المنهج العقلي في دعوة ابراهيم

إن المنهج العقلي اليوم في البحث عن حل المشكلات يقوم على خطوات ومراحل هي : تحديد المشكلة أولا ثم وضع الفرضيات المحتملة ثم اختبار هذه الفرضيات لقبولها او رفضها وأخيرا التوصل الى الحلول والنتائج.
ولعلنا نقف بشيء من التفصيل على هذا المنهج في حل المشكلات ، وكيف عرضه القرآن الكريم ، وذلك من خلال الحوار الذي جرى بين إبراهيم عليه السلام وقومه ، حين حاجّهم وجادلهم في إثبات بطلان عبادتهم للكواكب والنجوم ، وذلك في الآيات التالية من سورة الأنعام :
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴿74﴾ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴿75﴾ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴿76﴾ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴿77﴾ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿78﴾ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿79﴾ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ﴿80﴾ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿81﴾ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿83﴾ “

ولنستعرض الآن ومن خلال الآيات الكريمة هذا المنهج العقلي الذي سلكه إبراهيم عليه السلام في دعوة قومه
• لقد بدأ ابراهيم عليه السلام بتحديد المشكلة وهي عبادة أبيه وقومه للكواكب والنجوم :” وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً”.
• ثم سايرهم في الفرضية التي افترضوها ، وهي أن هذه الكواكب والنجوم هي الآلهة
:” فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي “
” فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي “
” فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ”
• ثم قام باختبار فرضيتهم والتشكيك في صحتها ، وذلك بتأمل هذه الكواكب والنجوم وحركتها ، فكان نهاية حركتها الى الأفول ، فأما عن الكوكب ” فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ “
وأما عن القمر ” فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ”
وأما عن الشمس : ” فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ “
• ثم أصدر الحكم على الفرضية ، فلما غابت هذه الكواكب والنجوم عن الأنظار ، بطل الادعاء بألوهيتها إذ كيف يكون الإله شاهدا ، ثم يصير غائبا عن هذا الكون الذي هو إلهه ، ومن الذي سيصرف أمور الكون في غيابه ؟
• ثم تاتي آخر خطوة من خطوات هذا المنهج وهي التوصل إلى حلّ المشكلة ، وما يتعلق به من النتائج وهي :
1- أن هذه الكواكب والنجوم آلهة مزعومة ، ” قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ “
2- لا بد من وجود إله حق لهذا الوجود وهو الله الذي خلق هذه الكواكب والنجوم وخلق السماوات والأرض جميعا : ” إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”
3- من اهتدى إلى الله وآمن به فله الأمن والأمان ، ومن أشرك به آلهة أخرى كان مصيره إلى الشك والخوف :” وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿81﴾ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ “
4- الحجة والبرهان هي السبيل إلى إثبات الحق و تفنيد الفرضيات الخاطئة المزعومة
” وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ “.
هذا والله أعلم
كتبه عمر محمود أبو أنس

من نبوءات التوراة : عيسى المسيح ومن بعده نبي الأميين عليهما أفضل الصلاة والسلام

د. محمد سعد باحث في تاريخ الحضارات والأديان

الأُمَّيون أو الأمميون نسبة إلى الأمم ويقصد بهم الأمم التي ليست من أهل الكتاب .. والقرآن يقسم الناس إلى صنفين: أهل كتاب وأميين لذلك يقول الله مخاطبا نبيه ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم) .. وهم الذين بعث فيهم ومنهم النبي صلى الله عليه وسلم (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) .. وهذه إحدى صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي يؤكد القرآن ذكرها في الكتب السابقة ( النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) .. والحق هو أن النبوءات عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة عديدة ومتنوعة وقد تم نشر كتب ومقالات عديدة بخصوصها لكن موضوع هذا المقال تحديدا هو صفة نبي الأميين أو النبي الأمي الذي سيبعثه الله بعد عيسى المسيح عليهما أفضل الصلاة والسلام .. والحديث هنا عن النص الذي ورد في سِفْر أشعياء أحد أسفار التوراة الفصل 41 والفصل 42 .. حيث بدأ النص في مخاطبة الله للأمم الغير إسرائيلية يطلب منهم المناظرة وأن يعملوا ما بوسعهم لإظهار حججهم وقوتهم وتحدث عن مَلِك أنهضه الله من المشرق ليحطم به الأمم والشعوب الغير مؤمنة ولتخليص شعب إسرائيل من الأسر وإعادتهم إلى أرضهم والملك المقصود هنا هو كورش ملك فارس: ( أنصتي إلي أيتها الجزائر ولتجدد القبائل قوة. ليقتربوا ثم يتكلموا. لنتقدم معا إلى المحاكمة. من أنهض من المشرق الذي يلاقيه النصر عند رجليه؟ دفع أمامه أمما وعلى ملوك سلطه. جعلهم كالتراب بسيفه، وكالقش المنذري بقوسه. طردهم. مر سالما في طريق لم يسلكه برجليه. من فعل وصنع داعيا الأجيال من البدء؟ أنا الرب الأول، ومع الآخرين أنا هو». نظرت الجزائر فخافت. أطراف الأرض ارتعدت. اقتربت وجاءت. كل واحد يساعد صاحبه ويقول لأخيه: «تشدد». فشدد النجار الصائغ. الصاقل بالمطرقة الضارب على السندان، قائلا عن الإلحام: «هو جيد». فمكنه بمسامير حتى لا يتقلقل ) .

ثم توجه الله بالخطاب إلى شعب إسرائيل وتحدث عن فضله وتأييده ونعمه عليهم واستجابته لهم:

( وأما أنت يا إسرائيل عبدي، يا يعقوب الذي اخترته، نسل إبراهيم خليلي، الذي أمسكته من أطراف الأرض، ومن أقطارها دعوته، وقلت لك: أنت عبدي. اخترتك ولم أرفضك. لا تخف لأني معك. لا تتلفت لأني إلهك. قد أيدتك وأعنتك وعضدتك بيمين بري. إنه سيخزى ويخجل جميع المغتاظين عليك. يكون كلا شيء مخاصموك ويبيدون. تفتش على منازعيك ولا تجدهم. يكون محاربوك كلا شيء وكالعدم. لأني أنا الرب إلهك الممسك بيمينك، القائل لك: لا تخف. أنا أعينك. «لا تخف يا دودة يعقوب، يا شرذمة إسرائيل. أنا أعينك، يقول الرب، وفاديك قدوس إسرائيل. هأنذا قد جعلتك نورجا محددا جديدا ذا أسنان. تدرس الجبال وتسحقها، وتجعل الآكام كالعصافة. تذريها فالريح تحملها والعاصف تبددها، وأنت تبتهج بالرب. بقدوس إسرائيل تفتخر. «البائسون والمساكين طالبون ماء ولا يوجد. لسانهم من العطش قد يبس. أنا الرب أستجيب لهم. أنا إله إسرائيل لا أتركهم. أفتح على الهضاب أنهارا، وفي وسط البقاع ينابيع. أجعل القفر أجمة ماء، والأرض اليابسة مفاجر مياه. أجعل في البرية الأرز والسنط والآس وشجرة الزيت. أضع في البادية السرو والسنديان والشربين معا. لكي ينظروا ويعرفوا ويتنبهوا ويتأملوا معا أن يد الرب فعلت هذا وقدوس إسرائيل أبدعه ) .

ثم توجه الله بالخطاب مرة أخرى إلى الأمم وإلى آلهتها الباطلة وطلب منهم أن يحضروا حججهم وأن يخبروا بالأمور المستقبلية ليبينوا صدقهم وتكلم مرة أخرى عن كورش ملك فارس الذي سلطه الله على الأمم والشعوب الغير مؤمنة :

( أحضروا حججكم، يقول ملك يعقوب. ليقدموها ويخبرونا بما سيعرض. ما هي الأوليات؟ أخبروا فنجعل عليها قلوبنا ونعرف آخرتها، أو أعلمونا المستقبلات. أخبروا بالآتيات فيما بعد فنعرف أنكم آلهة، وافعلوا خيرا أو شرا فنلتفت وننظر معا. ها أنتم من لا شيء، وعملكم من العدم. رجس هو الذي يختاركم. «قد أنهضته من الشمال فأتى. من مشرق الشمس يدعو باسمي. يأتي على الولاة كما على الملاط، وكخزاف يدوس الطين. من أخبر من البدء حتى نعرف، ومن قبل حتى نقول: هو صادق؟ لا مخبر ولا مسمع ولا سامع أقوالكم ) .

ثم أخبر الله أنه في الأول سوف يرسل مبشرا لأورشليم :

(أنا أولا قلت لصهيون: ها! ها هم. ولأورشليم جعلت مبشرا).

وفي الترجمة الإنجليزية النسخة العالمية الجديدة :

 New international version : I gave to Jerusalem a messenger of good news.

 رسول يأتي بالأخبار السارة

وفي ترجمة الملك جيمس :

 I will give to Jerusalem one that bringeth good tidings.

 رسول يأتي بالبشارات السارة

وهو إشارة إلى عيسى المسيح عليه السلام لأنه جاء بالإنجيل والإنجيل كلمة معربة من (اليونانية: εὐαγγέλιον، ايوانجيليون) وتعني البشارة السارة أو البشرى السارة .

ثم تحدث الله عن حال الأرض التي كادت تخلو من الصالحين وتكلم مرة أخرى عن الأمم وتكلم تحديدا عن أمة من عبدة الأصنام وعن عبده ومختاره الذي سيبعثه ليخرج الحق للأمم :

(ونظرت فليس إنسان، ومن هؤلاء فليس مشير حتى أسألهم فيردون كلمة .ها كلهم باطل، وأعمالهم عدم، ومسبوكاتهم ريح وخلاء. هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرت به نفسي. وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم. لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة خامدة لا يطفئ. إلى الأمان يخرج الحق.. لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته.. هكذا يقول الله الرب، خالق السماوات وناشرها، باسط الأرض ونتائجها، معطي الشعب عليها نسمة، والساكنين فيها روحا .. أنا الرب قد دعوتك بالبر، فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهدا للشعب ونورا للأمم، لتفتح عيون العمي، لتخرج من الحبس المأسورين، من بيت السجن الجالسين في الظلمة.. أنا الرب هذا اسمي، ومجدي لا أعطيه لآخر، ولا تسبيحي للمنحوتات).

والمسبوكات هي الأصنام المصنوعة والأمم هنا ترجمة لكلمة gentiles وفي النص العبري جوييم גוים ويقصد بها الأمم الغير كتابية أو الأميين كما ذكرنا .. ومعنى وضعت روحي عليه أي روح الوحي والتأييد من الله وذلك مثل ما ورد في الكتاب المقدس : وكان روح الله مع عزريا بن عوديد .. يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء إذا وضع الله روحه عليهم .. وفي القرآن الكريم : قل نزله روح القدس من ربك بالحق .. ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده .. رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده .. وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان .. وتحدث عن أخلاق ذلك النبي وعن أنه لا يرفع صوته في الأسواق وعن رحمته بالضعيف (لا يصيح ولا يسمع في الشارع صوته قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خادمة لا يطفيء) وهذه كلها من صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي وردت في كتب الحديث والسيرة (لم يكن بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق .. يحمل الكَل ويقري الضيف وينصف المظلوم) .. وتحدث النص عن العمل والسعي والإصرار والجهد العظيم الذي بذله ذلك النبي في نشر الحق واستقراره في الأرض (لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته) والجزائر جمع جزيرة ويقول قاموس الكتاب المقدس أنها تعني الأماكن المطلة على بحار وأنها تطلق عموما على القرى والبلدان .. وتحدث الله عن حفظه وتأييده لذلك النبي حتى يخرج الناس من الظلمات إلى النور لأن الله لا يقبل أن يُشْرَك معه شخص أو أصنام منحوتة (هكذا يقول الله الرب … قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفظك … لتخرج من الحبس الجالسين في الظلمة .. أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر ولا تسبيحي للمنحوتات)

ثم يخبر الله عز وجل أنه يحدثنا عن أمر عظيم سيحدث في المستقبل وعن أدق خصائص الرسالة الإسلامية : (هوذا الأوليات قد أتت، والحديثات أنا مخبر بها. قبل أن تنبت أعلمكم بها .. غنوا للرب أغنية جديدة، تسبيحه من أقصى الأرض. أيها المنحدرون في البحر وملؤه والجزائر وسكانها، لترفع البرية ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار. لتترنم سكان سالع. من رؤوس الجبال ليهتفوا. ليعطوا الرب مجدا ويخبروا بتسبيحه في الجزائر.. الرب كالجبار يخرج. كرجل حروب ينهض غيرته. يهتف ويصرخ ويقوى على أعدائه.. قد صمت منذ الدهر. سكت. تجلدت. كالوالدة أصيح. أنفخ وأنخر معا.. أخرب الجبال والآكام وأجفف كل عشبها، وأجعل الأنهار يبسا وأنشف الآجام، وأسير العمي في طريق لم يعرفوها. في مسالك لم يدروها أمشيهم. أجعل الظلمة أمامهم نورا، والمعوجات مستقيمة. هذه الأمور أفعلها ولا أتركهم).

