غريزة الحفاظ على النسل


الأثنين/ديسمبر/2019
   

بقلم الكاتب التركي هارون يحيى

كما ذكرنا في مواضيع سابقة أن دعاة التطور لم يكن بإمكانهم تفسير التضحية في سلوك بعض الحيوانات. وهناك أمثلة عديدة للتضحية في الطبيعة تهدم الأساس الفكري لهذه النظرية حتى إن ستيفن جي جولد Stephen Jay Goui  يتحدثعن التضحية كمشكلة عويصة تواجه نظرية التطور.

من جانب آخر يتحدث عنها جوردن تايلر Gorden Taylor  باعتبارها مانعاً أو سداً كبيراً أمام النظرية ليعبر عن عمق المأزق الفكري الذي يواجه هؤلاء في دفاعهم عنها. وهذه التضحية والرأفة التي يمكن مشاهدتها تحمل مفهومات كبيرة وتعتبر طعنة قاتلة في جسد نظرية أولئك الذين ينظرون إلى الطبيعة نظرة مادية بحتة ويعتبرونها نتاج مصادفات لا غير.

وهناك بعض من غلاتهم قد فسر هذه الظواهر تفسيراً آخر مختلفاً سماه بقانون الجين الأناني، ورائد هذه الفكرة أحد الغلاة في وقتنا الحاضر ويدعى Richard Dawkins  وهو يرى أن التضحية التي تعبر عنها بعض الكائنات ما هي إلا نتاج أنانيتها، وحسب قوله فإن الحيوان عندما يبدي تضحية ما فإنه لا يفعل ذلك دفاعاً عن الباقين بل حفاظاً على جيناته أي أن الأم عندما تذود عن صغيرها فهي في الحقيقة تدافع عن الجينات التي تولدت منها لأن صغيرها عندما يتم إنقاذه فإنه يستطيع أن ينقل هذه الجينات إلى أجيال لاحقة، وعلى هذا الأساس تصبح الكائنات الحية بما فيها الإنسان شبيهة بآلات لتوليد الجينات ومسؤولة عن نقلها إلى أجيال لاحقة.

yenimahalle escort bayan

ويدعي هؤلاء أنّ الكائنات الحية مبرمجة على الحفاظ على النسل ونقل الجينات إلى أجيال لاحقة ولهذا تسلك سلوكاً يلائم هذا البرنامج. ونورد مثالاً على طريقة تفكير هؤلاء وتفسيرهم لسلوك الحيوانات من خلال الاطلاع على نص مأخوذ من كتاب في علم الأحياء يتبنى هذه النظرية وعنوانه Essentails of Biology : أو مبادئ علم الأحياء والنص كما يلي: كيف يمكن تفسير السلوك الذي يقود صاحبه إلى الخطر من أجل إنقاذ غيره؟ بعض السلوكيات المستندة إلى التضحية مصدرها الجينات الأنانية، والاحتمال الأكبر أن تكون الكائنات الحية وهي تعرض نفسها للخطر في سبيل جلب الغذاء اللازم لصغارها تسلك هذا السلوك وفق برنامج جيني محدد، وسلوكها هذا يهدف إلى سلامة انتقال الجينات من الأبوين إلى الأبناء ومنهم إلى أجيال لاحقة، ويبدو رد الفعل هذا من الكائنات الحية تجاه أعدائها نوعاً من السلوك لتحقيق هدف معين، ويتجلى هذا البرنامج المعين للسلوك الحيواني في الرائحة والصوت والمظهر الخارجي وأشكال أخرى.

ولو تأملنا في النص السابق لاتضح لنا أن الكاتب يقصد أنّ الكائنات الحية في سلوكها تبدو وكأنها تسعى إلى شيء معين لا عن دراية وفهم بل لأنها مبرمجة على أن تسلك مثل هذا السلوك، وهنا يطرح السؤال التالي نفسه: ما مصدر هذه البرمجة؟ والجين الذي نتحدث عنه هو شبيه بمجموعة من الشفرات المعلوماتية، ولكن هذه المجموعة من الشفرات لا تستطيع التفكير، والجين يفتقد الذكاء والعقل والتقدير. لهذا السبب إذا وجد جين خاص يدفع الكائن الحي إلى التضحية فلا يمكن أن يكون هذا الجين هو الآمر بالتضحية. لقد صمم الحاسوب من قبل مصمم عاقل وذي دراية على أن يتوقف عن العمل عند الضغط على زر الإيقاف، إذن فالحاسوب لا يغلق من تلقاء نفسه وزر الإيقاف لا يعمل بالمصادفة دون مصمم. إن أحداً قد برمج هذا الزر على أن يوقف الجهاز عن العمل عند الضغط عليه.

