قرآننا يُعجز ذوي البلاغة والبيان.. عرباً وعجماً

 
الأربعاء/ديسمبر/2019
   

 

 

(“عتبة بن ربيعة”، و”الوليد بن المغيرة”، و”ألكسندر بوشكين”، و”إيفان بونين” أنموذجاً).

أ.د. ناصر أحمد سنه

كاتب وأكاديمي من مصر

في كل عصرٍ ومصرٍ، لا يتجردـ عن كل هوى وكبر وتبعية وشرك الخ ـ لهذا القرآن الكريم متجرد، بشراً كان أم جناً، عرباً كان أم عجماً، إلا وتأثر به تأثراً فائقاً وعجيباً. ومن ثم يؤمن به من يؤمن، فيفلح ويفوز فوزا عظيماً، ويعرض عنه من يعرض، فيخيب ويخسر خسراناً مبيناً.

لله در أمُنا أم المؤمنين “خديجة بنت خويلد” رضي الله عنها، و”علي بن أبي طالب”، و”زيد بن حارثة”، و”أبو بكر الصديق”، و”عثمان بن عفان”، و”الزبير بن العوام”، و”عبد الرحمن بن عوف”، و”سعد بن أبي وقاص” وغيرهم رضي الله عنهم جميعاً، الذين كانوا من أوائل المبادرين إلى الإسلام، والمسارعين إلى الإيمان بما نزل على رسولنا صلى الله عليه وسلم، المقبلين ـ بعقولهم وقلوبهم، وأرواحهم ونفوسهم ـ على مآدبة الله تعالى، المستمسكين بحبله المتين، ونوره المبين، ففازوا بشرف السبق، وحظوا بسعادة الدنيا، وحسن ثواب الآخرة.

على الجانب الآخر، فيما يرويه “ابن هشام” عن “ابن اسحاق”، أن “عتبة بن ربيعة”، وضمن “سياسة المفاوضات” وعرضهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: المال والشرف والمُلك والتطبيب ليكف عنهم دعوته، فقال له صلى الله عليه وسلم: أفرغت يا أبا الوليد؟، قال نعم.. قال فأسمع مني، ثم قال:” بسم الله الرحمن الرحيم، حم، تَنزِيلٌ مِنْ الرحمن الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ، قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ”(فصلت:1-6)..ثم مضي رسول الله في القراءة، و”عتبة” يسمع حتى وصل إلى قوله تعالى:”فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ”(فصلت:13)، فأمسك “عتبة” بفيه وناشده الرحم أن يكف عن القراءة، خوفاً مما تضمنته الآية من تهديد (وقد قتل “عتبة” مشركاً في غزوة بدر الكبرى). وعاد “عتبة” إلى أصحابه يقول: “إني سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ماهو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة… وليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم…وهذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم”، [1].

وفي ذات “السياق التفاوضي”، يروي الطبري، وابن كثير وغيرهما أن” نفرا من المشركين فيهم “الوليد بن المغيرة”، و”العاص بن وائل” جاؤوا فعرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المال ليكون أغناهم، والزواج من أجمل أبكارهم، على أن يترك دعوته.. وقالوا تعبد آلهتنا يوماً ونعبد إلهك يوماً، فنزلت:” قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ”(الكافرون:1-6) ”

وأخرج اسحاق بن راهويه عن “ابن عباس” رضي الله عنهما أن “الوليد بن المغيرة” جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له. فعاتب “أبو جهل” “الوليد” في هذا، وطلب منه: “قولاً يبلغ قومك أنك مُنكر له”. فقال الوليد:” ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله..إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مُغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته”. فلما ألح عليه قام يفكر، فقال: “إن هذا إلا سحر يؤثر، يأثره عن غيره” فنزلت: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ”(المدثر11-25) [2].

وبعيداً عن ” السياق التفاوضي ” ومحاولات الترغيب والترهيب، لإثناء الرسول صلى الله عليه وسلم عن دعوته كان فطاحل قريش كثيراً ما يسترقون السمع ليشنفوا أذانهم بأيي الذكر الحكيم، فيتعاهدون على عدم العود لتكرار ذلك، فتخونهم نفوسهم التي تهفو إلى سماع الحق .. كلام الله رب العالمين.

والجن تعلن:”إنا سمعنا قرآناً عجباً”

كان ما سبق نماذج، من جانب البشر، مؤمنة بالقرآن الكريم، وأخرى غير مؤمنة، لكنها في قرارة نفسها متأثرة به أيما تأثر، وتعلم حقيقة كونه ليس كلاماً من كلام البشر”. ولا يغيب عنا في هذا السياق تأثر الجن به، فـ (هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً)”، يقول تعالى:(وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ،يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الأحقاف:29-32)، ويقول تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) (الجن1-2) [3].

القرآن الكريم، وأثره على شعراء وأدباء روس

صورة لإلكسندر بوشكين

بين ترجمة “فيريفكين” لمعاني القرآن التي سماها: “قرآن محمد العربي الذي ادّعى في القرن السادس أنه أُنزل إليه، وأعلن نفسه آخر أنبياء الله وأعظمهم”، وبين إعجاب “إلكسندر بوشكين” “أمير الشعراء الروس” صاحب “قبسات من القرآن”:”إن الكثير من القيم الأخلاقية موجزة فى القرآن في قوة وشاعرية”، وكذلك قول “إيفان بونين”:”افتح إذن ذلك الخالد فوق الصحراء، فوق الأرض، في المساء المعتم بالزرقة، كتاب النجوم السماوية: قرآننا”،.. يبرز السؤال: ما هي ملامح تعامل وتأثر الشعراء والأدباء الروس (وبخاصة بوشكين، وبونين) مع القرآن الكريم؟.

