أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت

لقد إزداد اهتمام العلماء حديثا في مختلف تخصصات الأحياء والطب البيطري والطب البشري بدراسة الخصائص البيولوجية والفسيولوجية العجيبة للإبل التي مكنتها من تحمل الجوع والعطش لما يزيد عن عشرة أيام في الصحاري القاحلة ولما في ألبانها من شفاء لكثير من الأمراض. ولقد قال أحد الباحثين حول هذا الموضوع ما نصه (إن قدرة الإبل على العيش تحت الظروف الصحراوية والبقاء في البيئة الصحراوية بالغة القساوة يعود لخصائصها البيولوجية والفسيولوجية الفريدة) ( The capacity of the dromedary to live under desert conditions and to survive in the incredibly hard environment of the Sahara is due to its biological and physiological particularities). ولقد تم إجراء كثير من الدراسات والتجارب على أجسام الإبل وكذلك تم نشر آلاف الأبحاث العلمية كشفت أسرار عجيبة في الأجهزة المختلفة لأجسام الأبل لا توجد في بقية الحيوانات الثديية. ومن هذا الأسرار التي سنشرحا لاحقا هو أن درجة حرارة جسم الجمل تتغير على مدى سبعة درجات مئوية مقابل درجتين في بقية الحيوانات. ويوجد في معدة الجمل أكياس مائية تتسع لثلاثين لتر من الماء الصافي يخزنها الجمل لحين الحاجة إليها عند شح الماء. ووجد العلماء أن كمية الدم فيها تزيد بمرة ونصف لكل كيلوغرام من وزنها عن بقية الحيوانات وأن كريات الدم الحمراء فيها لها شكل بيضاوي بدل الشكل الكروي الموجود في بقية الثدييات. ووجدوا كذلك أن تركيز البول فيها يزيد عن تركيز ماء البحر المالح مما يمكنها من شربه عند الحاجة وأن كمية البول المخرج بحدود لتر واحد في اليوم مقابل عشرات اللترات في الأبقار. ومن أسرار أجسام الإبل أنها قادرة على تكثيف ماء الزفير في أنوفها وأن مستوى السكر واليوريا في الدم قد يزيد بعدة أضعاف دون أن تتسمم وأن أجسامها تحتوي على أجسام مضادة نانوية لا توجد في غيرها من الحيوانات. ولقد اكتشف الباحثون أيضا فوائد غذائية وعلاجية فريدة في حليب الإبل وتم نشر أبحاثهم في مجلات علمية مرموقة فجاء ذلك تصديقا للأحاديث النبوية الشريفة التي أشارت لهذا الأمر.

لقد أشار القرآن الكريم إلى وجود معجزات خلقية في أجسام الإبل ودعا البشر إلى التفكر فيها ليوقنوا بوجود خالق حكيم خبير يقف وراء خلقها القائل عز من قائل “أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ” الغاشية. ويتضح من نص الآية أن الأمر للنظر إلى الإبل هو التفكر في كيفية خلق مكونات أجسامها وليس فقط في شكلها الخارجي. إن هذه الدعوة للتفكر في خلق الإبل من بين كل الحيوانات لا يمكن أن تصدر إلا عن من خلقها سبحانه وتعالى وقام سبحانه بإجراء هذه التعديلات في أجهزة أجسامها لتتحمل العيش في المناطق الصحراوية القاحلة والحارة. وتعد الإبل الوسيلة الأولى لنقل الأحمال لمسافات طويلة وخاصة في المناطق الصحراوية وهي من الأنعام المستخدمة للركوب والتحميل التي ذكرت في قوله تعالى “وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)” النحل. وتعد الإبل من أكثر الأنعام فائدة للبشر حيث لا يقتصر دورها على الركوب والتحميل بل يستفاد من لحومها وألبانها وأوبارها وجلودها كما جاء في قوله تعالى “وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)” المؤمنون وقوله تعالى “وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)” النحل.

تنتمي الإبل أو الجمال إلى فصيلة الجمليات (Camelus) والتي تتكون من الجمال الحقيقية (true camels) وموطنها جزيرة العرب والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأشباه الجمال وهي اللاما (llama) والألبكة (alpaca) والغوناق (guanaco) والفيكونيا (vicuña) وموطنها أمريكا الجنوبية. ويوجد ثلاثة أنواع رئيسية من الجمال الحقيقية وهي الجمل ذو السنام الواحد (one-humped dromedary) أو الجمال العربية (Arabian camels) وتشكل أكثر من أربعة وتسعين بالمائة من الجمال والجمل ذو السنامين (two-humped Bactrian camel) والجمل البري ( Wild Bactrian camel ). والإبل من رتبة ذوات الظلف أو شفعيات الأصابع (even-toed) حيث تتكون أقدامها من إصبعين فقط وهما الثالث والرابع بينما ضمرت بقية الأصابع الخمس. وتتميز الإبل عن بقية الثدييات (mammals) بوجود السنام (hump) المكون من الشحوم الخالصة والذي يلعب دورا كبيرا في تحملها للجوع والعطش. والإبل من الحيوانات المستأنسة (domesticated) وتعد من الأنعام ( livestock) التي يستخدمها البشر وخاصة سكان المناطق الصحراوية القاحلة للركوب وحمل الأثقال وكذلك لأكل لحومها وشرب ألبانها والإستفادة من أوبارها وجلودها. ويطلق اسم الجمل وجمعها جمال أو البعير وجمعها البعران والأبعر والبعارين على ذكور الإبل واسم الناقة وجمعها نوق على إناثها بينما يطلق على صغارها أسماء متعددة حسب عمرها كالحوار والقعود وغير ذلك.

   تتميز الإبل بتفرد شكل جسمها عن بقية أجسام الحيوانات الثديية بضخامة أجسامها وطول أرجلها وضخامة أخفافها وطول أعناقها واعوجاجها ووجود السنام لها. ويتراوح وزن الجمل بين 300 و 1000 كيلوغرام ويبلغ متوسط طولها من رأسها إلى ذيلها ثلاثة أمتار بينما يبلغ ارتفاعها عند كتفها 185 سم وعند سنامها 215 سم. وتتميز الإبل على بقية الأنعام بطول عمرها الذي يصل إلى خمسين عام بينما لا يتجاوز العشرين عام في الأبقار و15 عام في الماعز و 12 عام في الضأن أو النعاج.  وتتفوق الإبل كذلك على الخيل والبغال والحمير في سرعة مشيها وجريها لمسافات طويلة وعلى تضاريس مختلفة حيث يمكنها الركض بسرعة 40 كيلومتر في الساعة لعدة ساعات و65 كيلومتر في الساعة لفترات قصيرة.  ومما تتميز بها الإبل على حيوانات الركوب كالخيل والحمير والبغال هو سهولة إنقيادها وكذلك إناختها لوضعية الجلوس وذلك لكي يسهل ركوبها وتحميلها. ويمكن للإبل أن تحمل على ظهورها ما يزيد عن نصف وزنها حيث يتراوح وزن الحمل بين 150 و 300 كيلوغرام وذلك تبعا لوزن الجمل ولذلك أطلق عليها اسم سفن الصحراء (ships of the desert).

ويوجد في عيون الإبل ثلاثة جفون (eyelids) فالجفنان الخارجيان يرتبط كل منها برموش غليظة (eyelashes) أما الجفن الداخلي فهو شبه شفاف ويعمل على تنظيف قرنية العين من الغبار ويمكن أن يرى الجمل من خلاله. أما آذان الإبل فهي صغيرة الحجم ومليئة من داخلها بالشعر الذي يمنع دخول الرمل إلى داخلها. وتتغذى الإبل على جميع نباتات الأرض خاصة تلك التي لا يمكن لبقية الحيوانات العشبية أكلها وهي النباتات الشوكية والنباتات المالحة. إن قدرة الإبل على أكل النباتات الشوكية تعود للخصائص الموجودة في شفاهها حيث أنها كبيرة الحجم ومبطنة بتجاعيد صلبة وتتميز بمرونة حركتها بسبب الشق الموجود في شفتها العليا. وتشرب الإبل كذلك جميع أنواع المياه بما فيها مياه البحر المالحة ومياه المستنقعات الملوثة والتي لا يمكن لأي حيوان آخر أن يقوم بشربها. وعلى الرغم من أن طعام الإبل يقتصر على النباتات الصحراوية إلا أن الأبحاث العلمية بينت أن محتويات لحومها وألبانها من العناصر الغذائية تتفوق على تلك الموجودة في الأبقار والأغنام بل إن في ألبانها شفاء لكثير من الأمراض كالسرطان والتوحد والسكري وغيرها الكثير.

 

إن أهم ما يميز الإبل على جميع الحيوانات الثديية والمجترة هو قدرتها على تحمل الجوع والعطش لفترات زمنية طويلة حيث يمكنها أن لا تشرب الماء لمدة أسبوعين في الأجواء الصحراوية الحارة ولا تأكل الطعام لمدة عشرة أيام. أما في الأجواء معتدلة الحرارة والمنخفضة فيمكنها العيش بدون ماء لعدة أشهر وكذلك الحال إذا كانت تتغذى على الأعشاب الخضراء الطرية. ومما يميزها كذلك هو قدرتها على شرب كميات كبيرة من الماء فالجمل العطشان يمكنه شرب مائة وخمسين لترا من الماء في أقل من خمس عشرة دقيقة يتم تخزين جزء منها في أكياس مائية في المعدة لوقت الحاجة. ولقد وجد الباحثون أن كمية إنتاج الحليب في الإبل لا تتأثر كثيرا عند حرمانها من شرب الماء لعشرة أيام بينما يقل إنتاج الحليب عند البقر والغنم بشكل كبير عند حرمانها من الماء ليومين أو ثلاثة. إن قدرة الإبل على تحمل الجوع والعطش لفترات زمنية طويلة وكذلك قدرتها على شرب المياه المالحة وأكل النباتات المالحة تطلب إجراء عدد من التعديلات الفيسيولوجية الجوهرية (physiological adaptations) في أجهزة أجسامها المختلفة وخاصة الأجهزة البولية والهضمية والدورية والتنفسية.

إن التعديل الأول والأهم الذي مكن الإبل من تحمل العطش لفترات زمنية طويلة هو التركيب العجيب للكلى فهي قادرة على فلترة الدم من المخلفات الأيضية بحيث يكون تركيزها في البول أعلى من تركيز ماء البحر المالحة ولذا فهو قادر على شرب ماء البحر ولكن ليس لفترات طويلة. وبناء على هذا فإن كمية البول التي يخرجها الجمل في اليوم الواحد لا يتجاوز اللتر والنصف مقارنة بما يزيد عن عشرين لتر في الأبقار المساوية لها في الحجم. إن رفع الضغط الأسموزي للبول (osmolarity of urine) قد تم من خلال عدة تحويرات في تركيب الكلية أهما زيادة طول أنشوطة هينلي (long loop of henle) حيث يزيد طولها من أربعة إلى ستة أضعاف طولها في الأبقار (four to six times longer than in cattle). أما التحوير الثاني فهو زيادة نسبة سمك نخاع الكلية لقشرتها ((the ratio medulla: cortex) مقارنة بكلى الحيوانات الأخرى. أما التحوير الثالث فهو قيام الهايبوثالموس (hypothalamus) عند ارتفاع أسموزية الدم (blood osmolarity) بإفراز كميات زائدة من هرمون مضاد الإدرار (Anti-diuretic hormone (ADH)) الذي يحفز الكلى على إعادة إمتصاص الماء عند تعرض الإبل للجفاف (dehydration). ويحتفظ الجمل كذلك بالبول في المثانة طالما أنه في حاجة إلى الماء حيث تقوم الأوعية الدموية في المثانة بإمتصاص البول مرة أخرى وتنقله إلى المعدة حيث تقوم بكتريا خاصة بتحويل البولينا إلى أحماض أمينية وماء. وقد وجد العلماء أن الجمال قادرة على إعادة تدوير النيتروجين بنسبة 90 بالمائة مقارنة بنسب لا تتجاوز 20 بالمائة في بقية الحيوانات وذلك لتأمين إنتاج البروتين في غياب الطعام لفترة طويلة (Camelids can recycle up to 90% of blood ureic nitrogen,).

أما التعديل الثاني فهو يتعلق ببعض مكونات الجهاز الهضمي وخاصة المعدة والأمعاء الغليظة وتتكون معدة الجمل من ثلاث حجرات فقط وهو على خلاف بقية الحيوانات المجترة والتي تتكون معدها من أربعة حجرات. وقد وجد العلماء أن المعدة الرئيسية أو الكرش (rumen) في الإبل تتميز عن بقية الحيوانات الثدية بوجود عدد كبير من الأكياس المائية (water sacs) في جدارها الداخلي يحتوي كل منها على 45 خلية مائية أساسية (primary aquatic cells) مزودة بصمامات يتم فتحها عند الحاجة. وتحتل الأكياس المائية ما يقرب من خمسة بالمائة من مساحة سطح المعدة ويوجد فيها ما يقرب من ألف خلية مائية تتسع لثلاثين لتر من ماء صافي ونقي غير ممزوج بالطعام (full of a clear and pure water away from mixing with the food.). ولتوفير استهلاك الماء في الإبل تم زيادة طول الأمعاء الغليظة بشكل كبير وذلك لكي تمتص أكبر كمية ممكنة من الماء لدرجة أن بعر الإبل يخرج على شكل كرات جافة يستخدمها البدو للوقود مباشرة دون تجفيفها.

أما التعديل الثالث فقد تم على بعض مكونات الجهاز الدوري كي يتمكن من ضمان عمل أجهزة الجسم المختلفة في حالة الجفاف الحادة (dehydration) التي يتعرض لها جسم الجمل بعد فقده لما يقرب من ثلاثين بالمائة من وزنه. ومن هذه التعديلات هو أن كريات الدم الحمراء لها شكل بيضاوي (oval shape) في الإبل بينما لها شكل كروي في بقية الحيوانات الثديية ولهذا الشكل البيضاوي عدة ميزات على الشكل الكروي. فمن هذه الميزات أن الشكل البيضاوي يسمح بحركة الكريات الحمراء بسهولة في الأوعية الدموية عند تضيقها بسبب الجفاف وزيادة لزوجة الدم. أما الميزة الثانية فإن كرية الدم بشكلها البيضاوي يمكنها أن تتمدد ليصبح حجمها 250 بالمائة من حجمها الطبيعي مقارنة بحجم كرية الدم الدائرية الموجودة في بقية الحيوانات والتي لا يمكنها أن تتمدد لأكثر من 150 بالمائة. إن هذا الخاصية العجيبة لكريات الدم الحمراء في الإبل هي التي تمكنها من شرب أكثر من مائة لتر من الماء في أقل من ربع ساعة والذي يتم تخزين جزء كبير منه في مكونات الدم بما فيها كريات الدم الحمراء. ويساعد الشكل البيضاوي لكريات الدم على زيادة عددها في الدم دون إعاقة حركتها حيث وجد أن الإبل تمتلك أعلى نسبة كريات دم حمراء في الدم من بين جميع الحيوانات. ولزيادة كمية الماء في جسم الجمل فقد تم زيادة حجم الدم في الجهاز الدوري حيث تبلغ نسبته 93 ملليلتر لكل كيلوغرام من وزنه وهي أعلى نسبة بين جميع الحيوانات الثديية حيث تبلغ في البقر 55 وفي الغنم 60 وفي الخيل 76 ملليلتر لكل كيلوغرام. ولخفض معدل التبول عند الإبل في غياب الماء فقد وجد العلماء أن تركيز السكر واليوريا في الدم يمكن أن يرتفع إلى عدة أضعاف معدله الطبيعي دون أن تصاب بالتسمم وهذا لا يوجد في أي حيوان آخر.

أما التعديل الرابع وهو من أغرب التعديلات فهو أن درجة حرارة جسم الجمل تتغير بشكل مستمر حيث تبدأ عند 34 درجة مئوية في الصباح وترتفع تدريجيا لتصبح 41 درجة مئوية عند غروب الشمس أي بفارق سبعة درجات مئوية. وهذه الظاهرة لا توجد في بقية الحيوانات ذوات الدم الحار (warm blooded) حيث أن الفارق بين أعلى درجة وأقل درجة حرارة لأجسامها لا يزيد عن درجتين مئويتين حول درجات حرارتها المتوسطة وأي زيادة عن هذا الحد يؤدي بها إلى الموت. إن هذا المدى الواسع لتغير درجة حرارة جسم الجمل يساعد على منع التعرق وذلك للحفاظ على الماء في الجسم وقد وجد أن الجمل لا يتعرق إلا إذا زادت درجة الحرارة عن 42 درجة مئوية. وبما أن أدمغة الحيوانات تحتاج لدرجة حرارة ثابتة لعملها فإن هذا التفاوت الكبير في درجة حرارة جسم الجمل سيسبب مشاكل لدماغه ولكن كان الحل من اللطيف الخبير سبحانه وتعالى أن هناك نظام تحكم معقد يعمل على ضبط درجة حرارة الدماغ ضمن الحدود المسموح بها. ومن هذه الآليات وجود شبكة تبادل حراري (rete mirabile) في دماغ الجمل تتكون من شبكات كثيفة من الأوعية الدموية الشريانية والوريدية المتجاورة حيث يقوم الدم البارد في الأوردة بامتصاص الحرارة من دم الشرايين الحار الذاهب للدماغ.

ويستخدم الجمل كذلك آليات أخرى للحفاظ على درجة الحرارة المناسبة لجسمه ومنها أن جسمه معزول بطبقتين من الوبر الداخلية منهما شعرها قصير وناعم بينما الخارجية طويل وخشن ويميل لون الوبر إلى الأبيض ليعكس أشعة الشمس وتقليل الحرارة اتي يمتصها جسم الجمل. أما الآلية الثانية فهي أن الجمل يتتبع الشمس باستمرار بحيث يكون رأسه متجه نحو الشمس عند جلوسه ورعيه وهذا يقلل من كمية الحرارة التي تسقط على جسمه. وبسبب أرجله الطويلة فإن جسمه يبقى بعيدا عن سطح الأرض التي قد تصل لسبعين درجة مئوية في الصحراء أثناء النهار وحتى عند بروكه (جلوسه) فإن جسمه يبقى مرفوعا عن الأرض بسبب وجود وسادة قرنية سميكة كبيرة تحت صدره (pedestal) تسمح بمرور الهواء من تحت جسمه لتبريده. وعند إشتداد الحرارة بشكل كبير تقوم منطقة في مؤخرة رأس الجمل بفرز سائل ملحي يعمل عند تبخره بتبريد دماغ الجمل وذلك بديلا للعرق وذلك لتوفير الماء.

أما التعديل الخامس فهو في الجهاز التنفسي حيث وجد أن أنف الجمل الطويل يحتوي على تعرجات كثيرة وذلك لزيادة السطح الداخلي للتجويف الأنفي الذي يصل إلى ألف سنتيمتر مربع وهي أكبر بكثير من تلك التي لبقية الحيوانات. وقد تمكن العلماء من كشف سر هذه الزيادة في المساحة وهو أنه يستخدم لتكثيف بخار الماء الموجود في هواء الزفير وإعادته إلى الجسم وهو ما أطلق عليها ظاهرة الهايجروسكوبك (A camel’s hygroscopic surface will absorb water from air that passes by it). ويستخدم السطح الكبير للتجويف الأنفي أيضا لتبريد الدم الحار في الشرايين الذاهبة إلى الدماغ حيث تم تمديد بعض أوردة الدماغ خلف هذه السطح لتبريد الدم فيها والتي تقوم بدورها بتبريد دم شرايين الدماغ من خلال شبكة تبادل حراري بين الشرايين والأوردة. وعندما يتعرض الجمل للجفاف فإن معدل التنفس ينخفض عن معدله الطبيعي لتقليل كمية الماء المفقود في بخار الزفير. ومما يميز أنف الجمل على بقية أنوف الحيوانات هو أنه يتم غلقه بين كل لشهيق وزفير مما يحول دون دخول رمال الصحراء إلى الرئتين بكميات كبيرة.

أما التعديل السادس في الإبل فهو وجود السنام (hump) في منتصف ظهورها وهو كتلة من الشحم التي قد يصل وزنها إلى 40 كيلوغرام ويقوم بإمدادها بالغذاء والطاقة وحتى الماء في غياب توفر الطعام الذي قد يمتد لعشرة أيام أو أكثر. إن تركز شحوم الإبل في السنام بدلا من أن تكون موزعة على جميع سطح الجسم يسهل من عملية إشعاع حرارة الجسم إلى الخارج حيث أن الشحوم مادة عازلة للحرارة. وعندما يتم حرق شحم السنام كبديل عن الطعام فإنه ينتج سكر الجلوكوز الذي يمد الجسم بالطاقة وينتج كذلك الماء الذي يعوض نقص الماء في الجسم حيث أن حرق كيلوغرام واحد من الشحم ينتج كيلوغرام ونيف من الماء. والسنام يعطي كذلك منظرا جماليا للإبل ويسهل كذلك من وضع الأحمال والأوثار والهوادج عليها. وعندما يتم استهلاك شحم السنام فإنه يبدأ بالتهدل ويميل على أحد جانبيه إلا أنه سرعان ما يعود لوضعه القائم بعد تغذية الإبل لفترات زمنية قصيرة.

