أدب الحروب وفلسفة القوة من منظور إسلامي

الدكتور ناصر أحمد محمد سنه  
الأربعاء/سبتمبر/2021
   

يقول تعالي :“كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” (البقرة: 216).

علي مدار عصورها، وسجل تاريخها الشفاهي والكتابي، خاضت البشرية حروبا تستعصي علي الحصر، تهدأ حينا، فيسود الأمن والسلام، وتشتعل أحيانا، فيعم الدمار والهلاك، مما حدا بالبعض إلي القول: (إن السمة الغالبة بين البشر هي “التدافع” (الصراع/ التصارع)، وان تاريخ البشرية إنما هو “تاريخ حروب، تتخلله فترات هدنة وسلام”). وهاهو “عنترة” يصف نفسه بأنه “مولود وسط المعارك، وقد سُقي من لبن المعامع”:

وفي الحرب العوان ولدتُ طفلاً      ومـن لبن المعامع قد سقيت.
ولي بيتٌ عـلا فلك الثريـــا      تخـرُ لعظمِ هيبتـه البيـوت.
ولأن الخير والشر ـ في هذه الدنياـ لا ينفصلان، فلا نكاد نتصور الخير فيها، إن لم نتصور شراً بجانبه، فعـندما تطلع الشمس علي أمُّة شاكية ساخطة، فأين السعادة إذن، وأين الهناء لدي الأمم الباقية؟. وأين ذوي الحق الذي لا يُـنازعهم فيه منازِع، وأين تنافس الأقوياء وإقدامهم، وأين توحد الضعفاء وتأزرهم القوي، دفاعاً عن الحق؟. ولعله قضاءً علي الناس بالموت، وفساداً للأرض، أن ينفرد بهم أحدهما ـ ولو كان الخيرـ من غير مغالبة من شرِ أو مجاذبة ظلمِ. ومن ثم يكون هنالك ترقب النصر أو خشية الخذلان، ثم يتقبل الله الأخيار المتقين، يقول تعالي :“وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ”(المائدة:27).
إن الأخيار قد يموتون، ولكن الخير لا يموت أبدا، والأشرار قد ينتصرون حيناً، والشر ليس إلي انتصار، كما أنه لا حق إلا بالتدافع علي الحق، وزوال النزاع موت، وزوال الحق باطل ومحال، وهذه سنة الكون والحياة والأحياء.
التدافع إذن ـ وليس التصارع ـ بين الأفراد والمجتمعات والدول والأمم، تدافعاً وتمحيصاً بين الأخيار والأشرار، تدافعاً بين مذاهب الحياة، لبقاء الحياة، فضلاً من الله تعالي:”وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين”َ(البقرة:251)، ويقول تعالي:”الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز”ٌ(الحج:40).
الحرب ولادة للتاريخ، وكما إن ولادة الطفل لا تأتي إلا بعد مخاض دموي، فكذا الحروب تكون، والطفل كأصغر شخص في المجتمع، والأمة كأكبر كيان كلاهما يتألم ويبكي وينتحب حين يُضرب لتعُاد صياغة حياته، وأنماط معيشته، وآداب طريقته، وتمحيص قيمه، وتجديد وجوده، فالحرب إذن شر لا بد منه، وضرورة لا مفر منها، وكل ما لابد منه ـ ولو كان شرا ـ فهو في طياته قد يحمل نفعا لا غني عنه، فالحرب من عوامل التمحيص والتحليل وإعادة التشكيل البشري والإنساني (1).
ما الحرب إلا أن يتنازع الناس علي الحياة، فيقيموا من الموت قاضيا وحَـكما، ويطلبوا من الشريعة المدونة في صفائح السيوف حُكماً، علي الحياة ماضياً، فكلا الفريقين يقدم الحجج من المهج، ويتكلم بألسنة الروح من أفواه الجروح، ويأتي من بلاغة الموت في خصامه بكل “ضرب”، ويُجري الحياة مجري “الاستعارة” في “بيان” الموت”(2)، وفي وصفها يقول الرافعي في قصيدته “علي الكوكب الهاوي”:
وما الحرب إلا رجفة الأرض رجفة    يموت بها عصر ليحيا بها عـصـر.