إذن هناك جينات مبرمجة على دفع هذا الكائن الحي نحو التضحية بنفسه، وهناك قوة ذات عقل ودراية صممت وبرمجت هذه الجينات بهذه الصورة، وهذه القوة تلهم الكائنات كل لحظة وتراقبها وتهديها إلى اتباع سلوك معين، وهذه القوة هي الله جلت قدرته، وهذه الحقيقة يذكرها القرآن كما يلي:

] إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{56} فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ[[سورة هود:11].

لا تبدي الكائنات الحية تعاوناً نحو أقربائها من حملة جيناتها فقط بل نحو الكائنات الحية الأخرى أيضاً كما سنرى أمثلة مفصلة عديدة وهذه الظاهرة شكلت مشكلة عسيرة الحل بالنسبة إلى نظرية التطور لأنها توحي برغبة في الحفاظ على انتقال الجينات من نسل إلى آخر. وتحلل Cientific American  التي تتبنى هذه النظرية ظاهرة التعاون بين الحيوانات كما يلي: هناك مثال حي لتعاون حيوانين غير قريبين جينياً وهو تعاون ذكري حيوان البابون، فإذا حدث تنافس أو صراع بينهما يطلب أحدهما مساعدة من ثالث، ويبدأ الذي طلب المساعدة بهز رأسه إلى الأمام والخلف أي بين الذي جاء لنجدته وبين خصمه، ويفسر بعض الدارسين هذا السلوك بأن الذي طلب المساعدة يعتبر أن عليه حقوقاً مستقبلاً للذي قدم لنجدته إذا حدث أن تعرض لأي مكروه. إلا أن نظرية التطور تعجز عن تفسير كيفية منع الخديعة في الصراع بين الذكور وتعجز أيضاً عن تفسير طلب الذكر للمساعدة مرة أخرى والدافع الذي يجعله يسلك مثل هذا السلوك، والحقيقة التي لا لبس فيها تتمثل في أن الله سبحانه وتعالى يلهم المخلوقات ويدفعها إلى أن تضحي بنفسها وهي تسلك هذا السلوك.

تضحية الكائنات الحية داخل العائلة الواحدة

إن قسماً منها يقضي حياته أو جزءاً كبيراً من حياته مع باقي أفراد ما يسمى "بالعائلة"، فنجد على سبيل المثال البطريق والبجع، إذ يعيش هذان

عندما تذهب البطاريق للصيد تبقى الصغار متراصة جنباً إلى جنب، وبذلك تحافظ على أنفسها من البرد القارس، ولكن كيف تتعرف طيور البطريق على صغارها عند رجوعها من الصيد؟…..منح الله سبحانه وتعالى طيور البطريق القدرة على تمييز الأصوات وبهذه الوسيلة تستطيع هذه الطيور التعرف بعضها على بعض .

الحيوانان مع زوجيهما طيلة فترة حياتهما، أما إناث الأسود والفيلة فتعيش مع أمّاتها أو أمّات أمّاتها. وعموماً يتصف ذكور اللبائن بإنشاء عائلات خاصة بهم تتألف هذه العائلات من الذكور والإناث والصغار. وإنشاء هذه العائلات يلقي مسؤولية على عاتق البالغين لأنه يجب على الذكور في هذه الحالة الذهاب للصيد أكثر من ذكور الأنواع التي تعيش وحيدة، ويجب عليها الدفاع ليس فقط عن نفسها بل عن أفراد العائلة أيضاً، ثم إن الدفاع عن الصغار يتطلب تضحية كبيرة.

وتتطلب عملية إنشاء عائلات والدفاع عنها جهداً كبيراً وتحمل مخاطر جسيمة وترك الخلود إلى الراحة. وهذه العملية تثير تساؤلاً مهماً مفاده: لماذا تختار الحيوانات هذا الطريق الصعب؟

واختيار الحيوانات لهذا الطريق المحفوف بالمخاطر يبطل نظرية داروين والتي تقول بأن البقاء للأقوى، والموت والفناء للأضعف، فنحن سنرى في الصفحات القادمة من خلال أمثلة عديدة كيف تصمد، بل سنكتشف كيف أن الحيوانات الأقوى تعمل على المحافظة على حياة هذه الحيوانات الضعيفة وبأنبل صورة للإيثار والتضحية.