أما التعديل السابع فهو في الجهاز المناعي للإبل التي قد تتعرض لهزال شديد نتيجة لقلة الطعام والماء لأشهر عديدة وبالتالي تكون فريسة لمختلف أنواع الفيروسات والمايكروبات الممرضة. ففي عام 1989م تمكن طالبا دراسات عليا في جامعة بلجيكية من إكتشاف نوع نادر من الأجسام المضادة لا يوجد إلا في أجسام الإبل وكذلك حيوانات العائلة الجملية أطلق عليها الأجسام المضادة الجملية (Camelid antibodies). وتتكون الأجسام المضادة العادية الموجودة في الإنسان وبقية الحيوانات من سلسلتين ثقيلتين (heavy chain) ترتبطان على شكل الشعبة أو حرف الواي بالانجليزية ومن سلسلتين خفيفتين (light chain) ترتبطان بحافتي الشعبة. أما الأجسام المضادة الجملية فتتكون من سلسلتين ثقيلتين فقط ويبلغ حجمها عشر حجم الأجسام المضادة العادية ولذا يطلق عليها أيضا اسم الأجسام النانوية (nanobodies). وتتميز الأجسام المضادة الجملية نتيجة لصغر حجمها بقدرتها للنفاذ إلى داخل خلايا وأنسجة الجسم بكل سهولة (penetration rate) وثباتها الحراري العالي (high thermostability) وقصر عمرها وغيرها من الخصائص المميزة التي أحدثت وستحدث ثورة في طرق علاج وتشخيص الأمراض المختلفة.

المراجع

1- Mulu Gebreselassie Gebreyohanes and Awol Mohammed Assen “Adaptation Mechanisms of Camels (Camelus dromedarius) for Desert Environment: A Review” Journal of Veterinary Science & Technology, November 06, 2017.

2- Gamal Allouch “Anatomical Study of the Water Cells Area in the Dromedary Camels Rumen (Camelus dromedarius)” Nova Journal of Medical and Biological Sciences, March 2016.

3- A.O.Elkhawad “Selective brain cooling in desert animals: The camel (Camelus dromedarius)” Comparative Biochemistry and Physiology Part A: Physiology, Volume 101, Issue 2, 1992, Pages 195-201.

4- Bornstein, S. (1990). The ship of the desert. The dromedary camel (Camelus dromedarius), a domesti- cated animal species well adapted to extreme conditions of aridness and heat camelus spp origins of the camelidae. Rangifer 10, 231–236.

5- Hoter, A., e t l “Cellular and Molecular Adaptation of Arabian Camel to Heat Stress” Frontiers in Genetics, 2019.

6- Souilem Ouajd “Physiological Particularities of Dromedary (Camelus dromedarius) and Experimental Implications” Scand. J. Lab. Anim. Sci. 2009 Vol. 36 No. 1 .

7- Schmidt-Nielsen K, EC Crawford & HT Hammel: Respiratory water loss in camels. Proceedings of the Royal Society of London B Biological Sciences, 1981, 211, 291-304.

8- Yadav AK, Kumar R, Priyadarshini L, Singh J (2015) Composition and medicinal properties of camel milk: A Review. Asian Journal of Dairy and Food Research 34: 83-91.

9- Levy A, Steiner L, Yagil R (2013) Camel milk: disease control and dietary laws. Journal of Health Science 1: 48-53.

10- Shabo Y, Yagil R (2005) Etiology of autism and camel milk as therapy. International Journal on Disability and Human Development 4: 67-70.

11- Agrawal R, Beniwal R, Kochar D, Tuteja F, Ghorui S, et al. (2005) Camel milk as an adjunct to insulin therapy improves long-term glycemic control and reduction in doses of insulin in patients with type-1 diabetes: a 1 year randomized controlled trial. Diabetes Res Clin Pract 68: 176-177.

12- Wernery U (2007) Camel milk-new observations. Proceeding of International Camel Conference, 200-204.

13- el Agamy EI, Ruppanner R, Ismail A, Champagne CP, Assaf R (1992) Antibacterial and antiviral activity of camel milk protective proteins. J Dairy Res 59: 169-175.

من إعجاز وصف حركات الجبال يوم القيامة في القرآن الكريم

حركات الجبال يوم القيامة في القرآن الكريم تلخص في حركتين أساسيتين؛ 1- السير ,, 2- التسيير ,, ثم ينقسم التسيير إلى مراحل : الإلقاء- النسف – الحمل – المرور – التذرية. **

أما “السير” فلم يرد إلا مرة واحدة {وتسير الجبال سيرا} ,وهو أقرب ما يكون للحركة الذاتية ,, أقرب شبه لها من دنيانا هو الزلازل حول الصدوع (سترايك سليب) مثل صدع سان أندرياس في سان فرانسيسكو ,, فلو كنت ناظرا لجبل في الناحية المقابلة (جبال سان جابريال) لك من الصدع أثناء زلزال هناك ، فكأنك ترى الجبل يسير وحده. ** وأما التسيير ,, فيفهم منه أن قوة خارجية تدفع الجبال للحركة ,, ومراحله على التوالي هي: النسف (الخطف والسلب والاقتلاع) ثم الحمل ثم المرور ثم الإلقاء ثم التذرية (نتيجة الدك).. وما نرى (والله أعلى وأعلم) سببا لهذا التسيير سوى حركات للقمر الذي تربطه بالأرض جاذبية عمرها 4.6 مليار سنة (فكأنما هناك عمدان شفافة تربط الأرض بالقمر) ,, فحين يدفع القمر (وهو أكبر تابع بالنسبة لمتبوع في مجموعتنا الشمسية) بعيدا عن مداره حولنا {وخسف القمر } (والخسوف أصله الاختفاء) [يعني يبتعد عن نظر الناس] فسوف يجذب القمر معه أقرب شيء من الأرض وهي الجبال أو رؤوسها المقابلة له (فهو بذلك ينسفها)ثم يحملها في الهواء بينه وبين الأرض {وحملت الأرض والجبال} فيتخيل الناظر من بعيد لهذا المنظر كأنما الجبال تلك ثابتة (جامدة) في الهواء {وترى الجبال تحسبها جامدة. . } بينما هي تتحرك في الهواء كما يظن بالسحابة البعيدة أنها ثابتة في الهواء بينما هي تتحرك فعلا {.. وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء }ثم يبعد القمر أكثر فتتلاشى جاذبيته لهذا الجبل المعلق فيدك على الأرض {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} وبذلك يكون الجبل هذا قد ألقي به على الأرض {وإذا الأرض مدت (يعني مد البصر بدون جسم كبير يقطعه وهو الجبل ) وألقت ما فيها وتخلت}فتفتت وتصير كالذر والهباء المنثور. والله أعلم

نظام الإرث في التوراة والقرآن

إن الذي يدرس نظام الإرث في القرآن الكريم ويقارنه مع ما ورد في التوراة وكذلك في الأنظمة الوضعية يتأكد له أن هذا النظام لا يمكن أن يكون من وضع البشر وخاصة أنه جاء عن طريق رجل أمي عاش في وسط أمة أمية. هذا بالإضافة إلى أن التوراة والإنجيل والتي طالما تشدق بعض أتباعهما بأن محمد صلى الله عليه وسلم قد أخذ محتويات القرآن الكريم منهما يخلوان تماما من مثل هذا النظام البديع. وسيتبين من الشرح التالي كيف أن نظام الإرث في التوراة وكذلك في بعض الأنظمة الوضعية قد حرمت أقرب المقربين للمتوفي وهم أبوه وأمه وزوجته من الميراث بمجرد وجود ابن أو ابنه له ولم تراعي ما سيؤول إليه حالهم بعد وفاة من قد كان في الغالب يعيلهم. لقد تحول كثير من عقلاء أهل الكتاب منذ فجر الإسلام وحتى يومنا هذا إلى دين الإسلام بسبب كمال النظام التشريعي فيه وعلى الخصوص نظام الإرث بعد أن تأكد لهم أن مثل هذا التشريع لا يمكن أن يسن من قبل رجل أمي. بل مما زاد من دهشتهم وإعجابهم أن نظام الإرث هذا والذي تم فيه معالجة جميع الاحتمالات الممكنة لحالات الورثة من الدرجة الأولى قد تمت صياغته في عشرة أسطر فقط. إن مجرد استخدام الكسور كالنصف والثلث والربع والسدس والثمن في نظام الإرث في زمن يجهل فيه البشر وخاصة العرب منهم مثل هذه العمليات الحسابية لهو أكبر دليل على أن هذا النظام لا يمكن أن يكون قد تم وضعه من قبل رجل أمي. لقد كان من السهل لو كان هذا النظام من وضع رجل أمي أن يقع في ورطة حسابية باستخدام نظام الكسور هذا ولكن الدارس المتفحص لنظام الإرث في القرآن يكتشف مدى الدقة التي تم بها اختيار حصص الورثة باستخدام الكسور. ومما يؤكد هذا الأمر أننا نجد اليوم ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين بعض المتعلمين والذين درسوا الحساب لمدة طويلة في المدارس والجامعات لا يستطيعون التعامل مع نظام الكسور هذا. وسنستعرض أولا نظام الإرث المذكور في التوراة ونبين ما فيه من خلل ثم نشرح نظام الإرث المذكور في القرآن ونبين ما فيه من ميزات وأخيرا الاستشهاد بقول المفكر العظيم الشهيد سيد قطب في تعليقه على نظام الإرث في الإسلام وذلك في تفسيره القيم (في ظلال القرآن).

لا يوجد أي نص في أناجيل النصارى يتعلق بنظام الإرث ولذلك فقد اعتمد أهل الإنجيل في قوانين إرثهم على ما جاء في التوراة كما أمرهم عيسى عليه السلام بذلك. وفي التوراة ورد نظام الإرث في سفر العدد حيث ذكر ما نصه : 1″ فَتَقَدَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ بْنِ حَافَرَ بْنِ جِلعَادَ بْنِ مَاكِيرَ بْنِ مَنَسَّى مِنْ عَشَائِرِ مَنَسَّى بْنِ يُوسُفَ. وَهَذِهِ أَسْمَاءُ بَنَاتِهِ: مَحْلةُ وَنُوعَةُ وَحُجْلةُ وَمِلكَةُ وَتِرْصَةُ. 2وَوَقَفْنَ أَمَامَ مُوسَى وَأَلِعَازَارَ الكَاهِنِ وَأَمَامَ الرُّؤَسَاءِ وَكُلِّ الجَمَاعَةِ لدَى بَابِ خَيْمَةِ الاِجْتِمَاعِ قَائِلاتٍ: 3أَبُونَا مَاتَ فِي البَرِّيَّةِ وَلمْ يَكُنْ فِي القَوْمِ الذِينَ اجْتَمَعُوا عَلى الرَّبِّ فِي جَمَاعَةِ قُورَحَ بَل بِخَطِيَّتِهِ مَاتَ وَلمْ يَكُنْ لهُ بَنُونَ. 4لِمَاذَا يُحْذَفُ اسْمُ أَبِينَا مِنْ بَيْنِ عَشِيرَتِهِ لأَنَّهُ ليْسَ لهُ ابْنٌ؟ أَعْطِنَا مُلكاً بَيْنَ أَعْمَامِنَا». 5فَقَدَّمَ مُوسَى دَعْوَاهُنَّ أَمَامَ الرَّبِّ. 6فَقَال الرَّبُّ لِمُوسَى: 7«بِحَقٍّ تَكَلمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ فَتُعْطِيهِنَّ مُلكَ نَصِيبٍ بَيْنَ أَعْمَامِهِنَّ وَتَنْقُلُ نَصِيبَ أَبِيهِنَّ إِليْهِنَّ. 8وَتَقُول لِبَنِي إِسْرَائِيل: أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ وَليْسَ لهُ ابْنٌ تَنْقُلُونَ مُلكَهُ إِلى ابْنَتِهِ. 9وَإِنْ لمْ تَكُنْ لهُ ابْنَةٌ تُعْطُوا مُلكَهُ لِإِخْوَتِهِ. 10وَإِنْ لمْ يَكُنْ لهُ إِخْوَةٌ تُعْطُوا مُلكَهُ لأَعْمَامِهِ. 11وَإِنْ لمْ يَكُنْ لأَبِيهِ إِخْوَةٌ تُعْطُوا مُلكَهُ لِنَسِيبِهِ الأَقْرَبِ إِليْهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ فَيَرِثُهُ». فَصَارَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيل فَرِيضَةَ قَضَاءٍ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى”.

ومن الواضح من هذا النص أن نظام الإرث عند أهل الكتاب نظام بدائي لا يعالج كثير من قضايا الإرث فالشخص عندما يموت قد يترك وراءه زوجة وأبناء وبنات وأب وأم وأخوة وأخوات وأعمام وعمات أو ما وراء ذلك من أقارب ولا يبين هذا النص نصيب كل منهم. وفي نظام الإرث هذا فإن الميت ذكرا كان أم أنثى إذا ترك أولادا ذكورا فإنهم يستأثرون بكامل التركة يتقاسمونها بينهم ولا نصيب فيها لغيرهم من الورثة كأبيهم وأمهم وأخواتهم وزوجات أبيهم. وفي غياب أبناء للميت فإن التركة تؤول لبناته أو بناتها يتقاسمنها بينهن ولا نصيب لغيرهن من الورثة مهما كانت درجة قرابته. وفي حالة غياب البنات تنتقل التركة لإخوانه الذكور فقط ولم يبين النص كيف يتم تقسيم التركة في حالة غياب الأبناء والبنات مع وجود أب الميت وإخوانه. وفي غياب الأخوة تنتقل التركة لأعمامه الذكور فقط ولم يبين النص كيف يتم تقسيم التركة في حالة غياب الأبناء والبنات مع وجود أب الميت وأعمامه. إن أول المظلومين في نظام الإرث هذا هما الأب والأم فقد يكون ابنهما المتوفى هو العائل الوحيد لهما وقد يكونان كبيرين في السن وبموت هذا الابن تتوزع تركته ولا نصيب لهما فيه رغم ما بذلاه من جهد ومال في تنشئته حتى بلغ سن الرشد. بل الأغرب من ذلك أن تركة المتوفى قد تذهب إلى أعمامه ولا ينال أبيه وأمه منها شيئا كما هو واضح من ظاهر النص والذي أعتقد جازما أنه نص محرف فالله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يظلم أحد في تشريعاته. أما ثاني المظلومين فهي الزوجة فلا نصيب لها بتاتا في نظام الإرث هذا فربما كانت تعيش في رغد من العيش مع زوجها وبمجرد موته فإن مصيرها التشرد خاصة إذا لم يكن لها أبناء أو بنات وستموت قهرا وهي ترى أخوة زوجها أو أعمامه يتقاسمون تركته بينما لا تنال هي منها شيئا وقد تكون ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في تحصيل هذا المال. أما ثالث المظلومين فهن بنات وأخوات وعمات الميت فلا نصيب للبنات أبدا مع وجود الأبناء وكذلك الأخوات لا نصيب لهن مع وجود الإخوة والعمات لا نصيب لهن مع وجود الأعمام. إن نظام الإرث المستخدم حاليا في الدول الغربية التي تدين بالمسيحية لا يختلف كثيرا عن النظام المذكور في التوراة فعلى سبيل المثال فإنه في قانون الإرث الفرنسي لا ترث الزوجة زوجها ولا يرث الزوج زوجته ولا يرث الأب والأم شيئا من تركة ابنهما بوجود أي ولد أو بنت له حيث يتقاسم الأبناء والبنات التركة بينهم للأنثى مثل حظ الذكر. وفي غياب ذرية المتوفي فإن الأب والأم يتقاسمان التركة مع أخوة وأخوات المتوفى فيأخذ الأب الربع والأم الربع ويتقاسم الأخوة والأخوات النصف المتبقي من التركة للأنثى مثل حظ الذكر وفي غياب أب وأم وأخوة وأخوات المتوفى يتقاسم الأعمام والعمات التركة.

لقد كان نظام الإرث عند العرب أقرب ما يكون لنظام الإرث المذكور في التوراة فلا نصيب للنساء في التركة مع وجود الورثة من الرجال وغالبا ما يستحوذ الكبار من الأبناء على نصيب الصغار منهم. ولهذا فقد كانت مهمة تغيير نظام الإرث هذا من أصعب المهام التي واجهها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وخاصة أن اليهود الموجودين في المدينة يعملون بنظام توريث مستمد من التوراة وهو مشابه للنظام الذي تتبعه العرب في جاهليتهم. لقد كان من السهل جدا أن تعترض العرب على نظام الإرث الجديد بحجة أن نظامهم لا يختلف عن النظام المذكور في التوراة والذي يعمل به يهود المدينة وقد سبق للقرآن أن مدح التوراة وما فيها من شرائع وذلك في قوله تعالى “إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ” المائدة 44.

وقد حدث هذا بالفعل فقد روى العوفي عن ابن عباس عند تفسيره لقوله تعالى “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين” أنه قال لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس – أو بعضهم – وقالوا: تعطى المرأة الربع أو الثمن وتعطى الابنة النصف ويعطى الغلام الصغير وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يجوز الغنيمة ! اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينساه أو نقول له فيغير ! فقالوا :يا رسول الله تعطى الجارية نصف ما ترك أبوها وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم ويعطى الصبي الإرث وليس يغني شيئا – وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية ولا يعطون الإرث إلا لمن قاتل القوم ويعطونه الأكبر فالأكبر ] رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.

لقد جاء القرآن الكريم بنظام إرث جديد أنصف فيه جميع الورثة وخاصة النساء منهم والتي كن محرومات من تركة أقربائهن في نظام الإرث المطبق عند العرب وكذلك عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى. لقد بدأ القرآن الكريم بإقرار مبدأ عظيم وهو أن للنساء نصيب من تركة أقربائهن كما للرجال مهما بلغت قيمة التركة وأن هذا الحق مفروضا لهن من الله سبحانه وتعالى وذلك في قوله تعالى “لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً” النساء 7. ولم يكتف القرآن الكريم بإنصاف النساء بل تعدى ذلك وطلب من الورثة إعطاء جزءا ولو كان بسيطا من التركة للأقارب الذين لا نصيب لهم في التركة في النظام الجديد وخاصة من كان لهم فيها من قبل نصيب تطييبا لأنفسهم وكذلك التصدق على من حضر من اليتامى والمساكين وذلك في قوله تعالى “وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفا”ًالنساء 8. وقد أكد القرآن الكريم كذلك على عدم هضم حقوق صغار الورثة من الذكور والإناث عند القسمة من قبل كبار الورثة وكذلك الحفاظ على أموال هؤلاء اليتامى من قبل إخوانهم أو أعمامهم أو من هم في كفالتهم وخاصة في غياب رقابة الدولة على إجراءات قسمة التركة وذلك في قوله تعالى “وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً” النساء 9-10.

وبعد أن وضع القرآن القواعد العامة لنظام الإرث بدأ بتحديد أنصبة كل من ورثة المتوفى سواء كان ذكرا أم أنثى وذلك في ثلاث آيات فقط لا يتجاوز عدد أسطرها العشرة وهي مليئة بالفرائض باستخدام نظام الكسور. وفي سبب نزول آيات الإرث هذه فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال:[ جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدا وأن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا ينكحان إلا ولهما مال . قال: فقال: ” يقضي الله في ذلك “ فنزلت آية الإرث . فأرسل رسول الله [ ص ] إلى عمهما فقال: “اعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك ” . فالآية الأولى تحدد أنصبة أصول وفروع المتوفى وهم الأب والأم والأولاد ذكورا وإناثا وهذه الحالة هي الأكثر شيوعا وتعالج معظم حالات التركات فقال عز من قائل “يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيماً” النساء 11. إن الفرض الرئيسي في هذه الآية أن المتوفي إذا ترك أولادا ذكورا وإناثا فإنهم يتقاسمون التركة بينهم بحيث يكون حصة الذكر ضعف حصة الأنثى وذلك بعد إعطاء بقية الورثة أنصبتهم أما إذا ترك إناثا فقط فإنهن يتقاسمن ثلثي التركة إن كن اثنتين أو أكثر أما إن كانت واحدة فلها نصف التركة. أما الفرض الثاني فهو ما يتعلق بنصيب الأب والأم حيث يأخذ كل منهما السدس في حالة وجود أولاد ذكور أو في حالة وجود ابنتين أو أكثر أما في حالة وجود بنت واحدة فإن أم المتوفى تأخذ السدس ويأخذ أبوه الثلث. أما في حالة عدم وجود ذرية للمتوفى فإن الأم تأخذ الثلث والأب يأخذ الثلثان في حالة عدم وجود أخوة للمتوفى أما إذا كان له أخوة فإن الأم تأخذ السدس والأب يأخذ بقية التركة.