تعتبر روسيا قريبة نسبياً من الشرق العربي الإسلامي، وكانت بدايات تعرفها على الإسلام عن طريق العلاقات التجاريـة والدبلوماسية بالبلغار على نهـر الفولغا، وخُوارزم، وباب الأبواب (دربند)، ومـا وراء النهر، والذين أعتنقوا الإسلام ديناً رسمياً سنة 922م. كما تمكنت روسيا من ربط أواصر علاقاتها بالشرق العربي الإسلامي منذ نشأة أول دولة روسية، نهاية ذلك القرن التاسع الميلادي، حيث تستند المصادر التاريخية الروسية في وصف تلك الدولة الناشئة على مصادر عربية قديمة [4].

ومع توالي السنين اتسع مجال التواصل الثقافي والحضاري عبر جسور العلاقات التجارية، والرحالة والرحلات، والبعثات العلمية والدينية (الحج)، والاستشراق العلمي، والترجمة والصحافة الخ، مما شكلت جانباً هاماً في تاريخ روسيا وثقافتها وآدابها.

وكالعادة مثلت الترجمة أهم جسور التواصل تلك، وشكلت ترجمة معاني القرآن الكريم مكان الصدارة من بين صنوف الترجمات الروسية. وكانت الترجمات الأولي لمعاني القرآن الكريم تتم عن من خلال لغات أوربية وسيطة، ومن ثم أمكن ترجمة معانيه من الأصل العربي بعد تكوين مترجمين روس درسوا العربية، فاصبح القرآن الكريم عاملاُ حيوياً هاماً لفَهْم مراحل العلاقات بين روسيا والإتحاد السوفيتي، والعالم الإسلامي[5].

كان عنوان أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم قام بها المترجم “بوسنيكوف” عام 1716م:”القرآن عن محمد، أو القانون التركي”. وقد ظهرت هذه الترجمة نقلاً عن أخرى فرنسية أنجزها المستشرق الفرنسي “دي يوري” عام 1647م. لكن كبير المستشرقين الروس “اغناطيوس كراتشكوفسكي”(1883-1951م) قد أثار شكوكاً حول مدى الصدق والدقة والموضوعية في ترجمة”بوسنيكوف”، ورأى فيها:”أخطاء كثيرة جداً، ومع ذلك لا يجب التقليل من شأنها نظراً لأهمية الحدث نفسه”.

ويُعد ” كراتشكوفيسكي” من أبرز المختصين بالدراسات العربية، فهو طود شامخ في الإستشراق. الذي وقد شغف منذ صغره بدراسة اللغة العربية، ظهرت ميوله نحو دراسة الشرقيات سنة 1901م حيث التحق بكلية اللغات الشرقيّة في جامعة سان بطرسبرغ. فدرس اللغة العبرية والحبشيّة، وضرب بسهم وافر في اللغتين الفارسية والتركية – التتارية، كما رحل إلى الشرق باحثاً ومستطلعاً، وزار كلاً من مصر وسوريا وفلسطين، فأطلع على خزائن كتبها، وتعرف إلى علمائها وأدبائها. ثم عاد إلى بلاده وعين أستاذاً للعربية. كما قام بدراسة تاريخ الشرق الإسلامي، وعلم اللغة العامة وتاريخ الأدب العام وعلاوة على ذلك درس “اللـهجة الشامية” على يد أستاذ لبناني هو “أنطون خشاب”[6].

ولعل بداية الاهتمام الفعلي بالثقافة العربية الإسلامية كان على عهد “بطرس” الأول، و”كاترينا” الثانية حيث ظهر العديد من المجلات الثقافية الروسية متضمنة أخبار العلوم والفلسفة والحكم والطرائف العربية، وأدرجت اللغة العربية كإحدى اللغات الرئيسية إلى جانب الفرنسية والانجليزية والألمانية.

ومع نهاية القرن الثامن عشر، وبتشجيع من “كاتيرنا” الثانية التي كانت “تود نشر القرآن الكريم بين السكان المسلمين في روسيا، وتأمل في الإعتماد عليه في أهدافها السياسية وحروبها مع تركيا”. ومن المعلوم أنه عندما تتدخل مصالح الدولة في شأن الترجمة، وفي مجال الاستشراق تصبح التوجهات والأهداف والنتائج منوطة بالسياسيين لا بالمترجمين أو المستشرقين[7]. وفي “بطرسبرج” ظهرت طبعة للقرآن الكريم باللغة العربية، وقد اشرف وعلق عليها الملاّ “عثمان إبراهيم”, كما أعيدت طباعته في الأعوام 1789م، 1790م، 1796م،1798م[8].

وبنهاية هذا القرن ظهرت أيضاً ترجمتان جديدتان لمعاني القرآن الكريم بالروسية وحازتا تقدير “كراتشكوفسكي” الذي رأي فيهما:”حدثا تاريخياً بالغ الأهمية في تاريخ الثقافة الروسية، ومستوى أعلى من الترجمات السابقة”. ولقد حفزت الترجمات الروسية لمعاني القرآن الكريم في صدور مؤلفات تتناول شرح القرآن الكريم ومن ابرزها كتاب المترجم (ب. بوجدانيفيتش) بعنوان “محمد والقرآن”، وقد لاقى نجاحاً، وأعيد طبعة مرات [9].