كما نلاحظ يخبر النص مكان الرسالة أنه من أقصى الأرض ولم يقل في أقصى الأرض أو إلى أقصى الأرض ولكن حدد أنها من أقصى الأرض.. ولأن هذا النص قد نزل على أحد أنبياء بني إسرائيل فإن أقصى الأرض يقصد به الجزيرة العربية لأن جزيرة العرب بالنسبة لفلسطين تعتبر أقصى الأرض وكذلك فلسطين بالنسبة لجزيرة العرب تعتبر أقصى الأرض ولذلك يطلق العرب على مسجد القدس في فلسطين المسجد الأقصى وفي القرآن (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) والمسيح عليه السلام أطلق على جنوب الجزيرة العربية في الإنجيل أقصى الأرض وذلك عندما تحدث عن ملكة سبأ (ملكة التيمن أتت من أقصى الأرض لتسمع حكمة سليمان) وخطاب النص (أيها المنحدرون في البحر وملئه والجزائر وسكانها) موافق تماما لوصف منطقة الحجاز التي تحاذي البحر الأحمر والتي انتشرت فيها وانطلقت منها دعوة التوحيد وتحدث النص عن رفع الصحراء صوتها والتهليل من رؤوس الجبال(لترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا) ورفع الصحراء صوتها بالأذان والتكبير والهتاف من رؤوس الجبال كل ذلك من الخصائص المعروفة للدعوة الإسلامية وقيدار كما نعلم أحد أبناء إسماعيل ويقول عنه قاموس الكتاب المقدس أنه جد لأشهر القبائل العربية وأنه يأتي في الكتاب المقدس للتعبير عن العرب عموما كما ذكرنا وسالع يقول عنها قاموس الكتاب المقدس أنه جبل قريب من البتراء شمال غرب الجزيرة العربية ويقول أن سالع معناها العام هو الصخرة هذا ما يقوله الكتاب المقدس عن سالع .. كما أن سالع أو سلع إسم لجبل شمال المدينة المنورة ولازال يحمل نفس الإسم لم يتغير وهو الذي أقام النبي صلى الله عليه وسلم خيمته عليه في غزوة الخندق ومذكور في العديد من قصائد الشعر الجاهلي وسلع في اللغة العربية مفرد سلوع وهي الشقوق والطُرُق في الجبال وهو معنى قريب مما ورد في قاموس الكتاب المقدس أن سالع يعني الصخرة لذلك نجد نفس الفقرة في بعض الترجمات مثل ترجمة الملك جيمس :

11 Let the wilderness and the cities thereof lift up their voice, the villages that Kedar doth inhabit: let the inhabitants of the rock sing, let them shout from the top of the mountains.

لترفع الصحراء ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار لتترنم سكان الصخور من رؤوس الجبال ويهتفوا

وتحدث أيضا عن واحدة من أهم خصائص الدعوة الإسلامية وهي نصر الله للمؤمنين والفتوحات والغضب الإلهي على الشعوب التي سارت في طرق الشرك والإثم وكرهت نور الحق والتوحيد وتأييده لهؤلاء الذين كانوا عُميا في الجاهلية فأنعم عليهم بالإيمان وأخرجهم من الظلمات إلى النور ويسر لهم السير في طرق ومسالك لا يعرفوها ودخول بلاد جديدة عليهم (الرب كالجبار يخرج كرجل حروب يصيح ويهتف ويقوى على أعدائه أخرب الجبال والاكام وأجعل الأنهار يبسا وأنشف الاجام وأسير العمي في طرق لم يعرفوها ومسالك لم يدروها أمشيهم أجعل الظلمة أمامهم نورا والمعوجات مستقيمة هذه الأمور أفعلها ولا أتركهم)

ثم تحدث الله عن الخزي الذي لحق بالمشركين عبدة الأصنام :

(قد ارتدوا إلى الوراء. يخزى خزيا المتكلون على المنحوتات، القائلون للمسبوكات: أنتن آلهتنا!).

تالله ما أجمله من تصوير فني بليغ ومشهد ختامي رائع يصور الخزي الذي حل بالمشركين عبدة الأصنام (يَخْزَى خزيا المتكلون على المنحوتات القائلون للمسبوكات أنتن آلهتنا)

هذا المشهد الختامي الرائع مكتوب هكذا في الترجمة العالمية الجديدة NIV

But those who trust in idols, who say to images, `You are our gods,’ will be turned back in utter shame

أما هؤلاء الذين يتوكلون على الأوثان الذين يقولون للأصنام أنتم آلهتنا سوف يتراجعون في خزي مطلق

ومكتوب هكذا في ترجمة الملك جيمس

 17 They shall be turned back, they shall be greatly ashamed, that trust in graven images, that say to the molten images, Ye are our gods.

سوف يتراجعون سوف يخزون خزيا عظيما هؤلاء الذين يتوكلون على الأصنام المنحوتة الذين يقولون للأصنام المسبوكة أنتن آلهتنا

وهذا وصف دقيق جدا لما حل بصناديد الكفر وعبدة الأصنام من الخزي ووصف دقيق جدا للأصنام التي كانت تُعبد من دون الله كما ورد وصفها في كتب السِيَر وكتب التاريخ ومثال ذلك ما ورد في كتاب المفصل في تاريخ العرب لجواد علي :

لا أحسب أن منصفا يحترم عقله ويؤمن بالبحث المجرد يستطيع أن ينكر صحة ما جاء في هذا النص ذلك لأنه يصف ما حدث وصفا دقيقا لا لبس فيه رغم أن تاريخه يرجع إلى القرن السابع قبل الميلاد .

هدانا الله جميعا إلى الحق بإذنه ووفقنا لما يحبه ويرضاه .

مكة في سفر التكوين .. فصل الخطاب حول النبوة الخاتمة في الكتاب المقدس

 د.محمد سعد

باحث في تاريخ الحضارات والأديان

من الأمور التي يجزم بها الباحثون من أتباع الديانات السابقة هو عدم وجود أي ذكر لمكة في نصوص الكتاب المقدس.

ورد في سفر التكوين الإصحاح العاشر :

26 وَيَقْطَانُ وَلَدَ: أَلْمُودَادَ وَشَالَفَ وَحَضَرْمَوْتَ وَيَارَحَ 27 وَهَدُورَامَ وَأُوزَالَ وَدِقْلَةَ 28 وَعُوبَالَ وَأَبِيمَايِلَ وَشَبَا 29 وَأُوفِيرَ وَحَوِيلَةَ وَيُوبَابَ. جَمِيعُ هؤُلاَءِ بَنُو يَقْطَانَ. 30 وَكَانَ مَسْكَنُهُمْ مِنْ مِيشَا حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ سَفَارَ جَبَلِ الْمَشْرِقِ.

كما نلاحظ فإن أغلب هذه الأسماء هي لأماكن عربية معروفة مثل حضرموت التي لا تزال تحتفظ بهذا الإسم إلى اليوم .. وكذلك شبا وهي نفسها سبأ المذكورة في القرآن الكريم ويقابلها اليمن حاليا .. وحويلة يتفق أغلب المؤرخون وقواميس الكتاب المقدس أنها منطقة شمال اليمن .. ويتفق المؤرخون كذلك أن يقطان المذكور هنا هو نفسه قحطان التي تنسب له العديد من القبائل العربية .. إذن لابد أن يكون سكن هؤلاء كما هو ظاهر من سياق النص هو الجزيرة العربية ، ولكن هل يوضح النص بدقة المنطقة التي سكنها أبناء يقطان أو قحطان ؟ يذكر النص في الفقرة 30 أن مسكنهم من ميشا حينما تجيء نحو سفار جبل المشرق إذن نفهم بوضوح أن الحد الغربي لمنطقة سكن أبناء يقطان هو ميشا وأن الحد الشرقي لها هو سَفار جبل المشرق .. وهذا ما يؤكده أيضا موقع أطلس الكتاب المقدس :

 mesha’; Masse): This appears to mark the western boundary of the land occupied by the descendants of Joktan (No certain identification is possible, but several more or less probable have been suggested: e.g (a) The Greek Mesene, on the Persian Gulf, not far from the mouth of the Tigris and the Euphrates;

(b) the Syro-Arabian desert, called Mashu in the Assyrian inscriptions; the name here, however, could hardly cover such a vast tract as this; more probably it denoted a place;

(c) Dillmann would alter the vowels and identify it with Massa’, a branch of the Ishmaelite stock (Genesis 25:14 1 Chronicles 1:30). This, however, furnishes no clue to the locality, the territory of that tribe being also unidentified.

 

يقول أطلس الكتاب المقدس كما نرى أن ميشا يظهر أنها الحد الغربي للأرض التي سكنها اليقطانيون ويحدد عدة فرضيات لمكان ميشا تحديدا، الفرضية الأولى على الخليج الفارسي والفرضية الثانية صحراء بادية الشام والفرضية الثالثة أن ميشا هي نفسها ( مسَّا ) أحد أبناء إسماعيل عليه السلام لكنه يقول أن الإسم ( مسَّا ) هو مجرد إسم ولا يوضح مكان . بالطبع الفرضية الأولى والثانية يمكن استبعادهما بسهولة لأنها لأماكن تبعد عن المنطقة التي تضم حضرموت واليمن وحويلة وكذلك لأن سياق النص وما ذكره أطلس الكتاب المقدس يؤكد أن ميشا تمثل الحد الغربي للأرض التي سكنها اليقطانيون .

إذن أين تقع ميشا أو ( مشَّا ) كما كُتبت تحديدا في النص العبري الأصلي משא ؟

هل من الممكن أن تكون(مشَّا) هي نفسها (مكة) ؟

لكي نتعرف أكثر على أين تقع ( مشَّا ) لابد أن نفهم جيدا باقي حدود المنطقة التي سكنها اليقطانيون وفقا للنص. يخبر النص بوضوح أن الحد الشرقي للمنطقة التي سكنها اليقطانيون هي صَفار جبل المشرق.. فأين تقع صَفار ؟ يقول أطلس الكتاب المقدس :

two important towns in South Arabia bear this name. The one lies a little to the South of San`a’. According to tradition it was founded by Shammir, one of the Sabean kings, and for a long time served as the royal seat of the Tubbas. The other Zafar stands on the coast , East of Chadramaut. The latter is probably to be accepted as the Biblical site.

 كما نرى يخبرنا أطلس الكتاب المقدس أن صَفار هي نفسها ظفار بالعربية وأن هناك موقعان يحملان نفس الإسم أحدهما جنوب صنعاء والآخر شرق حضرموت ويُرجِّح أن يكون الموقع الصحيح شرق حضرموت (يقصد بالطبع ظفار العمانية) .

إذن يظهر لنا بوضوح أن أبناء يقطان وفقا لنص سفر التكوين وهو كما هو معلوم أقدم نص كتابي موجود قد سكنوا منطقة بالجزيرة العربية حدها الغربي ( مشَّا ) وحدها الشرقي عُمان

نستطيع إذن أن نرجح بشدة أن ( مشَّا ) التي وردت في سفر التكوين والتي تمثل الحد الغربي للأرض التي سكنها اليقطانيون أو القحطانيون هي نفسها مكة لأن ذلك متفق تماما مع التشابه اللفظي بين الكلمتين ومع جغرافيا المنطقة وسياق النص وتحليل موقع أطلس الكتاب المقدس ومع الأماكن والأسماء الواردة في النص وكذلك مع ما ذكره المؤرخون عن أماكن تواجد العرب القحطانيين . ونستطيع أيضا أن نرجح أن هذا الإسم يرجع إلى (مسَّا) أحد أبناء إسماعيل عليه السلام كما يخبرنا سفر التكوين :

12 وَهذِهِ مَوَالِيدُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي وَلَدَتْهُ هَاجَرُ الْمِصْرِيَّةُ جَارِيَةُ سَارَةَ لإِبْرَاهِيمَ. 13 وَهذِهِ أَسْمَاءُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ بِأَسْمَائِهِمْ حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ: نَبَايُوتُ بِكْرُ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيدَارُ، وَأَدَبْئِيلُ وَمِبْسَامُ 14 وَمِشْمَاعُ وَدُومَةُ وَ* مَسَّا * 15 وَحَدَارُ وَتَيْمَا وَيَطُورُ وَنَافِيشُ وَقِدْمَةُ. 16 هؤُلاَءِ هُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ، وَهذِهِ أَسْمَاؤُهُمْ بِدِيَارِهِمْ وَحُصُونِهِمْ. اثْنَا عَشَرَ رَئِيسًا حَسَبَ قَبَائِلِهِمْ.