أما الآية الثانية فهي التي تحدد نصيب الأزواج من بعضهم البعض ونصيب الأخوة والأخوات من الأم وذلك في قوله تعالى “وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ” النساء 12. وتحدد هذه الآية أن نصيب الرجل من زوجته المتوفية هو النصف إذا لم يكن لها ذرية والربع إذا كان لها ذرية سواء كانت هذه الذرية منه أو من غيره. أما نصيب المرآة من زوجها المتوفي فهو الربع إذا لم يكن له ذرية والثمن إذا كان له ذرية سواء كانت هذه الذرية منها أو من غيرها وفي حالة وجود أكثر من زوجة فإنهن يشتركن في هذا النصيب إما الربع وإما الثمن. أما النصف الثاني من الآية السابقة وكذلك الآية الأخيرة من سورة النساء فإنهما تحددان الطريقة التي يتم بها توزيع تركة الكلالة وهو المتوفى ذكرا كان أم أنثى الذي غاب أصله وفروعه أي لا ولد له ولا والد يرثونه ولكن قد يكون له أخوة. فإذا كان للكلالة أخوة من أم فإن الآية السابقة تحدد نصيب كل منهم فإذا كان للكلالة أخ واحد فله السدس أو أخت واحدة فلها السدس كذلك وإذا كانوا أكثر من واحد ذكورا كانوا أم إناثا فإنهم يشتركون في الثلث يتقاسمونه بينهم بالتساوي للذكر مثل حظ الأنثي. لقد حدد الله سبحانه وتعالى نصيب أخوة الكلالة من أمه لعلمه أن البشر لن يستطيعوا تحديد ذلك ولكنه سبحانه ترك لهم مهمة تحديد أنصبة أخوة الكلالة من الأب بالقياس على الآية الأولى وكان بإمكانهم فعل ذلك ولكن سؤالهم المتكرر لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك استلزم أن ينزل الله فيه قرآنا وهي قوله سبحانه وتعالى “يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” النساء 176. فكما هو واضح من هذه الآية فإن أخوة وأخوات الكلالة من الأب أو الأب والأم يعاملون معاملة أبناء وبنات المتوفى فإذا كان للكلالة إخوة وأخوات فإنهم يتقاسمون التركة بينهم بحيث يكون حصة الذكر منها ضعف حصة الأنثى وذلك بعد إعطاء بقية الورثة أنصبتهم أما إذا كن إناثا فقط فإنهن يتقاسمن ثلثي التركة إن كن اثنتين أو أكثر أما إن كانت واحدة فلها نصف التركة. إن هذه الآيات الثلاث وضعت القواعد الأساسية لنظام الإرث في الإسلام وهي تعالج ما يزيد عن تسعين بالمائة أو ربما أكثر من حالات التركات وقد أنشأ علماء المسلمين بابا من العلم يسمى علم الفرائض يعالج جميع حالات الإرث كنصيب الجد والجدة والأعمام والعمات وأبناء الأخوة وأبناء الأعمام وذلك بناء على الأصول الواردة في هذه الآيات وما ورد في السنة النبوية وما اجتهد به أصحاب وأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن نظام الإرث الذي جاء به القرآن الكريم نظام مبتكر وفريد لم يسبق للبشر أن تعاملوا بمثله ولن يتمكنوا كذلك من أن يأتوا بنظام مثله أبدا. فهذا النظام قد تم وضعه على أسس واضحة ولأهداف بينة وليس بطريقة اعتباطية راعى فيه المشرع مصالح ورثة الميت الأشد قرابة. إن أشد الناس قرابة للميت هم أباه وأمه وأبنائه وبناته وزوجته بحكم المعاشرة وهم أكثر الناس حزنا عليه عند موته ثم يأتي في الدرجة الثانية أخوته وأخواته ثم أعمامه وعماته. وعندما حصر الله سبحانه وتعالى تركة الميت على الأب والأم والأبناء والبنات والزوجة ولا تتعدى إلى الأخوة والأخوات والأعمام والعمات إلا في حالات محددة فإنما حصرها لأسباب منطقية لا يمكن لعاقل أن يجادل فيها. فالأب والأم هما السبب في وجود هذا الإبن فأمه قد حملته تسعة أشهر في بطنها ثم أرضعته ثم قامت على خدمته في حال صحته ومرضه لمدة لا تقل عن ثمانية عشر عاما وأبيه صرف عليه من ماله والذي قد يكون حصل عليه بشق النفس فوفر له المسكن والملبس والطعام والشراب والتعليم ومعالجته عند مرضه على مدى أيضا لا يقل عن ثمانية عشر عاما وقد يكون الأب وكذلك الأم قد ساهما في بناء البيت الذي سكنه هذا الابن وربما المصلحة التي كانت مصدر رزقه. أما الزوجة فقد ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في تحصيل هذه الثروة التي تركها زوجها المتوفى فهي التي أنجبت أولاده وقامت على خدمته وخدمة بيته وخدمة أولاده وبذلك وفرت له الوقت لجمع هذا المال الذي تركه وربما عملت بيديها معه في مهنته. أما أبناء الميت وبناته فهم أحوج الناس لهذا المال إذا كانوا صغارا وإما إذا كانوا كبارا فإنهم أحق الناس به فقد يكونوا ساهموا بجهدهم في تحصيل هذا المال مع أبيهم بالإضافة إلى أن هذا هو الاتجاه الصحيح لحركة المال المورث فهو ينتقل من الأباء إلى الأبناء. وعلى هذا فإنه من الظلم الفادح أن يحرم الأب والأم من تركة إبنهم بمجرد وجود أبناء وبنات لهذا الميت وقد يكونا في أمس الحاجة لمثل هذا المال عند هذه السن الكبيرة التي تقل فيها قدرتهما على جلب الرزق وإذا ما أخذ الأب والأم شيئا من التركة فهو جزء يسير مما أنفقاه على هذا الإبن على مدى ثمانية عشر عاما على الأقل. وكذلك فإنه من الظلم الفادح أن تحرم الزوجة حرمانا كاملا من تركة زوجها سواء ترك أولادا أم لم يترك كما هو الحال في نظام الإرث التوراتي أو في أنظمة الإرث الحالية كنظام الإرث الفرنسي. فهل يعقل أن تذهب تركة زوجها إلى إخوانه وأخواته أو أعمامه وعماته وتحرم هي منه وقد ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في تحصيل هذه التركة! ولهذا فقد أنصف القرآن الكريم الأب والأم والزوجة في نظام الإرث الذي جاء به وأعطى للأب سدس التركة وللأم السدس كذلك وللزوجة الثمن عند وجود أبناء وبنات للميت وتزداد هذه النسب في حالة غياب الأبناء والبنات.

ولا بد هنا من الرد على الفرية التي يتشدق بها بعض أهل الكتاب والكفار من بقية البشر وهي أن القرآن قد تحيز للرجال على حساب النساء في نظام الإرث الذي جاء به فأعطى الرجل ضعف حصة المرأة. فنقول لأهل الكتاب أولا أن من بيته من زجاج عليه أن لا يرمي الناس بالحجارة فالنص الوارد في التوراة والذي أعتقد جازما أنه قد تم تحريفه قد حرم الزوجة تماما من الميراث وحرم البنات والأب والأم كذلك بوجود الأولاد الذكور. ونقول لمن لا دين له ارجع لنظام الإرث الفرنسي أو بقية أنظمة الإرث في العالم غير الإسلامية وستجد مدى الإجحاف الذي يلحق بالزوجة والأب والأم عند تقسيم تركة الميت. إن القرآن الكريم لم يتحيز للرجال في أنصبة الميراث على حساب النساء إلا بسبب طبيعة النظام الاجتماعي السائد في المجتمعات البشرية والذي يقوم على قوامة الرجال على النساء وكذلك مراعاة الفروق الطبيعة بينهما. إن قوامة الرجال على النساء نظام قائم منذ أن خلق الله البشر ولا زال قائما إلى يومنا هذا في معظم المجتمعات البشرية وسيبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وإن أي محاولات لتغيير مثل هذا الواقع لن تفلح أبدا ما دام أن المجتمعات تقوم على النظام الأسري والذي تكون فيه في الغالب القوامة للرجال بسبب ما ميزهم الله به من قوة الجسم. والدليل على عدم تحيز القرآن الكريم للرجال هو تساوي نصاب الأب والأم في حالة وجود أولاد للمتوفى وكذلك تساوى نصاب الأخ والأخت من الأم في تركة الكلالة. وحين يحدد القرآن الكريم نصاب الإبن بضعف نصاب البنت فهو إنصاف لهذا الابن وليس تحيزا له وذلك لأسباب كثيرة أولها أن الأعباء المادية المترتبة على الرجال في الأنظمة الاجتماعية السائدة تفوق تلك المترتبة على النساء فهم الذين يقومون ببناء مساكن الزوجية التي لا تشارك النساء فيه بشيء وهم الذين يدفعون المهور ويقيمون حفلات الزواج وهم الذين ينفقون على زوجاتهم وأولادهم وهم أقدر على العمل بشتى أنواعه بسبب تركيبهم الجسمي وهم أقدر على الحفاظ على الأموال التي يرثونها وكذلك تنميتها وهم أقدر كذلك على حمايتها في مجتمعات لا يصمد فيها إلا القوي وهذا هو واقع البشر منذ أن خلقهم الله وسيبقون كذلك.

ولا بد في هذا المقام من الاستشهاد بقول المفكر العظيم الشهيد سيد قطب في تعليقه على سورة النساء وما فيها من أحكام تشريعية كنظام الإرث وذلك في تفسيره القيم (في ظلال القرآن) إذ يقول رحمه الله: “إن الإسلام نظام للإنسان. نظام واقعي إيجابي. يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه ويتوافق مع واقعه وضروراته, ويتوافق مع ملابسات حياته المتغيرة في شتى البقاع وشتى الأزمان, وشتى الأحوال. إنه نظام واقعي إيجابي, يلتقط الإنسان من واقعه الذي هو فيه, ومن موقفه الذي هو عليه, ليرتفع به في المرتقى الصاعد, إلى القمة السامقة. في غير إنكار لفطرته أو تنكر; وفي غير إغفال لواقعه أو إهمال; وفي غير عنف في دفعه أو اعتساف ! إنه نظام لا يقوم على الحذلقة الجوفاء; ولا على التظرف المائع; ولا على “المثالية ” الفارغة; ولا على الأمنيات الحالمة, التي تصطدم بفطرة الإنسان وواقعه وملابسات حياته, ثم تتبخر في الهواء!” ويقول رحمة الله عليه معلقا على نظام الإرث في الإسلام “إن هذا النظام في التوريث هو النظام العادل المتناسق مع الفطرة ابتداء; ومع واقعيات الحياة العائلية والإنسانية في كل حال. يبدو هذا واضحا حين نوازنه بأي نظام آخر, عرفته البشرية في جاهليتها القديمة, أو جاهليتها الحديثة, في أية بقعة من بقاع الأرض على الإطلاق. إنه نظام يراعي معنى التكافل العائلي كاملا, ويوزع الأنصبة على قدر واجب كل فرد في الأسرة في هذا التكافل . فعصبة الميت هم أولى من يرثه – بعد أصحاب الفروض كالوالد والوالدة – لأنهم هم كذلك أقرب من يتكفل به, ومن يؤدي عنه في الديات والمغارم فهو نظام متناسق, ومتكامل. وهو نظام يراعي أصل تكوين الأسرة البشرية من نفس واحدة. فلا يحرم امرأة ولا صغيرا لمجرد أنه امرأة أو صغير. لأنه مع رعايته للمصالح العملية – كما بينا في الفقرة الأولى – يرعى كذلك مبدأ الوحدة في النفس الواحدة. فلا يميز جنسا على جنس إلا بقدر أعبائه في التكافل العائلي والاجتماعي. وهو نظام يراعي طبيعة الفطرة الحية بصفة عامة , وفطرة الإنسان بصفة خاصة . فيقدم الذرية في الإرث على الأصول وعلى بقية القرابة .

لأن الجيل الناشىء هو أداة الامتداد وحفظ النوع . فهو أولى بالرعاية – من وجهة نظر الفطرة الحية – ومع هذا فلم يحرم الأصول , ولم يحرم بقية القرابات . بل جعل لكل نصيبه . مع مراعاة منطق الفطرة الأصيل . وهو نظام يتمشى مع طبيعة الفطرة كذلك في تلبية رغبة الكائن الحي – وبخاصة الإنسان – في أن لا تنقطع صلته بنسله, وأن يمتد في هذا النسل. ومن ثم هذا النظام الذي يلبي هذه الرغبة, ويطمئن الإنسان الذي بذل جهده في ادخار شيء من ثمرة عمله, إلى أن نسله لن يحرم من ثمرة هذا العمل, وأن جهده سيرثه أهله من بعده. مما يدعوه إلى مضاعفة الجهد, ومما يضمن للأمة النفع والفائدة – في مجموعها – من هذا الجهد المضاعف . مع عدم الإخلال بمبدأ التكافل الاجتماعي العام الصريح القوي في هذا النظام وأخيرا فهو نظام يضمن تفتيت الثروة المتجمعة, على رأس كل جيل, وإعادة توزيعها من جديد. فلا يدع مجالا لتضخم الثروة وتكدسها في أيد قليلة ثابتة – كما يقع في الأنظمة التي تجعل الميراث لأكبر ولد ذكر, أو تحصره في طبقات قليلة – وهو من هذه الناحية أداة متجددة الفاعلية في إعادة التنظيم الاقتصادي في الجماعة, ورده إلى الاعتدال دون تدخل مباشر من السلطات . هذا التدخل الذي لا تستريح إليه النفس البشرية بطبيعة ما ركب فيها من الحرص والشح. فأما هذا التفتيت المستمر والتوزيع المتجدد ; فيتم والنفس به راضية, لأنه يماشي فطرتها وحرصها وشحها ! وهذا هو الفارق الأصيل بين تشريع الله لهذه النفس وتشريع الناس !!! “.

المراجع

1- القرآن الكريم

2- التوراة

3- تفسير في ظلال القرآن للشهيد سيد قطب

ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون

إن الله سبحانه وتعالى لم يأمر المسلمين لتدبر آيات كتابه الكريم إلا لعلمه أن هذا التدبر لا بد وأن يقودهم إلى كشف حقائق تؤكد على أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من تأليف البشر بل هو تنزيل من لدن عليم خبير فقال عز من قائل “كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ” ص 29 والقائل سبحانه “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” النساء 82. ومن الآيات التي قادني تدبرها إلى حقيقة نفي أن يكون هذا القرآن من تأليف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو قوله سبحانه “وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ” الأنبياء 105-106. فهذه الآية تؤكد على أنه يوجد نص صريح في الزبور يقرر حقيقة مهمة وهي أن عباد الله الصالحين هم من سيرث هذه الأرض.

ولقد كانت المفاجأة الكبرى لي بعد البحث عن تفسير هذه الآية في أكثر من عشرة تفاسير من أمهات التفاسير التي تم كتابتها على مدى أربعة عشر قرنا أنه لم يشر أي أحد من هؤلاء المفسرين إلى نص الزبور الذي يتحدث عن هذا الموضوع. بل إن جميع المفسرين كانوا في شك فيما إذا كان المقصود بالزبور في هذه الآية هو زبور داود عليه السلام.
فقد ذكر ابن كثير في تفسيره ما يلي “قال الأعمش: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} فقال الزبور: التوراة والإنجيل, والقرآن وقال مجاهد: الزبور الكتاب, وقال ابن عباس والشعبي والحسن وقتادة وغير واحد: الزبور الذي أنزل على داود, والذكر التوراة. وعن ابن عباس: الذكر القرآن, وقال سعيد بن جبير: الذكر الذي في السماء. وقال مجاهد: الزبور الكتب بعد الذكر والذكر أم الكتاب عند الله, واختار ذلك ابن جرير رحمه الله, وكذا قال زيد بن أسلم: هو الكتاب الأول, وقال الثوري: هو اللوح المحفوظ. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الزبور الكتب التي أنزلت على الأنبياء, والذكر أمّ الكتاب الذي يكتب فيه الأشياء قبل ذلك, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس,: أخبر الله سبحانه وتعالى في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض أن يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم الأرض, ويدخلهم الجنة وهم الصالحون. وقال مجاهد عن ابن عباس {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} قال: أرض الجنة, وكذا قال أبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي وأبو صالح والربيع بن أنس والثوري, وقال أبو الدرداء نحن الصالحون. وقال السدي: هم المؤمنون”. وقد نحى جميع المفسرين الذين أطلعت على تفاسيرهم هذا المنحى في تفسيرهم لهذه الآية كما في تفسير الطبري والقرطبي والرازي والشوكاني والزمخشري والسعدي والألوسي وظلال القرآن. وإذا كان هؤلاء المفسرون على كثرتهم وعلى تفرغهم لمهمة تفسير القرآن الكريم وكذلك توفر نسخ من الكتب المقدسة بين أيديهم لم يتمكنوا من الاهتداء إلى نص الزبور الذي نحن بصدده فكيف يمكن لرجل أمي يعيش في وسط أمة أمية كسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يشير إلى وجود نص في الزبور يؤكد على أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون!


وعندما قمت بالبحث باستخدام الحاسوب عن موضوع وراثة الصالحين للأرض في العهد القديم المكون من ستة وأربعين سفرا بما فيها أسفار موسى عليه السلام الخمسة التي تسمى التوراة وكذلك في العهد الجديد المكون من سبعة وعشرين سفرا بما فيها الأناجيل الأربعة لم أعثر على هذا الموضوع بأي شكل من الأشكال إلا في موضعين الأول في الإصحاح الخامس من إنجيل متى وبشكل مقتضب وهي جملة “5طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ ” أما الموضع الثاني فقد كان في سفر مزامير داوود عليه السلام. وسفر المزامير يحتوي على مائة وخمسين مزمورا أوحاها الله سبحانه وتعالى إلى عبده داود عليه السلام وقد كان عليه السلام ينشدها ويسبح بها في الصباح وفي المساء بصوت في غاية الجمال وكانت الجبال والطير تردد معه عليه السلام هذه الابتهالات بأمر من الله فقال عز من قائل “إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ” ص 18-19. وعند البحث في هذه المزامير المائة والخمسين لم أجد أيضا هذا الموضوع إلا في مزمور واحد فقط بينما لم تأتي بقية المزامير على ذكر هذا الموضوع بأي شكل من الأشكال. أما المفاجأة الكبرى فهي أن الموضوع الوحيد الذي يدور حوله حديث المزمور السابع والثلاثون هو التأكيد على وراثة عباد الله الصالحين لهذه الأرض ولو قدر أن تم كتابة عنوان لكل مزمور من المزامير لكان عنوان هذا المزمور بدون تردد قوله تعالى “أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ” وذلك لكثرة ما ترددت هذه العبارة في المزمور. فقد جاء في المزمور السابع والثلاثين من مزامير داود عليه السلام ما نصه:
“1لاَ تَغَرْ مِنَ الأَشْرَارِ، وَلاَ تَحْسِدْ عُمَّالَ الإِثْمِ، 2 فَإِنَّهُمْ مِثْلَ الْحَشِيشِ سَرِيعًا يُقْطَعُونَ، وَمِثْلَ الْعُشْبِ الأَخْضَرِ يَذْبُلُونَ. 3اتَّكِلْ عَلَى الرَّبِّ وَافْعَلِ الْخَيْرَ. اسْكُنِ الأَرْضَ وَارْعَ الأَمَانَةَ. 4 وَتَلَذَّذْ بِالرَّبِّ فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ. 5سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَاتَّكِلْ عَلَيْهِ وَهُوَ يُجْرِي، 6 وَيُخْرِجُ مِثْلَ النُّورِ بِرَّكَ، وَحَقَّكَ مِثْلَ الظَّهِيرَةِ. 7 انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاصْبِرْ لَهُ، وَلاَ تَغَرْ مِنَ الَّذِي يَنْجَحُ فِي طَرِيقِهِ، مِنَ الرَّجُلِ الْمُجْرِي مَكَايِدَ. 8 كُفَّ عَنِ الْغَضَبِ، وَاتْرُكِ السَّخَطَ، وَلاَ تَغَرْ لِفِعْلِ الشَّرِّ، 9لأَنَّ عَامِلِي الشَّرِّ يُقْطَعُونَ، وَالَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الرَّبَّ هُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. 10بَعْدَ قَلِيل ٍلاَ يَكُونُ الشِّرِّيرُ. تَطَّلِعُ فِي مَكَانِهِ فَلاَ يَكُونُ. 11 أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَةِ. 12 الشِّرِّيرُ يَتَفَكَّرُ ضِدَّ الصِّدِّيقِ وَيُحَرِّقُ عَلَيْهِ أَسْنَانَهُ. 13 الرَّبُّ يَضْحَكُ بِهِ لأَنَّهُ رَأَى أَنَّ يَوْمَهُ آتٍ! 14الأَشْرَارُ قَدْ سَلُّوا السَّيْفَ وَمَدُّوا قَوْسَهُمْ لِرَمْيِ الْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ، لِقَتْلِ الْمُسْتَقِيمِ طَرِيقُهُمْ. 15سَيْفُهُمْ يَدْخُلُ فِي قَلْبِهِمْ، وَقِسِيُّهُمْ تَنْكَسِرُ.16 اَلْقَلِيلُ الَّذِي لِلصِّدِّيقِ خَيْرٌ مِنْ ثَرْوَةِ أَشْرَارٍ كَثِيرِينَ. 17 لأَنَّ سَوَاعِدَ الأَشْرَارِ تَنْكَسِرُ، وَعَاضِدُ الصِّدِّيقِينَ الرَّبُّ. 18 الرَّبُّ عَارِفٌ أَيَّامَ الْكَمَلَةِ، وَمِيرَاثُهُمْ إِلَى الأَبَدِ يَكُونُ. 19 لاَ يُخْزَوْنَ فِي زَمَنِ السُّوءِ، وَفِي أَيَّامِ الْجُوعِ يَشْبَعُونَ. 20 لأَنَّ الأَشْرَارَ يَهْلِكُونَ، وَأَعْدَاءُ الرَّبِّ كَبَهَاءِ الْمَرَاعِي. فَنُوا. كَالدُّخَانِ فَنُوا. 21 الشِّرِّيرُ يَسْتَقْرِضُ وَلاَ يَفِي، أَمَّا الصِّدِّيقُ فَيَتَرَأَّفُ وَيُعْطِي. 22 لأَنَّ الْمُبَارَكِينَ مِنْهُ يَرِثُونَ الأَرْضَ، وَالْمَلْعُونِينَ مِنْهُ يُقْطَعُونَ.23 مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ ََتَثَبَّتُ خَطَوَاتُ الإِنْسَانِ وَفِي طَرِيقِهِ يُسَرُّ. 24 إِذَا سَقَطَ لاَ يَنْطَرِحُ، لأَنَّ الرَّبَّ مُسْنِدٌ يَدَهُ. 25 أَيْضًا كُنْتُ فَتىً وَقَدْ شِخْتُ، وَلَمْ أَرَ صِدِّيقًا تُخُلِّيَ عَنْهُ، وَلاَ ذُرِّيَّةً لَهُ تَلْتَمِسُ خُبْزًا. 26الْيَوْمَ كُلَّهُ يَتَرَأَّفُ وَيُقْرِضُ، وَنَسْلُهُ لِلْبَرَكَةِ.27حِدْ عَنِ الشَّرِّ وَافْعَلِ الْخَيْرَ، وَاسْكُنْ إِلَى الأَبَدِ. 28 لأَنَّ الرَّبَّ يُحِبُّ الْحَقَّ، وَلاَ يَتَخَلَّى عَنْ أَتْقِيَائِهِ. إِلَى الأَبَدِ يُحْفَظُونَ. أَمَّا نَسْلُ الأَشْرَارِ فَيَنْقَطِعُ. 29الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ الأَرْضَ وَيَسْكُنُونَهَا إِلَى الأَبَدِ. 30فَمُ الصِّدِّيقِ يَلْهَجُ بِالْحِكْمَةِ، وَلِسَانُهُ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ. 31 شَرِيعَةُ إِلهِهِ فِي قَلْبِهِ. لاَ تَتَقَلْقَلُ خَطَوَاتُهُ. 32 الشِّرِّيرُ يُرَاقِبُ الصِّدِّيقَ مُحَاوِلاً أَنْ يُمِيتَهُ. 33 الرَّبُّ لاَ يَتْرُكُهُ فِي يَدِهِ، وَلاَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَاكَمَتِهِ. 34 انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاحْفَظْ طَرِيقَهُ، فَيَرْفَعَكَ لِتَرِثَ الأَرْضَ. إِلَى انْقِرَاضِ الأَشْرَارِ تَنْظُرُ.35 قَدْ رَأَيْتُ الشِّرِّيرَ عَاتِيًا، وَارِفًا مِثْلَ شَجَرَةٍ شَارِقَةٍ نَاضِرَةٍ. 36 عَبَرَ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَالْتَمَسْتُهُ فَلَمْ يُوجَدْ. 37 لاَحِظِ الْكَامِلَ وَانْظُرِ الْمُسْتَقِيمَ، فَإِنَّ الْعَقِبَ لإِنْسَانِ السَّلاَمَةِ. 38 أَمَّا الأَشْرَارُ فَيُبَادُونَ جَمِيعًا. عَقِبُ الأَشْرَارِ يَنْقَطِعُ. 39 أَمَّا خَلاَصُ الصِّدِّيقِينَ فَمِنْ قِبَلِ الرَّبِّ، حِصْنِهمْ فِي زَمَانِ الضِّيقِ. 40 وَيُعِينُهُمُ الرَّبُّ وَيُنَجِّيهِمْ. يُنْقِذُهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ وَيُخَلِّصُهُمْ، لأَنَّهُمُ احْتَمَوْا بِهِ”.
إن تكرار نص أن عباد الله الصالحين هم من سيرث الأرض بهذا الشكل الملفت للنظر في هذا المزمور بينما تخلو منه بقية أسفار العهد القديم والعهد الجديد البالغ عددها 73 سفرا باستثناء جملة واحدة في إنجيل متى يعتبر دليلا قاطعا على أن الذي أشار في القرآن الكريم إلى وجود نص في الزبور يتحدث عن موضوع وراثة الأرض هو من أنزل التوراة والإنجيل والزبور والقرآن سبحانه وتعالى. فالله سبحانه وتعالى مطلع تمام الإطلاع على كل كلمة بل على كل حرف مما هو مكتوب في الكتب المقدسة سواء أصاب التحريف بعض نصوصها أم لم يصبها ويعرف تماما أن جميع هذه الكتب لا تحوي في وضعها الحالي على النص المطلوب بل هو موجود فقط في الزبور. فهل يعقل أن يختار سيدنا محمد صلى الله عليه لو كان هذا القرآن من تأليفه الزبور من بين كتب مقدسة أكثر منه شهرة كالتوراة والإنجيل ليؤكد وجود مثل هذا النص. بل مما يؤكد هذا الأمر أن مفسري القرآن جميعهم قد قالوا أن المقصود بالزبور في الآية القرآنية هو جميع الكتب المقدسة السابقة وقال بعضهم أنه زبور داود وقد تبين لنا الآن أن جميع هذه الكتب تخلو من هذا النص باستثناء زبور داود عليه السلام. وأخيرا أقول أنه لولا توفيق الله عز وجل أولا ثم الإنترنت التي حصلت من خلالها على جميع أسفار العهد القديم والعهد الجديد وكذلك الحاسوب الذي تمكنت من خلاله البحث بسرعة فائقة عن هذا الموضوع لما تمكنت من الاهتداء إلى هذه النتيجة المثيرة للعجب وصدق الله العظيم الذي عقب على آية وراثة الأرض بقوله سبحانه “إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ”.