لقد تركت ترجمة “فيريفكين” لمعاني القرآن سنة 1790م أثراً كبـيراً في تاريخ الأدب الروسي. وكان “فيريفكين”(1732- 1795م)، المدير الأول للمدرسة الثانوية في قازان، والأديب البارز الذي أجاد عدة لغات، قد أنجز ترجمته التي سماها:”قرآن محمد العربي الذي ادّعى في القرن السادس أنه أُنزل إليه، وأعلن نفسه آخر أنبياء الله وأعظمهم”. وكانت هذه الترجمة مأخوذة أيضاً عن الترجمة الفرنسية لـ “دي يوري”. لكن قبل ترجمته لمعاني القرآن قد ترجم كتاب “تاريخ الإمبراطورية العثمانية” لرئيس دَير كاثوليكي يسمى “مينيو”، وكتاب “الصورة الكاملة للإمبراطورية العثمانية” لإجناس دي أوسّون.

“الكسندر بوشكين”..و”قبسات من القرآن”

على الرغم من اعترافه بأن ترجمة “فيريفكين” هي أول الكتب الدينية التي أذهلت عقله، بيد أنه لم يَنْصَعْ لتأثير عنوانها، ولا للمقال المختصر الملحق بها: “سيرة المتنبئ الكذاب محمد” لأمين مكتبة سوربونا، ورئيس دَير كاثوليكي “لادفوكات”. بل لقد ذكر الشاعر الروسي الكبير “الكسندر بوشكين” (1799- 1837م):”إن المتكلم في القرآن باللغة العربية هو الله، وأن محمداً إنما هو شخص مُخاطب”.

ولقد حَفَزَتْه تلك الترجمة على نظم قصيائده التسع، والمكونة من 174 شطرا “قبسات من القرآن” عام (1824م) [10]. وهي تعكس المكانة الهامة التي أحدثها القرآن الكريم في التطور الروحي لـ”بوشكين”، حيث ظهر فيها إعجابه بأسلوب القرآن وفصاحته وبيانه [11]، ورأى أن:”الكثير من القيم الأخلاقية موجزة في القرآن في قوة وشاعرية” [12]. فبعد قيامه بتبسيط اللغة الروسية عمد إلى طرح مواضيع القرآن الكريم ليقدمها شعراً إلى الناس ليتسنى لهم فهمها والاستفادة منها.

أمير الشعراء الروس بوشكين

ففي قصيدته الأولى من “قبساته” يستهل “بوشكين” بالقسم القرآني المميز للعديد من سور القرآن الكريم، ثم يتبعه بمقطع يستلهم آيات من “سورة الضحى”:(وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى..)(الضحى:1-3). يقول بوشكين واصفاً معاناة الرسول، وحزنه لفتور الوحي عنه:

أقسم بالشفع وبالوتر، وأقسم بالسيف وبمعركة الحق،

أقسم بالنجم الصباح، وأقسم بصلاة العشاء.

لا، لم أودعك.

ويصف بوشكين قصة الهجرة إلى المدينة، وتلك الإشارة إليها في الآية 40 من سورة التوبة:( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

يامن في ظل السكينة، دسست رأسه حباً،

وأخفيته من المطاردة الحادة

ألست أنا الذي رويتك في يوم قيظ بمياه الصحاري؟.

ألم أهب لسانك سلطة جبارة على العقول؟

أصمد إذن وأزدري الخداع.

وفي ختام القصيدة يعود لسورة الضحي:”فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ”(الضحى:9)، فيقول:

أحب اليتامى، وقرآني

وبشر المخلوقات المهتزة.

أما القصيدة الثانية فيبدو فيها متسقاً مع نفوره الشخصي من بهرجة النساء الأستقراطيات، وخروجهن عن الإحتشام، وافتقاد بعضهن لمعاني الوفاء والإخلاص الأسري. ومن المعلوم أن بوشكين قتل في مبارزة بالمسدسات مع غريمه الذي ربطت الشائعات بينه وبين زوجة الشاعر. ففي هذه القصيدة ينجلي تأثره بالنموذج الإسلامي، حيث أيات الحجاب، ونبذ التبرج، وشيوع العفة، وبخاصة الآيات (32-33) من سورة الأحزاب:(يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). وكذلك الآية 53 من نفس السورة: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) (الأحزاب:53). ففي صورة شعرية تستلهم ذلك المضمون، يقول “بوشكين”:

إيه، يا زوجات الرسول الطاهرات،

إنكن تختلفن عن كل الزوجات: فحتى طيف الرذيلة مفزع لكن.

في الظل العذب للسكينة عشن في عفاف: فقد علق بكن حجاب الشابة العذراء.

حافظن على قلوب وفية، من أجل هناء الشرعيين والخجلي،

ونظرة الكفار الماكرة، لا تجعلنها تبصر وجوهكن.

أما أنتم يا ضيوف محمد وأنتم تتقاطرون على أمسياته،

احذروا فبهرجة الدنيا تكدر رسولنا.

فهو لا يحب الثرثارين وكلمات غير المتواضعين والفارغين:

شرفوا مأدبته في خشوع، وانحنوا في أدب:

لزوجاته الشابات المحكومات.

