الشهيد القس السابق الأثيوبي ملقاه فقادو


السبت/ديسمبر/2019
   

نقلاً عن ما نشرته صحيفة المسلمين عنه عدد 2 أكتوبر 1991بتصرف:

القس الأثيوبي الذي أسلم على يديه الكثيرون نال ثقة الكنيسة فيما يقوم به من نشاط في حركات التبشير والتنصير حتى وصل إلى أعلى المراتب الكنسية، ولكن داخله الشك عندما وقع تحت يده كتاب يتضمن تفاسير قرآنية وكانت بداية خطواته على طريق الإيمان الذي يحكيه فيقول:

” عشت سنوات من التيه، و لم أكن أدري ما يخبئه القدر لي … خدمت المسيحية بكل ما أستطيع ، ومن ثم تدرجت في السلم أخرى. حتى وصلت إلى مراتب عليا في الكنيسة وأصبحت أحد القياديين فيها، ثقةً من كبار القساوسة في شخصي وفيما أقوم به من نشاط بكل إخلاص و همة ، مما دفعهم إلى تحميلي مسئوليات كبرى في التبشير و التنصير.

كنت محباً للقراءة و الاطلاع ، فلم أجد كتاباً عن الإنجيل إلا قرأته حتى فوجئت و أنا أقرأ بعض الكتب الإنجيلية المترجمة أنها تتناول الدين الإسلامي و تطرح سؤالاً مؤداه : أهو دين سماوي أم لا ؟ .. و عندما وصلت إلى هذه النقطة بدأت أعيد طرح السؤال مرة أخرى … ثم مرت الأيام و عثرت على كتاب للتفاسير القرآنية مكتوب باللغة الأمهرية ، فبدأت أقارن بين ما وجدته في هذا الكتاب و ما قرأته سابقاً في الترجمات الإنجيلية عن دين محمد ، حتى بدأ يداخلني الشك و أشعر بالفرق الهائل و بالتحريف الذي حدث تجاه دين الإسلام ، حتى أيقنت تماماً أن الإسلام هو الدين الحقيقي .. بعدها أشهرت إسلامي و تسميت باسم “محمد سعيد قفادو” …فيقول:عكفت على إعداد دراسة تبين أسباب إسلامي موضحاً فيها حقيقة المعلومات الخاطئة المنحرفة في الكتب الإنجيلية، و من ثم أوردت الحقائق الثابتة ورفعتها إلى المجلس الإسلامي الأعلى في أديس أبابا “.

ثم يصمت برهةً يلتقط فيها أنفاسه ليعرض رد فعل الكنيسة فيقول:

” لم تقف الكنيسة موقف المتفرج بعد أن فضحها من عاش بداخلها ردحاً من الزمن، فتحركت بسرعة وحركت أذنابها في السلطة الشيوعية إبَّان عهد “منجستو” وسلطوا عليّ أجهزة الأمن التي قامت باعتقالي، ودخلت السجن لمدة ثلاثة أشهر بلا ذنب سوى أنني اعتنقت الإسلام وتخليت عن المسيحية “.

و كان لمحمد سعيد دور في الدعوة الإسلامية فيعبر عن ذلك بقوله :

” بعد خروجي من السجن استفدت من علاقاتي الشخصية و نجحت في إدخال أكثر من مائتي شخص جديد لدين الإسلام ، و لكن الأسقف “كارلويوس” رئيس القساوسة لم يهنأ له بال حتى قام برشوة أجهزة القمع في نظام “منجستو” الديكتاتوري ، و مرةً ثانية جرى اعتقالي و تأكد لي أنني لن أخرج هذه المرة من السجن ، و لا سيما أن الكنسيين مستمرون في ملاحقتي ، غير أنه بعد زيارة قام بها الدكتور “عبد الله عمر نصيف” الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي لأثيوبيا و لقائه مع الرئيس السابق “منجستو” طلب منه الإفراج عني، فاستجاب لطلبه “

وهكذا نجد أنفسنا أمام شخصية صارت تستميت من أجل عقيدتها لا يثنيها عنها المكائد المتلاحقة.

وهذا ما كتبته مجلة الفيصل عنه عدد أبريل 1992-بتصرف- :

و لد ملقاه فقادو لأب يهودي و أم نصرانية في إحدى قرى أثيوبيا، و درس في صباه المبكر التوراة و الإنجيل ، و اختار أن يصير نصرانياً كأمه ، و لم يكن اختياره نابعاً عن قناعة بالديانة النصرانية ، و لكن للأفضلية التي يحظى بها أتباع هذه العقيدة في بلاده التي تعد أحد معاقل النصرانية في إفريقيا .

