تأملات علمية في سورة الطارق (خلق الإنسان من الماء الدافق)


السبت/يونيو/2021
   

تأملات علمية في سورة الطارق (خلق الإنسان من الماء الدافق)

صالح شيخو الهسنياني
قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ . يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ . إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، يقول ابن عاشور: ” والنظر: نظر العقل، وهو التفكر المؤدي إلى علم شيء بالاستدلال فالمأمور به نظر المنكر للبعث في أدلة إثباته، والإنسان مراد به خصوص منكر البعث”(1).
قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾:
﴿دَافِقٍ﴾ في اللغة:
بمعنى مدفوق (2).
وقيل: سائل بسرعة (3).
وقيل: والدّفق: الصبّ (4).
وقيل: دفَق الماءُ: انْدفَعَ وانصَبَّ بشدّة واندفاع (5).
وقيل: أي منصب أو ذي انصباب (6).
في التفسير:
والدفق: الصب، تقول العرب للموج إذا علا وانحط: تدفق واندفق وأراد من مائين: ماء الرجل وماء المرأة لأن الولد مخلوق منهما، ولكنه جعله ماء واحدا لامتزاجهما (7).
﴿الصُّلْبِ﴾ في اللغة:
الصُّلْبُ: الظَّهر، وهو عَظمُ الفَقارِ المتصِّل في وَسَطِ الظَّهْرِ (8).
وقيل: فقار الظَّهر من الكاهل إلى أسفل الظهر (9).
وقَال الفَيُّومِيُّ: الصُّلْبُ كل ظهر له فقار (10).
ويُسَمَّى الجِمَاعُ صُلْباً لأَنَّ المَنِيَّ يَخْرُج مِنْهُ (كالصَّالِب) (11).
قال سعيد بن جبير رحمه الله: (فِي الصُّلْب الدِّيَةُ). يعنى إن كسر. وقيل إن أصيب بشيء تذهب به شهوة الجماع لأن المني مكانه الصلب ففيه الدية (12).
﴿وَالتَّرَائِبِ﴾ في اللغة:
موضع القلادة والحلي من الصّدر بين ثدي المرأة (13).
وقيل: هي الأضلاع أسفل الصدر أربع من كل جانبين (14).
وقيل: الترائب: عظام الصدر.
وقيل: ما ولى الترقوتين منه.
وقيل: ما بين الثديين والترقوتين.
وقيل: أربع أضلاع من يمنة الصدر، وأربع من يسرته.
وقيل: الترائب: اليدان والرجلان والعينان (15).
وقيل: أعلى صدر الإنسان تحت الذقن (16).
في التفسير:
أسفل من التراقي (17).
وقيل: عصارة القلب، ومنه يكون الولد، والمشهور من كلام العرب أنهما عظام النحر والصدر (18).
مكونات المني:
المَنِيّ Semenأو السائل المَنَوِيّ sperm (19): هو أحد السوائل الجسمية، وهو سائل عضوي درجة الحموضة PH: (7.2 – 8.0) تفرزه الخصيتان (الغدد الجنسية) لدى الذكور ويحتوي على الحيوانات المنوية بالإضافة إلى إنزيمات وبروتينات ومركب الفركتوز وتعمل هذه العناصر على بقاء الحيوانات المنوية حية، وتوفر وسط يمكنها من خلاله التنقل أو السباحة.
مكونات أخرى:
1. حامض الاسكوربيك ascorbic acid (فيتامين C لحماية وصيانة الأنسجة).
2. مضادات لتقوية جهاز المناعة.
3. معادن الكالسيوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم والخارصين والفوسفور.
4. الكلور كعامل مؤكسد.
5. الكوليسترول (ينشط ويعطي هرمونات كحولية لسوائل الجسم).
6. قاعدة كولين choline (جزء من فيتامين B المركب).
7. الكرياتين creatine.
8. DNA
9. الفركتوز fructose (سكر لأجل إمداد الحيوان المنوي بالطاقة).
10. حامض الأمينو ببتيد peptide amino acid.