يحتفي بوشكين بقيم التواضع، وحسن التعامل مع البسطاء، واحترام الكرامة الإنسانية بقطع النظر عن المكانة الإجتماعية. ويبدو ذلك جلياً في القصيدة الثالثة التي يستلهمها من “سورة عبس (الآيات:1-10):(عَبَسَ وَتَوَلَّى،أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى،أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى)، حيث معاتبة الله تعالى لنبيه لإنشغاله بصناديد قريش (يرجو اسلامهم)، عن “عبد الله بن أم متكوم”، ذلك الأعمى الذي جاء الرسول سال عن شيء، ويلح في ذلك، فعبس الرسول في وجهه، وأعرض عنه [13]:

وتجهم الرسول، وهو يتململ بعد أن أحس دنو الأعمى:

ويسرع، لكن الرسول لا يقدر أن يظهر له الحيرة.

لأنه مع الكتاب السماوي معطي وثيقة لك يارسول، لا للخارجين،

بشر بالقرآن في سكينة، دون أن تجبر الكفار!.

ثم يعقب ذلك استلهامه لآيات السورة ذاتها (17-31) التي تدعو إلى التامل في الكون كبرهان على وجود الله : (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ، كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ، فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا).

علام يتغطرس الإنسان؟. على أنه جاء إلى الدنيا عارياً

على أنه يستنشق دهراً قصيراً،

وأنه سيموت ضعيفاً، مثلما ولد ضعيفاً.

ألا يعلم أن الله سيميته، ويبعثه بمشيئته؟

وإن السماء ترعي أيامه، في السعادة وفي القدر الأليم؟

ألا يعلم أن الله وهبه الثمار، والخبز، والتمر، والزيتون

ثم بارك جهوده، فوهبه البستان، والتل، والحقل؟.

ونراه ـ وتحت ظروفه النفسية والمنعطف الروحي الذي كان يمر به وقت كتابته “القبسات”، ينتقل من شك إلى إيمان، ويستلهم مشهد القيامة من آيات سورة عبس: (فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ، ترهقهَا قَتَرَةٌ، أوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) (عبس:33-42)، يقول بوشكين:

لكن الملاك سيعود مرتين،

وسيدوي على الآرض رعداً سماوياً:

وسيفر الأخ من أخيه، ويبتعد الابن عن أمه،

ويمثل الجميع أمام الله، صرعى من الرعب،

ويسقط الكفار يغطيهم اللهب والعفار.

أما في قصيدته الرابعة، فهناك حديث عن الإيمان، مستلهماً قصة النمرود ـ وقد استكبر بمُلكه ـ الذي جادل إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (البقرة:257-258).

معك في القديم، يا قادر، يا عظيم توهم أن يتباري،

ممتلئاً بالكبرياء المجنونة، ولكن أنت يا إلهي، أفحمته،

أنت ( تقول): أنا أهب العالم الحياة، وأعاقب الأرض بالموت

فيدي مبسوطة على كل شيء.

وأنا كذلك،(أقول)، أهب الحياة، وأعاقب أيضاً بالموت:

فأنا يارب ند لك. لكن خيلاء الإثم خفتت

من كلمتك الغاضبة: سأرفع الشمس من المشرق،

فأرفعها أنت من المغرب.

التامل المادي في الكون دال على موضوع الألوهية، متوقفاً ـ في القصيدة الخامسةـ عند الآية (10) من سورة لقمان: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ). كذلك الآية (35) من سورة النور:(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(النور:35). ويرسم “بوشكين” صورته الشعرية بناء على معاني هاتين الآيتين قائلاً:

الأرض ساكنة ، والسماء بلا عمد، الخالق الذي نعتمد عليه،

لن يسقط السيل على اليابس، ولن يقهرنا وإياك.

لقد أضأت الشمس في الكون، وأضأت أيضاً السماء والأرض،

مثل نبتة كتنان تمتلئ بالزيت، تضيء في مصباح بلّوري،

صل للخالق فهو القادر، فهو يحكم الريح في يوم قائظ

ويرسل السحب إلى السماء، ويهب الأرض ظل الأشجار.

إنه الرحيم: قد كشف لمحمد القرآن الساطع،

فلننساب نحن أيضاً نحو النور، ولتسقط الغشاوة عن الأعين.

أما القصيدة السادسة “لبوشكين” فهي من أهم قصائده التي تعكس مكنوناته، واستلهامة نموذج البطولة الإسلامية، والقيادة والرعية، ونشدان العدل الحرية والمساواة بين طبقات الشعب الروسي، وقد كان في العام التالي (1825م) لظهور تلك القبسات قيام أنتفاضة الديسمبريين سعياً لإرساء تلك القيم. يقول بوشكين: ليس باطلا أن حلمت بكم في معركة ورؤسكم محلقة،

وسيوفكم مضرجة، في خنادق، وفي بروج، وعند الأسوار

إنصتوا إلي الدعوة المبتهجة، يا أبناء الصحاري الملتهبة!

سوقوا إلي السر الإماء الشابات، إقتسموا غنيمة الحرب!

لقد انتصرتم: فالمجد لكم، ويا للسخرية من ضعاف النفوس.

فنداء الحرب لم يلبوه، ولم يصدقوا الأحلام الرائعة.

وهم الآن في ندم، تفتنهم غنيمة الحرب

يقولون: خذونا معكم، لكنكم ستقولون: لن نأخذكم

الشهداء الساقطون في المعركة: هم الآن في الجنة،

يغرقون في نعيم، لا ينغصه شيء.