كما نلاحظ فإن النص يبين أن أسماء الأماكن التي عاش فيها بنو إسماعيل قد تسمت بأسمائهم (وهذه أسماؤهم بديارهم وحصونهم) . وبالفعل بعض هذه الأماكن معروف مثل نابت أبو الأنباط الذين كونوا مملكة قوية في شمال غرب الجزيرة العربية وقيدار يقول عنه قاموس الكتاب المقدس أنه جد لأشهر القبائل العربية وأنه يأتي في الكتاب المقدس للتعبير عن العرب عموما، ودومة يقصد به دومة الجندل شمال شرق الجزيرة العربية.. وتيما هو ما تسمت بإسمه مدينة تيماء ولا زالت تحتفظ بهذا الإسم إلى الآن وتقع بين تبوك وبين المدينة المنورة .

كما نرى فإن ما يُعرف من أماكن سكن أبناء إسماعيل عليه السلام هي كلها أماكن بالجزيرة العربية وليست في فلسطين أو سيناء كما يزعم البعض.

إلا أن باقي أبناء إسماعيل لم يذكر الكتاب المقدس مواطن سكن كل منهم بالتحديد ولكنه يذكر في العموم أن أبناء إسماعيل قد سكنوا في المنطقة الممتدة من حويلة إلى شور

18 وَسَكَنُوا مِنْ حَوِيلَةَ إِلَى شُورَ الَّتِي أَمَامَ مِصْرَ حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ أَشُّورَ. أَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ نَزَلَ.

ويوضح في موضع آخر أن إسماعيل قد سكن في ما يعرف ببرية فاران

21 وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ، وَأَخَذَتْ لَهُ أُمُّهُ زَوْجَةً مِنْ أَرْضِ مِصْرَ.

وحويلة كما يقول قاموس الكتاب المقدس : (مقاطعة في بلاد العرب, يسكن بعضها الكوشيون ويسكن البعض الآخر اليقطانيون وهم شعب سامي والصلة بين حويلة وحضرموت وأماكن أخرى تشير إلى موقع في وسط البلاد العربية أو جنوبها) .

إذن نستطيع أن نستنتج مما سبق أن هذه الأماكن تقع داخل نطاق الجزيرة العربية ولكن لا يزال الخلاف قائما حول شور وفاران لأن نصوص الكتاب المقدس تذكر أنهما من الأماكن التي مر بها بنو إسرائيل أثناء خروجهم من مصر لفلسطين وبالتالي يقولون أنهما يقعان في شبه جزيرة سيناء .

لكي نفهم ذلك بوضوح يتعين علينا أن ندقق مرة أخرى في النصوص : 18 وَسَكَنُوا مِنْ حَوِيلَةَ إِلَى شُورَ الَّتِي أَمَامَ مِصْرَ حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ أَشُّورَ. أَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ نَزَلَ. أشور لا خلاف على أنها مملكة أشور التي يمثلها حاليا العراق وهذا مما لا خلاف عليه إذن لكي يستقيم النص بأن شور تقع أمام مصر حينما تجيء نحو أشور لابد إذن أن تكون شرق خليج العقبة في شمال الجزيرة العربية وليس في شبه جزيرة سيناء

ومما يؤكد أيضا أن برية فاران تقع داخل نطاق الجزيرة العربية وليس في شبه جزيرة سيناء هو ما ذكره اثنان من أقدم مؤرخي الكتاب المقدس وهما يوزيبيوس وجيروم

Both Eusebius (in his Onomasticon, a Bible dictionary) and Jerome reported that Paran was a city in Paran desert, in Arabia Deserta (beyond Arabia Nabataea), southeast of Eilat Pharan. Onomasticon, under Pharan, states: “(Now) a city beyond Arabia adjoining the desert of the Saracens [who wander in the desert] through which the children of Israel went moving (camp) from Sinai. Located (we say) beyond Arabia on the south, three days journey to the east of Aila (in the desert Pharan) where Scripture affirms Ismael dwelled, whence the Ishmaelites.

هكذا بكل وضوح يتفق إثنان من أقدم مؤرخي الكتاب المقدس أن فاران التي مر بها بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر هي منطقة بصحراء فاران بالصحراء العربية وهي البرية التي سكنها إسماعيل حسب الكتاب المقدس

وإذا كان موضع فاران يوجد على مسيرة ثلاثة أيام من شرق أيلة إلى الجنوب فإنها قطعا داخل الصحراء العربية أو منطقة الحجاز التي تبدأ من خليج العقبة شمالا إلى مرتفعات عسير جنوبا

خريطة قديمة تبين موقع الحجاز كما نرى من بداية خليج العقبة شمالا إلى مرتفعات عسير جنوبا

وهذا ما يذكره بعض مواقع الكتاب المقدس أن فاران بالجزيرة العربية تبدأ من شمال شرق العقبة وتمتد إلى الجنوب بالجزيرة العربية

www.bible.ca

ولذلك أيضا نجد خريطة قديمة رسمها جغرافي فرنسي في عهد لويس الرابع عشر تضع فاران على المنطقة الجبلية شرق خليج العقبة

وكذلك قاموس سترونجس العبري يؤكد أن فاران صحراء عربية

 Strong’s Hebrew Lexicon 364 ‘Eyl Pa’ran ale paw-rawn’ from 352 and 6290; oak of Paran; El- Paran, a portion of the district of Paran:–El-paran. 6290 Pa’ran paw-rawn’ from 6286; ornamental; Paran, a desert of Arabia:–Paran

ولكن هل ورد في الكتاب المقدس ما يشير إلى خروج نبي من هذه الأرض التي سكنها إسماعيل وأبناؤه ؟

بكل وضوح نجد نصا في سفر حبقوق الإصحاح الثالث يتكلم عن نبي عظيم تمتليء الأرض من هدايته وتسبيحه وينصره الله على كل أعدائه .

1 صَلاَةٌ لِحَبَقُّوقَ النَّبِيِّ عَلَى الشَّجَوِيَّةِ 2 يَا رَبُّ، قَدْ سَمِعْتُ خَبَرَكَ فَجَزِعْتُ. يَا رَبُّ، عَمَلَكَ فِي وَسَطِ السِّنِينَ أَحْيِهِ. فِي وَسَطِ السِّنِينَ عَرِّفْ. فِي الْغَضَبِ اذْكُرِ الرَّحْمَةَ. 3 اَللهُ جَاءَ مِنْ تِيمَانَ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ. سِلاَهْ. جَلاَلُهُ غَطَّى السَّمَاوَاتِ، وَالأَرْضُ امْتَلأَتْ مِنْ تَسْبِيحِهِ. 4 وَكَانَ لَمَعَانٌ كَالنُّورِ. لَهُ مِنْ يَدِهِ شُعَاعٌ، وَهُنَاكَ اسْتِتَارُ قُدْرَتِهِ.(بيده قوة عظيمة في نسخة الملك جيمس) 5 قُدَّامَهُ ذَهَبَ الْوَبَأُ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْحُمَّى. 6 وَقَفَ وَقَاسَ الأَرْضَ. نَظَرَ فَرَجَفَ الأُمَمُ وَدُكَّتِ الْجِبَالُ الدَّهْرِيَّةُ وَخَسَفَتْ آكَامُ الْقِدَمِ. مَسَالِكُ الأَزَلِ لَهُ. 7 رَأَيْتُ خِيَامَ كُوشَانَ تَحْتَ بَلِيَّةٍ. رَجَفَتْ شُقَقُ أَرْضِ مِدْيَانَ.

 (يقول قاموس الكتاب المقدس أن كوش تطلق في الكتاب المقدس على أثيوبيا والنوبة وأيضا على جنوب الجزيرة العربية ويبين أن المقصود بها هنا هو قبائل كوش بجنوب الجزيرة العربية .. ومديان في شمال الجزيرة العربية كما هو معروف.. والفقرة كما نلاحظ تشير لشمال وجنوب الجزيرة العربية) 8 هَلْ عَلَى الأَنْهَارِ حَمِيَ يَا رَبُّ؟ هَلْ عَلَى الأَنْهَارِ غَضَبُكَ؟ أَوْ عَلَى الْبَحْرِ سَخَطُكَ حَتَّى إِنَّكَ رَكِبْتَ خَيْلَكَ، مَرْكَبَاتِكَ مَرْكَبَاتِ الْخَلاَصِ؟ 9 عُرِّيَتْ قَوْسُكَ تَعْرِيَةً. سُبَاعِيَّاتُ سِهَامٍ كَلِمَتُكَ. سِلاَهْ. شَقَّقْتَ الأَرْضَ أَنْهَارًا. 10 أَبْصَرَتْكَ فَفَزِعَتِ الْجِبَالُ. سَيْلُ الْمِيَاهِ طَمَا. أَعْطَتِ اللُّجَّةُ صَوْتَهَا. رَفَعَتْ يَدَيْهَا إِلَى الْعَلاَءِ. 11 اَلشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَقَفَا فِي بُرُوجِهِمَا لِنُورِ سِهَامِكَ الطَّائِرَةِ، لِلَمَعَانِ بَرْقِ مَجْدِكَ(لنور برق رماحك في نسخة الملك جيمس) . 12 بِغَضَبٍ خَطَرْتَ فِي الأَرْضِ، بِسَخَطٍ دُسْتَ الأُمَمَ. 13 خَرَجْتَ لِخَلاَصِ شَعْبِكَ، لِخَلاَصِ مَسِيحِكَ(مسيح تطلق على كل الأنبياء في الكتاب المقدس مثل الصانع رحمة لمسيحه داود يقول الرب لمسيحه كورش لا تمسوا مسحائي ولا تسيئوا إلى أنبيائي) .

سَحَقْتَ رَأْسَ بَيْتِ الشِّرِّيرِ مُعَرِّيًا الأَسَاسَ حَتَّى الْعُنُقِ. سِلاَهْ. 14 ثَقَبْتَ بِسِهَامِهِ رَأْسَ قَبَائِلِهِ. عَصَفُوا لِتَشْتِيتِي. ابْتِهَاجُهُمْ كَمَا لأَكْلِ الْمِسْكِينِ فِي الْخُفْيَةِ. 15 سَلَكْتَ الْبَحْرَ بِخَيْلِكَ، كُوَمَ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ.(عبر ستون ألفا من جيش المسلمين نهر دجلة بخيولهم في فتوحات فارس وهذا من الأخبار الصحيحة الثابتة) 16 سَمِعْتُ فَارْتَعَدَتْ أَحْشَائِي. مِنَ الصَّوْتِ رَجَفَتْ شَفَتَايَ. دَخَلَ النَّخْرُ فِي عِظَامِي، وَارْتَعَدْتُ فِي مَكَانِي لأَسْتَرِيحَ فِي يَوْمِ الضِّيقِ، عِنْدَ صُعُودِ الشَّعْبِ الَّذِي يَزْحَمُنَا.(عندما يأتي إلى الناس سوف يغزوهم بكتائب جيشه في نسخة الملك جيمس)

كما نرى فإن النص يتحدث عن جزع النبي حبقوق عندما أتاه الخبر أن الله جاء من تيمان والقدوس من جبال فاران وهو إشارة واضحة لنبوة تخرج من الجنوب لأن تيمان تعني الجنوب وهذا مما لا خلاف عليه وأن هذا النبي العظيم الذي يصفه بالقدوس يخرج تحديدا من فاران ولفظ القدوس لبيان مدى المكانة العظيمة وهذا من المألوف في الكتاب المقدس مثل ما ورد في سفر المزامير 106 : 16 (هارون قدوس الرب) وسفر الخروج 7 : 1 (فقال الرب لموسى أنظر أنا جعلتك إلها لفرعون)

يحاول البعض أن ينفي أن هذا النص يتحدث عن نبوءة وأنه يشير إلى تجليات الله لبني إسرائيل في رحلة الخروج من مصر وهذا تفسير يتنافى تماما مع أي تفكير علمي وموضوعي لأن النص يتكلم بوضوح عن الله وعن شخص له مكانة عظيمة (الله جاء من تيمان والقدوس من جبال فاران) لذلك نجد بعض الترجمات تكتبها هكذا : Daury Remis bible : God will come from the south and the holy one from mountain pharan (الله سوف يأتي من الجنوب والقدوس من جبال فاران)