11. انوسيتول inositol (سكر يوجد في العضلات).
12. حامض اللاكتيك lactic acid (يستخدم في انتاج العضلات).
13. البورين purine (مركب من حامض اليوريك).
14. البريميدين pyrimidine (قاعدة عضوية).
15. حامض البايروفيك pyruvic acid (يتكون من الكلوكوز أو الكلايكوجين).
16. ملح الصوديوم.
17. النتروجين.
18. السوربيتول sorbitol (سكر كحولي).
19. سبيرمين spermine (يحتوي على الأمونيا).
20. اليوريا urea .
21. حامض اليوريك uric acid.
22. فيتامين B12.
ينظر: WHAT IS SEMEN MADE OF? By Fred Guerra
JackinWorld Science Corner (JACKIN LIBRARY)
والسائل المنوي يحتوي على ملايين الحيوانات المنوية التي تلقح البويضات الأنثوية في عملية التكاثر، والحيوان المنوي القوي هو الذي يقوم بتلقيح البويضة أما بقيتها فتموت أثناء تحركها باتجاه البويضة، ولكون الحيوان المنوي يحتاج من (20-30) دقيقة أثناء تحركه باتجاه البويضة.
يتكون المني من إفرازات تنتج في الخصية والبروستات وغدة كوبر والحويصلات المنوية، وجميعها تشترك لتؤلف أنواعا مختلفة من السوائل القاعدية حيث:
1. تؤلف السوائل من البروستات (30%) من المني ولكونه قاعديًّا فإنه يساعد على معادلة الحامض الموجود طبيعيًّا في الإحليل والمهبل وهذا يحمي النطف.
2. تؤلف الحويصلات المنوية حوالي (60%) من السائل المنوي وأيضا يتكون من سائل قاعدي يحتوي على سكر الفركتوز الذي يعطي الطاقة للنطف.
3. غدة كوبر والخصيتان مسؤولتان عن إفراز الجزء الباقي من المني.
وتعرف عملية إخراج السائل المنوي بالقذف، ويتكون المني من جزئين: خلايا حية وتعرف بالحيوانات المنوية، وسائل بلازمي يساعد على بقاء الحيوانات المنوية حية في الظروف الجديدة ويمدها بالطاقة، والجدول التالي يوضح مصادر المني بالتفصيل مع العناصر المكونة من كل مخرج:
الغدة (المصدر) النسبة التقريبية العناصر المكونة
الخصيتين 5-2 % ما بين (200 – 500) مليون حيوان منوي تنتج في الخصية خلال القذف الواحد.
الحويصلات المنوية 75-65 % أحماض أمينية، حامض الستريك، إنزيمات، فركتوز، بروتينات، فيتامين C وغيرها.
البروستات 30-25 % حامض الفوسفوريك، حامض الستريك، زنك وغيرها.
غدة كوبر أقل من 1% الجالاكتوز، المذي وغيرها.

قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾
تعددت الآراء والتفاسير حول هذه الآية إلى:
1. خلق من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي ثدياها. يقول سيد قطب: ” خلق الماء الذي يجتمع من صلب الرجل وهو عظام ظهره الفقارية ومن ترائب المرأة وهي عظام صدرها العلوية.. ولقد كان هذا سرا مكنونا في علم الله لا يعلمه البشر. حتى كان نصف القرن الأخير حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة بطريقته وعرف أنه في عظام الظهر الفقارية يتكون ماء الرجل، وفي عظام الصدر العلوية يتكون ماء المرأة. حيث يلتقيان في قرار مكين فينشأ منهما الإنسان (20).
2. صلب الرجل وترائبه، يقول السعدي: ” ويحتمل أن المراد المني الدافق، وهو مني الرجل، وأن محله الذي يخرج منه ما بين صلبه وترائبه، ولعل هذا أولى، فإنه إنما وصف الله به الماء الدافق، والذي يحس به ويشاهد دفقه، هو مني الرجل، وكذلك لفظ الترائب فإنها تستعمل في الرجل، فإن الترائب للرجل، بمنزلة الثديين للأنثى، فلو أريدت الأنثى لقال: ” من بين الصلب والثديين ” ونحو ذلك، والله أعلم (21).