أدب الحروب وفلسفة القوة من منظور إسلامي

يقول تعالي :“كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” (البقرة: 216).

علي مدار عصورها، وسجل تاريخها الشفاهي والكتابي، خاضت البشرية حروبا تستعصي علي الحصر، تهدأ حينا، فيسود الأمن والسلام، وتشتعل أحيانا، فيعم الدمار والهلاك، مما حدا بالبعض إلي القول: (إن السمة الغالبة بين البشر هي “التدافع” (الصراع/ التصارع)، وان تاريخ البشرية إنما هو “تاريخ حروب، تتخلله فترات هدنة وسلام”). وهاهو “عنترة” يصف نفسه بأنه “مولود وسط المعارك، وقد سُقي من لبن المعامع”:

وفي الحرب العوان ولدتُ طفلاً      ومـن لبن المعامع قد سقيت.
ولي بيتٌ عـلا فلك الثريـــا      تخـرُ لعظمِ هيبتـه البيـوت.
ولأن الخير والشر ـ في هذه الدنياـ لا ينفصلان، فلا نكاد نتصور الخير فيها، إن لم نتصور شراً بجانبه، فعـندما تطلع الشمس علي أمُّة شاكية ساخطة، فأين السعادة إذن، وأين الهناء لدي الأمم الباقية؟. وأين ذوي الحق الذي لا يُـنازعهم فيه منازِع، وأين تنافس الأقوياء وإقدامهم، وأين توحد الضعفاء وتأزرهم القوي، دفاعاً عن الحق؟. ولعله قضاءً علي الناس بالموت، وفساداً للأرض، أن ينفرد بهم أحدهما ـ ولو كان الخيرـ من غير مغالبة من شرِ أو مجاذبة ظلمِ. ومن ثم يكون هنالك ترقب النصر أو خشية الخذلان، ثم يتقبل الله الأخيار المتقين، يقول تعالي :“وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ”(المائدة:27).
إن الأخيار قد يموتون، ولكن الخير لا يموت أبدا، والأشرار قد ينتصرون حيناً، والشر ليس إلي انتصار، كما أنه لا حق إلا بالتدافع علي الحق، وزوال النزاع موت، وزوال الحق باطل ومحال، وهذه سنة الكون والحياة والأحياء.
التدافع إذن ـ وليس التصارع ـ بين الأفراد والمجتمعات والدول والأمم، تدافعاً وتمحيصاً بين الأخيار والأشرار، تدافعاً بين مذاهب الحياة، لبقاء الحياة، فضلاً من الله تعالي:”وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين”َ(البقرة:251)، ويقول تعالي:”الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز”ٌ(الحج:40).
الحرب ولادة للتاريخ، وكما إن ولادة الطفل لا تأتي إلا بعد مخاض دموي، فكذا الحروب تكون، والطفل كأصغر شخص في المجتمع، والأمة كأكبر كيان كلاهما يتألم ويبكي وينتحب حين يُضرب لتعُاد صياغة حياته، وأنماط معيشته، وآداب طريقته، وتمحيص قيمه، وتجديد وجوده، فالحرب إذن شر لا بد منه، وضرورة لا مفر منها، وكل ما لابد منه ـ ولو كان شرا ـ فهو في طياته قد يحمل نفعا لا غني عنه، فالحرب من عوامل التمحيص والتحليل وإعادة التشكيل البشري والإنساني (1).
ما الحرب إلا أن يتنازع الناس علي الحياة، فيقيموا من الموت قاضيا وحَـكما، ويطلبوا من الشريعة المدونة في صفائح السيوف حُكماً، علي الحياة ماضياً، فكلا الفريقين يقدم الحجج من المهج، ويتكلم بألسنة الروح من أفواه الجروح، ويأتي من بلاغة الموت في خصامه بكل “ضرب”، ويُجري الحياة مجري “الاستعارة” في “بيان” الموت”(2)، وفي وصفها يقول الرافعي في قصيدته “علي الكوكب الهاوي”:
وما الحرب إلا رجفة الأرض رجفة    يموت بها عصر ليحيا بها عـصـر.
وما الحرب ألا مطرة دمــوية    إذا دنست روح الــوري فهي الطهر.
وما الحرب الا غضبة الله لامست    مخازي الدهر فانفجر الـــــدهر.
ففي كل نفس غصة ما تسيغـها    وفــي كل قلب كسرة ما لها جبـر.
ويا هذه لا تجحدي ، إنما الورى    كما خلقوا والمكر بعد هو المـــكر.
ولا تأملي الأيام خضرا علي المدي    ففي كل حين يسقط الورق النــضر.
نعم تكرهها النفوس..عندما تطوف بالأفكار والتصورات، فضلا عن أن تُعايش وعثائها وويلاتها، ولكن هل ينفي الكره أن تجد فيما تكره ضروبا من الحكمة، وفيما تبغض وسائل خير ومنفعة، وما سرور نصف الناس إلا بما يكره النصف الآخر، يقول تعالي:”كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” (البقرة: 216).

“نكره الحرب لأنها تصور كل ألوان الخراب والهلاك، وفكرة العدم، ونمقتها لأنها تلوث الحياة بدماء الرجال، ثم لا تغسلها إلا بدموع النساء والأطفال، ونبغضها لأنها تدفن تاريخها الصحيح المستقبل، ولا تترك للحاضر ألا تاريخها المشوه في أعضاء الجرحى.. غير أن الناموس أو القانون الذي يوضع لبقاء فرد واحد غير ذلك الذي يوضع لبقاء جميع الأمم” (3).
تقف خلف الحروب قوة.. تتباين أنواعها ومظاهرها ومصارفها: قوة الإيمان، وقوة الكفر، قوة الحق، وقوة الباطل، قوة العمران، وقوة الخراب، القوة الطائشة، والقوة الحكيمة، قوة الطاغية الغشوم والجبار الظلوم، وقوة العادل الجواد الغيور، قوة المدنية، وقوة الهمجية..، يقول” عمرو بن كلثوم”:
لنا الدنيا ومن أمسى عليها     ونبطش حين نبطش قادرينا.
بغــاة ظالمين وما ظلملنا     ولكـــنا سنبدأ ظالمينـا.
ونراه يصف معارك الجاهلية في معلقته، وانخراطه في “حرب البسوس” الشهيرة بين “بكر” و”تغلب”:
أبا هند فلا تعجل علينــــا      وأنظرنــــا نخبرك اليقينــا.
بأنا نورد الرايات بيضــــا     ونُصدرهن حمرا قد روينــــا.
وأيــام لنا غُـرَّ طـــوال    عصينا الملك فيها أن ندينـــا.
متي ننقل إلي قومٍ رحانـــا     يكونوا في اللقاء لها طحينـــا.
نطاعن ما تراخي الناس عنـا     ونضرب بالسيوف إذا غُشينــا.
لا ظفر لحق أو لباطل إلا بقوة، وتبقي قوة الإيمان والعقيدة التي تقوي الضعيف، وتضاعف قوة القوي، والفرق بين ضعيف وقوي العقيدة: أن الضعيف تحمله عقيدته فلا تري فيه إلا عقيدة سائرة، وأن القوي يحمل عقيدته فتري فيه العقيدة والمعتقد، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ”(4).
ففي قوة العقيدة نري”أبو بكر الصديق” يتحمل تبعاتها، وينصر وينتصر لدعوته، ويقوم خير قيام بحقوق صحبته لرسول الله صلي الله عليه وسلم، وحين خرت قوى الصحابة لموت رسولهم وحبيبهم، نراه قوياً رابط الجأش، يُهدأ من روعهم، وهو المحزون لفراق حبيبه، وفي “حروب الردة” تزداد قوته وتظهر، فيعصم الله تعالي علي يديه تشرذم هذه الأمة وتفككها، ونري الفاروق “عمر بن الخطاب”:”وهو يحتد في عدله، ويعدل في حدته، ويقيم الحد علي ولده، ويرهب النيل، وما بالنيل من رهب أو رغب، ويـَعجب لموت النبي صلي الله عليه وسلم، وما في الموت من عجب.. هل أطمعته قوة العقيدة حتى بطاعة الجماد، والتمرد علي الموت؟”(5).
ومظاهر القوة ومصارفها الحقة في: عزم علي إحقاق الحق، وقوة في عقيدة صائبة، وإيمان صادق، وقوة قيم ومبادئ، وقدرة علي تحقيق أهداف خيرة، قوة قرار ومحافظة علي ما أنجز، فيرتدع الأعداء عن سلبه، وصبر علي البلاء والمحن، فتحويلها إلي منح، وتوحد واتحاد، وقوة نفسية، وغضب للحق، وعطاء سخي، قوة رحيمة لا قاسية . . والقوة علي كل حال تجعل الأمل بالأيدي لا بأيدي الأعداء أو حتى بأيدي الأصدقاء.
وتراجعت القوة الغشوم ـ منذ اهتدي الناس للخير ـ فأصبح أقوي الأقوياء لا يجرؤ علي الاعتداء والجور باسم القوة العمياء الطائشة الباغية، إلا أن ينتحل لها من المعاذير والذرائع ما يغلف عدوانه بأغلفة واهية من شعارات: “الحق والعدل والخير والحرية والمساواة.. والديموقراطية، “والدفاع عن النفس”.
إن اشرف ما يعرفه الناس من الحق غيرتهم علي ما يعتقدون انه الحق، فالغيرة علي الحق هي روح الإنسانية، وهي سبب بقائها، ولقد نشأ الحق بجانب القوة، عندما اتحد الضعفاء أمام القوة الغاشمة، عندها علم الأقوياء: ما إن لهم حقا، فعليهم واجب، وإذا ما رضيت أمة أن تستنزف موارد أخرى، بغير الحق، فقد آن ذلك بانحلالها. إن الحق يتبدى مع البعض مرة وعليهم أخري، وإذا أردنا أن نعرف في أي جانب هو فلننظر إلي جانب العقيدة فثم الحق الأكبر.
ومن أسباب الحروب، أنها كانت قبل اٌلإسلام ـ وما زالت ـ وسيلة من وسائل العيش.. يغيرون ويسلبون القبائل المعادية، فإذا لم يجدوا عدوا من غيرهم قاتلوا أنفسهم، يقول ” القطامي”:
وأحيانا علي بكر أخينا إذا لم نجد إلا أخــــانا.
في كل عصر.. تجد النفوس الإنسانية عندما تتبرم وتسخط بأسباب سياسية واجتماعية ووطنية واقتصادية تستولي عليهاـ لا روح الحياة والعمران ـ بل روح القتل والخسران، ومن ثم فلا بد في هذه الحضارات من “خلق” عدو، وانفجارات حربية مستمرة، وافتعال أزمات دموية.. لتجد من تقتله، ومن تظلمه، ومن تستعبده، وإذا ما تركت الأمم في بحبوحة السلم ومراعيه فإنما تسمن وتسمن، ولكن تري كل أمة عينها علي شحم الأخرى ولحمها.. ثرواتها وممتلكاتها، فالحرب مصفاة لازمة تنقي تلك الشوائب الفاسدة في الشعوب والأمم المترهلة.
لكن شريعة الإسلام، تري السلام هو القاعدة، وإنما الحرب استثناء لها: دفاعا عن الدين، والنفس والعرض والمال والوطن عند الاعتداء عليها. كما إنها تأتي دفاعا عن الدعوة إلي الله، ورفع الجور عن المستضعفين، ودفع الفتنة عن الدين، فتلك الفتنة: اعتداء علي اقدس ما في الحياة الإنسانية، ومن ثم فهي أشد من القتل، اشد من قتل النفس وإزهاق الروح وإعدام الحياة (6). وما الفتنة والبغي والظلم والكيد والقهر والاستبداد والحصار ونحوها إلا ضروب من الحروب الخفية، وقتل بطيء للأفراد والمجتمعات، وربما عُــد الموت في بعضها راحة.
لقد جاءت الشريعة الإسلامية تحث علي نصرة المظلوم، والأخذ علي يد الظالم، فعَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم:”َ انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ”(7)، ولتقوم ما كانت القبيلة والعشيرة الجاهلية تفعله.. ينصرون أخاهم ظالما أو مظلوما:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات علي ما قال برهانا.
ما زالت تلاحق عالمنا المعاصر مآسي الحربين العالميتين الأولي:(1914- 1918م)، والثانية (1939- 1945م)، فوجد البشر أن الوسيلة لمنع وقوع مثلهما.. وجود قوة وقدرة تكفي لردع من يفكر في القيام وشن الحرب، مما يؤدي لتفاديها أولا أو كسبها بأقل قدر من الخسائر البشرية والمادية. وهذا ما سعت وتسعي إليه شريعة الإسلام عبر”استراتيجية الردع” هذه، بل هي مبدأ إسلامي، يقول جل شأنه:“وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ”(الأنفال:60).
إن إرادة القتال والمقاومة “حالة ذهنية” في عقل المقاتل المقاوم فتراه يصمد ويستمر مضحيا بنفسه. وفي الحروب يسعي كل فريق “لتغيير تلك الإرادة” ليتخلي عن صموده وعزيمته فتنهار إرادته فيهزم، ويكسب الآخر بأقل الخسائر، ومن هنا كانت الحرب النفسية، قبل وأثناء الحرب الهجومية، أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْد ِاللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ..”(8).
كذلك الوعي بأهداف العدو وأساليبه والتوكل علي الله سبيل للوقاية من الحروب النفسية:”الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (آل عمران:173)، لقد كان في إظهار قوة المسلمين، وتأثيرها النفسي في أعدائهم حرصا كبيرا لردعهم، ومنعهم من القتال، وليس أدل علي ذلك من أن الرسول صلي الله عليه وسلم قاد 28 غزوة، نشب القتال في تسع منها فقط، ولم ينشب في 19، بسبب فرار العدو من المعركة رهبة من المسلمين، ومن ثم تخليهم عن فكرة العدوان أو القتال.
يتوصل القادة المعاصرون لمثل ذلك، فيقول “ديجول”:”كي ما تنتصر دولة ما في حرب عليها أن تشن الحرب النفسية قبل أن تتحرك جيوشها، وتظل تساندها حتى تنتهي قواتها من مهمتها”، ويذكر “تشرشل”: “كثيرا ما غيرت الحرب النفسية وجه التاريخ”. ويؤكد “روميل”:”القائد الناجع يسطر علي عقول أعدائه قبل أبدانهم”(9).
ليس كل الحروب وسائلها حربية بل من وسائلها ـ الدفاعية والهجوميةـ اللغة والبيان واللسان، يقول صلي الله عليه وسلم “لحسان بن ثابت” شاعر الإسلام الأول:”نافح عنا وروح القدس يؤيدك”،”أجب عني، اللهم أيده بروح القدس”،”اهجهم، وجبريل معك”(10).
وبعد أن يتعثر أو يتوقف أو يعقم حوار الكلمات والأفكار والحجج والمواجهة الفكرية والسياسية والاقتصادية.. و”إستراتيجية الردع ” و”الحرب النفسية”.. تأتي الحرب ـ وقد يكون شنـّها أيسر وأسهل ـ حواراً بالسلاح، ومحاولة للحسم بالقوة والمواجهة الحربية، وتكمل الحروب والضربات ما لم تكمله الحجج والكلمات، وتستمر أشواطا، لكنها في ذاتها لم تحل ولن تحل المشكلات والمنازعات، لذا يعود بعدها التحاور والتفاوض لإحلال “هدنة أو سلام”، ولكن قد اختلفت صورة الواقع وتحولت الموازيين إلي هذا الطرف أو ذاك.
وعديدة هي الأهداف والرايات التي تخاض تحتها المعارك: القتال في سبيل الأمجاد والاستعلاء في الأرض، وفي سبيل المغانم والمكاسب، وفي سبيل الأسواق والثروات والخامات، وفي سبيل تسويد طبقة علي أخرى أو جنس علي آخر، لكن يبقي القتال الحق إنما هو لإعلاء كلمة الله تعالي:” وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ..”َ(البقرة: 190).
ومع تحديد الهدف ينبغي تحديد مداها:”.. وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين”َ(البقرة: 190)، والعدوان إنما يكون بتجاوز المحاربين المعتدين إلي غيرهم من المسالمين الآمنين، الذين لا يشكلون خطرا علي الدعوة الإسلامية والجماعة المؤمنة، كالنساء والأطفال والشيوخ، والعباد المنقطعين للعبادة من أهل كل ملة ونحلة.
والعدوان يكون بتجاوز آداب القتال التي شرعها الإسلام واضعا حدا لكل البشاعات التي ارتكبتها ـ وترتكبها ـ الحروب قديمها وحديثها. فعن نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ:”وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ”(11).
فمن آداب الحروب في الشريعة الإسلامية: عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان، إن لم يشاركوا في القتال، لقوله صلي الله عليه وسلم لأمرائه:“َ اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا”(12)،“أعفّ الناس قتلة أهل الإيمان”(13)،”إذا قاتل أحدكم فيلجتنب الوجه”(14). وينهي عن المثلة بالقتلى، لقول عمران بن حصين:” كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يحثنا علي الصدقة، وينهانا عن المثلة”(15)، وحَدَّثَ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّرَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ قَالَ فَخَرَجْتُ فِيهَا وَقَالَ إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ فَوَلَّيْتُ فَنَادَانِي فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا فَاقْتُلُوهُ وَلَا تُحْرِقُوهُ فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ”(16)، ويؤكد صلي الله عليه وسلم علي عدم الغدر بمن أجاره مسلم أو أمنه علي حياته:”لا تغدروا”(17)، “إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان”(18).

