تمكنه من السفر عبر المحيط أياماً دون تعب. وللبومة الثلجية ريش أبيض ناعم يمكنها من الطيران والتخفي والاصطياد في صمت تام. وللبشروش المائي أقدام مُكفّفة تمنعها من الغوص في الطين. أما (الطيور الثعبانية) أو (القاذفات) كالقاذف الإفريقي والزق الأحمر والزقة الأميركية التي تسبح وأعناقها الطويلة نسبياً مرفوعة خارج الماء فتبدو كرأس أفعي الكوبرا. كما تغوص باحثة عن فرائسها لفترات طويلة. وبيض طائر “الزمّار” الذي يعيش على الشاطئ ألوانه مُموّهة على شكل الرمال لتحميه من باقي الطيور. وانظر لهذا العبقري.. طائـر (الماليـو) Maleo Birds و”إستراتيجيته” في تفريخ بيضه (ست بيضات). حيث تقوم الأنثى بدفنها في حفرة قـرب أراض بركانية لتستفيد مـن درجـة حرارة الأرض. وبعد دفـن بيضها تنتهي علاقتها به، فتخرج الأفراخ ـ بعـد ثلاثة أشهـرـ مكتملة الريش وقـادرة علـى الطيـران (غريزياً).

  أما الدجاج والبط فيمتلك قدرة (النوم نصف الدماغي)، حيث ينام النصف ويبقى الآخر مستيقظاً مما يساعدها على البقاء منتبهة لأي مفترس محتمل. وتستطيع فصائل البوم (تزيد عن مائتين) تدوير عنقها ورأسها لما يقارب 270 درجة!. إنه التواء شديد لا يكسر عنقها المكون من أربعة عشرة فقرة بينما تمتلك معظم الفقاريات سبع فقط. أما عيونها فغير كروية (لا تتحرك في اتجاهات) بل علي شكل (أنبوب العين) مما يوفر رؤية ليلية استثنائية، عبر منظور ثابت، وهذا يفسر امتلاكها لتلك العنق المرنة. وإوزة “أبو قرن” Spur Winged Goose (Meloidae) من الطيور الإفريقية البرية غير المهاجرة. وتعتمد في نظامها الغذائي على خنافس البثور (تحتوي سم الكانثاريدين)، لذا فلحمها سامً لمن يأكله (عشرة مللي لترات تقتل شخصا) بينما تعيش هي سليمة معافاة.

نقار الخشب

    ومناقير “الهدد”، وطائر الشنقب، و”الكروان” الطويل يمكّنها من النبش ـ كملقاط من الوصول للديدان داخل الرمل والطين الرخو. ويمتاز منقار طائر نقار الخشب، والطوقان بقوته وسرعته، وامتصاص صدمات هذا النقر. وهو يشبه “الإزميل” الذي يُمكن من اختراق الطبقة الفلينية للأشجار للبحث عن الحشرات والديدان المتواجدة في ثقوبها. وذلك بعد تحديد مواضعها، فيلتقطها بلسانه اللزج. ولتلك التي تلتقط الحشرات وهي طائرة مثل طائر “السنونو” منقاراً مضغوطاً من أعلى للأسفل ويصل أقصى عرض له عند قاعدته. وتوجد طيور ماصة لرحيق الأزهار، مثل طائر الطنان/ الزنان، يتميز منقارها بكونه طويل، وأنبوبي الشكل، كالماصة. ويدفعه الطائر داخل عنق وقلب الزهرة لامتصاص الرحيق. وفي هذا المضمار.. يشكل المنقار وسيلة هامة لتلقيح الزهور المختلفة. ولطائر النورس بقعة براقة ملونة في الفك السفلي يقوم صغاره بالنقر عليها لحث الآباء على التقيؤ، وتغذيتهم.أما الطيور الجارحة أو سِباع الطير، كالعقبان والصقور والنسور والبوم، فيكون منقارها (مِنسرها) حاداً مدبباً. وطرفه معقوفاً،ً يشبه الخطاف. ليساعدها علي تمزيق اللحوم إلى قطع صغيرة. في حين أن التي تتغذى على السمك، كمالك الحزين، فمنقارها طويل وطرفه مدبب كطرف الرمح/ الحربة. حيث يغرزه في جسم السمكة ويرفعها من الماء. ويتغذي البجع، أيضاً، على السمك، لكن فراغ فمه يمتد من أسفل ليكون “جراباً” يخزن فيه السمك الذي يصطاده. ويسع هذا الجراب حوالي 16 رطلاً من السمك. أما الطائر الملعقي فله منقار يشبه الجاروف ويستخدمه في اصطياد الأسماك الصغيرة وغيرها من أنواع الغذاء الموجودة في مياه الشواطئ والمستنقعات.