ذكر الدكتور محمد وصفي في كتاب “القرآن والطب” أنه نقل ما كتبه في مجلة “هدى الإسلام” عام (1354هـ /1936م) فقال: “الماء الدافق هو السائل المنوي الذي يحتوي على الحيوانات المنوية الحية، وسمي دافقاً لأنه يصب.. بوساطة الانقباضات الخاصة التي تدفع بها القناة الناقلة والحويصلة المنوية هذا السائل… وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ﴾ [القيامة: 37]، ويقول القاموس المحيط دفقه ويدفقه صبه، وهذا ما يجعل الماء الدافق خاصاً بالذكر وحده دون الأنثى، إذ ليس للمرأة ماء يصب ويتدفق بشدة كماء الرجل، بل إن ماء المرأة إفراز يسيل لمجرد تليين الجهاز التناسلي وترطيبه، مثل سيلان اللعاب والعرق، وبذلك يكون قوله تعالى ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ﴾ أي يخرج من بين صلب الرجل وترائبه ولا دخل هنا لصلب المرأة وترائبها مطلقاً… والصلب هو السلسلة الفقرية.. والترائب هي عظام الصدر… (و) النطفة.. تتكون حقيقةً في القناة المنوية في الأنثيين (الخصيتين) ولا تتكون في الصلب ولا تتكون كذلك من الترائب، فقوله تعالى ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ﴾ ليس معناه أنه يخرج منهما ولكن معناه أنه يخرج بينهما، أي يخرج من مكان يقع بينهما، وهذا من عظيم أسرار الإسلام في الطب… (و) في الذكر والأنثى.. مكان الغدة التناسلية يكون في أول الأمر في الفراغ البطني.. (و) يقع تماماً بين الصلب والترائب… فالآية الكريمة ترشدنا بذلك إلى أصل تكوين الغدة التناسلية في الإنسان وتدلنا على مكان وجودها الأولي فيه.. (و) يخرج باعتبار نشأته الأولى وأصل وجوده في الجنين” (22).
3. صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها (23):
نقل القرطبي عن الحسن البصري أن: “المعنى: يخرج من صلب الرجل وترائب الرجل، ومن صلب المرأة وترائب المرأة” (24).
يقول ابن القيم: ” ولا خلاف أن المراد بالصلب صلب الرجل، واختلف في الترائب فقيل: المراد بها ترائبه أيضا، وهي عظام الصدر ما بين الترقوة إلى الثندوة (ثدي الرجل)، وقيل: المراد ترائب المرأة، والأول أظهر؛ لأنه سبحانه قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 7] ولم يقل يخرج من الصلب والترائب فلا بد أن يكون ماء الرجل خارجا من بين هذين المختلفين كما قال في اللبن: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: 66] وأيضا فإنه سبحانه أخبر أنه خلقه من نطفة في غير موضع، والنطفة هي ماء الرجل، كذلك قال أهل اللغة، قال الجوهري: والنطفة الماء الصافي قل أو كثر، والنطفة ماء الرجل، والجمع نطف؛ وأيضا فإن الذي يوصف بالدفق والنضح إنما هو ماء الرجل، ولا يقال نضحت المرأة الماء ولا دفقته، والذي أوجب لأصحاب القول الآخر ذلك أنهم رأوا أهل اللغة قالوا: الترائب موضع القلادة من الصدر. وهذا لا يدل على اختصاص الترائب بالمرأة، بل يطلق على الرجل والمرأة” (25).