وتسجل أدبيات الحروب وآداب المتحاربين، ونظرتهم إلي القوة وفلسفتها، وإلي غريمهم الذي يحاربون،.. شهادات ناصعة للمسلمين في حروبهم. ويبقي السؤال الكبير والمُلح: أين ذلك مما أرتكبتها وترتكبها وسوف ترتكبها ألة الحرب والعدوان والتدمير الصهيونية/ الأمريكية من مجازر وإعمال إبادة وهدم مساجد ومنازل ومدارس وجامعات وملاجئ علي الأمنين المحتمين بها؟؟. وما المجازر وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في “دير ياسين” و”بحر البقر” و”صبرا وشاتيلا”، والبوسنة والهرسك، وكوسوفا، و”جنين”، و”قانا” الأولي والثانية وجنوب لبنان، و”الفلوجة”، والصومال والشيشان وافغانستان وتركستان الشرقية وباكستان الخ وأخيرا وليس آخرا في “غزة” الصامدة الصابرة المجاهدة المحتسبة عنا ببعيد.
يقرر القادة أن غرض الحرب الحصول علي:”سلم افضل، وإذا أردت السلام، فلتكن قوياً، وأستعد دوما للحرب.. وليكن لديك “سلم هجومي”. إنها مبادئ يضعونها نصب أعينهم من اجل “تهيئة الظروف لقيام سلام حقيقي عادل ومستقر ومستمر بعد الحرب”. لذا لإإن ما دعت إليه شريعة الإسلام، وقررته النظريات العسكرية الصحيحة الحديثة، من اتباع آداب الحروب، والامتناع عن استخدام أساليب الدمار والتدمير الشامل، والعدوان الغاشم، أثناء الحرب وبعدها، يؤدي أن لا يكون السلام مشوها، يحمل في طياته بذور الإحساس بالغبن والظلم، فيؤدي لحروب تالية (19). لقد كان الظلم الواقع علي الألمان ومعاملتهم القاسية، في الحرب العالمية الأولي (1914- 1918م)، علي يد الحلفاء وفق شعار:”ويل للمغلوب”، جعلت “السلام” ينهار بعد نحو عقدين من الزمان، ويدفع “هتلر” للدخول في حرب عالمية ثانية العام 1939م.
ومن أهداف الحروب السعي لاستعادة الكرامة، و”محو أثار العدوان والهزيمة”، فبعد الحرب والهزيمة لديك خياران: الاستسلام للهزيمة وثقافتها، أو مقاومتها والنهوض من جديد، ولقد كانت غزوة “حمراء الأسد” التي قام بها رسول الله صلي الله عليه وسلم عقيب “أحد”، لإزالة آثار هزيمة المسلمين في أحد، وعدم الاستسلام للحزن واليأس، واسترداداً للحالة المعنوية، وهيبة المسلمين في الجزيرة العربية، لذا فقد خرج فيها فقط من حضر غزوة “أحد”، وتم ردع من تسول له نفسه النيل من المسلمين في هذه الظروف الحرجة.
لكن للحروب منافعها: يتحارب طرفان أو اكثر، محاولين أن يحققا أغراضهما وأهدافهما ومصالحهما، كل علي حساب الآخر، وكذلك تجتمع الأمم المتحاربة لتنقيح الطباع والعادات، ولكن ما اعجب أن يكون القتل تنقيحا في قانون الحياة، وما أعجب أن يكون القتل تواصلاً وتعارف علي العلوم والآداب، ألم تستمر الحروب الصليبية علي العالم الإسلامي نحو قرنين من الزمان.. خسروا فيها الصليبيون ما خسروا، ولكن ربحوا فيها من تعرف وتعارف علي المسلمين وأخلاقهم ومعاملاتهم وفروسيتهم، في نفس الوقت الذي ارتكبوا فيه المجازر في حق المسلمين.
يصف المؤرخ ” ميشائيل درسيرر” قتل المسلمين في القدس سنة 493هـ ـ 1099م، “وانهار دمائهم التي سالت في أزقتها وشوارعها، وغاصت فيها أرجل الخيل”، كذلك عندما احتل الصليبيون دمياط 615هـ ـ 1218م، وفعلوا الأفاعيل بمن فيها، فلما انتصر السلطان “الكامل” علي هذه الحملة عام 1221م، “أكرم أسراهم وأمد جيشهم بالمؤن والغذاء في أخلاق الإسلام والفروسية الحقة” (20).
وحين تمكن صلاح الدين من استرداد بيت المقدس (583هـ ـ 1187م) لم يسفك دماء المهزومين، بل شملهم بمروءته ضاربا المثل في الخلق الرفيع، ومتأسيا برسوله صلي الله عليه وسلم حينما فتح مكة قائلا لأهلها: “اذهبوا فانتم الطلقاء”.
ذلك المبدأ “الإستراتيجي” الذي امتدت تطبيقاته السمحة في كل عصور الفتوحات الإسلامية فرحبت الأقطار المفتوحة ـ في سوابق تاريخية غير معهودة ـ بالفاتحين، وانضمت شعوب هذه البلاد إلي المسلمين هروبا من ظلم الفرس والروم، وشكلوا أفواجا من الجيوش التي تحمل راية الإسلام، وتدافع عنه وتنشره، سلما وتجارة ومصاهرة وتعليما وتعلما.. وحربا، فسطعت شمس الإسلام علي بلاد ما وراء النهر وحتى الصين شرقا، وظللت راية الإسلام القارة الإفريقية، والأندلس غربا.
إنها قوة العقيدة في صفائها وعدلها ومساواتها وتوحيدها.. خصائص فريدة حولت الأعداء إلي أولياء، يدافعون عن الإسلام ويرفعون رايته ولوائه، لذا فلا يأس من أمة ما بقي فيها عقيدة او استعداد لها، ولا أمل في أخرى نضب فيها معين السماء، ولو أعجبت الجميع بمظاهرها، فلا عمل بغير أمل، ولا أمل بغير إيمان.
وإنها لمراحل ساطعة مشرقة في التاريخ البشري، فلزهاء ثمانية قرون عاش المسلمون في الأندلس (ثم في ظل الأمبراطورية العثمانية فيما بعد) ـ وتحت كنفهم وفي رعايتهم الفائقة فئات أخرى غير مسلمةـ لكن مع سقوط المسلمين في الأندلس العام 1492م تم إبادة وتشريد الجميع وبخاصة المسلمين تحت مقاصل “محاكم التفتيش”. كذلك لما تم غزو القارات الجديدة (أمريكا واستراليا)، واصطناع “وطن قومي للصهاينة” في فلسطين.. أباد وشرد المستعمرون والصهاينة سكانها وأهلها الأصليين، ولم يطيقوا معايشتهم ووجودهم .. في صور من أبشع أنواع الإستيطان العنصري الإحلالي.
وتبقي للحروب آثارها ونتائجها.. ينتصر فيها من ينتصر، وينهزم من ينهزم، وتعلو بها راية، وتنخفض أخرى، ويرتفع بها مذهب، وينحط بها أخر، ينتفع بها من ينتفع، ويضار بها من يضار، وتفرض بها “سياسات الأمر الواقع” علي الضعيف المغلوب، بشروط القوي المنتصر، ويفرح المنتصر، ويستعد لجولة تالية المنهزم، وتتحول أمم فقيرة عندما تقبل عليه الدنيا بعد الحرب، وتعاني أخري غنية عندما تدبر عنها النعمة، وتنهار حضارات وترتفع أخري:”اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا” (فاطر:43).
يمكن التواصل مع المؤلف على الإيميل التالي:
E.mail:[email protected]

بقلم: أ.د./ ناصر أحمد سنه ..كاتب وأكاديمي من مصر.

الهوامش والمراجع
1- مصطفي صادق الرافعي : كتاب المساكين، دار الكتاب العربي، بيروت 1982م، ط 10، ص 221.
2- المرجع السابق، ص 215.
3- المرجع السابق، ص: 226.
4- مسلم: حديث رقم 4816، وفي سنن ابن ماجة/76، مسند احمد/8436.
5- بتصرف من كلام “عباس العقاد” في رسالته القيمة: مجمع الأحياء، 1978م، ص 108، مكتبة غريب بالقاهرة.
6- السيد سابق: فقه السنة، الفتح للعلام العربي، ط 11،1414هـ ـ 1994م،ج 3، ص 78.
7- البخاري:2264.
8- البخاري، باب التيمم رقم:323.
9- راجع: محمد جمال الدين محفوظ: القيادة وإدارة الحرب في توجيهات الإسلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1987م، ص 83
10- فتح الباري شرح صحيح البخاري م 10، ص546.
11- رواه البخاري:2792.
12- رواه ابو داود: 2246، والترمذي:1328.
13- رواه أبو داود.
14- رواه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
15-رواه أبو داود.
16- أبو داود، باب الجهاد:2299.
17- رواه مسلم.
18- متفق عليه.
19- ليدل هارت: الإستراتيجية – الاقتراب غير المباشر، ص 220.
20-شهد بذلك “اوليفروس” عالم الفلسفة اللاهوتية من كولونيا بألمانيا.. راجع الشهادات المنصفة في حق الإسلام والمسلمين للمستشرقة الألمانية الشهيرة سيجريد هونكة، في كتبها “شمس الله تسطع علي الغرب”، الصادر العام 1960م، وصدرت ترجمته العربية ” فضل العرب علي أوربا ، 1964م، وكتابها: “الله ليس كذلك” ، ترجمة د. غريب محمد غريب، طبعة القاهرة، 1995م.

في ظلال عاشوراء ونجاة موسى ومن معه من إعجاز المصطلح القرآني في التفرقة بين البحر واليم

القرآن الكريم في قصة غرق فرعون لا يذكر الانفلاق إلا للبحر ولم يذكره أبداً لليم ،ورد خمس مرات . وحين ذكر غرق فرعون لم يذكره إلا في اليم – ورد أربع مرات – ولم يذكره للبحر أبدًا. كما في قوله تعالى:
{ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } [ البقرة: 50 ].
{فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ } [ الأعراف: 136 ].
* وحتى نفرق بين هذين المصطلحين ونعرف السر في ورودهما هكذا في القرآن الكريم لجأنا لخمسة علوم :
أولًا: تفاسير القرآن:
خاصة لقوله تعالى لموسى حين أراد أن يضرب البحر مرة أخرى بعصاه ليعود إلى حالته: { وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ } [ الدخان: 24 ]، فقد اختلف المفسرون فيها كثيراً، حيث رأى أغلب المفسرين أن المقصود بكلمة { رَهْوًا } هو ساكنًا أو يابسًا. إلا أنَّ ابن الجوزي في زاد المسير قال: ” الرَّهْو “: مشيٌ في سُكون.
ثانيا المعنى اللغوي لكلمة رهو:
أدهشني أن ابن منظور ذكر في ” لسان العرب “ عن معنى ” رهوًا “: أنَّ من قال ساكنًا للبحر فليس بشيء. ثم أفرد لهذه الكلمة ” رها “ حوالي ثلاث صفحات كبار. دار أغلبها في معاني السير خاصةً السير المتتابع في رفق، حيث تقول العرب: جاءت الخيل رهواً، أي: تحركت الخيل حركة متتابعة سهلة خفيفة. ( ولم يذكر له معنى السكون إلا مرة واحدة ) لمثل ذلك ذهب الزبيدي في كتابه ” تاج العروس “، حيث قال: الرهو في السير اللين مع دوام.
* ثم ذكر كلاهما ( ابن منظور والزبيدي ) معنًى للرهو عجيب وهو: مُسْتَنْقَع الماء أو المنخفض الذي يجتمع فيه الماء. أو الجَوْبَةُ تكون في مَحَلَّةِ القَوْمِ يسيلُ إِليها المَطَر. وهو ما ذكره كذلك الرازي في مختار الصِّحاح وابن سِيده في المحكم.
* يفهم مما ذكرناه أن الله لم يأمر موسى أن يترك البحر ( جبلا المياه ) ساكنًا. بل يتركه ( أو يترك جبلي الماء وأمواجهما ) تتحرك حركة لينة بطيئة متتابعة. أو يتركه في طور “المستنقع” قبل أن يرجع لحالة البحر الكامل.
ثالثًا: عجمية الكلمة ” يم “:
من إعجاز القرآن أن يضع الكلمة أعجمية الأصل في الموضع الذي يفسر معناها في اللغة الأصلية، وصاحب قصة الغرق هنا هو فرعون وجنوده – وهم مصريون -، إذًا فاللغة التي نبحث فيها عن معنى كلمة ” يم ” هي اللغة المصرية القديمة ( اللغة الديموطيقية ) التي تعني فيها البحيرة أو المستنقع.
* وقد ذكر الموقع الحكومي المصري (www.fayoum.gov.eg) باب: ” أصل تسمية الفيوم “ أن أصل كلمة ” الفيوم ” في المصرية القديمة هو ” پِ – يُمّ ” (pe-ym ).
” پِ “: هي أداة التعريف المصرية. و” يُمّ ” تعني البحيرة التي تحورت إلى فيوم وأضيفت إليها أداة التعريف العربية ( أل ) إضافة إلى أداة التعريف المصرية فأصبحت ” الفيوم “. والمعروف أن الفيوم بها بحيرة قارون الشهيرة.
رابعًا: المخطوطات الكتابية :
ذكر في العديد من كتب الربيين القدماء والتلمود أن جياد المصريين قد اندفعت إلى المياه بمن على ظهورها من المصريين. وأن العجلات الحربية كانت تجرجر راكبيها وتدفعهم إلى البحر. وكان ( الله ) قد ألقاهم كما تلقي ربة المنزل بالعدس في الهواء لكي تنقيه من الشوائب. فصار عاليهم سافلهم وسافلهم عاليهم.. فكان يطاح بالجواد وراكبه على ظهره فيطير في الهواء ثم يهوي الاثنان إلى قاع البحر
(لويس جنزبرج، أساطير اليهود ج٣ صفحة ٣٠)The legends of the Jews
* أليس هذا هو مصداق قوله تعالى في القرآن الكريم مرتين: { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ } [ القصص:40. الذاريات 40 ] ؟!

والنبذ هو الطرح والإلقاء كما هو معلوم
خامسًا: العلوم التجريبية:
من الإعجاز الجيولوجي في هذه القصة القرآنية دقة وصف انفلاق البحر، فقال: { فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ }[ الشعراء:63 ]
وذلك في أمرين، أولهما وصف موجة البحر بالجبل(لا السور كما في نصوص التوراة ) وهذا هو الشكل الجيولوجي للموجات الفائقة، ثانيهما المسلمة الجيولوجية بعدم استواء قيعان البحار، فهي كسطح الأرض مما يعطي فرصة لتشكل منخفضات وحفرا حين تمتلئ بالمياه تصبح بركا..وكأن الله يحقر من شأن فرعون بأنه أقل من أن يغرق في بحر بل في شبر من الماء.

وحمله وفصاله ثلاثون شهرا

لقد كان لقوله عز من قائل “وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا” في سورة الأحقاف الأثر الأكبر في درء الطعن في أعراض النساء أو تطليقهن أو حتى قتلهن  بتهمة الزنى بسبب الإعتقاد السائد أن مدة حمل المرأة لا بد وأن تكون تسعة أشهر تزيد أو تنقص قليلا. ولطالما تساءل البعض عن السبب الذي جعل القرآن الكريم يحدد مدة الرضاع بعامين ولم يحدد مدة الحمل بشكل صريح ولكن جمعها مع مدة الرضاع لتكون ثلاثين شهرا.

ولو كان القرآن الكريم من تأليف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لقام بتحديد مدة الحمل المعروفة لدى جميع البشر وهي تسعة أشهر وترك تحديد مدة الرضاع التي لم يحددها البشر إلا  في هذا العصر من قبل منظمة الصحة العالمية. ولكن هذه الآية تؤكد على أن من أنزلها مشرع لا حدود لعلمه وحكمته سبحانه وتعالى يعلم تمام العلم أنه لو تم تحديد مدة الحمل بتسعة أشهر لترتب على ذلك مشاكل لا حصر لها بين الأزواج. وتتجلى حكمة المشرع سبحانه وتعالى في أنه قام بتحديد مدة الرضاع وذلك ليتمكن البشر من معرفة أقل مدة للحمل وذلك في قوله تعالى “وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)” لقمان. وعند مقارنة الآيتين يتبين أن مدة الحمل هي ستة أشهر وهو حاصل طرح أشهر الرضاع الأربعة والعشرين من مجموع أشهر الرضاع والحمل البالغ ثلاثين شهرا. ولكن بما أن البشر يعلمون تمام العلم أن مدة الحمل الطبيعي هي تسعة أشهر فقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم أن مدة الأشهر الستة للحمل الواردة في الآية هي أقل مدة للحمل وتيقنوا أنه يمكن للمرأة أن تضع حملها في أقل من تسعة أشهر بدون أي شبهة.

      ولمقارنة هذه الحقيقة العلمية التي أوردها القرآن الكريم حول أقل مدة للحمل مع ما اكتشفه العلم الحديث فإنا نحتاج لمعرفة الطريقة التي يتم بها تحديد بداية الحمل وبالتالي تحديد مدة الحمل. ويوجد ثلاثة طرق رئيسية لتحديد بداية الحمل ففي الطريقة الأولى وهي تقريبية يتم حساب مدة الحمل أو العمر الحملي (gestation age) ابتداءا من اليوم الأول لآخر دورة شهرية للمرأة (the first day of the woman’s last period) وتبلغ مدة الحمل فيها أربعين أسبوعا (280 يوم) أو ما يعادل تسعة أشهر قمرية ونصف الشهر. أما الطريقة الثانية فهي المبنية على الإباضة (ovulation-based length of gestation) والتي تعطي مدة الحمل الحقيقي أو العمر الجنيني (fetal age) وفيها يتم حساب مدة الحمل ابتداءا من خروج بويضة المرأة من المبيض والتي يجب أن تلقح من الحيوان المنوي داخل قناة فالوب خلال يوم من خروجها ليتم بذلك الحمل (conception). وتبلغ مدة الحمل الطبيعي في هذه الطريقة 38 أسبوعا (266 يوم) أو ما يعادل تسعة أشهر قمرية تماما حيث أن متوسط طول الشهر القمري 29,53 يوما وهي تقل عن الطريقة الأولى بأسبوعين حيث أن البويضة تخرج من المبيض بعد 14 يوما من بدء الدورة الشهرية. أما الطريقة الثالثة فهي المبنية على التعلق أو الانغراس (Implantation-based length of gestation) وفيها يتم حساب مدة الحمل ابتداءا من انغراس البويضة الملقحة في جدار الرحم. وتبلغ مدة الحمل الطبيعي في هذه الطريقة 258 يوما وهي أقل بثمانية أو تسعة أيام عن الطريقة المبنية على الإباضه وهي المدة التي تستغرقها البويضة الملقحة للنزول من قناة فالوب حتى تتعلق بجدار الرحم.

        إن الستة أشهر التي ذكرها القرآن الكريم كأقل مدة للحمل مقاسة حسب رأيي على أساس العد المبني على الإباضة (ovulation-based length of gestation) وفيها تكون مدة الحمل الطبيعي تسعة أشهر قمرية. والدليل على هذا أن القرآن الكريم اعتبر مرحلة النطفة وهي البويضة الملقحة إحدى مراحل خلق الإنسان في أكثر من آية قرآنية كما في قوله تعالى “هَوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67)” غافر. وبما أن استخدام الأسابيع أو الأيام لوصف المراحل التي يمر بها خلق الطفل أكثر دقة من الأشهر فإن الستة أشهر القمرية التي تمثل أقل مدة للحمل تساوي 177 يوما أو 25 أسبوع ويومين. وبما أن معظم الدراسات المتعلقة بالحمل تستخدم العمر الحملي فإن الستة أشهر القمرية التي حددها القرآن الكريم لأقل مدة حمل  تناظر 27 أسبوعا ويومين باستخدام العمر الحملي. صنف الأطباء الولادة التي تتم بعمر حملي أقل من 37 أسبوعا على أنها ولادة مبكرة أو غير ناضجة (premature or preterm birth) ويحتاجون لعناية خاصة في المستشفيات أو  في البيوت حتى يبقوا على قيد الحياة. وتم تصنيف الولادة المبكرة إلى ثلاثة أنواع وهي الولادة المبكرة المعتدلة (moderate preterm) ما بين 32 و37 أسبوعا والولادة المبكرة البالغة (very preterm)  بين 28 و 32 أسبوعا والولادة المبكرة المفرطة (extremely preterm) بين 23 و 28 أسبوعا. ولقد وجد الأطباء أن فرصة نجاة الأطفال في الولادة المبكرة المفرطة قليلة جدا وتحتاج لعناية شديدة باستخدام أجهزة حضانة معقدة وغالبا ما يعاني الأطفال الناجين من مشاكل مرضية عديدة بسبب عدم اكتمال نمو بعض أجهزة الجسم وخاصة الجهاز التنفسي. أما في الولادة المبكرة البالغة فإن نسبة نجاة الأطفال تزيد عن تسعين بالمائة وفي الغالب لا يعاني الأطفال الناجين من مشاكل مرضية جوهرية وكذلك الحال مع الولادة المبكرة المعتدلة التي تزيد نسبة النجاة عن 95 بالمائة. ويتضح لنا من هذه التصنيفات أن تحديد القرآن الكريم ستة أشهر لأقل مدة للحمل جاء متطابقا بشكل كبير مع ما حدده الأطباء للعمر الحملي الأقل للولادة المبكرة التي تكون فرص نجاة المواليد فيها عالية.