وفي النص من أوله لآخره يتكلم النبي حبقوق مع الله بصيغة المخاطَب (يا رب سمعت خبرك يا رب عملك في وسط السنين أحيِه ….) وعن ذلك النبي بصيغة الغائب (جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه وقف وقاس الأرض …. ) وأحيانا يتكلم مع الله بصيغة المخاطَب وعن ذلك النبي بصيغة الغائب في نفس الفقرة (ثقبت بسهامه رأس قبائله) إذن لا مجال لإنكار أن هذا النص يتحدث عن نبوءة واضحة ومؤكدة لنبي عظيم تخرج رسالته من الجنوب تحديدا من فاران التي سكنها إسماعيل عليه السلام ويصف النص صفات ذلك النبي الروحية (جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه) ويصف ما حدث من نصر الله لهذا النبي على أعدائه والحديث عن الحرب والغزو والرماح والسهام والانتصار على الشعوب والغضب الإلهي الذي جازى به الله الشعوب التي سارت في طرق الشرك والإثم (بغضب خطرت في الأرض بسخط دست الأمم) إن نصا كهذا لا يمكن أن ينكره باحث يتحرى الدقة والموضوعية والمنهج العلمي والوصول للحق بعيدا عن الأهواء والتعصب والتمسك بالباطل

من النصوص العظيمة التي تتحدث أيضا عن نبي عظيم تخرج دعوته من الجزيرة العربية ويصف بدقة ووضوح صفات ذلك النبي وخصائص رسالته وأحوال القوم الذين بعث فيهم ووسائل انتشار دعوته هو نص اشعياء الاصحاح 42 :

1 «هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ. 2 لاَ يَصِيحُ وَلاَ يَرْفَعُ وَلاَ يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ. 3 قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ. إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ. 4 لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ، وَتَنْتَظِرُ الْجَزَائِرُ شَرِيعَتَهُ». 5 هكَذَا يَقُولُ اللهُ الرَّبُّ، خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَنَاشِرُهَا، بَاسِطُ الأَرْضِ وَنَتَائِجِهَا، مُعْطِي الشَّعْبِ عَلَيْهَا نَسَمَةً، وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحًا: 6 «أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ، 7 لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ، لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ. 8 «أَنَا الرَّبُّ هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ، وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ. 9 هُوَذَا الأَوَّلِيَّاتُ قَدْ أَتَتْ، وَالْحَدِيثَاتُ أَنَا مُخْبِرٌ بِهَا. قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ أُعْلِمُكُمْ بِهَا».

 10 غَنُّوا لِلرَّبِّ أُغْنِيَةً جَدِيدَةً، تَسْبِيحَهُ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ. أَيُّهَا الْمُنْحَدِرُونَ فِي الْبَحْرِ وَمِلْؤُهُ وَالْجَزَائِرُ وَسُكَّانُهَا، 11 لِتَرْفَعِ الْبَرِّيَّةُ وَمُدُنُهَا صَوْتَهَا، الدِّيَارُ الَّتِي سَكَنَهَا قِيدَارُ. لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ. مِنْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ لِيَهْتِفُوا. 12 لِيُعْطُوا الرَّبَّ مَجْدًا وَيُخْبِرُوا بِتَسْبِيحِهِ فِي الْجَزَائِرِ. 13 الرَّبُّ كَالْجَبَّارِ يَخْرُجُ. كَرَجُلِ حُرُوبٍ يُنْهِضُ غَيْرَتَهُ. يَهْتِفُ وَيَصْرُخُ وَيَقْوَى عَلَى أَعْدَائِهِ. 14 «قَدْ صَمَتُّ مُنْذُ الدَّهْرِ. سَكَتُّ. تَجَلَّدْتُ. كَالْوَالِدَةِ أَصِيحُ. أَنْفُخُ وَأَنَخُرُ مَعًا. 15 أَخْرِبُ الْجِبَالَ وَالآكَامَ وَأُجَفِّفُ كُلَّ عُشْبِهَا، وَأَجْعَلُ الأَنْهَارَ يَبَسًا وَأُنَشِّفُ الآجَامَ، 16 وَأُسَيِّرُ الْعُمْيَ فِي طَرِيق لَمْ يَعْرِفُوهَا. فِي مَسَالِكَ لَمْ يَدْرُوهَا أُمَشِّيهِمْ. أَجْعَلُ الظُّلْمَةَ أَمَامَهُمْ نُورًا، وَالْمُعْوَجَّاتِ مُسْتَقِيمَةً. هذِهِ الأُمُورُ أَفْعَلُهَا وَلاَ أَتْرُكُهُمْ. 17 قَدِ ارْتَدُّوا إِلَى الْوَرَاءِ. يَخْزَى خِزْيًا الْمُتَّكِلُونَ عَلَى الْمَنْحُوتَاتِ، الْقَائِلُونَ لِلْمَسْبُوكَاتِ: أَنْتُنَّ آلِهَتُنَا!

1 «هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ. 2 لاَ يَصِيحُ وَلاَ يَرْفَعُ وَلاَ يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ. 3 قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ. إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ. 4 لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ، وَتَنْتَظِرُ الْجَزَائِرُ شَرِيعَتَهُ». 5 هكَذَا يَقُولُ اللهُ الرَّبُّ، خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَنَاشِرُهَا، بَاسِطُ الأَرْضِ وَنَتَائِجِهَا، مُعْطِي الشَّعْبِ عَلَيْهَا نَسَمَةً، وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحًا: 6 «أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ، 7 لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ، لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ. 8 «أَنَا الرَّبُّ هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ، وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ.

يبدأ النص بالحديث عن عبد الله ومختاره الذي يخرج الحق للأمم والأمم هنا ترجمة لكلمة gentiles وفي النص العبري جوييم גוים ويقصد بها الأمم الغير كتابية وهو ما ذكره القرآن الكريم عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة نبي الأميين ويُقصد بالأميين أو الأمميين الأمم الغير كتابية لذلك يقول الله تعالى في القرآن الكريم (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم) ويقول في موضع آخر (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم؟ ؟) وفي موضع آخر يتكلم عن اليهود (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) فالقرآن كما نرى يقسم الناس وقت نزول القرآن إلى قسمين أهل كتاب وأميين وهم الذين بعث منهم وفيهم النبي صلى الله عليه وسلم.. ومعنى وضعت روحي عليه أي روح الوحي والتأييد من الله وذلك مثل ما ورد في الكتاب المقدس : وكان روح الله مع عزريا بن عوديد .. يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء إذا وضع الله روحه عليهم .. وفي القرآن الكريم : قل نزله روح القدس من ربك بالحق .. ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده .. رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده .. وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان .. ثم تحدث النص عن أخلاق ذلك النبي وعن أنه لا يرفع صوته في الأسواق وعن رحمته بالضعيف (لا يصيح ولا يسمع في الشارع صوته قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خادمة لا يطفيء) وهذه صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي وردت في كتب الحديث والسيرة أنه لم يكن فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق وكان يحمل الكل والضعيف وينصف المظلوم) .. ثم تحدث النص عن العمل والسعي والإصرار والجهد العظيم الذي بذله ذلك النبي في نشر الحق واستقراره في الأرض (لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته) والجزائر جمع جزيرة ويقول قاموس الكتاب المقدس أنها تعني الأماكن المطلة على بحار وأنها تطلق عموما على القرى والبلدان .. ثم تحدث الله عن حفظه وتأييده لذلك النبي حتى يخرج الناس من الظلمات إلى النور لأن الله لا يقبل أن يُشْرَك معه شخص أو أصنام منحوتة (هكذا يقول الله الرب … قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفظك … لتخرج من الحبس الجالسين في الظلمة .. أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر ولا تسبيحي للمنحوتات)

9 هُوَذَا الأَوَّلِيَّاتُ قَدْ أَتَتْ، وَالْحَدِيثَاتُ أَنَا مُخْبِرٌ بِهَا. قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ أُعْلِمُكُمْ بِهَا». 10 غَنُّوا لِلرَّبِّ أُغْنِيَةً جَدِيدَةً، تَسْبِيحَهُ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ. أَيُّهَا الْمُنْحَدِرُونَ فِي الْبَحْرِ وَمِلْؤُهُ وَالْجَزَائِرُ وَسُكَّانُهَا، 11 لِتَرْفَعِ الْبَرِّيَّةُ وَمُدُنُهَا صَوْتَهَا، الدِّيَارُ الَّتِي سَكَنَهَا قِيدَارُ. لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ. مِنْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ لِيَهْتِفُوا. 12 لِيُعْطُوا الرَّبَّ مَجْدًا وَيُخْبِرُوا بِتَسْبِيحِهِ فِي الْجَزَائِرِ. 13 الرَّبُّ كَالْجَبَّارِ يَخْرُجُ. كَرَجُلِ حُرُوبٍ يُنْهِضُ غَيْرَتَهُ. يَهْتِفُ وَيَصْرُخُ وَيَقْوَى عَلَى أَعْدَائِهِ. 14 «قَدْ صَمَتُّ مُنْذُ الدَّهْرِ. سَكَتُّ. تَجَلَّدْتُ. كَالْوَالِدَةِ أَصِيحُ. أَنْفُخُ وَأَنَخُرُ مَعًا. 15 أَخْرِبُ الْجِبَالَ وَالآكَامَ وَأُجَفِّفُ كُلَّ عُشْبِهَا، وَأَجْعَلُ الأَنْهَارَ يَبَسًا وَأُنَشِّفُ الآجَامَ، 16 وَأُسَيِّرُ الْعُمْيَ فِي طَرِيق لَمْ يَعْرِفُوهَا. فِي مَسَالِكَ لَمْ يَدْرُوهَا أُمَشِّيهِمْ. أَجْعَلُ الظُّلْمَةَ أَمَامَهُمْ نُورًا، وَالْمُعْوَجَّاتِ مُسْتَقِيمَةً. هذِهِ الأُمُورُ أَفْعَلُهَا وَلاَ أَتْرُكُهُمْ.

ثم بين النص أن الله يحدثنا عن أمر عظيم سيحدث في المستقبل (الأوليات قد أتت والحديثات أنا مخبر بها قبل أن تنبت أعلمكم بها) ثم تكلم عن مكان خروج تلك الرسالة(تسبيحة من أقصى الأرض) كما نلاحظ يخبر النص أنها من أقصى الأرض ولم يقل في أقصى الأرض أو إلى أقصى الأرض ولكن حدد أنها من أقصى الأرض.. ولأن هذا النص قد نزل على أحد أنبياء بني إسرائيل فإن أقصى الأرض يقصد به الجزيرة العربية لأن جزيرة العرب بالنسبة لفلسطين تعتبر أقصى الأرض وكذلك فلسطين بالنسبة لجزيرة العرب تعتبر أقصى الأرض ولذلك يطلق العرب على مسجد القدس في فلسطين المسجد الأقصى وفي القرآن (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) والمسيح عليه السلام أطلق على جنوب الجزيرة العربية في الإنجيل أقصى الأرض وذلك عندما تحدث عن ملكة سبأ (ملكة التيمن أتت من أقصى الأرض لتسمع حكمة سليمان) وخطاب النص (أيها المنحدرون في البحر وملئه والجزائر وسكانها) موافق تماما لوصف منطقة الحجاز التي تحاذي البحر الأحمر والتي انتشرت فيها وانطلقت منها دعوة التوحيد ثم تحدث النص عن رفع الصحراء صوتها والتهليل من رؤوس الجبال(لترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا) ورفع الصحراء صوتها بالأذان والتكبير والهتاف من رؤوس الجبال كل ذلك من الخصائص المعروفة للدعوة الإسلامية وقيدار كما نعلم أحد أبناء إسماعيل ويقول عنه قاموس الكتاب المقدس أنه جد لأشهر القبائل العربية وأنه يأتي في الكتاب المقدس للتعبير عن العرب عموما كما ذكرنا وسالع يقول عنها قاموس الكتاب المقدس أنه جبل قريب من البتراء شمال غرب الجزيرة العربية ويقول أن سالع معناها العام هو الصخرة هذا ما يقوله الكتاب المقدس عن سالع .. كما أن سالع أو سلع إسم لجبل شمال المدينة المنورة ولا زال يحمل نفس الإسم لم يتغير وهو الذي أقام النبي صلى الله عليه وسلم خيمته عليه في غزوة الخندق ومذكور في العديد من قصائد الشعر الجاهلي وسلع في اللغة العربية مفرد سلوع وهي الشقوق والطُرُق في الجبال وهو معنى قريب مما ورد في قاموس الكتاب المقدس أن سالع يعني الصخرة لذلك نجد نفس الفقرة في بعض الترجمات مثل ترجمة الملك جيمس :

11 Let the wilderness and the cities thereof lift up their voice, the villages that Kedar doth inhabit: let the inhabitants of the rock sing, let them shout from the top of the mountains.