يقول المراغي (ت: 1371هـ/ 1953م): ” اعلم أخي وفقك الله أن في هاتين الآيتين وما شاكلهما من الآيات سرّا من أسرار التنزيل ووجها من وجوه إعجازه، إذ فيهما معرفةحقائق علمية تأخر العلم بها والكشف عن معرفتها وإثباتها ثلاثة عشر قرنا، بيان هذا أن صلب الإنسان هو عموده الفقري (سلسلة ظهره) وترائبه هي عظام صدره.. وإذا رجعنا إلى علم الأجنة وجدنا في منشأ خصية الرجل ومبيض المرأة ما يفسر لنا هذه الآيات التي حيرت الألباب.. فكل من الخصية والمبيض في بدء تكوينهما يجاور الكلى ويقع بين الصلب والترائب، أي ما بين منتصف العمود الفقري تقريبا ومقابل أسفل الضلوع… فإذا كانت الخصية والمبيض في نشأتهما وفي إمدادهما بالدم الشرياني وفي ضبط شئونهما بالأعصاب قد اعتمدتا في ذلك كله على مكان في الجسم يقع بين الصلب والترائب فقد استبان صدق ما نطق به القرآن الكريم وجاء به رب العالمين ولم يكشفه العلم إلا حديثا بعد ثلاثة عشر قرنا من نزول ذلك الكتاب، هذا وكل من الخصية والمبيض بعد كمال نموه يأخذ في الهبوط إلى مكانه المعروف فتهبط الخصية حتى تأخذ مكانها في الصفن ويهبط المبيض حتى يأخذ مكانه في الحوض بجوار بوق الرحم، وقد يحدث في بعض الأحيان ألا تتم عملية الهبوط هذه فتقف الخصية في طريقها ولا تنزل إلى الصفن فتحتاج إلى عملية جراحية… وإذا هدي الفكر إلى كل هذا في مبدأ خلق الإنسان سهل أن نصدق بما جاء به الشرع وهو البعث في اليوم الآخر.. ﴿إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، أي إن الذي قدر على خلق الإنسان ابتداءً.. قادر أن يرده حيا بعد أن يموت”(26).
يقول ابن عاشور (ت: 1393هـ): ” وأطنب في وصف هذا الماء الدافق لإدماج التعليم والعبرة بدقائق التكوين ليستيقظ الجاهل الكافر ويزداد المؤمن علما ويقينا.
ووصف أنه يخرج من بين الصلب والترائب لأن الناس لا يتفطنون لذلك.
والخروج مستعمل في ابتداء التنقل من مكان إلى مكان ولو بدون بروز فإن بروز هذا الماء لا يكون من بين الصلب والترائب.
والصلب: العمود العظمي الكائن في وسط الظهر، وهو ذو الفقرات.
والترائب: جمع تريبة، ويقال: تريب. ومحرر أقوال اللغويين فيها أنها عظام الصدر التي بين الترقوتين والثديين ووسموه بأنه موضع القلادة من المرأة.
والترائب تضاف إلى الرجل وإلى المرأة، ولكن أكثر وقوعها في كلامهم في أوصاف النساء لعدم احتياجهم إلى وصفها في الرجال.
وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ الضمير عائد إلى ماء دافق وهو المتبادر فتكون جملة يخرج حالا من ماء دافق أي يمر ذلك الماء بعد أن يفرز من بين صلب الرجل وترائبه.
وأصل مادة كلا المائين مادة دموية تنفصل عن الدماغ وتنزل في عرقين خلف الأذنين، فأما في الرجل فيتصل العرقان بالنخاع، وهو الصلب ثم ينتهي إلى عرق يسمى الحبل المنوي مؤلف من شرايين وأوردة وأعصاب وينتهي إلى الأنثيين وهما الغدتان اللتان تفرزان المني فيتكون هنالك بكيفية دهنية وتبقى منتشرة في الأنثيين إلى أن تفرزها الأنثيان مادة دهنية شحمية وذلك عند دغدغة ولذع القضيب المتصل بالأنثيين فيندفق في رحم المرأة.
وأما بالنسبة إلى المرأة فالعرقان اللذان خلف الأذنين يمران بأعلى صدر المرأة وهو الترائب لأن فيه موضع الثديين وهما من الأعضاء المتصلة بالعروق التي يسير فيها دم الحيض الحامل للبويضات التي منها النسل، والحيض يسيل من فوهات عروق في الرحم، وهي عروق تنفتح عند حلول إبان المحيض وتنقبض عقب الطهر. والرحم يأتيها عصب من الدماغ” (27).