وما الحرب ألا مطرة دمــوية    إذا دنست روح الــوري فهي الطهر.
وما الحرب الا غضبة الله لامست    مخازي الدهر فانفجر الـــــدهر.
ففي كل نفس غصة ما تسيغـها    وفــي كل قلب كسرة ما لها جبـر.
ويا هذه لا تجحدي ، إنما الورى    كما خلقوا والمكر بعد هو المـــكر.
ولا تأملي الأيام خضرا علي المدي    ففي كل حين يسقط الورق النــضر.
نعم تكرهها النفوس..عندما تطوف بالأفكار والتصورات، فضلا عن أن تُعايش وعثائها وويلاتها، ولكن هل ينفي الكره أن تجد فيما تكره ضروبا من الحكمة، وفيما تبغض وسائل خير ومنفعة، وما سرور نصف الناس إلا بما يكره النصف الآخر، يقول تعالي:”كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” (البقرة: 216).

“نكره الحرب لأنها تصور كل ألوان الخراب والهلاك، وفكرة العدم، ونمقتها لأنها تلوث الحياة بدماء الرجال، ثم لا تغسلها إلا بدموع النساء والأطفال، ونبغضها لأنها تدفن تاريخها الصحيح المستقبل، ولا تترك للحاضر ألا تاريخها المشوه في أعضاء الجرحى.. غير أن الناموس أو القانون الذي يوضع لبقاء فرد واحد غير ذلك الذي يوضع لبقاء جميع الأمم” (3).
تقف خلف الحروب قوة.. تتباين أنواعها ومظاهرها ومصارفها: قوة الإيمان، وقوة الكفر، قوة الحق، وقوة الباطل، قوة العمران، وقوة الخراب، القوة الطائشة، والقوة الحكيمة، قوة الطاغية الغشوم والجبار الظلوم، وقوة العادل الجواد الغيور، قوة المدنية، وقوة الهمجية..، يقول” عمرو بن كلثوم”:
لنا الدنيا ومن أمسى عليها     ونبطش حين نبطش قادرينا.
بغــاة ظالمين وما ظلملنا     ولكـــنا سنبدأ ظالمينـا.
ونراه يصف معارك الجاهلية في معلقته، وانخراطه في “حرب البسوس” الشهيرة بين “بكر” و”تغلب”:
أبا هند فلا تعجل علينــــا      وأنظرنــــا نخبرك اليقينــا.
بأنا نورد الرايات بيضــــا     ونُصدرهن حمرا قد روينــــا.
وأيــام لنا غُـرَّ طـــوال    عصينا الملك فيها أن ندينـــا.
متي ننقل إلي قومٍ رحانـــا     يكونوا في اللقاء لها طحينـــا.
نطاعن ما تراخي الناس عنـا     ونضرب بالسيوف إذا غُشينــا.
لا ظفر لحق أو لباطل إلا بقوة، وتبقي قوة الإيمان والعقيدة التي تقوي الضعيف، وتضاعف قوة القوي، والفرق بين ضعيف وقوي العقيدة: أن الضعيف تحمله عقيدته فلا تري فيه إلا عقيدة سائرة، وأن القوي يحمل عقيدته فتري فيه العقيدة والمعتقد، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ”(4).
ففي قوة العقيدة نري”أبو بكر الصديق” يتحمل تبعاتها، وينصر وينتصر لدعوته، ويقوم خير قيام بحقوق صحبته لرسول الله صلي الله عليه وسلم، وحين خرت قوى الصحابة لموت رسولهم وحبيبهم، نراه قوياً رابط الجأش، يُهدأ من روعهم، وهو المحزون لفراق حبيبه، وفي “حروب الردة” تزداد قوته وتظهر، فيعصم الله تعالي علي يديه تشرذم هذه الأمة وتفككها، ونري الفاروق “عمر بن الخطاب”:”وهو يحتد في عدله، ويعدل في حدته، ويقيم الحد علي ولده، ويرهب النيل، وما بالنيل من رهب أو رغب، ويـَعجب لموت النبي صلي الله عليه وسلم، وما في الموت من عجب.. هل أطمعته قوة العقيدة حتى بطاعة الجماد، والتمرد علي الموت؟”(5).
