الخيل .. ” فيها جَمالٌ ” يستوجب الشكر.

 
الأحد/نوفمبر/2021
   

 

لا يملك المرء إلا أن يحبس أنفاسه ـ روعة وانبهاراً واندهاشاًـ فضلاً عن أن يلوي زمام قلمه لتتواري الكلمات، خجلي عاجزة عن التعبير عن ذلك “الإمتاع الجمالي”..البصري والفكري والعقلي والوجداني.. المقصود، والدقيق، والمُعجز لمفردة واحدة من مفردات الخلق، ولمخلوق واحد من كم هائل يصعب حصره من مخلوقات الله تعالى.
وحيال ذلك الوضع، وفي عصر بات يعتمد، في إقناعه وتواصله وإعلامه، و”إعلانه”، علي “الثقافة البصرية، وموضوعية، وحيادية الصورة” سيُترك العنان، قدر الإمكان، وقدر المتاح، لتلك الصور لتعبر هي عن نفسها دونما عجزٍ من كلمات، أو إسهاب ممل، أو حتى اختصار مُخل.
وتماشياً مع هذا الموقف الذي أخُتط لهذا المقال: أن تتحدث الصور عن نفسها، دونما إفراط في الكلمات والجُمل، نُحيل القارئ الكريم، تمهيدا وابتداءً، لمقالين لكاتب هذه السطور ضمن مقالات وأبحاث هذه الموسوعة المباركة، وأولهما عنوانه:” العلم الحديث.. ومظاهر الإعجاز الجَمالي، وتجليات الإبداع الإلهي”(باب الإعجاز في الكائنات الحية)، وثانيهما بعنوان:”سنة الله في الآفاق وفي الأنفس دلالة قاطعة علي التوحيد” (باب آيات الله في الآفاق).
يقول جل شأنه: “وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ(6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)” (سورة النحل:5-8).

بعد تقرير القرآن الكريم أن تلبية “ضرورات الانتفاع المادية” من الخيل للركوب، عطفت الآية الكريمة كلمة، “وزينة” تلبية لحاجات أخري، حاجات تذوق الجمال عند النفس البشرية السوية، وتنميتها وإثرائها.

وقد ورد الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي تحض على تكريم الخيل والعناية بها؛ فمن ذلك أن النبي، صلي الله عليه وسلم قال:”خير مال المرء مُهْرةٌ مأمورة أو سكة مأبورة” (مسند أحمد، برقم: 15284) (سكة مأبورة: أي نخل ينبتُ على صفين ملقح). وروي أن رسول الله صلي الله عليه وسلم: “رُئِيَ يمسح وجه فرسه بردائه فسئل عن ذلك؟ فقال: إني عُوتبت الليلة في الخيل” (موطأ مالك، برقم: 890). وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله، رضي الله عنه، قال: “رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْوِي نَاصِيَةَ فَرَسٍ بِإِصْبَعِهِ وَهُوَ يَقُولُ الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ”(صحيح مسلم، برقم: 3479).
واختلف الرواة في عدد خيله، صلي الله عليه وسلم كما اختلفوا في أسمائها وألوانها، ولكن المشهور والمتفق عليه، ستة خيول: “السَّكْب”: الخفيف السريع الجري، و”المُرْتَجز”: يقال غيث مرتجز، و”ذو رعد”، لجهارة صهيله وحسنه، و”لِزَاَزُ”: الشديد المجتمع الخَلْقِة، و”اللُحَيْف”: طويل الذنب، كأنه يلحف/يغطي الأرض بذنبه، و”سَبْحَةَ”: حَسَنُ مدّ اليدين في جريه، و”الِظَّرَبُ”: ما نتأ من الحجارة وحُدّ طرفه، وقيل هو الجبل الصغير. وحكي عن ابن خالويه قال: كان للنبي، صلي الله عليه وسلم من الخيل: سَبْحَة، واللْحيف، ولِزَاز، والظَّرِب، والسَّكْب، وذو اللَّمَّة، والسَّرْحَان، والمُرْتَجِل، والأدْهَم، والمُرْتَجز، وذكر في موضع آخر مُلاوح والوَرْد، واليَعْسُوب. وذكر غيره: ذو العُقَّال والسَّكْب، واللْحيف، ولِزَاز والظَّرب، وسَبْحة، والبَحْر، والشَّحَاء.
لقد خلق الله تعالي الكون وما به جميلاً، في ذاته، وليس انعكاسا من المشاهد/ المـتأمل/ المراقب، وجمالها ـ يشتي صنوفه، وهنا مدار القول علي جمال الخيل، ولا يخلو كائن حي.. دقيق أو كبير من جَمال وإبداع ـ يُعد معياراً في تناول العلوم وفلسفته ونظرياته، وتلك نظرة جديدة، ومبدأ حديث في العلم. إن الجمال، بوصفه قيمة ايجابية ذات صفة موضوعية، يبدو شعوراً بحضور بما هو جميل. والجميل، بطابعه الحسي الواقعي المتعين يبدو في جزئيته وتنوعه وتغيره، مشاركة أصيلة في الماهية الكلية.