    نماذج لموائمات في أمة الثدييات

   قواطع الغزال الأمامية آكل الأعشاب منتظمة كآلة جز الحشائش، وأنياب النمر قاطعة كالخناجر، وأسنان الأسد الخلفية تشبه المقصّات، ولأقدامه وسائد رخوة تحميها من وعورة الغابات. بينما أوتار أقدام الكانجارو تتمدد كالأستك عند الهبوط فتدفعه لأعلى مثل الزنبرك. ويغير الأرنب البري لون جلده ـ شتاءـ إلى الأبيض فيصعب على الذئب الثلجي اصطياده. وتعد “الظربان” حيوانات مسلحة بسلاح كيميائي قوي في غدتها الشرجية إذ يطلق رائحة كالبيض الفاسد ترغم أشد الخصوم على الهرب. وتنشط الوطاويط (ثدييات تطير) ليلاً، وتنام نهاراً. وضمن أنواع عديدة منها.. يوجد لدي “الخفافيش آكلة الحشرات” آذان كبيرة نسبياً، وعيون صغيرة جداً، وطيات جلدية معقدة، وناميات علي أنوفها، يري المختصون أنها أساسية لاهتدائها للطيران والتغذية في ظلمة الكهوف العاتية، وذلك عبر رجع الصدى للموجات فوق الصوتية (السونار). ولقد هداه الله تعالي لتحدد ـ كذلك بسمعهاـ ما إذا كانت هناك من حشرات تقف فوق الأغصان وأسلاك البرق لتصطادها، متفادية العوائق في ذلك الظلام الدامس.

   وتنام بعض الثدييات البحرية كالدلافين والحيتان، (نوماً نصف دماغياً)، فينام النصف ويبقى الآخر مستيقظاً. لذا تصعد للسطح للتنفس وهي نائمة.  ويتميز “الدلفين” أيضا بحدة سمعه فهو يستطيع أن يعين موضع فريسته بواسطة ترديد الصوت الذي “هداه” الله تعالي لاستعماله. ولمسافات طويلة.. ترحل الحيتان وتسبح متحلية بقدرة علي سماع الأصوات تحت سطح الماء ولمسافة ثلاثة أميال. فيتعرف أفراد السرب علي بعضه البعض، وعلي الظروف المحيطة. فكما تنتشر أغاني (البوب).. يكرر ذكور (الحوت الأحدب) ”أغنية“ مدتها من 10- 20 دقيقة ويشدو بها لما يزيد على 24 ساعة.

فما الغرض من وراء هذه العروض الموسيقية المستمرة؟. لعله جذب الإناث أو تحدي الذكور الآخرين أو لتحديد الموقع عن طريق الصدى، أو لمجرد أنهم يحبون الغناء!. فالمحيط مكان ضخم جداً، ولعلها الطريقة التي تقضي بها الحيتان وقتها. فتبدأ الألحان في تجمع صغير من الحيتان. وبعد نحو سنتين تنتشر الأغاني بين تجمعات كثيرة في المحيط.

     ويتفرد فرس النهر بحليب وردي اللون. فوفق نظامه الدفاعي.. يتنتج نوعين من الأحماض:  “hipposudoric (احمر قان)، و “norhipposudoric” (برتقالي). وتعيق هذه الأحماض البكتيريا من البقاء على جلده، وتعمل كواق شمسي ضد الأشعة فوق البنفسجية. وغالبًا ما يحتوي حليب فرس النهر على الحمض ذو اللون الأحمر (بمزج الأبيض والأحمر يعطي لونًا ورديًا). وكوب منه يحتوي نحو 500 سعراُ حرارياُ. وينتمي “القُنْدُس” إلي طائفة القوارض المائية وهو أبرع “مهندسي المملكة الحيوانية”. له أسنان حادة تشبه الإزميل لتعينه علي إنشاء السدودَ والمساكن من أخشاب الأشجار. ويتراوح عرض السد – الذي يقيمه زوج القندس- من متر إلى مائة متر، ثم يبني بيته وسط البركة جاعلاً مدخله تحت سطح الماء لحمايته من الأعداء. ويبلغ طول الأنفاق المؤدية لمسكنه أمتارًا، إذ تؤدي النهاية العليا للنفق إلى غرفة تتسع لإيواء أسرته مغطاة بطبقة من الطين المتماسك الجيّد الصرف لوجود أعواد خشبية بأسفله.

يعتبر القندس من ابرع المهندسين في بناء السدود النهرية

إنه يبني مسكنه عبر تكديس الأعواد الخشبية والطين تاركًا فتحة تهوية علوية، ثم يحفر بفمه التربة ليكوّن الأنفاق والغرفة الرئيسة، وقد يكوّن الطين المتساقط من بين الأعواد الخشبية أرضيةَ الغرفة. وعادة ما تحصل القنادس على المواد اللازمة للبناء بإسقاط الأشجار ليلاً، ويمكن قرض جذع شجرة قطرها 30 سم في ليلتين من العمل الدائب. ومن ثم تُفصل الفروع عن الجذع وتُجزَّأ إلى قطع يبلغ طول كل منها قدمًا.