ومظاهر القوة ومصارفها الحقة في: عزم علي إحقاق الحق، وقوة في عقيدة صائبة، وإيمان صادق، وقوة قيم ومبادئ، وقدرة علي تحقيق أهداف خيرة، قوة قرار ومحافظة علي ما أنجز، فيرتدع الأعداء عن سلبه، وصبر علي البلاء والمحن، فتحويلها إلي منح، وتوحد واتحاد، وقوة نفسية، وغضب للحق، وعطاء سخي، قوة رحيمة لا قاسية . . والقوة علي كل حال تجعل الأمل بالأيدي لا بأيدي الأعداء أو حتى بأيدي الأصدقاء.
وتراجعت القوة الغشوم ـ منذ اهتدي الناس للخير ـ فأصبح أقوي الأقوياء لا يجرؤ علي الاعتداء والجور باسم القوة العمياء الطائشة الباغية، إلا أن ينتحل لها من المعاذير والذرائع ما يغلف عدوانه بأغلفة واهية من شعارات: “الحق والعدل والخير والحرية والمساواة.. والديموقراطية، “والدفاع عن النفس”.
إن اشرف ما يعرفه الناس من الحق غيرتهم علي ما يعتقدون انه الحق، فالغيرة علي الحق هي روح الإنسانية، وهي سبب بقائها، ولقد نشأ الحق بجانب القوة، عندما اتحد الضعفاء أمام القوة الغاشمة، عندها علم الأقوياء: ما إن لهم حقا، فعليهم واجب، وإذا ما رضيت أمة أن تستنزف موارد أخرى، بغير الحق، فقد آن ذلك بانحلالها. إن الحق يتبدى مع البعض مرة وعليهم أخري، وإذا أردنا أن نعرف في أي جانب هو فلننظر إلي جانب العقيدة فثم الحق الأكبر.
ومن أسباب الحروب، أنها كانت قبل اٌلإسلام ـ وما زالت ـ وسيلة من وسائل العيش.. يغيرون ويسلبون القبائل المعادية، فإذا لم يجدوا عدوا من غيرهم قاتلوا أنفسهم، يقول ” القطامي”:
وأحيانا علي بكر أخينا إذا لم نجد إلا أخــــانا.
في كل عصر.. تجد النفوس الإنسانية عندما تتبرم وتسخط بأسباب سياسية واجتماعية ووطنية واقتصادية تستولي عليهاـ لا روح الحياة والعمران ـ بل روح القتل والخسران، ومن ثم فلا بد في هذه الحضارات من “خلق” عدو، وانفجارات حربية مستمرة، وافتعال أزمات دموية.. لتجد من تقتله، ومن تظلمه، ومن تستعبده، وإذا ما تركت الأمم في بحبوحة السلم ومراعيه فإنما تسمن وتسمن، ولكن تري كل أمة عينها علي شحم الأخرى ولحمها.. ثرواتها وممتلكاتها، فالحرب مصفاة لازمة تنقي تلك الشوائب الفاسدة في الشعوب والأمم المترهلة.
لكن شريعة الإسلام، تري السلام هو القاعدة، وإنما الحرب استثناء لها: دفاعا عن الدين، والنفس والعرض والمال والوطن عند الاعتداء عليها. كما إنها تأتي دفاعا عن الدعوة إلي الله، ورفع الجور عن المستضعفين، ودفع الفتنة عن الدين، فتلك الفتنة: اعتداء علي اقدس ما في الحياة الإنسانية، ومن ثم فهي أشد من القتل، اشد من قتل النفس وإزهاق الروح وإعدام الحياة (6). وما الفتنة والبغي والظلم والكيد والقهر والاستبداد والحصار ونحوها إلا ضروب من الحروب الخفية، وقتل بطيء للأفراد والمجتمعات، وربما عُــد الموت في بعضها راحة.