إن عروبة الخيل وأصالتها، أمر أكدته الكشوف الأثرية، والآداب العربية. وكما حرص العرب على حفظ شجر أنسابهم، حرصوا علي إثبات أنساب خيولهم سواء بسواء. وثمة مصنفات كاملة موضوعة في أنساب الخيل، كما فعل ابن الكلبي، والأصمعي، والغندجاني وغيرهم.
ولقد بلغ من عناية العرب بخيلهم أن أطلقوا على كل ما يتصل بها اسماً، ولم تقاربهم في ذلك أي لغة أخرى. فثمة أسماء تشمل أطوار حياتها، ومشِّيها، وعَدْوها، وأصواتها، وعتقاها، وأنواعها، وألوانها، وأوصافها الخ. فوليد الفرس أول ولادته”مُهراً”، ثم “فُلْواً”، وبعد سنة واحدة “حَوْلي”، وفي الثانية “جَذْعاً”، والثالثة “ثِنْيِاً”، فإذا دخل الرابعة “رَباعاً”، وفي الخامسة “قادحاً”، حتى يبلغ الثامنة، فإن تجاوز إلى نهاية عمره سمى”مُذَكّى”.
تراث الخيل
ورد في قصص التّراث أن ملوك العرب بلغ من حزمهم، وبُعْد نظرهم إلى العواقب، أن أحدهم لا يبيت ليلة إلاّ وفرسه موقوف بسرجه ولجامه بين يديه، قريباً منه مخافة فُجاءة عدو، أو قضاء حاجة عاجلة. وكان للنعمان بن المُنذر فرس يقال له “اليحموم” يتعهده عشية كل يوم، وهو عمل يتفاخر به العرب ويتمادحون بقيامهم على الخيل، وارتباطها بأقبية بيوتهم وأخبيتهم. وقال عقبة بن سِنان يصف خيلاً أُهديت إلى معاوية بن أبي سفيان: إنها لسامية العيون، لاحقة البطون (أي ضامرة)، دقيقة الآذان، أفتاء الأسنان (أي قوية دلالة على مقتبل العمر)، ضِخَام الرّكبات (قوية السيقان)، مشرفات الحجبات (عالية الظهور)، رحاب المناخر، صِلاب الحوافر، وقعها تحليل ورفعها تعليل، فهذه إن طُلبت سَبقَت وإن طَلبَت لحِقتَ.
و”كان العرب لا يهنأون إلا بغلام يولد لهم، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج” وقال أكثم بن صيفي “عليكم بالخيل فأكرموها فإنها حصون العرب”. وقيل لبعض الحكماء: أي الأموال أشرف؟ قال: فرس تتبعها فرس في بطنها فرس” وقد قالت العرب أيضاً: أربع لا ينبغي لأحد أن يأنف منهن وإن كان شريفاً أو أميراً: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته لضيفه، وقيامه على فرسه، وخدمته للعَالِم. وقد تحاور عمرو وربيعة أبناء أحد ملوك حمير، فقال ربيعة: أي الخيل أحب إليك عند الشدائد إذا التقى الأقران للتجالد؟ قال: الجواد الأنيق، الحصان العتيق، الكفيت الغرنيق الذي يفوت إذا هرب، ويلحق إذا طلب، قال: نعم الفرس والله نعت، قال عمرو: فما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره أحب إلي منه، الحصان الجواد، السلس القياد، الشهم الفؤاد، الصبور إذا سرى، السابق إذا جرى.