إن طريقة احتساب أقل مدة للحمل تحتاج لتحديدها معرفة المراحل التي تمر بها بويضة المرأة خلال الدورة الشهرية وكذلك الجنين خلال الحمل. وتبدأ  الدورة الشهرية (menstrual cycle) والتي تمتد على مدى 28 يوما في المتوسط عندما تقوم الغدة النخامية بإفراز الهرمون المحفز للحويصلات بكميات كبيرة فيعمل على تحفيز مجموعة من الحويصلات الأولية (Ovarian follicles) الموجودة في مبايض المرأة على النمو.  وبعد مرور ستة أيام تكون إحدى هذه الحويصلات قد نمت بشكل أسرع من البقية فتقوم بإفراز هرمون الأستروجين () الذي يثبط نمو بقية الحويصلات والتي تبدأ بالتقلص تدريجيا ثم تموت بينما تستمر الحويصلة الكبرى في النمو.  ومن ثم تبدأ هذه الحويصلة بالتحول إلى ما يسمى جراب أو حويصلة دوغراف Follicle of De Graaft) ) حيث تتكاثر فيه الخلايا  المحببة (Granulosa) وتفرز سائلا يدعى  السائل الجريبي. ويتم دفع البويضة الاولية إلى أحد جوانب الجراب والذي يتحول بدوره إلى منطقة شفافة (zona pellucid) مغطاة بخلايا محببه تدعى الاكليل  الشعاعي  (corona radiate). ويبطن الجدار الداخلي لجراب دوغراف  أيضا خلايا محببة ولذا يسمى الغشاء المحبب  (Membrane Granulosa ) بينما تتطور الخلايا خارج هذا الغشاء المحبب لتشكل طبقة تدعى  الغلاف الداخلي ( Theca Interna)  وهو الذي يقوم بإفراز الهرمونات الأنثوية. وبعد ذلك تبدأ البويضة الأولية بالانقسامات الاختزالية التي شرحناها آنفا لتنتج الطليعة البويضية والتي تبدأ بالنمو لتتحول إلى بويضة ناضجة ينشق جراب دوغراف عنها من جهة منطقة الاكليل الشعاعي لتخرج من سطح المبيض في اليوم الرابع عشر من بداية الدورة. وتقوم الأهداب المحيطة برأس قناة فالوب بسحب هذه البويضة إلى داخل القناة لتكمل رحلتها خلالها نحو الرحم.

وبعد حدوث عملية الإباضة (ovulation) يتقلص جراب دوغراف وتتحول الخلايا المحببة التي في  داخله إلى خلايا أصفرية Luteal cells))  بينما يتحول الغلاف الداخلي إلى خلايا الغلاف الأصفري (Theca Lutein Cells) وبهذا يتحول الجراب إلى ما يسمى الجسم الاصفر (corpus luteum) ليقوم بعملية افراز الهرمونات الأنثوية كهرمون الاوستروجين والبروجسترون. ويتزامن مع عملية الإباضة عملية نمو لبطانة الرحم تحت تأثير هرمون الأستروجين فتزداد في داخلها الأوعية الدموية والخلايا الإفرازية فيزداد سمكها تدريجيا وتبدأ هذه الدورة الرحمية مع بداية الدورة البيضية وتصل إلى أقصى سماكة لها في اليوم الرابع عشر أيضا. إن عملية تلقيح البويضة من قبل الحيوانات المنوية يتم في الثلث العلوي من قناة فالوب والذي لا يتجاوز فترة مرور البويضة فيه 24 ساعة. وإذا لم تنجح عملية تلقيح البويضة فإن الجسم الاصفر يبدأ بالضمور ويتحول بعد عشرة أيام أي في اليوم الرابع والعشرين من الدورة إلى ما يسمى بـالجسم الابيض (corpus albicans) وهو عبارة عن ندبة ميتة تظهر على سطح المبيض. وبتوقف الجسم الأصفر عن إفراز الهرمونات الأنثوية تبدأ الأوعية الدموية المغذية لبطانة الرحم بالتقلص فيقل إمداد خلاياه بالدم فيبدأ بالتساقط والانفصال عن جدار الرحم لتخرج على شكل دم من المهبل وهو ما يسمى بدم الطمث أو الحيض (Mensis) والذي يستمر لمدة أربعة أيام أي أنها تنتهي مع نهاية اليوم الثامن والعشرين منذ بدء الدورة لتبدأ بعدها دورة جديدة. أما إذا حدث التلقيح فإن الجسم الاصفر يستمر في النمو ليبلغ حجمه 3 سم مكعب ويستمر في افراز هرمون البروجستيرون حتى الشهر الثالث من الحمل إلى أن تتكون المشيمة في الرحم والتي تأخذ دور إفراز هذا الهرمون عن الجسم الأصفر. ويعمل هرمون البروجستيرون على الحفاظ على بطانة الرحم لحين يتم تعلق البويضة المخصبة بها وكذلك يعمل على تثبيط عمل الهرمون المحفز للحويصلات حتى لا ينتج المبيض بويضات ناضجة جديدة طوال فترة الحمل وحتى أثناء فترة الرضاعة.

والبويضة جسم كروي الشكل  يتراوح  قطرها بين 120 و 200 ميكرومتر ويمكن رؤيتها بالعين المجردة. وتتكون البويضة من غشاء سميك وشفاف يسمى (zona pellucida) ومن المح (yolk or oöplasm) والذي يتكون من السيتوبلازم العادي (cytoplasm) الموجود في جميع الخلايا ومن السيتوبلازم المغذي (deutoplasm) والذي يوجد فقط في الخلايا البيضية.  وفي مركز البويضة توجد نواة كبيرة (nucleus)  تختلف في تركيبها عن أنوية الخلايا العادية ولذلك تسمى الحويصلة الجرثومية (Germinal Vesicle) حيث تحتوي على نصف عدد الكروموسومات إلى جانب أن نويتها (nucleolus) محددة بشكل واضح وتسمى البقعة الجرثومية (germinal spot).  ويوجد على السطح الداخلي لغشاء البويضة حبيبات صغيرة تلعب دورا مهما في مساعدة الحيوان المنوي على اختراق البويضة تسمى  الحبيبات القشرية (cortical granules). ويحيط بغشاء البويضة ثلاثة طبقات من الخلايا مرتبة بحيث تبرز كالأشعة من سطح البويضة ولذلك تسمى الاكليل الشعاعي (corona radiata). إن عملية إنتاج البيوض عملية أكثر تعقيدا وأدق توقيتا من إنتاج الحيوانات المنوية فبينما تنتج الخصيتان الحيوانات المنوية بشكل مستمر وبأعداد لا حصر لها فإن المبيضين لا ينتجان معا إلا بيضة واحدة في كل شهر تقريبا ويتزامن مع إنتاج هذه البويضة نمو لبطانة الرحم لكي تستقبل هذه البويضة إذا ما تم تلقيحها من قبل الحيوان المنوي. إن الهرمونات المحفزة للمبيضين هي نفس الهرمونات المستخدمة لتحفيز الخصيتين والتي تفرز من الغدة النخامية (pituitary) وهما الهرمون المحفز للحويصلات (Follicle-stimulating hormone (FSH)) والذي يحفز المبيضين على إنضاج بويضة واحدة ودفعها إلى الرحم والهرمون الأصفري (Luteinizing Harmone (LH)) والذي يحفز المبيضين على إنتاج الهرمونات الأنثوية. وكذلك فإن الغدة النخامية لا يمكنها أن تنتج هذين الهرمونين إلا من خلال هرمون عصبي  يأتيها من غدة الوطاء أو الهيبوثالاموس (Hypothalamus) وهو الهرمون المفرز للجونادوتروبين (Gonadotropin-releasing hormone (GnRH)).

وأما الحمل (Pregnancy) فهو المرحلة التي يتم خلالها تلقيح البويضة من قبل الحيوان المنوي (Fertilization) ليبدأ بعدها تحول البويضة الملقحة (fertilized egg or zygote) إلى جنين كامل داخل رحم الأنثى في مدة تبلغ 266 يوما أو ما يعادل تسعة أاشهر قمرية في المتوسط. وفي  خلال فترة الحمل تقوم البويضة المخصبة والخلايا الناتجة عنها من خلال الانقسام المحكوم  بأوامر تصدر من البرامج المخزنة على الأشرطة الوراثية بتصنيع جميع أجهزة الجسم المختلفة لتكون جاهزة للعمل بشكل كامل مع انتهاء فترة الحمل وخروج الجنين سالما من رحم أمه. ويبدأ الحمل (conception) في منتصف الدورة الشهرية (menstrual periods) وذلك عندما تقوم المبايض بعملية الإباضة (ovulation) حيث تخرج من سطحه بويضة ناضجة تدخل في قناة فالوب متجهة نحو الرحم. إن عملية تلقيح البويضة من قبل الحيوانات المنوية يتم في الثلث العلوي من قناة فالوب والذي لا يتجاوز فترة مرور البويضة فيه 24 ساعة. وقد تم تقسيم الحمل إلى ثلاث مراحل رئيسية وهي مرحلة النطفة الأمشاج (zygote  period) ومرحلة المضغة (embryonic period) والمرحلة الجنينية (fetal period). ولقد حدد القرآن الكريم  هذه المراحل بشكل دقيق في قوله تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)” المؤمنون.

فمرحلة النطفة الأمشاج (zygote or Germinal period) تمتد من لحظة الإخصاب أو التلقيح إلى أن تنغرس النطفة في بطانة الرحم بعد مرور ما معدله تسعة أيام. والنطفة الأمشاج هي البويضة الملقحة الناتجة عن اتحاد كرموسومات البويضة وكروموسومات الحيوان المنوي وهي المقصود في قوله تعالى “إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)” الإنسان.  وتقوم البويضة المخصبة خلال سيرها في قناة فالوب بعدد من الانقسامات لتنتج ما متوسط مجموعه 36 خلية من الخلايا المتشابه تظهر على شكل كتلة كروية تسمى التوتة (morula) لها نفس حجم البويضة الأصلية وتتغذى خلال هذه الفترة على ما في  مح البويضة الأصلية من مواد غذائية. ومن ثم يقوم قسم من هذه الخلايا بالاصطفاف لتكوين جدار بسمك خليتين يسمى الأريمة الغاذية (trophoblast) بحيث تصبح التوتة على شكل الكرة المفرغة وتحتوي على سائل يتخلله كتلة صغيرة من الخلايا الجذعية (embryonic stem cells) ويسمى الناتج بالكيس الأريمي (blastocyst).  وفي نهاية الأسبوع الأول تكون الأريمة قد نزلت من قناة فالوب إلى الرحم والذي قد أعد مسبقا لاستقبال هذه الأريمة وتبدأ بالتخلص من الجدار الشفاف الذي كان يحيط بالبويضة بما يشبه عملية التفقيس ولذا تسمى الأريمة المفقسة (hatched blastocyst) ومن ثم تبدأ بمحاولات الدخول في ثنايا طيات بطانة الرحم في الثلث العلوي منه وهو غني بالغدد والأوعية الدموية.

وإذا ما تمكنت الأريمة من التعلق أو الانغراس (implantation) بهذا البطانة ضمن فترة زمنية محددة فإنها تكون قد نجت من الموت جوعا وتبدأ باستمداد غذائها من البطانة من خلال عملية الانتشار (diffusion) وهذه هي بداية الحمل المبني على الإنغراس أو التعلق (Implantation-based length of gestationl).  وقد أطلق القرآن الكريم على هذه الأريمة المتعلقة ببطانة الرحم اسم العلقة والتي ذكرها القرآن الكريم في أكثر من آية كما في قوله تعالى “أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38)” القيامة. وفي هذه المرحلة يتوالى انقسام الخلايا والتي تبدأ بالتخصص فتقوم  الأريمة الغاذية (trophoblast) بتصنيع المشيمة (placenta) والحبل السري (umbilical cord) والتي ستمد الجنين بما يحتاجه من غذاء طوال فترة الحمل وكذلك تصنيع الأغشية المغلفة للجنين (extra-embryonic membranes) والذي يسمى الكيس الأمنيوني (amniotic sac) وما فيه من السائل الأمنيوني (amniotic fluid). ويتكون الكيس الأمنيوني  (amniotic sac) من غشائين شفافين رقيقين ومتينين يعمل بما فيه من سائل على حماية الجنين من الصدمات التي قد يتعرض لها جسم الأم إلى جانب وظائف أخرى.  أما الخلايا الجذعية الموجودة في داخل الكيس الأريمي فستقوم كل واحدة منها بتصنيع أحد أجهزة الجنين (embryo) وذلك حسب البرنامج الموجود في شريطها الوراثي. وفي نهاية هذه المرحلة تتشكل العلقة لتصبح على شكل قرص مفلطح مستطيل مكون من طبقتين من الخلايا (bilaminar (two-layered) disc)  يظهر في منتصفها ثلم بدائي (primitive streak) ينصفه إلي نصفين متماثلين ويسمى خط التماثل.

 والمشيمة (placenta) قرص لحمي مستدير مثبت على جدار الرحم الداخلي عند الجهة الظهرية ويصل  متوسط قطرها في نهاية الحمل إلى 22 سم بينما يبلغ متوسط سمكها عند المنتصف 2 سم وعند الأطراف نصف سنتيمتر أما متوسط وزنها فيبلغ 500 غرام. ومن خلال المشيمة يتم تزويد الجنين بالغذاء والأكسجين من دم الأم ونقل مخلفات الأيض وثاني أكسيد الكربون من جسمه إلى دم الأم أيضا. ويتم ذلك من خلال شريانين إثنيين ووريد واحد موجودان في الحبل السري (umbilical cord) الذي يرتبط أحد أطرافه بالمشيمة عند منتصفها بينما يرتبط الطرف الآخر بجسم الجنين عند منطقة السرة في منتصف البطن ويبلغ طوله عند نهاية الحمل ما يقرب من 60 سم وقطره 2 سم.  وتقوم المشيمة بوظائف أخرى بالغة الأهمية منها منع الجهاز المناعي للأم من رفض الجنين والمشيمة باعتبارهما أجساما غريبة عنها وذلك من خلال إفراز أنواع معينة من المركبات كالنيركاينين (Neurokinin ). وتعمل كذلك على تحويل نوع الدم حيث أن نوع دم الجنين قد يختاف في الأغلب عن نوع دم أمه. وتعمل المشيمة أيضا كمخزن للدم النقي المزود بالغذاء لتزويد الجنين به إذا ما حصل تذبذب في كميات الغذاء في دم الأم. وتقوم  المشيمة كذلك بإفراز عدد من الهرمونات الأنثوية كهرمون (Human Chorionic Gonadotropin (hCG)) الذي يعمل على الحفاظ على بطانة الرحم من الانفصال عن جداره  وهرمون (Human Placental Lactogen (hPL) الذي يعمل على إدرار الحليب من ثدي الأم عند اقتراب موعد الولادة وكذلك تسريع النمو وهرمون البروجسترون (Progesterone) الذي يعمل على الحفاظ على بطانة الرحم طوال فترة الحمل.

أما المرحلة الثانية فهي مرحلة المضغة (embryonic period) وتمتد من بداية الاسبوع الثالث الى نهاية الاسبوع الثامن وفيها تبدأ عملية التمضغ (Gastrulation) حيث يتحول القرص إلى قرص بثلاثة طبقات من الخلايا (trilaminar (three-layered) disc) تمثل الطبقات الجرثومية الثلاث. فالطبقة الداخلية (endoderm) ينشأ منها الأعضاء الداخلية كالجهاز الهضمي والتنفسي والدوري والبولي والتناسلي  والطبقة الخارجية (ectoderm) والتي ينشأ منها الجلد والجهاز االعصبي والطبقة الوسطى (mesoderm) والتي ينشأ منها العظام والعضلات. ففي الأسبوع الثالث يظهر الحبل الظهري (notochord) في منتصف القرص كبداية للعمود الفقري ثم يظهر ثلم فوق هذا الحبل بسمى الثلم العصبي (neural groove) كبداية للحبل الشوكي (spinal chord) مع وجود انتفاخ في أحد أطرافه لتكون بداية  تكون الرأس وما فيه من نواة عصبية ثم تظهر سلسلة من الانتفاخات على جانبي الحبل تمثل الفقرات وتسمى  (somite or primitive segment) ومع نهاية هذا الأسبوع يكون طول المضغة 4 ملليمتر. وفي الأسبوع الرابع يبدأ القلب بالتكون كانتفاخ في الجزء العلوي من المضغة وتبرز براعم اليدين وتظهر فتحتي الأذنين كنقطتين على جانبي الرأس ويظهر العصعص كالذنب وتظهر آثار لمعظم مكونات الجسم الداخلية ومع نهاية الأسبوع يكون طول المضغة 9 ملليمتر. وفي الأسبوع الخامس يبدأ الدماغ بالتكون وتظهر فتحات العيون والأنف والفم كنقاط على السطح وتبدأ الأرجل بالتبرعم وتبدأ الأوعية الدموية البدائية بالظهور مع سريان ما يشبه الدم فيها ومع نهاية الأسبوع يكون طول المضغة 13 ملليمتر. وفي الأسبوع السادس تبدأ الرئتان بالتشكل وتصبح الأيدي والأرجل البدائية ظاهرة وتبدأ الأعضاء التناسلية الخارجية والنظام الليمفاوي بالتكون ومع نهاية الأسبوع يكون طول المضغة 18 ملليمتر.  وفي الأسبوع السابع والثامن من مرحلة المضغة تكون معظم أجهزة الجسم قد بدأت بالتكون بشكل بدائي وتبدأ فيه بصيلات الشعر بالتكون وفيه يبدأ القلب بالنبض وينمو الرأس بشكل أسرع من بقية الجسم ليصبح حجمه نصف حجم الجسم وتبدأ عظام الجمجمة بالتصلب (ossification) ومع نهاية الأسبوع الثامن يكون طول المضغة 3 سم ووزنها 5 غرامات.

إن مرحلة المضغة تعتبر من أخطر مراحل الحمل ففيها يتم تخليق جميع أجهزة الجسم وإذا ما حصلت أخطاء تخليقية جذرية فيها فإن المضغة غير المخلقة تقوم من خلال آليات معقدة بإسقاط نفسها (miscarriage) لتقليل نسبة المواليد المشوهة جسديا. ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الظاهرة العجيبة (مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) ليبين لنا مدى علم الله عز وجل وقدرته ولطفه بمخلوقاته وذلك في قوله عز من قائل “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)” الأنبياء.

أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة الجنينية (fetal period) وتمتد من بداية الاسبوع التاسع الى نهاية الاسبوع الثامن والثلاثين أو من بداية الشهر الثالث إلى نهاية الشهر التاسع وهي نهاية الحمل. ففي الشهر الثالث يبدأ الجسم بالنمو بشكل متسارع ويقل حجم الرأس بالنسبة لبقية الجسم ليظهر الجنين بشكله الآدمي وتبدأ قاعدة الأظافر بالتشكل وتنمو أعضاء الجسم الحيوية كالجهاز الدوري والجهاز البولي والكبد بشكل أسرع من غيرها وفي نهاية الشهر يبلغ طوله 6 سم ووزنه 15 غم. وفي الشهر الرابع تكون المشيمة قد تطورت تماما وتكون معظم أجهزة الجسم قد اكتمل تخليقها وتظهر الأصابع  بوضوح وتتكون كذلك فروة الرأس وفي نهاية الشهر يبلغ طول الجنين 18 سم ووزنه 120 غرام. وخلال الشهر الخامس  يبدأ شعر  الزغب بالنمو على جميع أنحاء جسمه ويظهر شعر الرأس والحواجب والرموش بلون أبيض ويمكن سماع دقات قلبه وتبدأ عملية تجدد الخلايا أو ما يسمى بالأيض الجنيني وفي نهاية الشهر يبلغ طوله 25 سم ووزنه 300 غرام. وفي الشهر السادس يكون جلد الجنين رقيقا وناعما وتبدأ الجفون بالانفصال وتظهر بصمات أصابعه وفي نهاية الشهر يبلغ وزنه 32 سم ووزنه 750 غرام. وفي الشهر السابع يبدأ الدماغ بالتحكم بالأعضاء ويتكون الشحم تحت الجلد ويكون الجلد متغضنا وشفافا ووردي اللون وفي نهاية الشهر يبلغ طوله 37 سم ووزنه 1000 غرام ويمكن للجنين أن يعيش إذا ما ولد ولكن تحت العناية المركزة بسبب عدم اكتمال نمو الرئتين تماما. وفي الشهر الثامن تبدأ أدمة الجلد بالتطور وتختفي تجاعيده ويتسارع تطور الدماغ بحيث يمكن للجنين أن يسمع ويرى وفي نهاية الشهر يبلغ طوله 40 سم وزنه 1800 غرام. وفي الشهر التاسع يكتمل تطور الرئتين وينمو الشعر بشكل أسرع وفي نهاية الشهر يبلغ طول الجنين 50 سم ووزنه 3 كيلوغرام وهو جاهز للولادة.  لقد وصف القرآن الكريم  هذه الرحلة المعقدة والعجيبة في آيات كثيرة كما في قوله تعالى “هَوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67)” غافر وقوله تعالى “يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)” الزمر. والظلمات الثلاث التي ذكرت في الآية الأخيرة هي ظلمة جدار البطن وظلمة جدار الرحم ومن ثم ظلمة جدار الكيس الأمنيوني وسواء أكان البشر يعرفون هذه الحقائق في عصر نزول القرآن أم لا فإن مجرد لفت أنظار البشر للتفكر في هذه المعجزة كافية للتدليل على أن الذي أنزل هذا القرآن عليم خبير.