لقد جاءت الشريعة الإسلامية تحث علي نصرة المظلوم، والأخذ علي يد الظالم، فعَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم:”َ انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ”(7)، ولتقوم ما كانت القبيلة والعشيرة الجاهلية تفعله.. ينصرون أخاهم ظالما أو مظلوما:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات علي ما قال برهانا.
ما زالت تلاحق عالمنا المعاصر مآسي الحربين العالميتين الأولي:(1914- 1918م)، والثانية (1939- 1945م)، فوجد البشر أن الوسيلة لمنع وقوع مثلهما.. وجود قوة وقدرة تكفي لردع من يفكر في القيام وشن الحرب، مما يؤدي لتفاديها أولا أو كسبها بأقل قدر من الخسائر البشرية والمادية. وهذا ما سعت وتسعي إليه شريعة الإسلام عبر”استراتيجية الردع” هذه، بل هي مبدأ إسلامي، يقول جل شأنه:“وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ”(الأنفال:60).
إن إرادة القتال والمقاومة “حالة ذهنية” في عقل المقاتل المقاوم فتراه يصمد ويستمر مضحيا بنفسه. وفي الحروب يسعي كل فريق “لتغيير تلك الإرادة” ليتخلي عن صموده وعزيمته فتنهار إرادته فيهزم، ويكسب الآخر بأقل الخسائر، ومن هنا كانت الحرب النفسية، قبل وأثناء الحرب الهجومية، أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْد ِاللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ..”(8).
كذلك الوعي بأهداف العدو وأساليبه والتوكل علي الله سبيل للوقاية من الحروب النفسية:”الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (آل عمران:173)، لقد كان في إظهار قوة المسلمين، وتأثيرها النفسي في أعدائهم حرصا كبيرا لردعهم، ومنعهم من القتال، وليس أدل علي ذلك من أن الرسول صلي الله عليه وسلم قاد 28 غزوة، نشب القتال في تسع منها فقط، ولم ينشب في 19، بسبب فرار العدو من المعركة رهبة من المسلمين، ومن ثم تخليهم عن فكرة العدوان أو القتال.
يتوصل القادة المعاصرون لمثل ذلك، فيقول “ديجول”:”كي ما تنتصر دولة ما في حرب عليها أن تشن الحرب النفسية قبل أن تتحرك جيوشها، وتظل تساندها حتى تنتهي قواتها من مهمتها”، ويذكر “تشرشل”: “كثيرا ما غيرت الحرب النفسية وجه التاريخ”. ويؤكد “روميل”:”القائد الناجع يسطر علي عقول أعدائه قبل أبدانهم”(9).
ليس كل الحروب وسائلها حربية بل من وسائلها ـ الدفاعية والهجوميةـ اللغة والبيان واللسان، يقول صلي الله عليه وسلم “لحسان بن ثابت” شاعر الإسلام الأول:”نافح عنا وروح القدس يؤيدك”،”أجب عني، اللهم أيده بروح القدس”،”اهجهم، وجبريل معك”(10).
وبعد أن يتعثر أو يتوقف أو يعقم حوار الكلمات والأفكار والحجج والمواجهة الفكرية والسياسية والاقتصادية.. و”إستراتيجية الردع ” و”الحرب النفسية”.. تأتي الحرب ـ وقد يكون شنـّها أيسر وأسهل ـ حواراً بالسلاح، ومحاولة للحسم بالقوة والمواجهة الحربية، وتكمل الحروب والضربات ما لم تكمله الحجج والكلمات، وتستمر أشواطا، لكنها في ذاتها لم تحل ولن تحل المشكلات والمنازعات، لذا يعود بعدها التحاور والتفاوض لإحلال “هدنة أو سلام”، ولكن قد اختلفت صورة الواقع وتحولت الموازيين إلي هذا الطرف أو ذاك.