التفسير العلمي:
الحقائق العلمية المكتشفة اليوم تقول بأن مني الرجل يصنع في الخصية التي تحتوي على الخلايا المهيئة لذلك، وليس في منطقة الظهر أو الصدر، فكيف يصف القرآن خروج الماء الدافق بأنه من بين الصلب والترائب؟
والجواب: أن هذا من الإعجاز العلمي لهذا الكتاب العظيم، فقد اكتشف الطب الحديث أن هذا المكان – بين الصلب والترائب – هو مكان نشوء الخلايا الأولى للخصية التي تنزل بعد مرحلة من تخلق الجنين إلى كيس الصفن أسفل البطن.
يقول الدكتور محمد دودح (28): ” والحقيقة العلمية هي أن الأصول الخلوية للخصية في الذكر أو المبيض في الأنثى تجتمع في ظهر الأبوين خلال نشأتهما الجنينية، ثم تخرج من الظهر من منطقة بين بدايات العمود الفقري وبدايات الضلوع ليهاجر المبيض إلى الحوض بجانب الرحم، وتهاجر الخصية إلى كيس الصفن حيث الحرارة أقل، وإلا فشلت في إنتاج الحيوانات المنوية، وتصبح معرضة للتحول إلى ورم سرطاني إذا لم تكمل رحلتها (29).
والتعبير ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ﴾ يفيد بوصف تاريخ نشأة الذرية، ويستوعب كافة الأحداث الدالة على سبق التقدير والاقتدار والإتقان والإحكام في الخلق، منذ تكوين البدايات في الأصلاب وهجرتها خلف أحشاء البطن، ابتداءً من المنطقة بين الصلب والترائب إلى المستقر، وحتى يولد الأبوان ويبلغان ويتزاوجان وتخلق الذرية مما يماثل نطفة ماء في التركيب عديمة البشرية من المني لكنها حية تتدفق ذاتياً لتندمج مع نطفة نظير، فتتكون النطفة الأمشاج من الجنسين(30).
ويقول الدكتور محمد علي البار: ” تقول الآية الكريمة أن الماء الدافق يخرج من بين الصلب والترائب، ونحن قد قلنا أن هذا الماء (المني) إنما يتكون في الخصية وملحقاتها، كما تتكون البويضة في المبيض لدى المرأة، فكيف تتطابق الحقيقة العلمية مع الحقيقة القرآنية؟
إن الخصية والمبيض إنما يتكونان من الحدبة التناسلية بين صلب الجنين وترائبه، والصلب هو العمود الفقري والترائب هي الأضلاع، وتتكون الخصية والمبيض في هذه المنطقة بالضبط، أي بين الصلب والترائب، ثم تنزل الخصية تدريجيا حتى تصل إلى كيس الصفن (خارج تجويف البطن) في أواخر الشهر السابع من الحمل، بينما ينزل المبيض إلى حوض المرأة.. ومع هذا فإن تغذية الخصية والمبيض بالدماء والأعصاب واللمف تبقى من حيث أصلها، أي من بين الصلب والترائب، فشريان الخصية أو المبيض يأتي من الشريان الأبهر (الأورطي البطني) من بين الصلب والترائب، كما أن وريد الخصية يصب في نفس المنطقة، أي بين الصلب والترائب، كما أن الأعصاب المغذية للخصية أو للمبيض تأتي من المجموعة العصبية الموجودة تحت المعدة من بين الصلب والترائب، وكذلك الأوعية اللمفاوية تصب في نفس المنطقة، أي بين الصلب والترائب.
فهل يبقى بعد كل هذا شك أن الخصية أو المبيض إنما تأخذ تغذيتها ودماءها وأعصابها من بين الصلب والترائب.
فالحيوانات المنوية لدى الرجل أو البويضة لدى المرأة إنما تستقي مواد تكوينها من بين الصلب والترائب، كما أن منشأها ومبدأها هو من بين الصلب والترائب، والآية الكريمة إعجاز كامل، حيث تقول: ﴿مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ﴾، ولم تقل من الصلب والترائب، فكلمة ﴿بَيْنِ﴾ ليست بلاغية فحسب، وإنما تعطي الدقة العلمية المتناهية.