المراجع

كتاب (إبداع الرحمن في جسم الإنسان ) الدكتور منصور أبوشريعة العبادي

من إعجاز هيمنة النص القرآني على النصوص السابقة زمنا تصحيح شريعة الزوجة التي يشك بها زوجها في التوراة

قال الله تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8)وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ(9) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ(10)}(النور ).
قارن الآيات الفائتة بالنص التوراتي الآتي :
[17 ويأخذ الكاهن ماء مقدسا في إناء خزف، ويأخذ الكاهن من الغبار الذي في أرض المسكن ويجعل في الماء
18 ويوقف الكاهن المرأة أمام الرب، ويكشف رأس المرأة، ويجعل في يديها تقدمة التذكار التي هي تقدمة الغيرة، وفي يد الكاهن يكون ماء اللعنة المر
19 ويستحلف الكاهن المرأة ويقول لها: إن كان لم يضطجع معك رجل، وإن كنت لم تزيغي إلى نجاسة من تحت رجلك، فكوني بريئة من ماء اللعنة هذا المر
20 ولكن إن كنت قد زغت من تحت رجلك وتنجست، وجعل معك رجل غير رجلك مضجعه
21 يستحلف الكاهن المرأة بحلف اللعنة، ويقول الكاهن للمرأة: يجعلك الرب لعنة وحلفا بين شعبك، بأن يجعل الرب فخذك ساقطة وبطنك وارما
22 ويدخل ماء اللعنة هذا في أحشائك لورم البطن، ولإسقاط الفخذ. فتقول المرأة: آمين، آمين] .(سفر العدد ٥ ، التوراة).
** ورم البطن وسقوط (غير العلمي) الفخذ للمرأة المسكينة بعد شربها ماءا بالتراب يذكرنا بشريعة مشابهة عند البابليين وهي تعليق ثقل حديد في رجل تلك المرأة وإلقائها في النهر، فإن لم تغرق فهي بريئة!!!

هل يمكن تصنيع الفيروس ؟

في عضون اندلاع الفيروس التاجي المستجد في أقطار العالم تصاعد جدل واسع في هذا الصدد حتى اتهم البعض الصين بتصنيع وتطوير إحدى سلالات وباء متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الذي نشأ في الصين، وتصديره للعالم، فيما اتهم صينيون الولايات المتحدة بتصنيع الفيروس التاجي الجديد كالسلاح الحيوي.

ولكن الدراسة التي نشرتها مجلة “نيتشر” العلمية، وشارك فيها باحثون من جامعات أدنبرة وكولومبيا وسيدني وتولين، تدل أنها لم تجد أي دليل على أن الفيروس تم صنعه في مختبر بالهندسة الجينية. وقال كريستيان أندرسن، الأستاذ المساعد في علم المناعة والأحياء الدقيقة وأحد مؤلفي الورقة البحثية، إنه “من خلال مقارنة بيانات تسلسل الجينوم المتاحة لسلالات الفيروس التاجي المعروفة، يمكننا أن نجزم بأن سارس كوف2 (كورونا المستجد) نشأ من خلال الطبيعة”.

وتقول الدراسة إن العلماء الصينيين، وبعد وقت قصير من بدء انتشار الوباء، قاموا بتتبع تسلسل جينوم الفيروس وأتاحوا البيانات للباحثين في جميع أنحاء العالم. واستخدم الباحثون المشاركون في الدراسة من جامعات ومعاهد بحثية مختلفة البيانات لاستكشاف أصل ومنشأ الفيروس من خلال التركيز على سيناريوهات عديدة.

وبناء على تحليل النموذج الجيني للبروتين الخاص بفيروس كورونا المستجد، استنتج الباحثون أنه جاء نتيجة للتطور الطبيعي وليس نتاج هندسة وراثية أو معملية. ويلفت رئيس قسم الأوبئة في “ويلكوم ترست” ومقرها المملكة المتحدة الدكتور جوزي غولدنغ، إلى أن النتائج التي توصل إليها أندرسون وزملاؤه “ذات أهمية حاسمة في تقديم وجهة نظر مبنية على الأدلة ضد الشائعات التيتم تداولها حول أصل هذا الفيروس حتى أنها  تنهي أي تكهنات بشأن الهندسة الوراثية المتعمدة.

وهل يمكن تصنيع الفيروس في المختبر؟ ولكي نجد جوابا مقنعا لهذا السؤال علينا أن ندرس طبيعة الفيروس بتحليل البيانات المسجلة في الكتب العلمية.

نشأة الفيروس

فيروس كلمة لاتينية معناها السم، وهو عامل ممرض صغير لا يمكن التكاثر إلا في داخل الخلايا الحية الأخرى. وأن شكله صغير جدا حتى لا يمكن مشاهدته إلا بالمجهر الالكتروني. ويصيب جميع أنواع الكائنات الحية من الحيوانات والنباتات والبكتيريا والجراثيم العتيقة حتى أنها موجودة تقريبا في كل النظم الإيكولوجية على الأرض. على الرغم من أن هناك الاحتمال لوجود الملايين من الأنواع المختلفة لم يتم الوصف بالتفصيل إلى الآن إلا حوالي خمسة آلاف من الفيروسات. 

تتكون الفيروسات من جزأين أو ثلاثة؛ كل الفيروسات لها مورثات مكونة من الدنا والرنا الجزئيات الطويلة التي تحمل المعلومات الجينية كما لها غلاف بروتيني يحمي هذه الجينات، وبعضها محاطة بغلاف دهني يحيط بها عندما تكون خارج الخلية المضيفة. ومن العجيب أن الفيروس يعيد برمجية خليته المضيفة لإنتاج فيروسات جديدة لذا لا يوجد أي تأثير للمضادات الحيوية على الفيروسات. ولم يتم الحصول على الصور الأولى للفيروسات الا بعد اختراع المجهر الإلكتروني في عام 1931م.

قد تكون الفيروسات موجودة منذ تطور الخلايا الحية الأولى فهي توجد حيث وجدت الحياة في الأرض، إلا أن أصلها غير واضح لأنها لم تترك حفريات، لذلك فالتقنيات الجزيئية كانت وسيلة مفيدة للغاية للتحقيق في كيفية نشوئها. هذه التقنيات تعتمد علىتوافر الدنا أو الرنا الفيروسي القديم، ولكن لسوء الحظ فإن معظم الفيروسات التي تم حفظها وتخزينها في المختبرات تعود لأقل من 90 عاما. هناك ثلاث فرضيات رئيسية تحاول تفسير نشأة الفيروسات:

الأول فرضية التقهقر وتنص على أنه ربما كانت الفيروسات خلايا صغيرة تتطفل على الخلايا الكبيرة. أي أن الفيروسات نشأت نتيجة تطور رجعي لكائنات دقيقة كانت تعيش معيشة حرة.

والثاني فرضية المنشأ الخلوي و تنص على أن بعض الفيروسات قد تطورت من أجزاء ناجية من الدنا أو الرنا لجينات وراثية لكائنات أكبر. 

والثالث فرضية التطور المشترك وتنص على أنه قد تكون الفيروسات تطورت من جزيئات معقدة من البروتين والأحماض النووية في نفس الوقت الذي ظهرت للمرة الأولى الخلايا على سطح الأرض واٍعتمدت على الحياة الخلوية لعدة ملايين من السنين.

هذه الفرضيات كلها تكهنات علمية لا توافق موافقة تامة لصفات جميع الفيروسات. لأن العلماء لم يتمكنوا أن يفسروا هذه الفرضيات بتفسير جامع مانع مقنع للعقول. كما أن هذه الفرضيات تدل على أن العلم الحديث لم يصل حتى الآن إلى معرفة بينة يقينية عن الفيروسات، فكيف يمكن العلم أن يطور الفيروس في المختبر في غياب المعلومات عن أصله ونشأته.

سر الحياة

على الرغم من كثرة أنواع الفيروسات وأخطارها لقد أثبت العلم الحديث أنها تمتلك مورثات جينية من الرنا والدنا أو أحدهما أو كلاهما مثل سائر الكائنات الحية. وإذا أنعمنا النظر إلى هذه المورثات نرى أنها تحتوي على مواد كيماوية مثل أحماض النووية والمواد البروتينية وما إليها من الكيماويات، هذه المواد الكيماوية وافرة في الطبيعة ولكن العلم الحديث لم يستطع حتى الآن أن يصنع خلية ذات حية بواسطتها، حتى أن العلماء عاجزون لتفسير ظاهرة الحياة الناتجة من الخليات. وأما القرآن الكريم يبين لنا أن الله تعالى هو الذي يمنح الحياة للخلية بقوله تعالىإِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ(سورة الأنعام 95).

يقول الله تعالى في هذه الآية أنه يخرج الحي من الميت أي يخلق الخلية الحية المعتبرة البنية الأصلية للحياة من المواد الكيماوية الميتة المحتويةفي الخلية، كما أنه يخرج الميت من الحي بتحويله إلى مواد كيماوية ميتة. ونستنبط من الآية ذلكم الله فأنى تؤفكون أنه لا يقدر أحد غيره لصنع المخلوقات الحية.

وعندما نسمع طرح التهمات في الصعيد الدولي حول انبثاق الفيروس التاجي كما قال ترامب أنه محفوظ في مختبر الصين، وحسب رأي بوتين أنه سلاح حيوي استخدمته الولايات المتحدة، كما افترى بعض الدول أنه مؤامرة ضد تطورهم،ناهيك عما  يتخبط العلم الحديث في الظلمات في صدد نشأة الفيروس،  يظهر أمامنا قول الله تعالى” هذا  خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (لقمان 11) ومن دون أدنى شك نمكن أن نقول أن الفيروس هو خلق الله ولم يتمكن للإنسان أن يخلق أدنى جزء من الكائنات الحية، فضلا عما يصنع الفيروس. ويلقي الضوء إلى هذه الحقيقة قوله تعلى أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (النمل 64). نرى أن الذين يدعون أن الفيروس مصنوع في المختبر أو يفترون بأنه سلاح حيوي لا يأتون بدليل علمي لدعواهم، هذا ما قال الله هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.

تاريخ الوباء

على الرغم من أن الفيروس التاجي المعروف بكوفيد 19 مستجد في العالم إلا أن ثمت مضى كثير من الأوبئة في تاريخ الإنسان. وقد سجل في التاريخ ما فوق العشرين من الأوبئة الفتاكة التي قضت نهب الملايين. وأول ما سجل في التاريخ الوباء الذي حدث في الصين عام 3000 قبل الميلاد وأنه طمس مدينة صينية عريقة برمتها. وخلال هذه المدة الطويلة التي تمتد إلى خمسين قرون وقعت أوبئة عديدة، هذه الأوبئة أدت إلى لقاء حتف الملايين، ولكنها ليست من جراء الأسلحة الحيوية أو من الفيروسات المصنوعة في المختبر، لأن العالم لا يعرفون آنذاك الفيروسات والجراثيم بعدم التطور العلمي وفي غياب اختراع المجهر الضوئي أو المجهر الإلكتروني. لماذا تصطاد الأوبئة أرواح الأنام على مر العصور؟ وأن الأحاديث النبوية تزيل الستار عن هذه الألغاز. عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا الْوَبَاءَ رِجْزٌ أَهْلَكَ اللهُ بِهِ بَعْضَ الْأُمَمِ، وَقَدْ بَقِيَ فِي الْأَرْضِ مِنْهُ شَيْءٌ يَجِيءُ أَحْيَانًا، وَيَذْهَبُ أَحْيَانًا، فَإِذَا وَقَعَ وَأَنْتُمْ بِأَرْضٍ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَأْتُوهَا»( مسند أحمد، المعجم الكبير للطبراني)

هذا الحديث يبين لنا أنه حدث كثير من الأوبئة في الأمم السابقة المسجلة في التاريخ وغير المسجلة فيه، كما أن هذا الحديث ينبئنا عن وقوع الوباء في الأحيان وغيابه في بعض الأحيان.

وقد ورد في كتب الأحاديث تقريبا مائتي حديث حول موضوع الوباء و الطاعون كلها ترشد التوجيهات عند إصابة الوباء. ومجمل القول المذكور في الأحاديث إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا وَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَلَسْتُمْ بِهَا فَلَا تَدْخُلُوهَا. ولو سمع العالم هذا التوجيه لما انتشر الفيروس التاجي في مثل هذا المنوال الذي شاع خطره في عموم العالم. ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج  المريض أو المصاب بل حرم فرار كل من كان في البلد الذي فيه الوباء بدون تفرقة المصاب أو غير المصاب. ما أصدق توجيه النبي صلى الله عليه وسلم في صد عدوى الوباء الذي يعدو من المصاب إلى غيره دون أن يظهر فيه أي علامة للمرض.

وحسب الأحاديث النبوية الشريفة أن الوباء عذاب يبعث الله إلى من يشاء أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الطَّاعُونِ، فَقَالَ: «كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ، وَيَمْكُثُ فِيهِ لاَ يَخْرُجُ مِنَ البَلَدِ، صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ. ( البخاري). ونفهم من هذا الحديث أن الذي يمكث في البلد الذي فيه الوباء صابرا محتسبا له مثل أجر الشهيد.

لماذا يبعث الله مثل هذا العذاب إلى من يشاء من الناس، لهذا السؤال أيضا نجد الجواب من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ” يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ. ولو ألقينا النظر إلى أوضاع الصين وسائر الدول الأوربية الشائعة نرى أن الفاحشة ظاهرة معلنة في أقطارها بدون احتشام حتى تعرضوا لعذاب الله. ولا شك أن تعاليم الإسلام من القرآن الكريم والأحاديث النبوية يعطي لنا معرفة صحيحة عن أسباب وقوع الوباء، وسبل الاحتراز من انتشاره في الأقطار.

Dr. T K Yoosuf

Associate Professor

M U A College

Pulikkal- 673637

Kerala, INDIA

Phone: 0091 9349798262

Email: [email protected]

www.drtkyoosuf.info

لماذا أنا إنسان مسلم؟

لعقود من الزمن، بداية من فترة الشباب الباكر، استجمعت قواي العقلية والفكرية وطرائقي العلمية والبحثية المتاحة وقتئذ، للغوص في بحر من المناقشات العقلية الصريحة، والقراءات الفكرية العميقة. وكان أكبر درس لي هو أن أجثو علي ركبتي متأملاُ مشاهد فيزياء الكون، من مفردات تكوين الذرة (من أبسطها إلى أثقلها) إلي نجوم وكواكب المجرة. ولم أجد من يجادل ـ عقلياًـ في أن هذا الكون قد خـُلق مسبقاً قبل مجيء الإنسان إليه (مخلوقاً مثلها). فخلق السموات والأرض، وما فيهن ـ ليس “صدفة، أو وجدتا بنفسيهما، أو تجمعت علي هذا النحو أو من صنع الطبيعة”.

وما هذه الطبيعة التي “خلقت” كل هذا؟. إن كل هذه “الافتراضات” لا تصنع نظاماً دقيقاً متسقاً متوازناً مترابطا متكاملاً. وتؤكد أحدث نظريات الفيزياء: “الانفجار العظيم” أن الكون كان: “كتلة كثيفة واحدة ذات درجة حرارة عالية، وفي لحظة معينة (بإرادة خارجية) انفجر انفجاراً هائلاً وتشكل علي ما هو عليه”. وتبين أن المقادير الدقيقة للقوي الكونية الأربع الأساسية: الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والنووية القوية، والنووية الضعيفة قد تحددت بعد أقل من جزء من مليون من الثانية عقب حدوث هذا الانفجار. ولو حدث تغيرً طفيفً جدًا فيها لما وجد الكون كما نعرفه اليوم. وهذا الكون في تمدد واتساع مستمرين ويتجه نحو خفض درجة حرارته، حسب نظرية “الانكماش العظيم”. وثبت أن الكون لا يعرف أي تحوُّل مجاني عشوائي. وكل قوانين الفيزياء ثابتة على امتداد الكون حتى بات من الممكن حساب كل مسألة كونية بنفس القوانين. فأي أمر يحدث فيه له دور يؤديه في “سيمفونية” القوى الطبيعية الكونية.
وكنت أتتبع دورة الماء (سر الحياة)، وانقصي دورة استقلاب الكربوهيدرات والبروتينات والدهون في المخلوقات. ومرّ الشغف بعلم الكيمياء وتحضير مركبات معملية ثم الخروج لتأمل حديقة زاهرة مخملية.

وكم أخذتني الدهشة عند مشاهدة وتصنيف “مجهري” لما انشقت عنه الأرض من تعاريج الأوراق وبتلات الأزهار وتراكيب الحشرات وخصائص الطفيليات. كذلك بمدارسة علمي الأجنة والتشريح المقارن بين عديد المخلوقات وعيناتها المتحفية.

فتكوين الجنين يبدأ من التقاء نطفة مع بويضة، ثم تتكون خلية، فاثنتين، فأربع، فثمان، ثم ست عشرة الخ. ثم تتخصص مجموعة من الخلايا لتكوين عضو من الأعضاء حني يكتمل المخلوق.. كاملاً متميزاً في ذاته وشخصيته، وبصمات أصابعه ورائحته وعينيه وصوته، ثم شفرته الوراثية الخاصة والفريدة. وتتابعت الرحلة العلمية المعرفية المتراكمة نحو إيمان التعقل المكتسب القائم على البحث والموازنة والتأمل والمقارنة. فكثرت مداومة التبصر في كتاب الله المقروء وشواهده وإشاراته العلمية، مع التأمل والتفكر في آيات الآفاق والأنفس. فالكون كلام الله المنظور، ونواميسه حـُق علينا اكتشافها وتسخيرها وحتى الكتاب المقروء، القرآن، يتطلب “اجتهاداً بشرياً” لمحاولة فهمه وللجمع بين القراءتين: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (سورة العلق، الآيات:1-5).
دين مُقنع عقلياً وعلمياً
تركيب الهواء بالغ الدقة، ففيه أكسجين ولو زادت نسبته لاشتعلت الحرائق في الكون. وهو للإنسان والحيوان يتنفساه، مخرجين ثاني أكسيد الكربون، ومن ثم يقوم النبات بالبناء الضوئي وعملية “إرجاع وتركيب” لتكتمل دورة الحياة. وتوجد “زوجية تكاملية” في النبات والحيوان والطير والإنسان. وخلقت الكائنات الحية على قاعدة “الخلية”. وحدات متشابهة في التركيب، وكلٌ لها “ذاكرتها” وبها مادة صبغية ورائية في النواة تحمل صفات المخلوق “وبرمجته”، وتنقلها بالتزاوج والتكاثر من جيل لآخر. وكثيراً ما استوقفني علم وظائف الأعضاء (الفسيولوجي) وترابطها الوثيق. وفي جسم المخلوقات الحية نسق تخضع له أجهزتهما (الجهاز العصبي والمناعي والدوري والحركي والبولي ـ التناسلي والهضمي الخ). كذلك تتناسب كل مادة وعصارة هاضمة وهرمون وأنزيم ليعمل بطريقة محددة ودقيقة، وفي وقت (ساعة بيولوجية) وموضع مناسب ومهيأ تهيئة كاملة لوظيفته، ومختص لنوع أو أنواع معينة من النشاطات والسلوكيات والاستجابات والنتائج الخ.

كما أن النوم واليقظة نسقان مصغران للموت والحياة، ولغة الضحك والبكاء موحدة وواحدة بين كل البشر. إن الكون ليس محكوماً فقط بنسق البناء الواحد، بل الأنفس والعمران البشري كذلك. لذا استبعدت- بكل طمأنينة عقلية وفكرية- كل افتراض بأن: “الكون وجد من تلقاء نفسه أو أوجدته الصدفة أو الاحتمالية، أو قامت علي شؤونه الطبيعة، ولا شيء وراء هذا العالم، أو أنه يسير وحده ميكانيكاً، أو وجد دون قيومية إشراف أعلى. بل إنه تجليات “البناء الواحد” الدال علي الوحدانية. فالواحد لا يصدر إلا عن الواحد، ووحدة البناء تؤكد وحدانية الخالق. إذ لو استقل أحد المتعددين بالتصرف تعطلت صفات الآخرين، ولو اشتركوا تعطلت بعض صفات كل منهم، وتعطيل صفات الإلوهية يتنافي مع جلالها وعظمتها فلابد أن يكون الإله واحداً أحداً.
دين إنساني اجتماعي عالمي
وجدت في الإسلام وتعاليمه: الوضوح والتوازن والوسطية والشمولية والواقعية والإنسانية والمرونة والقابلية لاستصحاب مستجدات العصر. وشرائعه وشعائره “ذات نفع اجتماعي” كما تشبع حاجات الإنسان: الروحية، والمادية، والأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية، والعاطفية، والجمالية، والبيئية، والرياضية، والترفيهية. وشاهدت فيه ـ بثبات ومعصومية مصدرية: القرآن الكريم السنة النبوية ـ “المرجعية الإلهية” للقيم والأخلاق والمعاملات. وبذا تحل أزمات ثقافة المادة والشك والعدمية، و”السيولة” القيمية، و”النسبية” الأخلاقية، و”الواقعية” البراغماتية. وتأكدت فيها الكرامة الإنسانية التي تكسب البشرية هدايتها للمعروف، ونهيها عن المنكر، وتمتعها بالطيبات، واجتنابها الخبائث واضعة، عنها، أصرها والأغلال التي كانت عليها: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (سورة الأعراف:157).
وتبين حث الإسلام علي القول الحسن، والعمل الصالح المُصلح للحياة. وإنكاره على من يخالف قوله فعله، ولا يسلم الناس من لسانه ويده، فعن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) (رواه البخاري في صحيحه). ووجدته يفرض علي أن أسمو على مشاعري ومصالحي، فلا اجعل بغضي لقوم سبباً يمنع من العدل معهم وإعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم. فالإسلام خصم للظلم والعدوان والفساد والإفساد، وغايته “العدل” الذي هو اقرب للتقوي، غاية التدين الصحيح. فإن أصلنا الواحد ـ مع اختلاف الشعوب والقبائل والألوان واللغات ـ مدعاة للتعارف. فالتنوع سبيل التعاون والتكامل وفق معيار إنساني: التقوى والعمل الصالح، وهما “أعمال كسبية” يتسابق فيهما الناس.. مرضاة لربهم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (سورة الحجرات، الآية:13).
ولقد آمنت بالإسلام “ديناً عالمياً” لا ينحصر في بيئة خاصة ولا هو مقصور على جنس أو عصر بعينه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (سورة الأنبياء، الآية:107).