وعديدة هي الأهداف والرايات التي تخاض تحتها المعارك: القتال في سبيل الأمجاد والاستعلاء في الأرض، وفي سبيل المغانم والمكاسب، وفي سبيل الأسواق والثروات والخامات، وفي سبيل تسويد طبقة علي أخرى أو جنس علي آخر، لكن يبقي القتال الحق إنما هو لإعلاء كلمة الله تعالي:” وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ..”َ(البقرة: 190).
ومع تحديد الهدف ينبغي تحديد مداها:”.. وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين”َ(البقرة: 190)، والعدوان إنما يكون بتجاوز المحاربين المعتدين إلي غيرهم من المسالمين الآمنين، الذين لا يشكلون خطرا علي الدعوة الإسلامية والجماعة المؤمنة، كالنساء والأطفال والشيوخ، والعباد المنقطعين للعبادة من أهل كل ملة ونحلة.
والعدوان يكون بتجاوز آداب القتال التي شرعها الإسلام واضعا حدا لكل البشاعات التي ارتكبتها ـ وترتكبها ـ الحروب قديمها وحديثها. فعن نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ:”وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ”(11).
فمن آداب الحروب في الشريعة الإسلامية: عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان، إن لم يشاركوا في القتال، لقوله صلي الله عليه وسلم لأمرائه:“َ اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا”(12)،“أعفّ الناس قتلة أهل الإيمان”(13)،”إذا قاتل أحدكم فيلجتنب الوجه”(14). وينهي عن المثلة بالقتلى، لقول عمران بن حصين:” كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يحثنا علي الصدقة، وينهانا عن المثلة”(15)، وحَدَّثَ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّرَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ قَالَ فَخَرَجْتُ فِيهَا وَقَالَ إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ فَوَلَّيْتُ فَنَادَانِي فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا فَاقْتُلُوهُ وَلَا تُحْرِقُوهُ فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ”(16)، ويؤكد صلي الله عليه وسلم علي عدم الغدر بمن أجاره مسلم أو أمنه علي حياته:”لا تغدروا”(17)، “إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان”(18).

وتسجل أدبيات الحروب وآداب المتحاربين، ونظرتهم إلي القوة وفلسفتها، وإلي غريمهم الذي يحاربون،.. شهادات ناصعة للمسلمين في حروبهم. ويبقي السؤال الكبير والمُلح: أين ذلك مما أرتكبتها وترتكبها وسوف ترتكبها ألة الحرب والعدوان والتدمير الصهيونية/ الأمريكية من مجازر وإعمال إبادة وهدم مساجد ومنازل ومدارس وجامعات وملاجئ علي الأمنين المحتمين بها؟؟. وما المجازر وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في “دير ياسين” و”بحر البقر” و”صبرا وشاتيلا”، والبوسنة والهرسك، وكوسوفا، و”جنين”، و”قانا” الأولي والثانية وجنوب لبنان، و”الفلوجة”، والصومال والشيشان وافغانستان وتركستان الشرقية وباكستان الخ وأخيرا وليس آخرا في “غزة” الصامدة الصابرة المجاهدة المحتسبة عنا ببعيد.
يقرر القادة أن غرض الحرب الحصول علي:”سلم افضل، وإذا أردت السلام، فلتكن قوياً، وأستعد دوما للحرب.. وليكن لديك “سلم هجومي”. إنها مبادئ يضعونها نصب أعينهم من اجل “تهيئة الظروف لقيام سلام حقيقي عادل ومستقر ومستمر بعد الحرب”. لذا لإإن ما دعت إليه شريعة الإسلام، وقررته النظريات العسكرية الصحيحة الحديثة، من اتباع آداب الحروب، والامتناع عن استخدام أساليب الدمار والتدمير الشامل، والعدوان الغاشم، أثناء الحرب وبعدها، يؤدي أن لا يكون السلام مشوها، يحمل في طياته بذور الإحساس بالغبن والظلم، فيؤدي لحروب تالية (19). لقد كان الظلم الواقع علي الألمان ومعاملتهم القاسية، في الحرب العالمية الأولي (1914- 1918م)، علي يد الحلفاء وفق شعار:”ويل للمغلوب”، جعلت “السلام” ينهار بعد نحو عقدين من الزمان، ويدفع “هتلر” للدخول في حرب عالمية ثانية العام 1939م.