  وحظيت القطط الأليفة بـ “شخصية مستقلة” ونادرا ما يسودها “النظام الأبوي” أو تعيش ضمن “نظام القطيع”. فغالباً ما تعيش منفردة، مستقلة، هانئة بتأملاتها الذاتية، محتفظة ببعض صفاتها البرية، لا تبدى مشاعرها كثيراُ‍‍‍‍‍‍‍. وهي تمثل نموذجا يحتذي في “النظافة العامة وفى التجمل”.. تقضى ساعات طوال في تنظيف نفسها، والعناية بشعرها. وتراها ـ توافقاً مع مظاهر الجمال والنظافةـ لا تترك فضلاتها إلا وقد أهالت عليها التراب، ودفنتها سواء كان ذلك في الطريق العام أو داخل البيوت حيث موضعها وأطباقها المُعدة لذلك الغرض. أتعلم الحيوان الوحيد الذي (يقدد) طعامه كالإنسان؟.

يعيش “قط الرمال” في صحاري الجزائر فقط. وهو من  الهرر “الأصيلة” ولا يتزاوج مع سلالات أخرى. يصطاد ليلا ويحرس وكره نهاراُ, طعامه الأساس هو القوارض والحشرات والزواحف والطيور الزرقاء والأفاعي السامة. لديه حاسة سمع فائقة ليسمع أصوات القوارض في جحورها تحت الرمال. وعند استهدافه لصيد.. يضع رقبته على الرمال وأذناه في مستوى أفقي على الأرض وحاكي في ذلك أنظمة الرادار في المسح الأفقي. ثم يحفر للوصول إليها. وطريقته في الاصطياد مبهرة، حيث يوجه ضربة خاطفة للرأس ويليها عضة قوية للرقبة حتى تموت. وعندما يصطاد فريسة كبيرة, يدفنها في الرمال, ويعود إليها عندما يجوع وهو بذلك الوحيد الذي يحاكي الإنسان في تجفيف اللحم وتقديده.

     وبكسله.. يوفر حيوان “الكسلان” طاقته، فطعامه (المختار) أوراق الشجر، وتزوده بطاقة وعناصر غذائية قليلة، ويتم هضمها ببطء. وبشبعه يكون ثلثي وزنه أوراقاُ مأكولة. ويترجل من فوق الأشجار مرة أسبوعياً لقضاء حاجته فى حفرة أرضية، يغطيها بالأوراق ثم يصعد لبر الأمان. وربما بفعلته هذه ـ يستطيع قضاء حاجته وهو معلق ـ يريد تسميد شجره المفضل!. لكن نصف حالات موته بسبب ترجله لقضاء حاجته. وتهتم الفيلة ـ اجتماعياً ـ بشؤون بعضها البعض. فتحزن لموت فرد منها، وتغطيته بالأغصان والتراب وتبقى بقربه لأيام. كما تحاول مساعدة بشر مصابين، وتنوح عند رؤية بشر متوفين كما تفعل مع أفراد عائلتها.  

   ولقد دُبجت كثير من الدراسات والمقالات والكتب عن الإبل وأنواعها، وسلوكياتها، واقتصادياتها، وتكوينها التشريحي والفسيولوجي. وكذلك سبل “موائمتها وتأقلمها” مع بيئتها وظروف معيشتها، وذاكرتها القوية التي تعرف خط السير حتى ولو عبرته منذ سنين، فضلاً عن مقاومتها للأمراض، وخصائص ونوعية لحومها، وكمية ومكونات وفوائد منتجاتها.

أما  مجموعة الحيوانات الرئيسة مثل (الجيبون، والأورانغ أوتان، والغوريلا، والشمبانزي الخ)، فوهبها الله تعالي قدرات “ذهنية”، ومعدلات “ذكاء” عالية، ومظاهر “ذاكرة” جيدة، واستعداد كبير “للتعلم” والتدرب، ومقدرة مُدهشة علي “التقليد والمحاكاة”. كل هذا، وغيره، يجعلها متوافقة متوائمة دورها الذي خلقت من أجله بين المخلوقات.

    والخلاصة: وهب الله تعالى الوجود لكل موجود ثم هداه إلي وظيفته الحياتية، وأمده بما يناسبها وأعانه عليها. فالخلق ابتداء والاهتداء للوظيفة متزامنان، بيد أن هداية كل شيء لوظيفته مرتبة أعلي من خلقه من عدم. إنهما هبة الخلق علي صور بديعة، وهبة الموائمة للمعيشة والوظيفة التي خلق من أجلها. وفي هذه وتلك.. دلالة علي ربوبية الخالق سبحانه وتعالي ـ جلت حكمته ـ فهو رب كل شيء وهاديه إلي سواء الصراط: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (سورة طه ن الآيات:49-50).

 

أ.د ناصر أحمد محمد سنه

كاتب وأكاديمي ومن باحثي موسوعة الأعجاز العلمي في القرآن والسنة

[email protected]




مقالات ذات صلة