والعلم الحديث يقرر أن الماء الذي لا يقذف ولا يندفع وإنما يسيل.. إنما هو إفرازات المهبل وغدد بارثولين المتصلة به، وأن هذه الإفرازات ليس لها دخل في تكوين الجنين، وإنما وظيفتها ترطيب المهبل.. ولكن العلم الحديث يكشف شيئا مذهلا؛ أن الحيوانات المنوية يحملها ماء دافق هو ماء المني، كذلك البويضة في المبيض تكون في حويصلة ” جراف ” محاطة بالماء، فإذا انفجرت الحويصلة تدفق الماء.. وتلقفت أهداب البوق البويضة لتدخلها إلى قناة الرحم حيث تلتقي بالحيوان المنوي لتكون النطفة الأمشاج.. هذا الماء يحمل البويضة تماما كما يحمل ماء الرجل الحيوانات المنوية، كلاهما يتدفق، وكلاهما يخرج من بين الصلب والترائب: من الغدة التناسلية؛ الخصية أو المبيض.
وتتضح مرة أخرى معاني الآية الكريمة في إعجازها العلمي الرائع: ماء دافق من الخصية يحمل الحيوانات المنوية، وماء دافق من حويصلة ” جراف ” بالمبيض يحمل البويضة” (31).
ويقول آخر: ثبت بعلم الطب أن بداية خلق خصية الرجل ومبيض المرأة هما في موضع يجاور الكلى، وهو موضع بين صلب الإنسان (العمود الفقري) وترائبه (عظام الصدر) وهو لكل من الرجل والمرأة.
وإن تدفق الماء عند الرجل واضح، أما عند المرأة ففيه وجه الإعجاز فقد وجد أن المبيض يتكون من حويصلات تنمو وتنضج كل شهر ويكبر حجمها وتكثر أوعيتها وتفرز سائلا يملأ الحويصلة، وعندما تنفجر تنطلق منها البويضة مدفوعة بهذا السائل.
وقال أحد الأطباء: إن عروق الدم والأعصاب المتصلة بالخصيتين والمبيضين ما زالت تبتدئ من المكان المجاور للكليتين، وهذا الاتصال يفسر لنا آلام الظهر في حالة التهاب الخصيتين أو المبيضين (32).
يقول الدكتور حيدر محمد الجدي: ” منطقة الظهر تمتلك العديد من الأعضاء التي تتحكم وراثيا (الخصي والمبايض)، وهرمونيا ووظيفيا (الخصي والمبايض والغدة الكظرية) بالقذف، وخروج الماء الدافق الذي سيخرج منه الإنسان لاحقا (أي الجنين البشري).
فحسب ما أثبته الطب في علم الأجنة أنه منذ التشكل الجنيني تمتد على طول هذه المنطقة وفي الجانبين ما يدعى بالكلية الوسطى، التي هي بنية جنينية نسيجية تعتبر أمهات المناسل، أي ستعطي فيما بعد المناسل وهي المبيض والخصي وهي البنى الأساسية في الماء الدافق الذي سيتولد منه الإنسان فيما بعد.
[إن] أصل الخصي والمبايض موجود بين الصلب والترائب من خلال (الكلية الوسطى) التي ستتحول لما يدعى بالعرف البولي التناسلي، الذي يتابع التشكلات القادمة من خصي ومبايض وجهاز بولي.
تستلزم عملية انتاج النطاف إلى هجرة الخصية من الكلية الوسطى إلى الصفن قبل الولادة المكان الأكثر ملائمة لها، حيث تحتاج لحراة أقل من حرارة الجسم الطبيعية وهي حوالي (33-34) درجة مئوية. اما المبيض فيتشكل ويبقى مكانه.