ومن أهداف الحروب السعي لاستعادة الكرامة، و”محو أثار العدوان والهزيمة”، فبعد الحرب والهزيمة لديك خياران: الاستسلام للهزيمة وثقافتها، أو مقاومتها والنهوض من جديد، ولقد كانت غزوة “حمراء الأسد” التي قام بها رسول الله صلي الله عليه وسلم عقيب “أحد”، لإزالة آثار هزيمة المسلمين في أحد، وعدم الاستسلام للحزن واليأس، واسترداداً للحالة المعنوية، وهيبة المسلمين في الجزيرة العربية، لذا فقد خرج فيها فقط من حضر غزوة “أحد”، وتم ردع من تسول له نفسه النيل من المسلمين في هذه الظروف الحرجة.
لكن للحروب منافعها: يتحارب طرفان أو اكثر، محاولين أن يحققا أغراضهما وأهدافهما ومصالحهما، كل علي حساب الآخر، وكذلك تجتمع الأمم المتحاربة لتنقيح الطباع والعادات، ولكن ما اعجب أن يكون القتل تنقيحا في قانون الحياة، وما أعجب أن يكون القتل تواصلاً وتعارف علي العلوم والآداب، ألم تستمر الحروب الصليبية علي العالم الإسلامي نحو قرنين من الزمان.. خسروا فيها الصليبيون ما خسروا، ولكن ربحوا فيها من تعرف وتعارف علي المسلمين وأخلاقهم ومعاملاتهم وفروسيتهم، في نفس الوقت الذي ارتكبوا فيه المجازر في حق المسلمين.
يصف المؤرخ ” ميشائيل درسيرر” قتل المسلمين في القدس سنة 493هـ ـ 1099م، “وانهار دمائهم التي سالت في أزقتها وشوارعها، وغاصت فيها أرجل الخيل”، كذلك عندما احتل الصليبيون دمياط 615هـ ـ 1218م، وفعلوا الأفاعيل بمن فيها، فلما انتصر السلطان “الكامل” علي هذه الحملة عام 1221م، “أكرم أسراهم وأمد جيشهم بالمؤن والغذاء في أخلاق الإسلام والفروسية الحقة” (20).
وحين تمكن صلاح الدين من استرداد بيت المقدس (583هـ ـ 1187م) لم يسفك دماء المهزومين، بل شملهم بمروءته ضاربا المثل في الخلق الرفيع، ومتأسيا برسوله صلي الله عليه وسلم حينما فتح مكة قائلا لأهلها: “اذهبوا فانتم الطلقاء”.
ذلك المبدأ “الإستراتيجي” الذي امتدت تطبيقاته السمحة في كل عصور الفتوحات الإسلامية فرحبت الأقطار المفتوحة ـ في سوابق تاريخية غير معهودة ـ بالفاتحين، وانضمت شعوب هذه البلاد إلي المسلمين هروبا من ظلم الفرس والروم، وشكلوا أفواجا من الجيوش التي تحمل راية الإسلام، وتدافع عنه وتنشره، سلما وتجارة ومصاهرة وتعليما وتعلما.. وحربا، فسطعت شمس الإسلام علي بلاد ما وراء النهر وحتى الصين شرقا، وظللت راية الإسلام القارة الإفريقية، والأندلس غربا.