وحُظيت عتاق الخيل (كِرامها) في كلام العرب، بنصيب وافر من الأسماء، من ذلك: “اللهْموم”: الحصان الجيد الحسن الخَلْق، الصّبور في العدو، الذي لا يسبق، ولا يدرك، و”العَنْجُوج”: الجيد الخَلْق، الحسن الصورة، و”الهَذْلول”: الطويل القوي الجسيم، و”الذيّال”: الطويل الذيل، و”الهيكل”:عظيم الخَلْق، حسن الطّلعة، و”النِّهد”: شديد الأعضاء، عظيم الجوف، و”الجَرْشع”: عظيم الخلْق، واسع البطن، و”البحر”: كثير الجري لا يصيبه التعب، و”المُسَوّم”: لديه علامة مُميزة، و”السّابح”: الذي يرمي يديه قُدماً إذا جرى، و”المُطَهّم”: تام حسن الخَلْق، و”المُجنَّب”: بعيد ما بين الرّجلْين من غير اتساع، و”الجموح”: النشيط السّريع، و”الهضب”: كثير العرق، و”الشّطب”: حسن القد، و”العتيق والجواد”: كريم الأصل رائع الخَلْق، و”المُعْرِب”: إذا لم يكن فيه عِرْق هجين، و”الطّموح”: سامي الطرف، حديد البصر، و”السّكب”: الخفيف السريع الجري، وبه سُمي أحد أفراس الرسول صلى الله عليه سلم.

ليس ثمة ضرورة نفعية/ حياتية تفرض وجود كل مظاهر هذا الجمال والإبداع في الخيل. فجمال الكون وإبداعه ناشئ عن قصد لا تحكمه الضرورة أو الصدفة أو تفسيرات دارون وغيره. إن نكران الإبداع الإلهي المُوجد للحياة والإحياء على هذه الصور المتعددة الجميلة للخيل ليصطدم بالمنطق العلمي/ العقلي قبل اصطدامه بالدين، يقول تعالى: “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ” فصلت: 53.

 

إن العالم/ المراقب / المتأمل الذي “يعمي” عن رؤية هذا الجمال إنما هو قليل الحظ من العلم، فضلا عن قلة حظه من الإيمان.. الذي يزداد وينقص. إن التفكر في الكون ومخلوقات الله تعالي، امتثالاً وطاعة لأمره تعالى:” قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”(سورة العنكبوت:20) يثري ـ ليس فقط ـ الوعي والذائقة الجمالية, التي هي هبة من الله تعالى، بل أيضاً يـُزيد الإيمان بما يثمره من معرفة بتجليات اسمه تعالى “البديع”، فمخلوقات الله تعالي و”بنيتها الجميلة” تؤكد أن مبدعها سبحانه، والقيوم ـ جل شانه ـ علي شأن هذا الكون بما، وبمن، وما هو كائن، وما سيكون فيه.
ألوان الخيل:
يقول تعالى:“وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ”(سورة فاطر:28). ويقول تعالى: “وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ”النحل:13. ولقد وردت ألوان الخيل في التراث نثراً، أكثر مما وردت شعراً. ويُعد أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي، (ت 421هـ،) من أشهر من كتب في هذا، في كتابه “مبادئ اللغة”. وكذلك أوردها القلقشندي، والكلبي. وهذا الاستقصاء الدقيق لألوانها ، وأوصافها، والوقوف على الاختلافات الدقيقة، التي لا تظهر للعيان بل للمختصين، ما يدُل على شِّدة عناية العرب بخيلهم. وقد جعل العرب ألوان الخيل الرئيسة عشرة هي: الدُّهمة، والخُضْرَة، والمَصّدأة، والكُمتة، والورْدة، والشّقرة، والصّفرة، والصِّنابية، والشّهبة، والبَلق. وكل لون من هذه العشرة يتفرع بدوره إلى درجات متفاوتة من اللون الرئيس.