يبدو أن معنى النصر والحديث عن مغانم الحرب مقتبساً من عدد من الآيات منها: الآية (27) من سورة الفتح:(لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا)(الفتح:27)، وكذلك الآيتين (18-19): (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)(الفتح:18-19). أما البشرى بالجنة للشهداء فيبدو مقتبساً من الآيات(10-13) من سورة الصف:(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ)

وفي هذه القصيدة يقتبس بوشكين معاني الآيات (1-10) من “سورة المزمل” ليتناول جانباً آخر من سيرة الرسول، في تبتله، وطاعته، وقيامه الليل، وسهره، ومجاهدته لنفسه.. كسبل لإعداده لمشاق الدعوة:(يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا، إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا، وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا، وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا)، فنري بوشكين يقول:

إنهض أيها الوجل: ففي كهفك، مصباح مقدس

يضيء حتى الصباح. وبصلاة خالصة، تُنحي يارسول

الأفكار الشجية، والأحلام الشيطانية

وأقم الصلاة في خشوع حتى الصباح،

والكتاب السماوي، اقرأه حتى الصباح!.

في القصيدة الثامنة إعجاب بسمة الكرم العربي، وهي تتقاطع في مخيلة الشاعر بمفهوم الصدقة في الإسلام، ليعتبر الأخيرة مظهراً من مظاهر الكرم. ولقد جذبت “فكرة الصدقة والحرص على الفقراء وكفالتهم، مع مراعاة الجانب المعنوي لهم” أهتمام بوشكين. فنجده يستلهم معاني الآيات(262-264) من سورة البقرة:(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)(البقرة:262-264) على النحو التالي:

وأنتم تتاجرون بضميركم أمام الفقر المدقع، لا تنثر هباتك بيد مقتصدة:

فالسماء تبغي الكرم الوفير. ففي يوم الحساب العسير، ومثل حقل خصيب

آه ياناثر الخير، ستجازي أعمالك بأعظم الجزاء.

لا تأسفت على عطاء الدنيا المكتسب، وأنت تناول السائل عطاءك الشحيح.

وتدور القصيدة التاسعة حول نبذ الشك والبرهنة على الإيمان من خلال البعث، ومضمونها مقتبس من الآية(259) من سورة البقرة، والتي يوليها بوشكين حباً خاصاً، يقول:

وأحتوي العجوز حزن خاطف، وانتحب وهو ينكس رأسه المهتزه،

وآنذاك حدثت معجزة في الصحراء: فقد بعث الغابر في حسن جديد،

ومن جديد تأرجحت النخلة برأسها الظليل، ومن جديد سرت في البئر برودة و”شبورة”.

وانتصبت عظام الحمار المتداعية، واكتسي الجسد واصدر النهيق،

واحس العابر بالقوة والبهجة، وتألق في دمائه الشباب المتفجر

وملأ صدره الأنشراح المقدس: وانطلق مواصلاً طريقه مع الله.

معنى “البعث” عند بوشكين يستوعب الجانب الديني والروحي للأمة، وهو يُنهي هذه القصيدة بالتفاؤل بالمستقبل” وانطلاق عابر السبيل ممتلئاً بالإيمان والقوة والبهجة لتكون مسك ختام “قبساته القرآنية”.

رفع القيود

عملاً بالأمر الصادر في 5 كانون الأول 1800م رفعت القيود التي كانت مفروضة على طبع الأدبيات الدينية الإسلامية. وافتتحت في قازان، في العام 1802، أول مطبعة عربية إسلامية تم بها إعداد 82300 نسخة من المصحف، واعتمدت جميعها نص طبعة بطرسبرج لعام 1787م، وحظيت باهتمام واسع في روسيا وفي خارجها في آن معاً. ومع إزدهار حركة الإستشراق، تمكن العديد من المستشرقين بترجمة معاني القرآن الكريم عن اللغة العربية.

مع ولادة أول مطبعة عربية كانت ولادة “ميرزا محمد كاظم بك” (1802-1870م) الذي كان يعد من أكبر المستشرقين في تلك الفترة. ولد ميرزا في مدينة دربند، وفي عام (1820م) طُرد أبوه حاجي كاظم بك الأذربيجاني إلى مدينة أسترخان؛ بسبب علاقته بأمير دربند السابق. وبعد ما لحق ميرزا محمد بأبيه تأثر بالمنصرين الأسكتلنديين، وتعلَّم منهم اللغة الانجليزية، ثم تنصَّر. وبعد فترة توظَّف في وزارة الشؤون الخارجية، وعُيِّن مترجماً لدى الجنرال والي مقاطعة أومسك. وفي طريقه إلى هذه المدينة نزل في قازان، وغيَّر وِجْهته بالنسبة إلى الوظيفة؛ فاشتغل مدرّساً للغات الفارسية والتركية والتترية في جامعة قازان حتى ترقى إلى درجة أستاذ، وعلمُه العميق بالاستشراق مع تلقيه الثقافة الأوروبية -إذ ألَّف باللغتين الإنجليزية والفرنسية- جعله من أشهر علماء الاستشراق الروسي والغربي. وفي عام (1835م) أصبح عضواً في أكاديمية العلوم الروسية.