 

كيفية تعرف أفراد العائلة الواحدة على بعضهم البعض

يجب على أفراد العائلة الواحدة أن يملكوا آلية خاصة للتعرف على بعضهم البعض، وبواسطة هذه الآلية الخاصة للتعارف تستطيع الكائنات الحية التي تعيش على شكل مجموعات كبيرة أو مستعمرات أن تتعرف على صغارها أو أزواجها وحتى على آبائها أو أمّاتها أو أشقائها. ووسيلة

التعرف تختلف من حيوان لآخر، فالطيور التي تبني أعشاشها على الأرض مثلاً تتعرف على فراخها عن طريق الصوت والشكل الخارجي، ومنها طائر النورس الذي يقتات على سمكة الرينكا. ويعيش هذا الطائر ضمن مجموعات كبيرة العدد ويمكن أن يميز صوت فراخه وسط الزحام الهائل دون أن يختلط عليه الأمر بين باقي الأصوات حتى وإن كانت الفراخ بعيدة عن بصره. أمّا عن دخول طائر صغير آخر إلى المكان الذي توجد فيه الفراخ فإنّه سرعان ما يطرد من تلك المنطقة.

أما اللبائن فتستطيع التعرف على صغارها عن طريق الرائحة، وتقوم الأم بشم ولدها لحظة ولادته وفيما بعد تصبح هذه الرائحة وسيلة للتعرف على الصغار .

ويعتبر البطريق من أنجح الحيوانات في استخدام وسيلة التعرف، ويبدو لنا أمر التعرف على طير وسط من طيور متشابهة تماماً شبه مستحيل. والمحير أن البطريق يستطيع بسهولة التعرف على أفراد عائلته دون خلط وخصوصاً الأنثى، التي تغيب مدة 2 3 أشهر لجلب الغذاء وعند عودتها لا تجد أية صعوبة في التعرف على ذكرها وصغيرها من بين مئات البطاريق.

معظم اللبائن تبدأ بلحس وليدها بعد ولادته مباشرة لتنظيفه من آثار الولادة وأثناء ذلك تتعرف الأم على رائحة وليدها الرضيع وبهذه الرائحة تستطيع أن تميزه عن باقي الصغار.

والأغرب من ذلك قيام طيور البطريق بجمع صغارها في محل واحد شبيه بروضة من رياض الأطفال ثم تذهب إلى البحر، وهذه الطيور الصغيرة تتراص جنباً إلى جنب، وتعد هذه العمليه مهمة لدرء خطر البرد وبالتالي الحفاظ على حياة الصغار. والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يتعرف ذكر البطريق أو أنثاه على فرخه بعد غياب طويل؟

فحل هذا اللغز يتم من خلال إصدار الأب أو الأم أصواتاً مرتفعة فيستطيع الصغير أن يتعرف على أمه وأبيه من خلالها .

ولا شك أن وسيلة الصوت هذه أنجح وسيلة لتعرف أفراد مستعمرة البطريق على بعضهم من بين الآلاف من البطاريق. ولكن كيف أمكن لهذه الطيور المتشابهة فيما بينها إلى حد التطابق أن تمتلك أصواتاً مختلفة بعضها عن بعض؟ وكيف اكتسبت هذه الطيور قابلية التمييز بين الأصوات المختلفة؟ من المستحيل أن تكون طيور البطريق قد اكتسبت هذه القابلية بمحض إرادتها، فمن الذي وهبها هذه الميزة الفريدة؟

ما هو العنصر من عناصر الطبيعة الذي تولى هذه المهمة؟ هل هو الجليد في المنطقة القطبية؟ أم الصخور؟ الجواب قطعاً لا، لأن هذه العناصر التي يتحدث عنها دعاة التطور بدورها مخلوقة، فالله سبحانه وهبها ميزة الصوت المختلف وجعل لها قدرة على تمييز الأصوات المختلفة وكما يسر لها معيشتها بهذه الصورة المعجزة.

قال الله تعالى على لسان نبي الله موسى :

(قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى {49} قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [سورة طه].

المصدر :موقع هارون يحيى www.harunyahya.com


الوسوم:


مقالات ذات صلة