جمال الرشاقة، وروعة التحكم بالجهاز العضلي الحركي..وهل غير الخيل يبرع في ذلك؟.

وثمة أسماء للخيل مستمدة من أوصافها:”الصَّافِنات”، جمع صافن، والحِصان الصّفون هو الذي يرفع إحدى قوائمه، ويضع سنبكه على الأرض ويقوم على ثلاث قوائم ليستريح بها، و”الأعوجية”: منسوبة إلى خيل كرام كانت في الجاهلية، منعوتة بالكرم والسّبق، و”العناجيج” واحدها عنجوج. ويقال فرس عنجوج كريم وسابق. ولا يقال فاره إلاّ للحمار والبغل والبعير ويُقال فرس جوادٌ للكريم، ونَهْد للعالي، وطَمْر للسريع الوثب، ومثله طمُوح، وسَابح، وسابحة للأنثى، ويُقال فرس عالي التّلِيل أي طويل العنق. ،كما إن هناك “مُقْرب”، و”لاحِقُ” و”أعْوجُ” و”داحس” و”ذو العُقّال” و”غُرِاب” و”مُذْهَبُ” و”وَجِيُه”.. كلها خيول كرام كانت في الجاهلية، ونسبت إليها كرام الخيل.

إرادته تعالى.. القادرة المدبرة الحكيمة البديعة، في خلقه، وبديع صنعته، وحسن إتقانها: “هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ”(سورة لقمان: 11). ويقول تعالى: “بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (سورة الأنعام:101).

ومن الأسماء التي تصف مشيها وعَدْوها..”الضّبرُ”: إذا وثب فجمع يديه، و”العَنَقُ”: السير السريع، إذا باعد بين خطاه وتوسّع في مشيه، و”الهَمْلَجة”: إذا أن قارب بين خطاه، ومشى في سرعة وبَخْتَرَةٌ، و”الاِرْتِجال”: إذا راوح بين العَنَقِ والهَمْلَجة، و”الخَبَبُ”: إذا قبض رجليه وراوح بين يديه، واستقام جريه، و”التقدي”: إذا خلط العَنَقَ بالخبب، و”الضَّبْعُ”: إذا لوي حافريه إلى عضديه، وأسرع في سيره، و”التَقْريب”:إذا كان أثناء جريه يضع يديه ويرفعها في آن واحد، وهو ضربٌ من العدو، و”العُجيلي”: إذا جمع في جريه بين التَقْريب والخبب، و”الإمجاج”: أن يأخذ في العدو قبل أن يضطرم، و”الإحْضَار”: أن يعدو عدواً متداركاً، و”الإرخاء”: أشد من الإحضار، و”الإهذاب”: أن يضطرم في عدوه، و”الإهماج: هو قصارى جهد الفرس في العدو.
كما أطلقوا على أصوات الخيل عدداً من الأسماء، منها: “الشّخير”: إذا خرج الصوت من فم الفرس، و”النخير”: إذا خرج من المنخرين، و”الكرير”: إذا خرج من الصّدر؛ وينقسم الكرير ثلاثة أقسام: “أجش”، و”صَلْصَال”، و”مُجَلْجِل”، و”الصّهيل”: صوت الفرس في أكثر أحواله، خاصة إذا نَشِطَ، و”الجَلْجَلة”: أحسن أنواع الصهيل، و”الحَمْحَمْةُ”: صوته إذا طلب العلف، أو رأى صاحبه فاستأنس به، و”الضَبْحُ”: صوت نَفَسِه إذا عدا، وقد ذكرها القرآن الكريم. وهو ليس بصهيل ولا حمحمة، و”النَثِيرُ”: صوته إذا عَطَسَ، و”البَقْبَقْةُ”: الصوت يخرج من جوفه، و”القبع”: صوت يردده من منخره إلى حلقه، إذا نفر من شيء أو كرهه، و”الجشّة”: صوت غليظ كصوت الرعد.
وعندما يتواصل الفارس مع جواده.. زّجراً، وإقداماً، وسّكوناً، وحثاً على العدو، يستعملون: يَهْياه، وهَلْ، وأرحب، وأقدم، وهب، وهلاّ. والجواد الأصيل يعي كل إشارة/ صوت يصدر من صاحبه، كما يفهم الصفير عند شرب الماء، وقالوا: “عاتبوا الخيل فإنها تُعْتُب”.. أمراً ونهياً.