لترفع الصحراء ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار لتترنم سكان الصخور من رؤوس الجبال ويهتفوا

ثم تحدث النص عن واحدة من أهم خصائص الدعوة الإسلامية وهي نصر الله للمؤمنين والفتوحات والغضب الإلهي على الشعوب التي سارت في طرق الشرك والإثم وكرهت نور الحق والتوحيد وتأييده لهؤلاء الذين كانوا عُميا في الجاهلية فمن عليهم بالإيمان وأخرجهم من الظلمات إلى النور ويسر لهم السير في طرق ومسالك لا يعرفوها ودخول بلاد جديدة عليهم (الرب كالجبار يخرج كرجل حروب يصيح ويهتف ويقوى على أعدائه أخرب الجبال والاكام وأجعل الأنهار يبسا وأنشف الاجام وأسير العمي في طرق لم يعرفوها ومسالك لم يدروها أمشيهم أجعل الظلمة أمامهم نورا والمعوجات مستقيمة هذه الأمور أفعلها ولا أتركهم)

17 قَدِ ارْتَدُّوا إِلَى الْوَرَاءِ. يَخْزَى خِزْيًا الْمُتَّكِلُونَ عَلَى الْمَنْحُوتَاتِ، الْقَائِلُونَ لِلْمَسْبُوكَاتِ: أَنْتُنَّ آلِهَتُنَا!

ثم اختُتِم النص بتصوير فني بليغ ومشهد ختامي رائع يصور الخزي الذي حل بالمشركين عبدة الأصنام (يَخْزَى خزيا المتكلون على المنحوتات القائلون للمسبوكات أنتن آلهتنا)

هذا المشهد الختامي الرائع مكتوب هكذا في الترجمة العالمية الجديدة NIV

But those who trust in idols, who say to images, `You are our gods,’ will be turned back in utter shame

أما هؤلاء الذين يتوكلون على الأوثان الذين يقولون للأصنام أنتم آلهتنا سوف يتراجعون في خزي مطلق

ومكتوب هكذا في ترجمة الملك جيمس

 17 They shall be turned back, they shall be greatly ashamed, that trust in graven images, that say to the molten images, Ye are our gods.

سوف يتراجعون سوف يخزون خزيا عظيما هؤلاء الذين يتوكلون على الأصنام المنحوتة الذين يقولون للأصنام المسبوكة أنتن آلهتنا

وهذا وصف دقيق جدا لما حل بصناديد الكفر وعبدة الأصنام من الخزي ووصف دقيق جدا للأصنام التي كانت تُعبد من دون الله كما ورد وصفها في كتب السير وكتب التاريخ ومثال ذلك ما ورد في كتاب المفصل في تاريخ العرب لجواد علي الذي ورد فيه ما يلي :

تالله ما أروعها من نبوءة تبدأ بالحديث عن عبد الله ومختاره نبي الأمم ثم تستفيض في الحديث عن أدق الخصائص والتفاصيل وتنتهي بمشهد ختامي رائع يصف الخزي الذي لحق بالمشركين عبدة الأصنام وكأن هذه النبوءة التي يرجع تاريخها إلى القرن السابع قبل الميلاد لم تُكتَب إلا بعد ظهور الإسلام واستقرار دعوته في الأرض .

الحق أن الكتاب المقدس يحتوى على العديد من النبوءات الأخرى التي تتحدث بوضوح عن صفات النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم لكن الغرض من هذا المقال هو إلقاء النظر على بعض النبوءات التي تشتمل تحديدا على وصف جغرافي دقيق لمكان ظهور النبوة الخاتمة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام

كما أن الحديث عن النبوءات عموما لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لفرد العضلات أو الاستطالة على الآخرين ولكن الهدف هو الدعوة إلى الحق ورجاء الهداية فكلنا مفتقرون إلى الله محتاجون لعونه راجون لفضله .. هدانا الله جميعا إلى صراطه المستقيم ووفقنا لما يحبه ويرضاه

هل خلق اللهُ الكونَ لأجل الإنسان فقط ؟

 كتبه : د. هشام عزمي
من الاعتراضات التي ترد على مفهوم الضبط الدقيق، والعناية الإلهية عمومًا، عدم ظهور غاية واضحة من خلق كل هذا الكون الفسيح والمجرات الضخمة والنجوم البعيدة لأجل كائن ضئيل على كوكب صغير لا يمثل ذرة غبار بالنسبة لهذا العالم العظيم، كما يقول البيولوجي الملحد جيري كوين Jerry Coyne في كتابه الأخير: ((وبعد هذا كله، لم يكن الله بحاجة إلا لمجموعة شمسية واحدة ليأوي المخلوقات التي تعبده، فما الداعي إلى البلايين الكثيرة من الكواكب غير المأهولة؟)) * ، ويقول عن هذه الكواكب: ((معظمها غير مأهولة. فإذا كان البشر هم الغاية من خلق الله، فلماذا كل هذا التبذير؟)) ، كبخيل يخاطب كريمًا ويعترض عليه: لماذا كل هذه النفقة على عيالك؟ يكفيهم رغيف خبر واحد في اليوم كله! {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا} ( الإسراء: 100 ).
وفي تفسير قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} ( النساء: 53 ) ، نقل الطبري عن ابن جريج: ((ولو كان لهم نصيب وحظ من الملك، لم يكونوا إذًا يعطون الناس نقيرًا، من بُخْلهم)).

فتصور هذا الملحد تصورٌ يدل على عطن النفس وخبث الروح، فهو لما شاهد ضخامة خلق الله وعظمته، لم يثر هذا كله في نفسه من المشاعر والأحاسيس إلا السخط والاعتراض. والله جل وعلا كريمٌ يداه مبسوطتان لا ينقص عطاؤه من ملكه شيئًا، وفي الحديث: ((يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لا تَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، أرَأَيْتُمْ ما أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ، فإنَّه لَمْ يَغِضْ ما في يَدِهِ)) ( رواه البخاري ومسلم ) ، تبارك وتعالى الكريم الرزاق!
لكن الواقع أنه بخلاف العطن والفساد الراسخ في نفوس القوم الذي حجب عن فطرتهم التأثر بعظمة الكون وهول ضخامته، فإن هذا الاعتراض قائمٌ على افتراض ليس له أساس، وهو ظنهم أننا نعتقد أن الكون كله مخلوق لأجل الإنسان حصريًا، وأن كل ما فيه هو لأجل الإنسان فقط، أو لأجل المخلوقات الحية على أكبر تقدير، وهذا تصور خاطئ موغل في الفساد والبطلان. فإن السماوات السبع كلها كحلقة في فلاة بالنسبة للكرسي، والكرسي نفسه كحلقة في فلاة بالنسبة للعرش، وهذا كله من مخلوقات الله التي تعبده وتسبح بحمده، فليس هناك مخلوق في هذا العالم كله، سواء عالمنا هذا الذي تبلغه عيوننا ومراصدنا وتليسكوباتنا، أو في ما وراء هذا العالم، إلا يتوجه لله بالعبادة ويسبح بحمده، حيًا كان أو جمادًا، ولو كان ذرةً في قلب ثقب أسود في أقصى الكون! قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} ( الإسراء : 44) ، فكل هذه المخلوقات تعبد الله وتسبح له وتحمده، ولهذا خلقها، لتعبده، كما خلق الجن والإنس ليتوجهوا له بالعبادة. فالله خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه ويسبحوا بحمده ويسجدوا له، قال تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} ( الرحمن :6 ) . فليست الغاية الوحيدة من خلق الكون هي الإنسان، بل كل ما في العالم مخلوقات تعبد الله وتسبح بحمده وتسجد له بكيفيات لا نعلمها ولا نستوعبها. لكن هذا لا يعني أن الإنسان مخلوق عادي كسائر المخلوقات، بل هو مخلوقٌ مميزٌ مكرمٌ رفيع الشأن، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} ( الإسراء : 70 )، وقد سخر الله له كل ما حوله من موارد الكون، من النجوم البعيدة التي ترشده في ظلمات البر والبحر حتى الباكتيريا النافعة داخل جهازه الهضمي. فهذا هو القول الوسط الذي عليه اعتقادنا، فلا نقول إن كل ذرة وكل جسيم في الكون مخلوقٌ لأجل الإنسان، ولا نقول إن الإنسان كائنٌ هامشيٌ على أطراف مجرة درب التبانة، بل هو مخلوقٌ مكرمٌ مميزٌ سخر له الله ما يخدمه من موارد الكون، نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته بقدر ما أكرمنا وكرّمنا ورزقنا وفضّلنا على كثيرٍ من خلقه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
* After all, God needed only one solar system to house the creatures who worship him, so why the superfluous billions of uninhabited planets? (Jerry A. Coyne, Faith Versus Fact: Why Science and Religion Are Incompatible, p. 162)
Most of these are uninhabitable. If humans are the goal of God’s creation, why the excess? (Opt. cit.)[/caption]

الأرض الجرز

تمهيد
وصف الله سبحانه وتعالى الأرض بصفات عديدة منها : الأرض المقدسة في قوله تعالى ” يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ “ المائدة 21 – الأرض الخاشعة في قوله تعالى ” وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ “ فصلت 39 – الأرض الهامدة في قوله تعالى “وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ” الحج 5– الأرض الميتة في قوله تعالى ” وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا” – الأرض الجرز كما في قوله تعالى{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ }السجدة 27 .
إن الهدف من هذا البحث ما هو إلا إلقاء نظرة تأمل وتدبر في آية من كتاب الله تعالى المسطور الذي لا يشبع منه العلماء ولا تنقضي عجائبه سواء ذكرت نصا أو إشارة أو إيماءا، علمها من علمها وجهلها من جهلها، وإظهارا للحقيقة واكتشافا لما أودعه الله في كتابه العزيز من أسرار و مكنونات ذكرت مجملة غير مفصلة لتبقي مجال التدبر والتفكير مفتوحًا لمن أراد وفرص اكتشاف الحقيقة متساوية على مر العصور. فإن هذه المقالة سوف تتناول الحديث عن الأرض الجرز وما تشير إليه الآية 27 من سورة السجدة. حيث وردت كلمة جرز في القران الكريم مرتين الأولى في سورة السجدة والثانية في سورة الكهف في قوله تعالى ” وإنا لجاعلون عليها صعيدا جرزا” أية 8 .


من أقوال المفسرين في بيان معنى الأرض الجرز
ابن كثير:
يبين سبحانه وتعالى لطفه بخلقه وإحسانه إليهم، في إرساله الماء من السماء أو من السيح، وهو ما تحمله الأنهار وينحدر من الجبال، إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته، ولهذا قال تعالى( إلى الأرض الجرز) وهي التي لا نبات فيها، وأرض مصر رخوة تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطراً لتهدمت أبنيتها فيسوق اللّه تعالى إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة.
وقال ابن عباس في قوله( إلى الأرض الجرز) قال هي التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً إلا ما يأتيها من السيول، وقال عكرمة والضحاك: الأرض الجرز التي لا نبات فيها .
القرطبي :
أي أولم يعلموا كمال قدرتنا بسوقنا الماء إلى الأرض اليابسة التي لا نبات فيها لنحييها.
الزمخشري :
الجرز الأرض التي جرز نباتها، أي قطع؛ إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل. ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز؛ ويدل عليه قوله تعالى (فنخرج به زرعا). و قال ابن عباس : هي أرض باليمن.
تفسيرالشعراوى:
فالجُرُز هي الأرض المقطوع منها النبات، إما لأن الماء شحَّ عليه فجفّ ، وإما أنه استُحصد فحصدوه.
ومعنى { نَسُوقُ ٱلْمَآءَ } السَّوْق: حَثٌّ بسرعة، ومعلوم أن السَّوْق يكون من الوراء، على خلاف القيادة، فهي من الأمام.
مما سبق يتضح أن الأرض الجرز هي أرض لا يكفيها ماء السماء القليل ولا تصلح لاستقبال الماء الغزير من السماء فكيف تسقى ؟ فسبحان من يدبر أمر العباد.
الماء سر الحياة
الماء هو سر الحياة وأحد مقومات استبقاء حياة المخلوقات جميعا على سطح الأرض. ومن الجدير بالذكر أن عملية سقوط مياه الأمطار على سطح الأرض لا تتم بشكل متساو بسبب التفاوت الكبير لتضاريس سطح الأرض فهناك الجبال الشاهقة والوديان والسهول المنبسطة والبحار والمحيطات .