ومن الحقائق الأخرى التي تطرحها الآية الكريمة هي وجود عضو له علاقة بالدفق، وهما غدتا الكظر على السطح العلوي للكليتين، وتمتدان تقريبا من الحافة الضلعية وحتى الفقرات القطنية الأولى والثانية، وتتجه نحو الأعلى نحو الحجاب الحاجز بين البطن والصدر، وقد تبين أن هذه الغدة تتحكم أيضا ولو جزئيا بالماء الدافق من خلال الهرمونات التي تفرزها، وهي هرمونات من النمطين الذكري والانثوي، وبنسب متقاربة حسب الحالة التي يكون فيها الجسم، وحسب الجنس من ذكر أو أنثى”(33).

الهوامش:
1. التحرير والتنوير: (30/261).
2. غريب القرآن لابن قتيبة: (ص177).
3. مفردات الراغب الأصفهاني: (ص316).
4. الفيروزأبادي، بصائر ذوي التمييز: (2/604).
5. أحمد مختار عبد الحميد، معجم اللغة العربية المعاصرة: (1/755).
6. معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن: (2/111).
7. الثعلبي، الكشف والبيان: (10/179).
8. الفراهيدي، العين: (7/127).
9. معجم اللغة العربية المعاصرة: (2/1311).
10. الفيومي، قاموس اللغة (المصباح المنير): (3/471).
11. المرتضى الزبيدي، تاج العروس: (3/201).
12. الزمخشري، الفائق: (2/314)، دار المعرفة – لبنان، ط2.
13. أبو عبيدة التيمي، مجاز القرآن: (2/294)؛ غريب القرآن لابن قتيبة: (ص449)؛ ابن دريد، جمهرة اللغة: (1/253)؛ ابن الهائم، التبيان في تفسير غريب القرآن: (ص341)؛ الثعلبي، الكشف والبيان: (10/179).
14. برهان الدين الكرماني، غرائب التفسير وعجائب التأويل: (2/1328).
15. المحكم لابن سيده: (9/480).
16. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير الجزري: (1/186).
17. تفسير مجاهد: (ص720)، دار الفكر الإسلامي الحديثة- مصر، ط1، 1410 هـ – 1989م.
18. الكشف والبيان: (10/179)؛ تفسير ابن كثير: (8/375).
19. ويكيبيديا.
20. في ظلال القرآن: (6/3878).
21. السعدي، تيسير الكريم الرحمن: (ص919).
22. محمد دودح، نشأة الذرية، موقع إعجاز القرآن والسنة.
23. يقول الشيخ محمد علي الشنقيطي: ” هذا الأقرب للصواب”. يوتيوب تفسير سورة الطارق.
24. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: (20/7).
25. إعلام الموقعين عن رب العالمين: (1/112-113)، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، 1411هـ – 1991م.
26. تفسير المراغي: (30/113-115).
27. التحرير والتنوير: (30/263-264).
28. نشأة الذرية معجزة علمية، موقع إعجاز القرآن والسنة.
29. يفيد علم الأجنة أن الخلايا الأولية للخصيتين والمبيضين نشأت من خلايا تسمى الكونادز (Gonads) ولها القابلية على أن تصبح خصيتين أو مبيضين، وفي داخلها خلايا تسمى كونوسايت (Gonocyte)، والكونادز عندما تتكون تكون ما بين العمود الفقري والضلوع الأخيرة من القفص الصدري ومنها تنزل إلى كيس الصفن لتكوين الخصيتين أو إلى الحوض لتكوين المبيضين. يوتيوب: يخرج من بين الصلب والترائب.
30. موقع ملتقى أهل التفسير.
31. خلق الإنسان بين الطب والقرآن: (ص114-124).
32. مؤيد يحيى الدباغ، الإنسان والعلم والإيمان: (ص222)، مكتبة عباد الرحمن – مصر، مؤسسة الريان بيروت، ط1، 2011م.
33. مقال بعنوان: يخرج من بين الصلب والترائب (بتصرف يسير)، مجلة الإعجاز العلمي، العدد (58)، 1440هـ/ 2018م. تصدر عن الهيئة العالمية للكتاب والسنة برابطة العالم الإسلامي.


الوسوم:


مقالات ذات صلة