إنها قوة العقيدة في صفائها وعدلها ومساواتها وتوحيدها.. خصائص فريدة حولت الأعداء إلي أولياء، يدافعون عن الإسلام ويرفعون رايته ولوائه، لذا فلا يأس من أمة ما بقي فيها عقيدة او استعداد لها، ولا أمل في أخرى نضب فيها معين السماء، ولو أعجبت الجميع بمظاهرها، فلا عمل بغير أمل، ولا أمل بغير إيمان.
وإنها لمراحل ساطعة مشرقة في التاريخ البشري، فلزهاء ثمانية قرون عاش المسلمون في الأندلس (ثم في ظل الأمبراطورية العثمانية فيما بعد) ـ وتحت كنفهم وفي رعايتهم الفائقة فئات أخرى غير مسلمةـ لكن مع سقوط المسلمين في الأندلس العام 1492م تم إبادة وتشريد الجميع وبخاصة المسلمين تحت مقاصل “محاكم التفتيش”. كذلك لما تم غزو القارات الجديدة (أمريكا واستراليا)، واصطناع “وطن قومي للصهاينة” في فلسطين.. أباد وشرد المستعمرون والصهاينة سكانها وأهلها الأصليين، ولم يطيقوا معايشتهم ووجودهم .. في صور من أبشع أنواع الإستيطان العنصري الإحلالي.
وتبقي للحروب آثارها ونتائجها.. ينتصر فيها من ينتصر، وينهزم من ينهزم، وتعلو بها راية، وتنخفض أخرى، ويرتفع بها مذهب، وينحط بها أخر، ينتفع بها من ينتفع، ويضار بها من يضار، وتفرض بها “سياسات الأمر الواقع” علي الضعيف المغلوب، بشروط القوي المنتصر، ويفرح المنتصر، ويستعد لجولة تالية المنهزم، وتتحول أمم فقيرة عندما تقبل عليه الدنيا بعد الحرب، وتعاني أخري غنية عندما تدبر عنها النعمة، وتنهار حضارات وترتفع أخري:”اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا” (فاطر:43).
يمكن التواصل مع المؤلف على الإيميل التالي:
E.mail:[email protected]

بقلم: أ.د./ ناصر أحمد سنه ..كاتب وأكاديمي من مصر.

الهوامش والمراجع
1- مصطفي صادق الرافعي : كتاب المساكين، دار الكتاب العربي، بيروت 1982م، ط 10، ص 221.
2- المرجع السابق، ص 215.
3- المرجع السابق، ص: 226.
4- مسلم: حديث رقم 4816، وفي سنن ابن ماجة/76، مسند احمد/8436.
5- بتصرف من كلام “عباس العقاد” في رسالته القيمة: مجمع الأحياء، 1978م، ص 108، مكتبة غريب بالقاهرة.
6- السيد سابق: فقه السنة، الفتح للعلام العربي، ط 11،1414هـ ـ 1994م،ج 3، ص 78.
7- البخاري:2264.
8- البخاري، باب التيمم رقم:323.
9- راجع: محمد جمال الدين محفوظ: القيادة وإدارة الحرب في توجيهات الإسلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1987م، ص 83
10- فتح الباري شرح صحيح البخاري م 10، ص546.
11- رواه البخاري:2792.
12- رواه ابو داود: 2246، والترمذي:1328.
13- رواه أبو داود.
14- رواه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
15-رواه أبو داود.
16- أبو داود، باب الجهاد:2299.
17- رواه مسلم.
18- متفق عليه.
19- ليدل هارت: الإستراتيجية – الاقتراب غير المباشر، ص 220.
20-شهد بذلك “اوليفروس” عالم الفلسفة اللاهوتية من كولونيا بألمانيا.. راجع الشهادات المنصفة في حق الإسلام والمسلمين للمستشرقة الألمانية الشهيرة سيجريد هونكة، في كتبها “شمس الله تسطع علي الغرب”، الصادر العام 1960م، وصدرت ترجمته العربية ” فضل العرب علي أوربا ، 1964م، وكتابها: “الله ليس كذلك” ، ترجمة د. غريب محمد غريب، طبعة القاهرة، 1995م.




مقالات ذات صلة