ومن أشهر الخيل في التراث العربي:”داحس والغَبْراء” فبسببهما اشتعلت الحرب لأربعين عاماً بين قبيلتي “عبس وذبيان”، حتي أصلح بينهما “الحارث بن عوف، وهرم بن سنان”، و”الصّفا”، فرس “مجاشع بن مسعود السّلمي”، وهي من نجل الغبراء. و”أطْلال”: فرس “بُكَيْر بن شداد الشُداَّخ”، و”الحرون”: فرس “مسلم بن عمرو الباهلي”، والد “قتيبة بن مسلم” القائد المشهور، و”بَلْعَاء”: فرس “الأسود بن رفاعة الشيباني”، و”أعوج الأكبر”: فرس “لغنيِّ بن أَعْصُر”، و”الخطّار”: فرس “لبيد بن ربيعة العامري”. و”غَرَّاف”: “للبراء بن قيس بن عتاب” جار “السَّميدعُ”، و”خَصاف”: فرس “مالك بن عمرو الغَسّاني”، و”سُلَّم”: فرس “زَبَّان بن سيّار الفزاري” التي نجا عليها “زيد الخيل الطائي”، عندما كان أسيراً، و”الشّيماء”: فرس “معاوية بن عمرو بن الشّريد السُلَمي”، و”الحَمومُ”: فرس “الحكم بن عرعرة النمري” وهي من نسل “الحَرُون”.

الخيل مضرب الأمثال العربية:
عناية العرب بالخيل جعلتها مضرب أمثالهم العربية، فوردت بشأنها أمثال منها: كلمات النبي صلي الله عليه وسلم التي لم يُسْبُقْ إليها، قوله: “يا خيل الله اركبي” (أي هذه الخيول وفرسانها خارجة لله، وفي سبيل الله)، و”الخيل ميامين”: أي مباركات، من اليمن والبركة. “الخيل أعلم بفرسانها”: يضرب للرجل الذي يظن أن عنده غَناء (فائدة)، ولكنه لا غَناء عنده. كما يُضرب مثلاً في العلم بالأمر ومعرفته. “أبصر من فرس”: لحدة بصره. “اتبع الحصان لجامه”: يضرب للرجل الذي بدأ أمراً ولم يكمله. “أتعب من رائض مهر”: لما يبذله من جهد في الترويض. “أسرع من فريق الخيل”: كناية عن السرعة والانجاز. “أسمع من فرس بيهماء” (تصغير أبهم، وهو حلكة اللون) في غلس (ظلام حالك). يُضرب مثلاً لحدة السّمع. “أشد من فرس”: يُضرب للصبر والقوة. “أكرم الخيل أجزعها من السوط”: أي الفرس الكريمة تحرص ألاّ ينالها الضرب لأن فيه مذلة، فهي لذلك لا تحوج فارسها إلى استعمال سوطه، لأنها تُنجز ما يُراد منها دون أن تُدفع إليه، ويُضرب للشخص الكريم الخُلق الحريص على ألاّ يُهان أو يُقرّع. “إن لكل جواد كبوة”: أي عثرة، والمعنى أنّ الكريم أو الشريف ينبغي ألاّ يُذمّ إذا وقعت منه هفوة. “تركته على مثل خد الحصان”: أي على طريق واضح. “جاء وقد لفظ لجامه”: يُضرب لعدم المبالاة والانفلات والتحدي التام. “جرى المذّكيات غلاب”: المذّكيات من الخيل ما كمُلت قوته، وغلاب أي غالب على غيره، ويُضرب للمتفوق الذي لا يدانية أحد. “الخيل تجري على مساويها”: (مساويها أي عيوبها)، والمعنى أن الخيل، وإن كانت بها عيوب، فإن كرمها وعزة نفسها تحملها على الركض، وكذلك الرجل الكريم يحمل نفسه على المحمل الحسن، على ما به من هنات وعيوب. “ليس الفرس بجله وبرقعه” (البجل ما يوضع على الدابة لتُصان به، والبُرقع: قناع الدواب؛ أو لِباسه)، ويدلل المثل علي أن الرّجل بجوهره وليس بمظهره. “هما كفرسي رهان”: يُضرب مثلاً للمتساوين في الفضل أو القوة. “إن العصا من العصية”: والعصا اسم فرس أمها فرس اسمها العصية، ويدل المثل على عامل الوراثة، وأن الفرع يؤثر فيه الأصل.