ومن أهم مؤلفات “ميرزا” مقرر الفقه بعنوان مختصر الوقاية” (قازان، 1845م)، ومقالة “المريدية وشامل” (مجلة الكلام الروسي، 1859م، العدد 12)، وكتاب “الباب والبابية: الفتن الدينية السياسية في بلاد فارس” (بطرسبورغ، 1865م). وبعد نشر كتابه “دربند نامه” مترجماً إلى اللغة الإنجليزية عام (1851م) منحته الإمبراطورة البريطانية الوسام الذهبي. وفي سنة (1859م) ظهر كتابه «الفهرس الكامل للقرآن أو مدخل إلى كلماته وعباراته” وهو عبارة عن دليل لدراسة مبادئ القرآن الكريم الدينية والشرعية والتاريخية والأدبية. بيد أنه منْ أهم عيوبه أنه لم يعتمد نص القرآن الكريم، بل اعتمد على مصحف المستشرق الألماني “جوستاف فليوجل”.

أشرف المترجم “نيقولاييف” على ترجمة لمعاني القرآن، وصدرت في عام 1864م، وكانت مأخوذة عن الترجمة الفرنسية للمستشرق “بيبيرشتين كازميرسكي”. وقد تكررت طباعة ترجمة “نيقولاييف” في موسكو خمس مرات، وفي سنة (2001م) أعيدت طباعتها في دار “إليبرون كلاسيكس”. وكانت الطبعة الثالثة المنقحة لهذه الترجمة قد ظهرت في كازاخستان عام (1998م). وترجمة نيقولايف لمعاني بعض السور نشرت في مجلة الخزر: “ترجمة معاني سورة النساء” في العدد 3 (4) عام (1990م)، و”ترجمة معاني سورة المائدة” في العدد 4 (5) عام (1990م)، و”ترجمة معاني سورة الأنعام” في العدد 1 (5) عام (1991م). ونقدها المستشرق السوفيتي كليموفيتش بقوله: “إن هذه الترجمة كانت محررة إلى حدٍ ما، وفي مواضع كثيرة بصورة غير حسنةٍ “. ومع ذلك اعترف “كراتشكوفسكي” أن ترجمة معاني القرآن لنيقولايف لم يقلل من أهميتها أنها منقولة عن الفرنسية، لكنها أغنت الناسَ عن الرجوع إلى الترجمات السابقة التي تعود إلى القرن الثامن عشر.

وفي سنة 1878م ظهرت ترجمة للمستشرق الشهير “جوردي سابلوكوف”. ثم بعد عام واحد من طباعتها أول مرة في قازان نشر كتاب “الملحقات”، وهو فهرس موضوعات القرآن، للمستشرق نفسه. وفي سنة (1884م) طبع كتابه “الأخبار عن القرآن” وهو عبارة عن كتاب تشريعي، وتكررت طباعة ترجمة “سابلوكوف”، لكن الطبعة الصادرة عام (1907م) كانت قد أضافت النص العربي.

لكن كثيراً من المختصين والمستشرقين الروس قد انتقدوا منـهجَ “سابلوكوف” وترجمته لمعاني القرآن، فقد قال “كريمسكي” في كتابه “تاريخ الإسلام”: “إن ترجمة سابلوكوف ترجمة حرفية ميتة، ولا يمكن فهمها في كثير من المواضع؛ إلا بعد الرجوع إلى الأصل العربي، فضلاً عن أنها تحتوي على عدد كبير من الأخطاء التي لا مراء فيها”. كذلك أنتقدها المستشرقان “بيلايف وجريزنيفيتش”: “مع مرور الزمن تظهر سلبيات هذه الترجمة لكل من يرجع إليها؛ فأما المستشرق المتخصص في اللغة العربية فيجد فيها أخطاء كثيرة، وأما غير المتخصص فلا يفهم أحياناً خصائص نص الترجمة المليئة بالكلمات القديمة والعبارات المبهمة، التي منعت من فهم المعنى الظاهر لها. كما يسأل القارئ نفسه: هل فهم المترجم ماذا أراد بهذا الكلام؟”. ثم أضافا القول: “وُجِد في ترجمته كلمات خاصة تستخدم عند ترجمة التوراة والإنجيل إلى اللغة الروسية، وبسبب هذه الكلمات يكون القارئ العامي قد أخذ فكرة خاطئة عن العقيدة الإسلامية والمعنى الحقيقي لهذا الأثر”.

وعلى الرغم من ذلك فقد أشبعت ترجمة “سابلوكوف” لمعاني القرآن حاجة الكثيرين في المجتمع الروسي على مدى مائة عام، وعُدت من أهم المراجع عن الدين الإسلامي. واستحق صاحبها مدح كثيرين منهم “كراتشكوفسكي” بقوله:”لم يتمكن أحد في أكاديمية قازان من تأسيس منهج للاستعراب ودراسة الإسلام إلا جوردي سابلوكوف”.

وكانت لأكاديمية قازان الدينية دور كبير في دراسة الإسلام عقيدة وشريعة، ويعد مدرسوها وخريجوها من الإختصاصيين المحترِفين في روسيا، منهم “نيقولاي أوستراوموف” (1846-1930م) مدرس اللغتين العربية والتترية والتاريخ الإسلامي، والعقيدة الإسلامية بأكاديمية قازان الدينية، ثم مدير المدرسة الثانوية الدينية في تركستان. ومن تصانيفه المتعلقة بالقرآن وعلومه: كتاب “الدراسة النقدية لمعتقدات محمد في الأنبياء” (قازان، 1874م)، و”القرآن والتقدم” (طشقند، 1901م)، و”عالم الإسلام في الماضي الحاضر” (قازان، 1912م)، و”الشريعة” (طشقند، 1912م)، و”جزيرة العرب مهد الإسلام” (طشقند، 1910م)، و”القرآن: شكله الخارجي وتاريخ نصه” (طشقند، 1912م)، و”المقدمة في علوم الإسلام” (طشقند، 1914م)، و”عقيدة القرآن” (موسكو، 1915م) وغيرها.