و لم يجد “ملقاه” ذاته في التوراة أو الإنجيل ، إذ رأى في الأولى مجموعة من الأقاصيص والأساطير التي عمد الكهان و الأحبار إلى حشوها بكل ما هو غريب بعد أن حرفوا الكلم عن مواضعه، فلم يتقبل عقل “ملقاه” ما في التوراة المحرفة من خرافات وأباطيل، فنبذها إلى دراسة الإنجيل الذي تؤمن به والدته ، فوجد أن التناقض بين نصوص الأناجيل واضح، فضلاً عن كونها لا تقدم تفسيراً للحياة و الكون و لا تحاول تنظيم أية علاقة في شئون الدنيا و الآخرة ، فأدرك أنها ليست الكتاب المنزل على عيسى عليه السلام ، أما الإسلام فلم يحاول “ملقاه” أن يدرسه و لم يَسْعَ إليه لحظة ، فالدعاية الكنسية القوية والمؤثرة تصور الإسلام على أنه دين المتخلفين و تنسب العديد من الافتراءات و الأكاذيب عليه و على المسلمين، و من ثم كبر “ملقاه” على بغض الإسلام ، و بحث عن مهنة تليق بمستوى أسرته الاجتماعي وتتيح له أن يحيا حياته في بحبوحة و رغد من العيش ، فلم يجد أفضل من السلك الكنسي ، حيث سيحظى بالاحترام و بالمرتب الكبير و بالسيارة ، و قد ساعده على الالتحاق بالعمل في الكنيسة حفظه التوراة ، و صار الشاب “ملقاه” قساً يشار إليه بالبنان و تقبل العامة يديه وينادونه “أبانا” ..

و استمر عمله في الكنيسة ست سنوات ، اجتهد خلالها في الدعوة إلى النصرانية دونما كلل أو ملل ن و لاسيما أنه ينعم بمميزات عدة من راتب سخي و سكن أنيق و سيارة فاخرة في بلد تهدده المجاعة كل يوم و تفتك بالكثيرين من مواطنيه .

و ظل هكذا يعمل بجد في خدمة الكنيسة و الدعوة ،وكانت ليلة فاصلة إذ رأى فيها ـ فيما يرى النائم ـ رجلاً يقترب منه في المنام و يوقظه هاتفاً به أن يقرأ شهادتي : “لا إله إلا الله ، محمد رسول الله”، و سورة الإخلاص : { قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد و لم يولد * و لم يكن له كُفُواً أحد } .. فقام من نومه فزعاً و قد روعته تلك الرؤيا التي لم يستوعبها ، و إنما فسرها بفهمه القاصر على أنها من الشيطان.

و تكررت الرؤيا ليلتين أخريين، و رأى في الليلة الثالثة نوراً يضئ أمامه الطريق و رجلاً يقرئه الشهادتين و سورة الإخلاص، فأدرك من فوره أن هذه رؤيا حق و ليست من عمل شيطان رجيم كما كان يتوهم ، فالنور الذي أضاء سبيله في الرؤيا قد تسرب في وجدانه و أنار بصيرته فأصبح من يومه و في قرارة نفسه إيمان عميق بأن عقيدة الإسلام هي الحق و ما دونها باطل .. و لم يطُل به التفكير لأنه بحكم دراسته اللاهوتية كان مطلعاً على البشارات العديدة برسالة محمد صلى الله عليه و سلم، و لذا أشهر إسلامه عن اقتناع تام.

و عندما حدث زوجته في الأمر عارضاً عليها الدخول في الإسلام جاوبته بالإيجاب و دخلت معه في عقيدة التوحيد، و كذلك فعل أطفاله الثلاثة.

و كان أول ما فعله “ملقاه” بعد إشهار إسلامه أن قام بتغيير اسمه إلى “محمد سعيد” معتبراً ذلك اليوم يوم ميلاده الحقيقي شاكراً الله تعالى ما أنعم به عليه من نعمة الهداية إلى دين الحق .