أنواع الخيل العربية
يتمتع الحصان العربي الأصيل ببنية جسمانية متينة ومتكاملة، تختلف باختلاف مناطق نشأته. وتتقسم سلالات الخيل العربية المعاصرة إلى: خيول نجدية، وحِجَازية، ويَمَنِيَّة ومصْرِية، وشَّامية، ومغربية. ويضيف “بوركهارت” إلى هذه السلالات سلالتين، هما: “الثامرية” وهي من نسل “الكحيلان”، و”النزاحي” وهي من نسل “الهدباء”.
وتندرج تحت سلالة الحصان العربي الأصيل خمس فصائل رئيسة: الِكحيلان، والصّقلاوية، والعَبيْان، والشِّويمات وأم عَرْقوب. أما فصائل الحصان العربي من جهة الأم فقد أرجعها الباحثون إلى 23 فصيلة تعود في معظمها إلى أنواع ثلاثة؛ هي: الكحيلان، والصّقلاوي، والمعنّكي (قد تُبْدل الكاف قافاً في المعنكي فيصبح: المعنقي).
أ. الكحيلان (لسواد ما حول عينيها، كأنه كحل): يُعتبر أفضل الخيول العربية المُخَصّصة للركوب. وجماله ذَكَري الطابع. ويتميز بكبر حجمه، وضخامة عضلاته، ويغلب عليه اللون البُنّي. وتندرج تحت فصائله فروع عديدة، منها: الحمداني والهدبان والشِّويمات (لكثرة الشّامات في جسمها) والرَوْضان والوَدْنان والعجوز والجّلابي والهيفي، والكروشان. ويذكر بوركهارت أن مماليك مصر كانوا يُقَدِّرون سلالات الكحيل المنحدرة من الصحراء، وينفقون الأموال الطائلة لتوليدها محلياً في مصر وكانوا يتقيدون بالأساليب العربية في كل ما يتعلق بالخيل وتربيتها. كما عدّوا المعرفة بالخيل من علامات المكانة الاجتماعية الرفيعة. وكان أعظم شيء يُنفق عليه المال عندهم، هو إسطبل الخيل.

ب. الصّقلاوي (لصقالة شعرها وسرعة عدوها): يعدُّ أفضل الخيول العربية لأغراض الاحتفالات، والمهرجانات، والاستعراضات. ويرجع ذلك إلى جماله الباهر الذي يتخذ الطابع الأنثوي حتى عند الفحول. ويمتاز عن الكِّحيلان برأسه الجميل، وجبهته العريضة، مع تَقَعُر واضح في جانبيّ الأنف، وهو أقل حجماً من الكحيلان. ومن أهم فصائله لجهة أمه: الصقلاوي والعبيان (سُميت بذلك لأنها ردت عباءة راكبها بذيلها) والجدراني والدّهمان والرِّيشان والطّويسان والموّاج والميلوا و الشيفي والجدراني بن سودان.

ج. المَعَنّكي: جواد ممتاز، أكثر ما يُسْتَخدم لأغراض العدو والسباق. ويمتاز بطول عنقه ورأسه، وهو فاره الجسم، ضخم الحجم، وعيونه صغيرة إذا قورنت بعيون الخيول العربية الأخرى. وتبقى الخيول المعنكية أصيلة ما دامت محافظة على صفاء سلالتها دون اختلاط مع السلالات الأخرى. وهو من السلالات العربية التي دخلت إلى أوربا، ومن أشهرها الحصان العربي “دارلي” وهو الجد الأكبر للسلالة المعروفة “بالثروبيرد”، الذي كان معنكياً حَدْرياً. ومن أهم فروعه: المَعَنّكي والجَلْفان والسّعدان، والسّمحان، وأبو عرقوب، والمخلّدي، والزّبدان، والسَّبيلي (نسبة إلى ابن سبيل) والحَدْري (نسبة إلى ابن حدر)، والكوبيشان.