وكانت قد ظهرت ترجمة أخرى لمعاني القرآن للشاعر “قالماكوف” (ت. 1804م)، وهي مأخوذة من ترجمة معاني القرآن باللغة الإنجليزية للكاتب “سيل”، وأضيفت إليها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم للدكتور بريدو. وكان قالماكوف يعمل في أكاديمية الأسطول البحري مترجماً من اللغة الإنجليزية، وكان يتخصص في النصوص التقنية. وفي فترة من عام (1790 إلى عام 1791م) نشر عدداً من قصائده، ومجموعة من الأشعار، وتكررت طباعتها سنة (2001م) في مجلدَين في دار “إليبرون كلاسيكس”.

 

صورة لإيفان بونين

 

 

إيفان بونين“.. من أبرز الأدباء الروس تأثرا

مع وفاة “ميرزا محمد كاظم بك” في العام 1870م كانت هناك ولادة لشاعر وكاتب روسي كبير “إيفان بونين”(1870-1954م)، ويعد من أبرز الأدباء الروس تأثراً بالشرق العربي. ففي إطار اهتمامه بسير الأنبياء، يكتب قصيدته “إبراهيم”التي كتبها في العام (1903م):

كان إبراهيم في الصحراء في ليلة مظلمة، فرأى في السماء كوكباً.

“ها هو ربي !!”– صاح هو- لكن عند منتصف الليل أفل الكوكب، وخمد نوره.

وكان إبراهيم في الصحراء قبيل الفجر، فرأى القمر بازغاً.

“ها هو ربي !!”– صاح هو. لكن القمر خمد وأفل مثل الكوكب.

كان إبراهيم في الصحراء في الصباح الباكر، ومد يديه في سعادة نحو الشمس.

“ها هو ربي !!” – صاح هو. لكن الشمس قضت اليوم، وغربت في الليل.

وقاد الله إبراهيم إلى الحق.

يستلهم بونين قصيدته تلك من الايات (75-79) من سورة الأنعام:(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ).

وفي قصيدته “محمد مطارداً”(1906م) يصف معاناة الرسول في سبيل الدعوة، ومستلهما الآيات (40-41) من سورة التوبة:(إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، يقول “بونين”:

حلقت الأرواح فوق الصحراء، في الغسق، فوق الوادي الحجري.

دوت كلماته الجزعة، وعلي الرمل ، حاف، بصدر مكشوف

كان يجلس ويتكلم في حزن:”وليت وجه الصحراء والقفر، عزلت عن الجميع من أحبهم!”

قالت الأرواح:” لا يجدر لرسول أن يكون ضعيفاً متعباً”.

والرسول في حزن وسكينة أجاب:”كنت أشكو للحجر”[14].

وفي إطار من الفهم للمكانة الكبيرة التي خص بها القرآن “ليلة القدر” في سورة من سوره:(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)(القدر :1-5)، نري “بونين” يرسم صورة شعرية عنها بقوله:

“تنزل الملائكة والروح فيها…”(القرآن)

ليلة القدر، تآلفت القمم وتمازجت، ونصبت عمائمها أعلى نحو السماء

أذن المؤذن، وما تزال قطع الجليد تدخل في الأرجواني

ويتنسم برد الظلام يالمضايق، والوديان.

ليلة القدر ، بالمنحدرات الجبلية المظلمة، ماتزال تهبط السحب في طبقات

أذن المؤذن. وأمام العرش العظيم ينساب النهر الماسي، مدخناً

وجبريل ـ غير مسموع وغير مرئي ـ يطوف العالم النائم. ربي. بارك

الطريق غير المرئي للحاج الطاهر. وامنح أرضك ليلة السلام والحب.

وفي صورة إبداعية عن الحجاج الذين يهتدون ليلاً بالنجوم، مستوحياً الآية: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)(النحل:16) يكتب بونين قصيدته: “علامات الطريق”(1905م)

(وعلامات وبالنجم هم يهتدون)(القرآن)

الله لحجاج الليل في المغرب

أضاء الأنوار ـ نجوم شعري المقدسة

سلام عليك يامتلألئاً في السماء، يا ندي الماس السماوي!

الطريق بالرمال من غزة إلى العريم، أحياه الله بالعلامات، كما في القديم.

تحية لك ـ يا أحجارـ مسابح الحجاج، في الصحراء يامرشدي هاجر!

اسكن الله الطريق كله بالأجساد، مثل وقع الضباع بين أحراش تي.

سلام عليكم، ياهاجعين إلى الله، يا من تمهدون لنا السبيل! [15].

حسب ما يقول “يفيم ريزفان”:”لا يزال القرآن يُدرَّس – في روسيا – دراسة علمية، وثمة عناية بنشر الكتب التثقيفية الموافقة للأساليب العصرية”. لكن لعل بعض مقاربات الشعراء والأدباء الروس للقرآن الكريم تختلف في مجملها عن تقاليد مدرسة الاستشراق. فلقد انصب جل اهتمام المستشرقين الروس علي الجانب اللغوي من القرآن دون الخوض في طبيعته، أو التأثر بأجوائه وفضاءاته. فعلاقة الاستشراق الروسي بالإسلام انطلق لدراسة المجتمعات الإسلامية في روسيا، وفي مستعمراتها، والشرق الإسلامي كان وما زال موجودا بداخلها، وهو ما لم يكن متوفراً عند المستشرقين في أوروبا الغربية وأمريكا الذين كان عليهم قطع المسافات الطوال للوصول إليه[16]. وتبقي من الوظائف الأساسية لمدرسة الاستشراق الروسي تحقيق خطة “كراتشكوفسكي”، لإعداد ترجمة أكاديمية صحيحة من الناحية اللغوية ومناسبة من الناحية البلاغية ومصحوبة بشرح شامل وفهرس للقرآن الكريم [17].