أما بالنسبة للأوساط الكنسية الأثيوبية فقد استقبلت نبأ إسلام “محمد سعيد” بغضب شديد ، و لم تكتفِ بحرمانه من الامتيازات التي كان ينعم بها من مسكن راقٍ و سيارة فاخرة و راتب ضخم و غير ذلك، بل سعت حتى أدخلته السجن ليلقى صنوفاً و ألواناً من التعذيب في محاولة لرده عن إيمانه و ليكون عبرة و عظة لكل من يفكر في ترك النصرانية و الالتحاق بركب الإسلام.

و تحمل “محمد سعيد” كل ذلك صابراً محتسباً أجره عند الله، و لم يتزحزح إيمانه قيد أُنمُلة، و لسانه يلهج بالحق: “سبحان الله، و الحمد لله، و لا إله إلا الله”..

و حين لم تُجدِ معه وسائل التعذيب ـ و ما أكثرها ! ـ اضطر القساوسة إلى تركه لكيلا يتحول إلى رمز و قدوة تنير الطريق لكثير من رعايا الكنيسة إلى درب دين الحق .

و خرج “محمد سعيد” من السجن أقوى إيماناً و اشد تصميماً على إيصال دعوة الحق إلى غيره، إذ زادته محنة السجن ثباتاً و حرصاً على أن يصبح داعية للإسلام بعدما كان قساً يدعو إلى النصرانية ، و جعله الله سبباً في هداية نحو 280 شخصاً اعتنقوا الإسلام على يديه .

و يذكر “محمد سعيد” أنه قد استفاد من دراسته للتوراة و الإنجيل في استكشاف الكثير من أوجه الإعجاز القرآني، و أنه بحكم عمله السابق كقس يدرك الأساليب غير السوية التي يلجأ إليها المنصرون من أجل جذب الفقراء و المحتاجين إلى الديانة النصرانية ، حيث يستغلون فقر الناس و عَوَزهم بالتظاهر بمواساتهم مادياً و معنوياً و الاهتمام بهم صحياً و تعليمياً في محاولة لاكتساب ودهم و محبتهم، و من ثم السيطرة على عقولهم و إقناعهم بأن في النصرانية خلاصهم من عذاب الآخرة و فقر الدنيا !!

هذا و يقضي “محمد سعيد” أوقاته في حفظ القرآن الكريم، مع ما في ذلك من مشقة لكونه من غير الناطقين باللغة العربية ليتمكن من الدعوة الإسلامية . وعن أسلوبه في الدعوة يقول :

” أعتمد على معرفة عقيدة من يدعو و من ثم مناقشته في عقيدته و إظهار بطلانها و مخالفتها للفطرة و العقل، ثم بعد ذلك أقوم بشرح ما في الإسلام من نواحٍ خيِّرة عديدة مبيناً أنه الدين الحق الذي اختاره الله للبشرية منذ بدء الخليقة ، فالإسلام يعني التسليم لله بالربوبية و الطاعة و الانقياد لأوامره ـ عز و جل ـ و اجتناب نواهيه “

و عن أمنية “محمد سعيد” يقول :

” أمنيتي الخاصة أن أتمكن من هداية والدي و والدتي إلى دين الحق .. أما أمنيتي العامة فهي أن أستطيع أن أكون أحد فرسان الدعوة الإسلامية و أن يوفقني الله لما فيه خير أمة الإسلام و أن ينصرها و يعلي شأن دينه “

أجل .. أمنيات تدل على صدق إيمان القس السابق “ملقاه” بدين محمد صلى الله عليه و سلم الذي صار سعيداً باعتناقه له فتسمى باسم نبي الإسلام و يقرنه بكونه سعيداً .

أما آخر أخباره فكان الخبر التالي من موقع مفكرة الإسلام :

 (فقادو) من أشهر قساوسة أثيوبيا، ذاع صيته وانتشر اسمه لنشاطه في تنصير أعداد كبيرة من أبناء جلدته، تعمق في دراسة النصرانية واطلع على أدق تفاصيلها وخفاياها، وأصبح علماً بارزاً من أعلامها، وقد أكسبته هذه الشهرة الجاه والمال وأصبح ذا شأن عظيم في أوساط نصارى القرن الأفريقي.