ويعتقد البدو أن خمس سلالات أصيلة من الخيل، تنحدر من خيل النبي ـ صلي الله عليه وسلم المُفَضّلة، وهي: المُعنكية، والهويسه، والكحيلة، والصقلاوية والجلفة. وأما السُّلالات الخمس، التي يُعتد بها عند أهل نجد اليوم فهي: الكَحيلاء، والعبيه، والصّقلاوية، والدّهماء والهَدْباء. وتختلف السُّلالات الأصيلة عند أهل نجد عنها عند البدو، إذ إِن النجديين لا يعدون المعنكية والجلفة من نسل السُّلالات الخمس، بل هم يعتزون بنسل الهَدْباء والدّهماء، ولا يستعملون أبداً نسل المنحدرة من أصل الكحيل فحولاً، خلافا للبدو.

ولا يشير بدو الصحراء عادة إلى شجرة نسب خيولهم العربية، وذلك لمعرفتهم التامة بأصولها وأنسابها. ولكن حينما يأخذونها إلى أسواق المدن فإِنهم يحملون معهم شجرة نسب مكتوبة يعرضونها على المشتري.

الخيول النجدية
تُعد الخيول النجدية من أجود أنواع الخيل وأعرقها. وهي تمتاز بصغر رأسها (من أهم ميزات الحصان العربي الأصيل، وعليها يتوقف حسنه وأصالته). فرأسه جميل التكوين (أحسنها ما كان على شكل هرم؛ قمته إلى أسفل وقاعدته لأعلي)، ناعم الجلد، قليل لحم الخد، بارز عضلاتها. ورأس الأنثى أصغر قليلاً من رأس الذكر. ويمتاز يجبهة عريضة تُزيّنها غُرَّة (بياض) في وسطها، وعينان واسعتان سوداوان، يسترسل عليهما شعر الناصية فيقيهما من أشعة الشمس المحرقة. وقد أشار رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى أهمية شعر الخيل:”لاَ تَقُصُّوا نَوَاصِي الْخَيْلِ وَلاَ مَعَارِفَهَا وَلاَ أَذْنَابَهَا فَإِنَّ أَذْنَابَهَا مَذَابُّهَا وَمَعَارِفَهَا دِفَاؤُهَا وَنَوَاصِيَهَا مَعْقُودٌ فِيهَا الْخَيْرُ”(سنن أبي داود، برقم: 2180). لذا فالعرب يستقبحون جزّ نواصي خيولهم، وعادة ما يرسلونها إلى الجهة اليمنى من العنق.
وللحصان الأًصيل مخطم (مقدم الأنف والفم) دقيق، وأنفُ مستقيم، ومنخران واسعان مستديران، وفم واسع الشدقين، وأذنان منتصبتان سريعتا الحركة، والأذن في الأنثى أطول قليلاً عنها في الذكر. بينما يتميز جذعه فريدة، فكاهله (ما بين الظهر والعنق) عالٍ، دقيق في أعلاه، وظهره قصير عريض. وأفضل المتن (الظهر) ما كان قوياً قصيراً مستقيماً، منحرفاً قليلاً من الخلف إلى الأمام. وكلّما اتسعت المسافة بين منكبيه، كان ذلك دليلاً على ضخامة الصدر، مما يوفر حيزاً أكبر لرئتيه وكفاءة عملها وبخاصة أثناء العدو السريع.
أمّا البطن فيكون متناسقاً مع الجسم، ويغطي الجسم شعر لين لامع برّاق. وقوائمه ذات عضلات قوية.. أما الساعد فأفضله ما كان قصيراً مستقيماً بارز الأوتار، ويستحب أن تكون الحوافر صغيرة صلبة وقوية، وساقا الحصان الأصيل مستقيمتان دون انحراف، وفيها قصر ومتانة. فضلاً عن هذه السِّمات الجِسْمية للحصان العربي، ثمة ميزات أخرى يتفوق بها على سائر الخيول، منها: اكتمال لياقته، وتحمله، وصبره، وشجاعته، وذكائه، ووفائه، ووداعته، حبه للموسيقى، وطربه، وخصوبته، وعدم شراهته أو نهمه، قدرته العالية على تحمل المشاق/ الظروف الصعبة، ومناعته للأمراض، وسرعة شفائه.