وكذلك تغير المناخ الناتج عن اختلاف الليل والنهار للفصول المختلفة هو أحد الأسباب الطبيعية التي تؤثر في عدم نزول الماء على سطح الأرض بشكل متساو. فالله وحده هو المتحكم في نزول القطر من السماء حسب الحاجة ،لا كثيراً فيهلك الحرث والنسل، ولا قليلاً فلا يكفي الزروع والثمار، وكذلك حسب نوعية التربة فمثلا الأراضي التي تتميز بمسامية عالية ونفاذية قليلة لا تحتمل تربتها إنزال الماء عليها بغزارة و تحتاج ماءا كثيراً لزراعتها مثل التربة الطينية يسوق إليها الماء من أماكن أخرى، كما في أرض مصر، ويقال لها الأرض الجرز يسوق اللّه تعالى إليها الماء عن طريق نهر النيل وهذا موضوع حديثنا :-
ومن آثار رحمة الله على الناس أن قام بتوفير آليات مختلفة لتزويد المناطق التي لا تسقط عليها كمية كافية من الأمطار بما يكفيها من الماء الذي يبعث فيها الحياة أو لا تصلح لإنزال الماء الكثير عليها مثل الأرض الجرز، ومن هذه الآليات سوق الماء كما في هذه الآية. وسَوْق الماء له عدة مظاهر: فالله تعالى يسوق الماء من السحاب إلى الأرض، فإذا نزل إلى الأرض ساقه في الأنهار، أو سلكه ينابيع في الأرض ليحتفظ لنا به لحين الحاجة إليه ثم يخرجه لنا على هيئة مياه جوفية عند حفر الآبار. قال تعالى “أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ حُطَٰامًا ۚ إِنَّ في ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُوْلِى ٱلْأَلْبَٰابِ ” الزمر21


– الفعل نسوق يحتاج إلى طاقة وتوجيه أي يوجه الله سبحانه وتعالى قطر الماء حيث أراد لها الإنزال فقطرة الماء تحتاج إلى طاقة لتبخيرها (حركة رأسية لأعلى) ثم يتجمع البخار ليكون السحب التي تحركها الرياح (حركة أفقية) قال تعالى {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ… } [فاطر: 9].

ثم تتكاثف السحب فينزل الماء (حركة رأسية لأسفل) فيجرى فى الوديان والأنهار (طافة ميكانيكية) ثم يتحرك الماء في الترع ثم يرفعه الفلاح إلى الأرض وهذا يحتاج إلى طاقة مثل الشادوف أو الساقية قديما أو ماكينة رفع الماء حديثا فسبحان من هذا صنعه وتدبيره.
إن المتدبر لآيات الله تعالى المنظورة من الشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض والأنهار ليجد أنها جميعا مسخرة في خدمة الإنسان. فالشمس هي المسئولة عن تبخير مياه البحار والمحيطات ( الدورة الهيدرولوجية ) من خلال الإشعاع الذي يصل إلى الأرض على شكل أمواج ضوئية وحرارية دون أن يتم رفع درجة حرارة الماء إلى درجة الغليان وهذا من لطف الله تعالى ورحمته بعباده ومن آليات كلمة نسوق ما يأتي :
1. طاقة الشمس متمثلة في تبخير المياه من البحار والمحيطات ورفعه إلى طبقات الجو العليا لتكوين السحب.
2. تعاقب الليل والنهار واختلافهما مما يؤدى إلى تغير المناخ الذي ينتج عنه هبوب الرياح .
3. الرياح تحمل السحب وتحركها من مكان لآخر وتكثفها فتسقط على هيئة أمطار.
4. نزول الماء على قمم الجبال الشاهقة والتي يزيد ارتفاعها على 4000م فتتحول طاقة الوضع إلى طاقة حركية.
5. نقل الماء من سفوح الجبال الشاهقة والمرتفعات بسبب اختلاف المنسوب ثم امتلاء الوديان بالماء قال تعالى ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ الرعد 17
6. تكوين الأنهار بسبب الصدوع وجريان الماء بها بسبب اختلاف الانحدار فمثلا نجد أن منسوب الارتفاع بين أسوان والإسكندرية يربوا على المائة متر مما يسبب جريان الماء في نهر النيل.
7. الآلات الزراعية لنقل الماء من الترع إلى الأرض تحتاج إلى طاقة.
وجه الإعجاز
– نزول الماء على ارض لا تقبل الماء وإنما تمسكه لأنها صخور صماء تتميز بعدم وجود مسامية و نفاذية فهضبة الحبشة التي ينزل عليها ماء نهر النيل تتكون من البازلت، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: فعن أبى موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ به مِنَ الهُدَى والعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا، فَكانَ مِنْها نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الماءَ، فأنْبَتَتِ الكَلَأَ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنْها أجاذب، أمْسَكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بها النَّاسَ، فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأَصابَتْ مِنْها طائِفَةً أُخْرَى، إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذلكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ، ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ به فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بذلكَ رَأْسًا، ولَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الذي أُرْسِلْتُ بهِ” . من أنباك هذا يارسول الله……… قال نبأني العليم الخبير.

والحقيقة العلمية تقول أن التركيب المعدني وكذلك خاصية المسامية والنفاذية للصخور تلعب دورا كبيرا في تقسيم الأرض من حيث قبولها وإمساكها وتخزينها للماء أو إنباتها للزرع والكلأ والعشب. فقد قسم العلماء الأرض إلي أنواع مختلفة مثل التربة الرملية والطينية والطميه.
– استعمال الفعل نسوق في هذا الموضع إشارة إلى أمرين: الأول أنه تعبير دقيق يدل على أن الماء يأتي من مكان بعيد حيث تشير كلمة نسوق إلى توجيه وتحريك الشيء دون إرادته إلى وجهة محددة والثاني أن خصائص هذه الأرض و تركيبها المعدني لا تستطيع استقبال ماء المطر الغزير عليها مباشرة ولا يكفيها الماء القليل لإخراج الزرع لذلك لم يستخدم الحق سبحانه وتعالى كلمة أنزل أو أنزلنا وهذا من لطف الله بعباده. وأيضا جاء الفعل بصيغة المضارع دليل على التجدد والاستمرار لاستحضار قدرة الله العظيمة في كل وقت.
– من روعة البيان القرآني انه ذكر الأنعام أولا قبل الإنسان وهذا مناسب مع كلمة الزرع حيث جاء في لسان العرب الزرع هو طرح البذر وقيل كل ما هو أخضر غض أو ما ينبت بالبذر من شعير وقمح وذرة ونحوها أي أن الزرع مناسب لأكل الأنعام فمثلا نبات البرسيم مناسب لأكل الأنعام أولا، مع ملاحظة انه في مواطن أخرى يقول سبحانه و تعالى “كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَىٰ” طه 54.

فالمراعي الطبيعية هي الأراضي التي تنمو فيها الحشائش والأعشاب بعد سقوط الأمطار ولا دخل للإنسان في زراعتها أو ريها علاوة على أنها تتكون من مساحات شاسعة من السهول أما الأرض الجرز لا تسق بماء الغيث مباشرة ولا تكفيها ماء المطر وتزرع وتحصد بواسطة الإنسان وذات مساحات صغيرة لا تصلح للرعي فسبحان من هذا كلامه سبحانه وتعالى.
– دقة استعمال والتعبير باللفظ القرآني كل في موضعه فيه لمحة إعجاز لغوية وعلمية فهناك فرق كبير بين قوله تعالى “تأكل منه أنعامهم” وقوله “كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ” يتجلى الإعجاز من حيث نوع المأكول (الزرع أو العشب والكلأ) ونوعية اللآكل (الأنعام مثل الأبقار– الجاموس- الأغنام- الماعز) ونوعية الأرض (طينية أو رملية) وطريقة الزرع (طبيعي أو عن طريق الإنسان) والري (هل يسقى بماء السماء مباشرة أو بألة).
– دِقَّة السياق القرآني اقتضتْ أنْ تختم هذه الآية بقوله تعالى: { أَفَلاَ يُبْصِرُونَ } لأن هذه مسألة تتعلق بالبصر نعم، هذه آية واقعة نشاهدها جميعاً وتتكرر باستمرار، فالمراد هنا مشاهدة تمعُّن وتذكّر وتعقُّل، نهتدي من خلالها إلى قدرة الخالق عز وجل.


الخاتمة
– الأرض الجرز والله أعلم بمراده هي أرض ذات خصائص وطبيعة معينة وذات تركيب معدني معين أى تحتوى على معادن الطين, مثل السهول الفيضية الموجودة على جانبي الأنهار وفى دلات الأنهار مثل دلتا نهر النيل بأرض مصر المباركة وهى أرض طينية تكونت عبر ملايين السينين تتميز بعدم وجود نفاذية بين حبيباتها (أي أنها تمسك الماء) لذلك لاتصلح لاستقبال الأمطار الغزيرة وحيث أنها تزرع طول العام فلو نزل ماء الغيث بكميات غزيرة طول العام سوف تحتفظ به التربة فيهلك الحرث والنسل والله لايحب الفساد. وشهد شاهد من أهلها كما جاء على لسان سيدنا يوسف في تفسيره لرؤيا ملك مصر في قوله تعالى “ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ” (47) ثمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ ” يوسف 48.

هذه الآية إشارة واضحة على أن أهل مصر كانوا يمتهنون ويشتغلون بحرفة الزراعة مما جعلها مخزن وسلة للحبوب فى فترة من الزمن. أما السبع الشداد هي جدب الأرض وعدم زراعتها بسبب انخفاض منسوب الماء في نهر النيل.
وختاما :- فما كان من صواب وتوفيق في هذا المقال فمن الله وماكان من خطأ ونسيان فمنى …
والله من وراء القصد.
د شكرى عبدالسميع سليمان
أستاذ مساعد معهد بحوث البترول
[email protected]

التسامح في المسلمين

 بقلم : كلاع رياض

إن روح السماحة التي تبدو في حُسن المعاشرة، ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وسعة المشاعر الإنسانية من البر والرحمة والإحسان – من الأمور التي تحتاج إليها الحياة اليومية، ولا يغني فيها قانون ولا قضاء.

تتجلى هذه السماحة في مثل قول القرآن في شأن الوالدَيْن المشركَيْن اللذيْن يحاولان إخراج ابنهما من التوحيد إلى الشرك: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15].

وفي ترغيب القرآن في البر والإقساط إلى المخالفين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].

وفي قول القرآن يصف الأبرار من عباد الله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8], ولم يكن الأسير حين نزلت الآية إلا من المشركين.

وفي قول القرآن يجيب عن شبهة بعض المسلمين في مشروعية الإنفاق على ذويهم وجيرانهم من المشركين المُصِرِّين: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَِنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} [البقرة: 272].

وقد روى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ومدوِّن مذهبه: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل مكة مالاً لما قحطوا؛ ليوزَّع على فقرائهم[1]. هذا على الرغم مما قاساه من أهل مكة من العنت والأذى هو وأصحابه.

وروى أحمد والشيخان عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت أمي وهي مشركة, في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي r فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة، أفـأصِلُها؟ قال: “نعم، صِلي أمك”[2].

وفي قول القرآن يبين أدب المجادلة مع المخالفين: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ} [العنكبوت: 46].

وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الرسول r لأهل الكتاب يهودًا كانوا أو نصارى، فقد كان يزورهم ويكرمهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم، ويأخذ منهم ويعطيهم.

ذكر ابن إسحاق في السيرة: أن وفد نجران -وهم من النصارى- لما قدموا على الرسول بالمدينة، دخلوا عليه مسجده بعد العصر، فكانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله r: “دعوهم”, فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.

وعقب المجتهد ابن القيم على هذه القصة في (الهدي النبوي) فذكر ما فيها من الفقه: “جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وتمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين، وفي مساجدهم أيضًا، إذا كان ذلك عارضًا، ولا يمكنون من اعتياد ذلك”[3].

وروى أبو عبيد في (الأموال) عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود، فهي تُجْرَى عليهم[4].

وروى البخاري عن أنس: أن النبي عاد يهوديًّا، وعرض عليه الإسلام فأسلم، فخرج وهو يقول: “الحمد لله الذي أنقذه بي من النار”.

وروى البخاري أيضًا: “أن النبي مات ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله”. وقد كان في وسعه أن يستقرض من أصحابه، وما كانوا لِيَضِنُّوا عليه بشيء, ولكنه أراد أن يُعَلِّم أمته.

وقَبِل النبي الهدايا من غير المسلمين، واستعان في سلمه وحربه بغير المسلمين، حيث ضمن ولاءهم له، ولم يخش منهم شرًّا ولا كيدًا.

ومرت عليه جنازة فقام لها واقفًا، فقيل له: إنها جنازة يهودي! فقال عليه الصلاة والسلام: “أليست نفسًا؟”.

وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الصحابة والتابعين لغير المسلمين, فعمر يأمر بصرف معاش دائم ليهودي وعياله من بيت مال المسلمين، ثم يقول: قال الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60], وهذا من مساكين أهل الكتاب[5].