رأى في منامه كأنه يقرأ سورة الإخلاص بكاملها {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد}ونظراً لما يمتاز به من ذكاء حاد وفطنة وحس يقظ لم تمر عليه هذه الرؤيا مرور الكرام بل ظل يدور حولها ويمعن النظر في تفسيرها ويفكر في فحواها ومغزاها. ولما لم يصل إلى نتيجة مقنعة حول تعبير هذه الرؤيا ذهب إلى مكتب رابطة العالم الإسلامي بأثيوبيا علّه يجد ما يطفئ ظمأه، ويجد تعليلاً وتوضيحاً وتفسيراً لرؤيته التي لم يهدأ له بال بعدها لإدراكه بأن هذه السورة من سور القرآن. وقد وجد في مكتب الرابطة ضالته إذ أوضح له مدير المكتب مغزى هذه الرؤيا وأن الله عز وجل أراد له الهداية وإخراجه من الظلمات إلى النور وكعادة مكاتب الرابطة، المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، في نشر الدعوة الإسلامية وإرشاد الناس إلى دين الله اقتنع السيد (فقادو) بعد عدة زيارات للمكتب بالإسلام وأشهر إسلامه بحمد الله وأصبح اسمه (محمد سعيد).

ونظراً لما يمثله هذا الرجل من ثقل في النصرانية فقد أزعج إسلامه الكنيسة واعتبروه مارقاً عن ديانتهم ولا مناص من عودته إلى النصرانية أو تصفيته جسدياً. وفي الجانب الآخر يعتبر إسلام هذا الرجل مكسباً كبيراً للمسلمين نظراً لكثرة أتباعه وتأثيره عليهم وتأثرهم به مما سيؤدي إلى إسلام قرى بأكملها وهذا ما تم بالفعل.

ولما أحس رجال الكنيسة بما يمثله (فقادو) من خطورة وأدركوا تمسكه بالإسلام واستحالة عودته إلى ديانتهم قرروا الانتقام منه وقد فطن إلى ذلك. وقام مكتب الرابطة بأثيوبيا بالتنسيق مع الأمانة العامة للرابطة بمكة المكرمة بمنحه تأشيرة دخول إلى المملكة العربية السعودية لإبعاده عن مضايقات رجال الكنيسة من جهة ولتعليمه مبادئ الإسلام في مهبط الوحي من جهة أخرى. ونظراً لعدم إلمامه باللغة العربية فقد تم إلحاقه بمعهد اللغة العربية التابع لجامعة أم القرى بمنحة من الرابطة وتم تأمين سكن مناسب له ولأسرته بمكة المكرمة وتخصيص راتب شهري يليق بمكانته. ونظراً لحدة ذكائه كما أسلفت فقد تعلم أساسيات اللغة العربية في وقت قياسي وتعمق في دراسة الإسلام وحسن إسلامه وظهرت سمات الصلاح في وجهه وحفظ بعض أجزاء القرآن الكريم وترقق قلبه وأصبح دائم البكاء من شدة فرحه بما أنعم الله عليه من نور الهداية.

وفي هذه الأثناء جاءته ابنة راعي الكنيسة قادمة من إثيوبيا وهى شابة حسناء، أتته باكية مستنجدة مدعية بأن أباها طردها عندما أدرك أنها سوف تعتنق الدين الإسلامي وهى جاءت إلى فقادو لكي ينقذها من أسرتها التي تريد قتلها وطلبت منه أن يتزوجها ويعلمها الإسلام وتم لها ما أرادت فتزوجها وأسكنها في جدة لأن زوجته الأولى أسلمت معه وسكنت في مكة المكرمة.

ولم يكن يعلم بما حيك له من سوء وما دبر له من مكائد فقد يئس رجال الكنيسة من عودته إلى ديانتهم فخططوا لقتله حتى وإن كان خارج أثيوبيا.

وأرسلوا له هذه الحسناء المصابة بمرض الإيدز وبالتالي انتقلت إليه العدوى ونقلها دون أن يعلم إلى زوجته الأولى. ولما أدركت هذه الشابة نجاح مهمتها ولّت هاربة إلى إثيوبيا تاركة هذا المرض يسري في جسد محمد سعيد وزوجته. ولم يمهلهما المرض كثيراً حيث توفيت زوجته بعد عدة أشهر أما هو فقد هزل جسمه وضعفت قوته ثم قضى نحبه ودفن بمكة المكرمة. نسأل الله أن يتغمده برحمته ويسكنه فسيح جناته.

وصدق الله العظيم: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم….} [البقرة:120].

رحمك الله يا فقادو وتقبلك شهيداً في جنة الخلد.


الوسوم:


مقالات ذات صلة