في الختام

الاستشراق هو الاستشراق، سواء خلصت النوايا أم ساءت، والأدب هو الأدب، يحلق في فضاءت إنسانية وإبداعية أرحب محاولاً التجرد من ملابسات ودوافع الاستشراق. لكن يبقي القرآن الكريم مصدراً للإلهام، ومنهلاً خصباً، ومورداً عذباً لمن أراد أن يعرف ويتعرف على التعاليم السامية، والقيم الخالدة. كذلك من أراد أن يدرك العربية وأسرارها، ويتذوق أساليبها، ويبحر في فضاءات مجازاتها، ويتقن قواعدها، ويعي مفراداتها ومدلولاتها، ويعقل خصوصية تراكيبها، ويرتوي من معين جمالها وجلالها.. وهنيئاً للشاربين.

صفوة القول

إنه القرآن الكريم المُعجز للناس كافة ..عرباً وعجماً، لا بل وجناً، إنهً:” كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم مابينكم هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله تعالى، ومن ابتغي الهدى في غيره أضله الله تعالى، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه[18]، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن هذا القرآن مأدبة الله فأقبلوا على مادبته مااستطعتم، إن هذا القرآن حبل الله المتين، والنور المبين، والشفاء الناجع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فبستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا يخلق على كثرةالرد. أتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف” [19].

يمكن التواصل مع المؤلف على الإيميل التالي:

[email protected]

بقلم: أ.د./ ناصر أحمد سنه .. كاتب وأستاذ في جامعة القاهرة.

الرقم البريدي: 13411 شبرا الخيمة

المصادر

[1]- راجع هذه القصة في “فقه السيرة”، د. محمد سعيد رمضان البوطي، ط7، دار الفكر1977م، ص: 88 وما بعدها، أو في غيره من كتب السير.

[2]- رواه البيهقي، عن الحاكم عن عبد الله بن محمد الصنعاني.

[3]- قصة إستماع نفر من الجن للقرآن الكريم ساقها ابن اسحاق، ورواها ابن هشام في سيرته، وقد ذكرها البخاري ومسلم والترمذي علي نحو قريب وبتفصيل آخر.

[4]- تاريخ الاتحاد السوفيتي، موسكو 1973، ص 16.

[5]- د. مكارم الغمري: مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي، سلسة عالم المعرفة العدد:155، نوفمبر 1991م، الكويت، ص 46.

[6]- إ. كراتشكوفسكي، المؤلفات المختارة، ص 34.

[7]- إدوارد سعيد : الإستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء، نقله إلى العربية كمال أبو ديب ، ط 1، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1981م. وله : “الثقافة والإمبريالية”، نقله إلى العربية وقدّم له كمال أبو ديب ، ط 2، بيروت دار الآداب، 1998.، كذلك : “تعقيبات على الإستشراق”، ترجمة وتحرير صبحي الحديدي، ط 1، عمّان ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1996. وراجع ايضا: إسماعيل أحمد عمايرة: بحوث في الاستشراق، ط 1، عمّان، دار وائل للطباعة والنشر والتوزيع ، 2003 م، وله ايضاً:”المستشرقون وتاريخ صلتهم بالعربية: بحث في الجذور التاريخية”، عمان ، دار حنين، 1992، كذلك”: “بحوث في الاستشراق واللغة” ، القاهرة ، مؤسسة الرسالة، 2000م.

[8]-“القرآن في روسيا” في كتاب “ابحاث جديدة للمستعربين السوفييت”، الكتاب الأول، موسكو 1986م، ص 253.

[9]- د.مكارم الغمري، م. س. ص 48.

[10]- د. مكارم الغمري: م.س.، ص: 148-172.

[11]- إ. كراتشكوفسكي، م.س. ص 141، وأنظر: د. محمد عباس:” الكسندر بوشكين والقرآن” صحيفة الأسبوع العلم الثقافي لكلية الألسن ، القاهرة 1988.

[12]- أ. بوشكين، المؤلفات الكاملة، ج 2، موسكو 1977م ص 193.

[13]- تفسير ابن كثير، مجلد 4، دار إحياء الكتب العربية ، عيسي البابي الحلبي، ص 470.

[14]- الترجمة عن إ. بونين، المؤلفات الكاملة ،موسكو ، 1956م، ج2، ، ص:165-366.

[15]- المرجع السابق، ص 341.

[16]- د. عبد الرحيم العطاوي: الاستشراق الروسي: مدخل الى تاريخ الدراسات العربية والإسلامية في روسيا، المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء،

[17]- راجع مواقع ذات صلة علي الشبكة الدولية للمعلومات، مثل موقع: http://www.zuhlool.org/wiki-، كذلك سلسلة مقالات الكترونية للباحث د. إلمير رفائيل كولييف.

[18]- رواه الترمذي.

[19]- رواه الحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.


الوسوم:


مقالات ذات صلة