ويمر في رحلته إلى الشام بقوم مجزومين من النصارى, فيأمر بمساعدة اجتماعية لهم من بيت مال المسلمين.

وأصيب عمر بضربة رجل من أهل الذمة -أبي لؤلؤة المجوسي- فلم يمنعه ذلك أن يوصي الخليفة من بعده, وهو على فراش الموت فيقول: “أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، أن يوفي بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألاَّ يكلفهم فوق طاقتهم”[6].

وعبد الله بن عمرو يوصي غلامه أن يعطي جاره اليهودي من الأضحية، ويكرر الوصية مرة بعد مرة، حتى دهش الغلام، وسأله عن سر هذه العناية بجار يهودي؟ قال ابن عمرو: إن النبي r قال: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه”[7].

وماتت أم الحارث بن أبي ربيعة وهي نصرانية، فشيَّعها أصحاب رسول الله [8].

وكان بعض أجلاء التابعين يعطون نصيبًا من صدقة الفطر لرهبان النصارى, ولا يرون في ذلك حرجًا, بل ذهب بعضهم -كعكرمة وابن سيرين والزهري- إلى جواز إعطائهم من الزكاة نفسها.

وروى ابن أبي شيبة عم جابر بن زيد: “أنه سُئل عن الصدقة فيمن توضع؟ فقال: في أهل ملتكم من المسلمين، وأهل ذمتهم”[9].

وذكر القاضي عياض في “ترتيب المدارك” قال: “حدَّث الدارقطني أن القاضي إسماعيل بن إسحاق[10] دخل عليه الوزير عبدون بن صاعد النصراني وزير الخليفة المعتضد بالله العباسي، فقام له القاضي ورحب به, فرأى إنكار الشهود لذلك، فلما خرج الوزير قال القاضي إسماعيل: قد علمت إنكاركم، وقد قال الله تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8]، وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد, وهذا من البر”[11].
وتتجلى هذه السماحة بعد ذلك في مواقف كثير من الأئمة والفقهاء، في الدفاع عن أهل الذمة، واعتبار أعراضهم وحرماتهم كحرمات المسلمين، وقد ذكرنا مثلاً لذلك: موقف الإمام الأوزاعي، والإمام ابن تيمية.

ونكتفي هنا بكلمات نيرة للفقيه الأصولي المحقق شهاب الدين القرافي شارحًا بها معنى البر الذي أمر الله به المسلمين في شأنهم, فذكر من ذلك: الرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم -على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة, واحتمال إذايتهم في الجوار -مع القدرة على إزالته- لطفًا منا بهم، لا خوفًا ولا طمعًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم، في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم، إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم إلى جميع حقوقهم… إلخ[12].
مما راق لي
………………………………..

المصدر: كتاب “غير المسلمين في المجتمع الإسلامي” للدكتور يوسف القرضاوي.
[1] شرح السير الكبير 1/144.
[2] تفسير ابن كثير 4/349.
[3] زاد المعاد جـ3 ط. مطبعة السنة المحمدية.
[4] الأموال ص613.
[5] أبو يوسف: الخراج ص26، انظر: كتابنا “فقه الزكاة” 2/705، 706.
[6] أخرجه البخاري في الصحيح، ويحيى بن آدم في الخراج ص74، والبيهقي في السنن 9/206 باب الوصاة بأهل الكتاب.
[7] القصة رواها أبو داود في كتاب الأدب من سننه، والترمذي في البر والصلة، والبخاري في الأدب المفرد رقم (128). أما الحديث المرفوع فهو متفق عليه.
[8] انظر: فقه الزكاة السابق.
[9] ذكر ذلك ابن حزم في المحلى 5/117.
[10] من أعلام المالكية وقاضى بغداد، توفي سنة 282هـ. انظر ترجمته في “ترتيب المدارك” 3/166-181. ط. دار الحياة ببيروت, تحقيق الدكتور أحمد بكير محمود.
[11] المرجع السابق ص174.
[12] الفروق 3/15.

تأملات علمية في سورة الطارق (ح1)

صالح شيخو الهسنياني
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ. النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾
هذا قسم إلهي حيث أقسم الله تعالى بالسماء وهو كل ما علا، والطارق ولما كان لفظ الطارق في اللغة يشمل كل طارق آت بليل، لأن الطارق بالليل يدق. وأراد طارقاً معيينا فخم من شأنه بالاستفهام عنه الدال على تعظيمه فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ أي وما الذي أعلمك يا محمد ما حقيقة هذا النجم؟ ثم بينه بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ وكل نجم هو ثاقب لظلام الليل البهيم بضوئه وبصوت الطرق، وسُمي النجم طارقاً لأنه إِنما يظهر بالليل ويختفي بالنهار عن أعين الناس.
التفسير العلمي:
النجم الطارق والثاقب
هناك آراء وتفسيرات عدة حول تفسير الطارق والنجم الثاقب علميا، منها :
أولا- الطارق والنجم الثاقب نجم نيتروني :
في عام (1967م) رصد العلماء موجات راديوية كهرومغناطيسية من خلال بعض التلسكوبات الراديوية، لقد التقطت إشعاعات لنجوم مجهولة، وبعدما قام العلماء بدراسة هذه النجوم دراسة دقيقة على مدى أكثر من ثلاثين عاماً وجدوا بأن هذه النجوم أكبر من الشمس بعدة أضعاف. وتتشكل نتيجة انفجار النجوم، فعندما ينفجر هذا النجم ويتهاوى على نفسه فإن مادته تتحول إلى نيوترونات.
وقد قدر عدد النجوم النيوترونية في مجرتنا بمائة ألف نجم ومن الطبيعي أن تحتوي مليارات المجرات الأخرى على مئات الآلاف من النجوم النيوترونية الطارقة الثاقبة فالسماء إذن تمتلئ بها.
ما هو الطارق؟
الطارق هو جرم سماوي له صفتان وهما النجم والثاقب، ولو قارنا بين تلك الخواص وأي جرم سماوي لوجدنا أن النجم النيوتروني يستوفي هذه الخواص نجم وطارق وثاقب، له نبضات وطرقات منتظمة؛ فالطارق يصدر طرقات منتظمة متقطعة تشابه تماما تلك التي ينقلها لنا اللاسلكي والتي كان مصدرها النجم النيوتروني.
النجم النيوتروني له أعلى كثافة معروفة للمادة إذ إن جاذبيته تعادل (200) مليار مرة جاذبية الأرض، وهذه النجوم النيترونية المنكمشة ثقيلة جداً حتى إننا لو أخذنا كمية بحجم “مكعب سكر” سوف يزن (100) مليون طن، يعدل وزنها خمسين ألف بليون (مليار) من الأطنان، فإذا وضعت هذه الكرة على الأرض ثقبتها، ووصلت إلى طرفها الآخر.
يبدأ هذا النجم بالدوران حول نفسه بشكل هائل، فيدور مئات الدورات في الثانية وله نبضات سريعة لسرعة دورانه وسرعة طاقته مما يولد حوله مجالاً كهرومغناطيسياً قوياً جداً، هذا المجال يولد أيضاً صوتاً يشبه صوت المطرقة، لذلك فإن العلماء وجدوا أن أفضل تسمية لهذه النجوم هي المطارق العملاقة، حتى إنهم يطلقون عليها في أبحاثهم هذا الاسم، ولكن لماذا؟
لأنهم وجدوا أن هذه النجوم تصدر أصواتاً تشبه تماماً صوت المطرقة، ولكن هنالك بعض العلماء تساءلوا: كيف يمكن أن يكون الصوت حقيقياً، ونحن نعلم أن الصوت لا ينتشر في الفراغ، فهذه النجوم بعيدة عنا جداً وتفصلنا عنها سنوات ضوئية فكيف يصلنا هذا الصوت مع العلم أن الصوت يحتاج لوسط لكي يسير فيه، لأن الصوت لا ينتشر في الفراغ.
ولكي نؤكد صدق هذه الأبحاث فإن العلماء سجلوا هذه الأصوات وعرضوها من مواقعهم العلمية، وهي أصوات حقيقية سجلتها الأجهزة، مع أن الصوت لا ينتشر في الفراغ إلا أن الأجهزة تستطيع تسجيله بتقنيات خاصة، بعد تحليل الأشعة الراديوية الصادرة عن النجم. ولذلك فإن الله تبارك وتعالى سمى هذا النجم (الطارق) وهنا أحب أن أشير إلى أن العلماء يسمونها النجوم النابضة، وهذه التسمية غير دقيقة لأن العلماء ظنوا في بداية الأمر أن هذه النجوم تشبه نبضات القلب، ولكن بعد ذلك تبين لهم أن التسمية الأدق هي تسمية مطرقة أو مطارق، فأسموها المطارق العملاقة، وبالفعل فإن الصوت الذي تصدره هذه النجوم يشبه تماماً صوت المطرقة.
هناك تلسكوبات لاسلكية تلقت ومضات لاسلكية من هذه النجوم وعلى درجة كبيرة من الدقة، فالإشارات تصل على صورة متقطعة: (بيب.. بيب.. بيب)، وتستمر كل إشارة منها كسورًا من الثانية وتتكرر كل ثانية أو أكثر (نبضات نوبية)، وكأن هذا النجم يطرق باب الفضاء، حيث يتزايد تواتر النبضات النوبية في شبابه، ويقل تواترها في شيخوخته، ونعرف من خلال تواتر النبضات التي تأتي عن طريق التلسكوبات اللاسلكية عمر هذا النجم، فنجم يطرق، ونجم يثقب، ولو قارنا بين تلك الخواص وأي جرم سماوي لوجدنا أن النجم النيوتروني يستوفي هذه الخواص نجم وطارق وثاقب له نبضات وطرقات منتظمة، فالطارق يصدر طرقات منتظمة متقطعة (تك. تك. تك) تشابه تمامًا تلك البيبات التي نقلها لنا اللاسلكي، والتي كان مصدرها النجم النيوتروني، فمن رحمة الله علينا الصوت لا ينتشر في الفراغ ولذلك نحن لا نسمع صوت هذه النجوم وهذا لأن صوتها لو وصلنا لصم آذاننا على الفور!! ولكن العلماء بعدما حللوا الأمواج الراديوية ودرسوا آلية عمل هذه النجوم وجدوا أنها تصدر هذه الأصوات، وتوصل العلماء أيضا إلى أن النجم النيوتروني عقب مولده له نبضات سريعة لسرعة دورانه وسرعة طاقته، وأن النجم النيوتروني العجوز له إشارات بطيئة على فترات أطول، وذلك عندما تقل طاقته وتنقص سرعة دورانه، وهذا شيء من أحدث البحوث الفلكية.
ما هو الثاقب؟
بعد دراسة طويلة لهذه المخلوقات الكونية وجد العلماء أن هذه النجوم تصدر موجات أسموها موجات جاذبية تشبه موجات الجاذبية الأرضية، ولكن أقوى بملايين المرات، هذه الموجات موجات يصدرها هذا النجم النيوتروني، ويقول عنها العلماء بالحرف الواحد (إنها تثقب وتخترق أي شيء تصادفه) حتى إن الكرة الأرضية تُخترق بالكامل من قبل هذه الموجات التي تبثها النجوم النيوترونية أو المطارق الكونية.
ولذلك فإن الله تبارك وتعالى عندما سماها بالنجم الثاقب، فإن هذه التسمية دقيقة جداً علمياً، ويستخدمها العلماء اليوم، ويقولون إنها تخترق أي شيء، حتى إن هذه النجوم تصدر أيضاً أشعة كونية من مادة اسمها (النيوترينو) وهي جسيمات صغيرة جداً لا شحنة لها، تبثها هذه النجوم وتصل إلى الأرض وتخترق الغلاف الجوي، وتخترق أجسامنا، وتخترق الأرض بالكامل، حتى إنهم نزلوا إلى أعماق البحار فوجدوا آثاراً لهذه الجسيمات الصغيرة (نيوتريونو) ونزلوا إلى أعمق نقطة على سطح اليابسة ووجدوا آثاراً لهذه الجسيمات الدقيقة، ولذلك فإن كل شيء تبثه هذه النجوم يعتبر ثاقباً وخارقاً لأي شيء. ويقول العلماء اليوم: إن هذه النجوم النيوترونية أو الثاقبة تُصدر هذه الموجات وتصدر هذه الطرقات بدقة مذهلة، حتى إنهم يعتبرونها من أدق الساعات الكونية على الإطلاق، يعني هذه النجوم أدق من أي ساعة على الأرض، فهي تصدر هذه الطرقات بصورة شديدة الانتظام، ولا تخطئ في عملها أبداً .
ثانيا- نجم طارق ثاقب ضرب الأرض:
يقول العميد الركن المتقاعد الدكتور محمد فرشوخ: ” بعد أبحاث وبيانات معمقة وتحليلات مستفيضة استغرقت عشرين عاماً، قام بها علماء في مختلف المجالات كعلم الحفريات والكيمياء الجيولوجية والمناخ والجيوفيزياء والترسبات، و (41) خبيرا دوليا من (33) مؤسسة مشاركة، أجمع هؤلاء على الاستنتاجات التالية التي نشرتها المجلة الأكاديمية للعلوم يوم الجمعة في الخامس من آذار سنة (2010م).
نتائج الأبحاث: تبين أن تقعّر حفرة “تشك شيلوب” في خليج “يوكاتان” المكسيكي، ناجم عن ضربة خطيرة جداً، صدمت الأرض، نفذها نيزك مشتعل وصلت منه إلى سطح الأرض كتلة قطرها (10 كلم) يقدر وزنها باثنين تريليون طن، أحدثت انفجاراً بقوة (100 مليون ميغاطن) أي تبلغ مليار ضعف قنبلة هيروشيما ، وتزيد على أقوى تفجير نووي نفذ في العالم بمليوني مرة، وأقوى من أقوى ثورة بركانية عرفها تاريخ الأرض.
وبمقدار ما كان هذا الطارق المرعب يقترب من الأرض كانت سرعته تتضاعف بفعل جاذبية الأرض حتى بلغت سرعته (60-70 ) ألف كلم بالساعة. فاجتاز المحيط الأطلسي من جنوبه إلى المكسيك في أربعة دقائق، إلى أن ضرب الأرض بسرعة تزيد على أسرع قذيفة معروفة في العالم بعشرين ضعفاً، محدثاً حفرة دائرية قطرها (180 كلم) محاطة بصدع يصل قطره إلى (300 كلم)، وقد ظهرت بعض آثاره على السواحل الغربية للقارة الأوروبية، وتزداد هذه الآثار كلما اقتربت من الحفرة التي بلغ عمقها أكثر من عشرة آلاف متراً.
﴿الطَّارِقُ﴾: لو طرق السماء وبقي فيها لما سمي بالطارق: (سمي النجم طارقاً لاختصاصه بالليل وكل قاصد في الليل طارق وأصل الطرق الدق ومنه المطرقة وقاصد الليل طارق لاحتياجه في وصوله إلى الدق). إنه إذاً متعدٍ على نطاق غيره حتى يسمى “طارق”، لم ينتقل من فضاء إلى فضاء بل غريب طرق الأرض، والنبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول: (أعوذ بك من طوارق الليل والنهار إلّا طارقا يطرق بخير يا رحمن) . وهو الطارق جاء معرفاً بـــــ (أل) التعريف لتفرده ولم يأت نكرة. فــــــ “الطارق” هو الوحيد الذي طرق الأرض بهذا العنف وبهذا التأثير الكوني الخطير. وهو بلا شك قادم من الفضاء الخارجي” .