إيقونات لمسابقات جمال الخيل

صغارها وكبارها، ذكورها وإناثها… و”وصيفاتها”.

لوائح مُشهرة تنظم مواصفات “جمال الخيل”.
ثمة لوائح مُشهرة تنظم شأن الدخول في مسابقات “جمال الخيل” فيما يلي أهم شروطها:
– لا يجوز إجراء أي تغير على اللون الأساسي لجلود أو شعر أو حوافر الخيل كما يمنع استخدام دهان الحوافر والطلاء عديم اللون وأصباغ الشعر وعمليات التجميل بما فيها زرع الجلد. ملاحظة: يجوز السماح باستعمال زيوت الحوافر عديمة اللون والفازلين والزيت والطباشير الأبيض للقوائم البيضاء.
– يحظر استخدام الطرق الصناعية لتوسيع حدقات العيون، أو التأثير على الأداء الطبيعي للجواد أو سلوكه أو تصرفاته عن طريق ضخ الأوكسجين في أوعيتها الدموية أو عن طريق استخدام الأوزان، أو الحذاوي ذات الوزن الزائد اصطناعياً أو عن طرق المعالجة الكهربائية أو الكيميائية من أي نوع وفي أي وقت قبل أو خلال العرض.وسيتم تطبيق اللوائح اكتشاف أية حروق أو جروح أو علامات أخرى على أجساد الخيل المتسابقة.

إن في الْخَيْلَ لجمال، كما في سائر الكائنات جَمال، ويبرز سؤال: هل تتذوق هذه الكائنات الجَمال، وتشعر به؟. إن خلقها ـ كما الكون ـ على هذا النحو من الجَمال دال أبلغ دلالة على إتقان صنعة مبدعها وخالقها: “صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ”(سورة النمل: )88. ويقول صلي الله عليه وسلم: “إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغمطُ الناس” (رواه مسلم). كما “إن الواحد لا يصدر إلا عن الواحد”، ووحدة البناء تؤكد وحدانية الخالق سبحانه وتعالى. فكل ما يتصف بوحدة النظام والتنسيق والانسجام والجمع بين المتنافرات والمتناقضات والتنوع داخل النوع والوحدة لا بد أن يقف وراء كل ذلك واحداً أحداً.
إجمال القول: الجمال عنصرٌ أصيلٌ عند النظر للحياة والكون, وهو قيمة معنوية مبثوثة في الجمادات، والأحياء سواء بسواء. وهذا الجمال المتغلغل فى الكون يستلزم تذوقه, ومن ثم رؤية مُبدعه، المنعم به. فالله سبحانه وتعالي صاحب النعم كلها، المتفضل بها على الإنسان، ليعيش كأحسن وأجمل وأبهى ما يكون:”وما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ”0سورة النحل:53)، ويقول تعالي:”وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ” (سورة إبراهيم:34)، فعلي الإنسان أن يخرج من تلك الدائرة الخبيثة، دائرة “الظلم، والكفر”.. لعيد الصلة بالله تعالى إخلاصا في التوحيد والعبادة، والحب والإخلاص، والتوجه إليه وحده بالدعاء والإستعانة، والشكر له تعالي في السراء والضراء، في المنح والمنع، في الغني والفقر، في العطاء والإمساك، في الصحة والمرض.. وأخيرا وليس آخرا شكره تعالي علي كل هذا الجمال الذي أودعه كونه ومخلوقاته جميعاً..نعمة منه وفضلاً: “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ” (سورة إبراهيم:7).
للتواصل وإرسال التعليقات للكاتب أ.د./ ناصر أحمد سنه عبر العناوين التالية:
[email protected]
[email protected]


الوسوم:

[wpdreams_ajaxsearchlite]

مقالات ذات صلة