الكشوف الأثرية تؤكد ما ذكره القرآن عن أنهار فرعون

رسم للفروع القديمة للنيل كذلك البحيرات شرقي الدلتا

{ وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)}(الزخرف )

بعض المفسرين ذهب إلى التأويل المجازي بأن المقصود بالأنهار الأموال أو القواد..لكن الغالبية ذهبت إلى أنها تشير لفروع قديمة للنيل ومنها ما فصل صناعيا عنه، قال الرازي في تفسيرها:يعني الأنهار التي فصلوها من النيل ، ومعظمها أربعة : نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس ، قيل : كانت تجري تحت قصره ، وحاصل الأمر أنه احتج بكثرة أمواله وقوة جاهه على فضيلة نفسه … * والحق أنه حتى فتح عمرو بن العاص لمصر كان هناك إثنا عشر فرعا للنيل.. فهل بنى فرعون إثنا عشر قصرا أو أكثر على كل فرع ووقف عند كل فرع وقال لمجموعة من أتباعه هذا الكلام؟ * السياق يشير إلى موقف لحظي في آن ومكان واحد.. لوجود إسم الإشارة هذه(يشير لهم إلى مشهد يرونه ) ثم تذييل الآية بقوله: أفلا تبصرون..ولم يقل مثلا: أفلا يعلمون..أو..أفلا يعقلون.. إنه يشير إلى موقف ومشهد لحظي يرونه بأعينهم ويحتج به. * فهل حملهم على منطاد مثلا ليريهم جميع قصوره وفروع النيل أو ترعه الكبيرة تجري تحتها؟!! * بالطبع لا..الجواب يأتينا بمعجزة أثرية تاريخية.. فقد اكتشفت بعثات أثرية(بدأت بالفرنسية عام ١٩٤٠ وحتى أواخر القرن الماضي وآخرهم بعثة نمسوية ) عاصمة ملك رمسيس الثاني(الذي يرى الغالبية العظمى من الباحثين أنه فرعون موسى ) في تنيس بمحافظة الشرقية..وكان إسمها: Pi_ Rameses وكان من خواص هذه المدينة أنها كانت مبنية على الفرع البيلوزي القديم للنيل، وهو آخر فروعه من جهة الشرق وكان يصب في سيناء.

 Pelusiac branch * وأنها بلغت من الأبهة والعظمة أنها كانت فينيسيا عصرها! حيث وجود العديد من الأنهار الصناعية بها لدرجة أن التنقل كان فيها بالقوارب

!! Architectural Salvage, Reclamation Yards, UK, USA and more | SalvoWEB https://www.salvoweb.com/…/17934-worlds-biggest-architectur…

An Austrian team of archaeologists headed by Manfred Bietak found evidence of many canals and lakes and described the city as the Venice of Egypt. *

 وكان بها من السكان ما يصل إلى ثلاثمائة ألف..ومرابض خيل يصل عددها إلى حوالي الخمسة آلاف. وآلاف التماثيل التي قد يصل وزن بعضها إلى ألف طن!! والفيديو المعروض من البعثة يظهر كثير من هذه التماثيل يجري تحتها نهر من تلك الأنهار الصناعية المبهرة.. وحتى عصرنا هذا أجمل مدن العالم هي التي يكثر بها تلك القنوات، كفينيسيا (أنظر الصورة ) وأمستردام وبروج وكوبنهاجن وكمبريدج وستوكهولم وهامبورج. * وكان للفرعون قصر مهيب وبجواره معبد ضخم يطل على تلك القنوات وبحيرة ملكية كبيرة، كما يطل على قصور كبار موظفيه الأصغر حجما بالطبع. *** فكأنما المشهد كالتالي: استدعى فرعون حاشيته إلى شرفة في قصره تطل على كل أبهة تلك المدينة وقال لهم وهو يشير إلى مفاتنها: (لماذا ينكر علي موسى أن أكون إلها؟ هل رأيتم ملكا من الملوك في مثل قوتي وامتلاكي لناصية كل شئ؟ أليس لي ملك أكبر بلاد الدنيا؛ مصر التي معناها في لغتنا الأرض فلا أرض سواها؟ مصر خزائن الأرض وكنوزها.. ثم هل رأيتم ملكا عاصمة ملكه بهذه العظمة بما فيها من هذه القنوات المائية الرائعة تجري من تحت قصري وتماثيلي في عاصمة ملكي هذه؟). ** يؤكد ما ذهبناإليه أن الحديث الشريف تكلم عن القنوات المائية الصناعية بمصطلح “أنهار ” كقوله صلى الله عليه وسلم: ( سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته :من علم علما, أو أجرى نهرا , أو حفر بئرا , أو غرس نخلا , أو بنى مسجدا , أو ورث مصحفا , أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته » [ حسنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع برقم :3596]. وفي رواية أخرى “أو كرى نهرا “.. *** هذا والله تعالى أعلى وأعلم..فما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان وكتاب الله منه براء. * شاهد فيديو إعادة بناء تلك المدينة على الكمبيوتر Watch The Reconstruction of Pi-Ramesse https://vimeo.com/artefacts/pi-ramesse

التفسير العلمي لقوله تعالى : “فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ”

يقول د. زغلول النجار: كنت أقرأ لعشرات المرات بعشرات السنين قصة سيدنا يونس ومنذ سنتين فقط توقفت عند قوله تعالى: (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ) (الصافات: 142 )

فقلت: لماذا قال ربنا تبارك وتعالى: (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ)؟

فبدأت أدرس طبيعة الحيتان فوجدت أن هناك مجموعة من الحيتان اسمها الحيتان الزرقاء، والحوت الأزرق أضخم حيوان خلقه الله تبارك وتعالى، فهو أضخم من الديناصورات ومن الفيلة.

فطوله يمكن أن يصل إلى أكثر من 35 متراً، ويمكن أن يصل وزنه إلى أكثر من مائة وثمانين طناً.

وهذا الحيوان على ضخامته لا يأكل إلا الكائنات الميكروسكوبية الضئيلة التي تسمي “البلانكتون” الكائنات الطافية الهائمة فهو لا يملك أسنان إطلاقاً وله ألواح رأسية يصطاد بها هذه الكائنات الطافية.

وطريقة تناوله لطعامه كالآتي: يأخذ بفمه عدة أمتار مكعبة من الماء فيصطاد ما فيها من كانت طافية ويخرج الماء من جانبي الفم يعني لا تفلت منه واحدة فقط من هؤلاء “البلانكتون”.

وعن قصة الحوت الأزرق وسيدنا يونس..

هذا الحوت على ضخامته، بلعومه لا يبلع إلا هذه الكائنات الدقيقة، فإذا دخل فمه أي شيء كبير لا يُبتلع، ولذلك بقي سيدنا يونس عليه السلام في فمه كاللقمة، ولهذا قال الله ربنا الحق: (فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ)؛ يعني لا هو قادر على بلعه ولا مضغه لأنه “أهتم” ليس له أسنان.

والحوت يتنفس بالأوكسجين، ولذا فهو يرتفع فوق سطح الماء مرة كل خمس عشرة دقيقة.

وقد قال علماء الحيوان: إن لسان الحوت يستطيع أن يقف عليه أكثر من رجل والفم مغلق مرتاحين بدون أي مضايقة، بمعنى أن سيدنا يونس كان جالساً بما يشبه الغرفة الواسعة المكيفة.

ولهذا قال ربنا تبارك وتعالى: (فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ)، ولم يقل ابتلعه أو هضمه.

ولقد قرأت الآية مئات المرات، ولم تستوقفني أبداً إلا حينما تأملت فيها، ولذلك أقول: كلما تأمل الإنسان في القرآن الكريم يرى العجب ويفهم ما يجعله على يقين تام بالله رب العالمين سبحانه جل وعلا، وصدق كل حرف بالقرآن المجيد، ولقد تأملت وراجعت المصادر العلمية، وكذلك عدت للعهد القديم باللغة الإنجليزية وهو التوراة فوجدتهم يقولون:

“He was swallowed by a big fish”؛ ابتلعته سمكة كبيرة.

وطبعاً هناك فرق كبير جداً لأنه لو اُبتلِع لهلك بعملية الهضم.

فالتقمه غير فابتلعه؟ يعني الدلالة القرآنية هنا دقيقة تماماً، بل غاية في الدقة (فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ)؛ تعني بقي كلقمة في فم الحوت لا يستطيع أن يبلعها ولم يلفظها مباشرة.

ثم يقول الله رب العالمين في آيات أخرى: (وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ {146}) (الصافات) (بعد خروجه).. فلماذا اليقطين؟

اليقطين هو القرع بأنواعه المختلفة، ومنه القرع العسلي وهو يملك أكبر حجم لورقة نبات.

ولأن الله ربنا تبارك وتعالى يريد أن يستر عبده ونبيه فستره بشجرة من يقطين تملك أكبر حجم لأوراق الشجر.

ثم بدراسة متأنية لشجرة اليقطين وجدت:

أن اليقطين ساقه وفروعه وأوراقه وثماره مليئة بالمضادات الحيوية، ولهذا لا تقربه حشرة؛ أي أن كل كلمة وكل حرف في القرآن الكريم له حكمة بالغة تثبت صدق القرآن بكل حرف منه.

وذلك لأنني عندما عدت إلى العهد القديم أيضاً وجدت أنهم يقولون فظللته شجرة من العنب “He was shadowed by a vine tree “، والعنب مليء بالحشرات، ولا يملك أن يظلل سيدنا يونس لأن أوراقه صغيرة، ولا يملك أن يشفي جراح سيدنا يونس لأنه لا يملك الكم الهائل من المضادات الحيوية الموجودة بشجرة اليقطين.

سبحانك ربي مأ أعظمك!

القائمة البريدية

إشترك في قائمنا البريدية ليصلك كل ما هو جديد من المقالات