إنه “حقيقة إنسانية مطلقة” تسع التاريخ، والأزمنة، والأمكنة كلها. فالمسلم لا يكتمل إيمانه إلا بالإيمان بالأنبياء والرسل السابقين: (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (سورة البقرة، الآية:285).
كما أنه مرن في تشريعاته وآدابه العملية وقواعده العامة التي تترك المسلمين أحراراً في وضح القوانين الملائمة لأقطارهم وأزمانهم وفاقا للصالح العام والاجتهاد المقبول. وشعاره الرقي والتقدم، وعدم الحَجْرٍ على المعارف والحريات المنضبطة بأخلاقياته. ويحث علي العلم والتعقل والتدبر والتفكر والتجريب. فكثير من الملل تحصر المعرفة في المنقول عندها، أما هو فيقر وسائل معرفية: الوحي، والإلهام، والمعقول، والتجربة.
دين مقنع إيمانياً
لم أجد الإسلام “ديناً كهنوتياً غامضاً، له طلاسمه ورجاله العارفين أسراره”. إنه لا يقر أية واسطة بين الإنسان وربه،: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (سورة البقرة، الآية:186).

ويحترم الشخصية الإنسانية ويؤمن بترقيها إذا استجابت للإيمان والفطرة. فكل خصائصه موائمة لتلك الفطرة، ووضوحه جلي بادِ في عقائده، وشرائعه، وشعائره، وتعاليمه. فعقائده تتسم بالبساطة واليسر والوضوح، وتتخذ سبيلها إلى العقل والقلب معاً. عقيدة سهلة تتفق مع المنطق أساسها: الإقرار بإله واحد أبدع الوجود ودبر أمره على سنن حكيمة شاملة ومطردة. وتصوير “العظمة الإلهية” في الإسلام جمع بين الحقائق العلمية الثابتة والفلسفات النفسية والتربوية. فيرفض الإشراك بالله في كل صوره فذلك امتهان صارخ للعقل، وسقوطً بالإنسانية. وغالباُ ما تنسب الملل والنحل لمؤسسها أو لأقوامها، وتربط بين كرامة الإنسان وبين الانتماء الحصري لها. لكن الإسلام ـ كونه للبشرية جمعاء ـ ينسب لمبدأ مجرد عام وصفة لمن اسلم وجهه لله.
ولما تابعت بحث ما يكتبه غير المسلمين عن (الله)، و(الدين)، و(الرسل السابقين)، ومقارنة الرسائل التي يروجونها، وبين أخبار وتقارير وقصص القرآن، فوجدت سياق القرآن والسنة المشرفة أحكم وأدق وأعمق وأشمل. ومعجزة الإسلام: القرآن، معجزة بيانية موضوعية مجردة خالدة، نزلت علي شخص ليس بكاتب ولا قارئ ولا شاعر ولا ساحر لكنه أتى بنص معجز لا يجارى ولا يبارى من قومه المتميزين بالفصاحة والبيان. ولقد عرفت هذا الإله العظيم عن طريق النبي “محمد” صلي الله عليه وسلم. ودرست سيرته، فتجاوبت فطرتي مع رسالته، واستراح فكري وقلبي إلى دعوته. ولم لا.. فابلغ دليل عقلي تاريخي هو نهوضه، صلي الله عليه وسلم، بالعرب. شعب “جاهلي ضيق الأفق”، فبعث إليهم نبي “أمي”، كامل البشرية وغير متصف يتأله أو تكبر أو تجبر، فلم يمض قرن حتى وصلوا إلى مغرب الشمس ومشرقها. وزاد احترامي للإسلام معرفتي أنه خاتم منهج النبوات كلها. والحقيقة التي تضافر على إبلاغها آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وصار كل يوم يمر يزيدني حباً ـ عقلانياُـ له، واحتراماً لتعاليمه، وثقة في صلاحيته للعالمين، وجدارته للبقاء أبد الآبدين: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (سورة الأنعام، الآيات:161-163).
وبعد كل ما سبق، وغيرها كثير من التجارب والتأملات والشواهد والأدلة التي لا يتسع المقام لذكرها، يبقي السؤال: لماذا جاءت كلمة (إنسان) قبل كلمة (مسلم) في عنوان هذا المقال؟. ذلك لأن (الإنسان) آية من آيات الله، وهو مؤهل بعقل برهاني، وقبس روحي، وحرية اختيار، وهداية للسبيل الحق سبيل إسلام الوجه لله رب العالمين. كما إن الإنسانية والإسلام قرناء. ولذا فإننا نختار الإسلام نقلاً وتعقلاً، وقناعة متجاوزة التقليد والوراثة. وأننا لنعتز ونفاخر بأننا مسلمون نستوعب التلقي المتواتر ـ وإيماناُ قلبياًـ عن المبلغ عن ربه الرسول الأكرم محمد صلي الله عليه وسلم، مع اليقين العقلي عبر قراءة آيات الله تعالي الهاديات في الآفاق وفي الأنفس: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (سورة فصلت، الآية:53).
أ.د ناصر أحمد محمد سنه
كاتب وأكاديمي ومن باحثي موسوعة الأعجاز العلمي في القرآن والسنة
[email protected]

من دروس الهجرة النبوية: التعمية

د. أحمد محمد القطوري

  أعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، للهجرة من مكة إلى المدينة، الخطة المحكمة،

واستفرغ كل طاقته، وبذل المال لشراء راحلة السفر، واستأجر أجيرا، وتوكل على الله- عز وجل-، مع أخذه بالأسباب المادية والمعنوية.

  ويعلمنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، درسا من أهم الدروس المستفادة من الهجرة النبوية، وهو درس التعمية.

التعمية في اللغة:

التعمية: أن تعمي على الإنسان شيئا فتلبسه عليه تلبيسا.[1]، ويقصد به: تعمية الأخبار عن العدو: أي إخفاؤها.[2]

التعمية في الاصطلاح:

يقصد بها الإخفاء، وإظهار الكلام في غير مراده.[3]

  وقد جاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، بعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، لينام في بيته وعلى فراشه؛ ليعمي عنه.[4]، ثم اتجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، من بيته قاصدا بيت الصديق (رضي الله عنه).

     ثم خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وصاحبه من الباب الخلفي من بيت أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)، ولم يخرج من الباب الأمامي؛ لتعمية أنظار قريش عن الطريق الذي يقصده للهجرة.[5]

   وتوجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وصاحبه إلى غار ثور، وهو بالجهة الجنوبية من مكة؛ حتى لا يراهما أحد من المشركين.[6]

    وكان عامر بن فهيرة يتتبع أثر عبد الله بن أبي بكر (رضي الله عنهم)، بالغنم فيعفي عليه.[7]

  ولما لحق بهما سراقة بن مالك (رضي الله عنه)، أمره رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، أن يخف خبرهما عن القوم.[8]

  يقول البراء بن عازب (رضي الله عنه)، “فلما دنا – أي: سراقة بن مالك (رضي الله عنه)،- دعا عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فساخ فرسه في الأرض إلى بطنه، ووثب عنه، وقال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن يخلصني مما أنا فيه، ولك علي لأعمين على من ورائي…”الحديث.[9]

   وقد قام سراقة بن مالك (رضي الله عنه)، بالتعمية، وصرف الناس عن متابعة الرسول – صلى الله عليه وسلم-، وصاحبه في هذا الطريق. مع أنه لم يسلم وبقي على شركه.[10]

وقد يطلق عليها التورية:

ومعناها: أن يذكر المتكلم لفظا مفردا له حقيقتان، أو حقيقة ومجاز أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية، والمتكلم يريد المعنى البعيد، ويوري عنه بالقريب فيوهم السامع أول وهلة أنه يريد المعنى القريب وليس كذلك.[11]

 وعن كعب بن مالك (رضي الله عنه)، يقول: “كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها…”.[12]

  وقد جاءت التورية في كلام الصديق(رضي الله عنه)، في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة، فعن أنس بن مالك (رضي الله عنه)، قال: أقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم-، شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير”.[13]

   وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أبي هريرة (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، لأبي بكر في مدخله المدينة: “أله الناس عني، فإنه لا ينبغي لنبي أن يكذب” قال: فكان أبو بكر(رضي الله عنه)، إذا سئل ما أنت؟ قال: باغ، فإذا قيل: من الذي معك؟ قال: هاد يهديني”.[14]

نسأل الله- عز وجل-، أن يهدينا سواء السبيل.

 وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

===========================

[1] لسان العرب، ابن منظور (15/100)

[2] معجم لغة الفقهاء، قلعجي، قنيبي (137)

[3] الكليات، أبو القاء الكفوي (310)

[4] دلائل النبوة، البيهقي (2/466)

[5] ينظر:  تاريخ الطبري (2/378)، وفقه السيرة النبوية، منير الغضبان (335)

[6]  السيرة النبوية، ابن هشام (1/485)

[7] الكامل في التاريخ، ابن الأثير (1/696)

[8] ينظر: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، ابن سيد الناس ( 1/214)

[9] أخرجه مسلم: كتاب: الزهد والرقائق، باب: في حديث الهجرة ويقال له حديث الرحل بالحاء (75)

[10]  المنهج الحركي للسيرة النبوية، الغضبان (1/196)

[11] الكليات، أبو القاء الكفوي (277)

[12] أخرجه البخاري: كتاب: الجهاد والسير ، باب: من أراد غزوة فورى بغيرها، ومن أحب الخروج يوم الخميس (2948)

[13] أخرجه البخاري: كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي- صلى الله عليه وسلم-وأصحابه إلى المدينة (75)

[14] دلائل النبوة، البيهقي (2/489)، وينظر: الخصائص الكبرى، السيوطي (2/415)

هدم هيكل سليمان ثم حرثه بين القرآن الكريم وكتب السابقين

القرآن الكريم هو الكتاب المهيمن على الكتب السابقة أي الحاكم والشاهد على ما صح منها قال تعالى : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾(المائدة:48)
من إعجاز هيمنة النص القرآني { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا(7) } ( الإسراء).
التتبير هو التفتيت (التبر هو الذهب المفتت ).. ما هو البناء سيتم تتبيره بعد رفعه؟ سياق الكلام يدل على أن المسجد (الهيكل ) هو هذا البناء..
وهذا ما نقرأه حتى الآن في إنجيل متى في الفصل / الأصحاح رقم الرابع والعشرون):
(1 ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل، فتقدم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل.
2 فقال لهم يسوع: أما تنظرون جميع هذه؟ الحق أقول لكم: إنه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض.)
** مصطلح التتبير معجز تماما، فقد قام تايتوس الروماني بحرث مكان الهيكل بعد أن هدمه.. والحرث هذا يؤدي حتما للتفتيت..

ا يظهر في ظهر العملة الأثرية الموجودة في المتحف البريطاني وغيره، وهو يقود ثورا وبقرة على محراث وقد كتب عليها الإسم الجديد للقدس(أورشليم ) بعد تدميرها بل وحرث أهم مبانيها، وهي تحمل إسمها الجديد:( إيليا- نسبة لعائلة هادريان- كابيتولينا وهو الثالوث الروماني الوثني Jupiter, Juno and Minerva

المصادر:

http://www.aboutbibleprophecy.com/e31.htm?fbclid=IwAR28F_x6DWbERjQbp5w840mbTLCSLdK_Beb8TanFerOWm6ZG2iLwYeEJzuc

صور من تسبيح الكائنات لله

إن الإنسان بعظمته التي يعتقدها إنما هو جزء بسيط في هذا الكون الواسع , فالله جل شأنه قد خلق هذه الأرض و ما عليها من موجودات جامدة كانت أو حية و ما في باطن الأرض من كنوز مختلفة سخرت جميعها لخدمة هذا الإنسان و مساعدته في أداء رسالته السماوية , وهذه الأرض وما فيها هي أيضاً جزء بسيط مقارنة بباقي الموجودات و العوالم الأخرى التي نعلم بوجودها و إن كنا لا نعلم كنهها كعالم الجن و عالم الملائكة و عوالم أخرى لا نعلم عنها شيئاّ , كل هذه الموجودات على اختلافها تشترك جميعاً في أنها تسبح الله سبحانه و تعالى و تقدسه و هذا ما تنص عليه الآية الشريفة صراحة. يقول عز من قائل: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) الإسراء 44.
يتضح من قوله تعالى ” وإن من شئ” أن جميع المخلوقات و الموجودات و( الأشياء) تسبح الله فلا استثناء في الآية.
هذه آية عظيمة تخبرنا بأمر لا ندركه ولكنه موجود ونحن كمؤمنين نؤمن بكل ما جاء في كتاب الله، ولكن كيف نقنع من لا يؤمن بهذا الكتاب العظيم؟ لنقرأ:
إن الذي يتأمل هذه الآية يدرك أن كل المخلوقات تسبح بحمد ربها، الإنسان والشجر والنجوم و…، ولكن ما لفت انتباهي أن الله تعالى قال: (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) ولم يقل (ولكن لا تسمعون تسبيحهم)، إذن نحن يمكن أن نسمع تسبيح هذه المخلوقات ولكن لا نستطيع ترجمتها ولا نستطيع أن نفقهها، فالفقه يكون بعد السماع. وهذا ما يكتشفه العلماء اليوم!.
فقد لاحظ العلماء أن بعض النباتات تصدر ذبذبات صوتية في المجال الذي يسمعه الإنسان، أي ضمن ترددات من 20 إلى 20000 ذبذبة في الثانية، ولكن الإشارات الصوتية التي تطلقها هذه النباتات ضعيفة جداً ولا يمكن سماعها إلا بعد تقويتها وتكبيرها آلاف المرات.
فكل شيء في الوجود يتكلم ويصدر ترددات صوتية، فالنباتات والأشجار لها أصوات محددة وتتأثر بالأصوات أيضاً، وهذا ما تكشفه الأبحاث الجديدة في علم النبات.
ثم بدأ العلماء يلاحظون أن بعض النجوم تصدر أصواتاً مسموعة، فالنجم النيوتروني الذي سماه الله تعالى بالطارق يصدر صوتاً يشبه صوت المطرقة، والثقوب السوداء تصدر أصواتاً أيضاً، ومنذ فترة تمكن العلماء من تسجيل الصوت الذي أصدره الكون بعد ولادته!
ولكن من أكثر الاكتشافات غرابة أن الخلية الحية تصدر ترددات صوتية، وهذا ينطبق على جميع الخلايا، وكانت أوضح الترددات ما تصدره خلايا القلب!.
فقد اكتشف الدكتور Gimzewski أستاذ الكيمياء في جامعة كاليفورنيا وباستخدام كمبيوتر ذري أن كل خلية تصدر صوتاً محدداً يختلف عن الخلية الأخرى!

رسم يوضح شكل الخلايا العصبية في الدماغ

حتى الشريط الوراثي داخل خلايا أجسامنا – خلايا الدم – الخلايا العصبية في الدماغ… جميعها يصدر ذبذبات صوتية محددة، وكأنه يسبح الله ليل نهار ولذلك من الممكن أن يتأثر بالتسبيح!.
ولذلك فان التسبيح لله تعالى يمكن أن يؤثر في نظام عمل هذا الشريط الوراثي الذي يتحكم بحياتنا وأمراضنا، أي يمكن أن يؤثر التسبيح عليه فيكون وسيلة للشفاء من الأمراض المستعصية، والله تعالى أعلم.
الدلافين والصراصير والطيور والنحل وغيرها من الكائنات الحية جميعها تصدر أصواتاً، ثم اكتشف العلماء أن الفيروسات تصدر ترددات صوتيه، حتى إنهم يحاولون ابتكار طريقة جديدة للكشف المبكر عن الأمراض بتتبع أصوات الجراثيم والفيروسات في الجسم.
وقد يتطور العلم فيكتشف أن الذرة تصدر ترددات صوتية، فيكون بذلك كل شيء يسبح لله كما أخبر بذلك القرآن، ويكون هذا من الأدلة العلمية على صدق هذا الكتاب وسبقه العلمي. بل إن العلماء اليوم يعتقدون أن كل شيء في الوجود له صوته المحدد والخاص به، ويقولون:
“إن قوة غريبة موجودة في كل مكان تسيطر وتؤثر على كل شيء نراه أو نشعر به”
أليست هذه القوة هي قوة الله تعالى خالق الوجود؟ لماذا لا تكون هذه الأصوات هي أصوات تسبيح وخضوع لله تعالى وتعظيم وشكر لنعمه عزّ وجلّ؟
إن جميع ما في الوجود من خلق الله سبحانه وتعالي‏‏ بدءا بالملائكة المطهرين وانتهاء بكل من الجمادات والظواهر الكونية مرورا بكل من مؤمني الإنس والجن وبغيرهم من الأحياء ومنها جميع الحيوانات والنباتات وكل موجود من غير ذلك‏ .
روي الإمام البخاري عن ابن مسعود‏‏ رضي الله عنه‏‏ قوله‏:‏ كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل .
وفي حديث أبي ذر‏‏ رضي الله عنه‏‏ أن رسول الله‏‏ صلي الله عليه وسلم‏ أخذ في يده حصيات فسمع لهن تسبيح كطنين النحل، وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان‏… رضي الله عنهم وعنا أجمعين‏.

أنواع التسبيح:
ينقسم تسبيح المخلوقات لخالقها إلي تسبيح فطري‏(‏ تسخيري‏)‏ للخلق غير المكلف وتسبيح اختياري‏(‏ إرادي‏)‏ للمكلفين من خلق الله، ويمكن إيجاز ذلك فيما يلي‏:‏
أولا‏:‏ التسبيح الفطري‏(‏ التسخيري‏)‏ للملائكة‏:‏
تسبيح الملائكة هو من أمور الغيب التي يعجز الإنسان عن إدراكها ولا سبيل له إلي معرفتها إلا عن طريق وحي السماء.
فإذا تحدث القرآن الكريم عن تسبيح الملائكة‏-‏ فلابد للمسلم من الإيمان بذلك وإن لم يستطع إدراكه بحسه المحدود وبقدراته المحدودة‏.‏
ثانيا‏:‏ التسبيح الإرادي الاختياري للمكلفين من عقلاء الأحياء من الإنس والجن‏:‏
يقول تعالي‏‏ في محكم كتابه‏: ‏وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏*‏‏الذاريات‏56‏
فتسبيح العقلاء المكلفين من الجن والإنس هو تسبيح إرادي اختياري يقوم به الصالحون منهم ويحرمه الكفار والمشركون من العصاة المغضوب عليهم ومن الضالين‏.‏ وهذا التسبيح يشمل ذكر الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي كـل حال بأسمائه الحسني وصفاته العليا وبكل نعت يليق بجلاله ويثبت له من صفات الكمال المطلق ما أثبته‏الله تعالي‏ لذاته العلية وينـزهه عن كل وصف لا يليق بمقام الألوهية‏(‏ من مثل ادعاء الشريك أو الشبيه أو المنازع أو الصاحبة أو الولد‏).‏
ثالثا‏:‏ التسبيح الفطري التسخيري للأحياء غير المكلفين‏:‏
منذ فترة قصيرة أدرك المتخصصون في علم سلوك الحيوان أن للعديد من المخلوقات من مثل القردة العليا وغيرها من الحيوانات الأرضية وأسود البحر والدلافين والحيتان وغيرها من الحيوانات البحرية والطيور من مثل الحمام والببغاوات والهداهد والغربان والحشرات من مثل ممالك النحل والنمل كل هذه المخلوقات لها قدرات متفاوتة علي التعبير بلغات خاصة بكل منها وعلي إدراك الذات والغير وعلي اكتساب المعارف المختلفة‏.‏
و قد سبق القرآن الكريم بأربعة عشر قرنا أو يزيد بالتأكيد علي أن كل خلق من خلق الله له قدر من الإدراك الخاص به والذي يعينه علي النطق بالكلام والشعور والإحساس وعلي التفاهم مع أقرانه وعلي معرفة خالقه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ وعلي الخضوع له‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بالطاعة والعبادة والذكر والتسبيح تسبيحا فطريا تسخيريا لا إرادة له فيه ولكنه يدركه ويعيه‏.‏
وأن هذا الإدراك الفطري يعين كل مخلوق أيضا علي التمييز بين العابدين الصالحين والعاصين المقصرين من الخلق المكلفين فيتعاطف مع صالحي المكلفين ويتنافر مع عصاتهم المقصرين، وإلا فمن علم هدهد سليمان أن عبادة قوم سبأ للشمس كفر بالله‏(‏ تعالي‏)‏ وانحطاط عن مقام التكريم الذي من الله‏(‏ تعالي‏)‏ به علي بني آدم وأن السجود لا يجوز إلا لله رب العالمين فيقول‏:‏‏*‏ ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون‏*‏ الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم‏*(‏ النمل‏:25‏ و‏26)‏.
كذلك من عرف نملة صغيرة بشخصية نبي الله سليمان‏(‏ عليه السلام‏)‏ ومن علم سليمان لغة النمل غير الله الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ ؟.

للنمل لغة مثله مثل البشر

ولغات كل نوع من أنواع الحيوانات يعلمها الله‏‏ تعالي‏ لمن يشاء من عباده كما فهمها لعبده ونبيه سليمان‏ عليه السلام‏ معجزة خاصة به وخارقة تخالف مألوف البشر‏.‏
وفي التأكيد علي هذا الإدراك الفطري عند جميع المخلوقات يقول المصطفي ‏صلي الله عليه وسلم‏:’‏ إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتي النملة في جحرها وحتي الحوت ليصلون علي معلم الناس الخير‏’.(‏ الترمذي‏).‏
وفي حديث رواه الإمام أحمد عن جابر‏(‏ رضي الله عنهما‏)‏ أن رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ قال‏:…‏ إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس‏.‏
وفي سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو أنه قال‏:‏ نهي رسول الله‏ صلي الله عليه وسلم‏‏ عن قتل الضفدع وقال‏:’‏ نقيقها تسبيح‏’.‏
رابعا‏:‏ تسبيح أجساد الكائنات الحية هو صورة من صور التسبيح الفطري التسخيري للجمادات‏:‏
من أعجب الاكتشافات العلمية الحديثة أن الأحماض الأمينية‏(‏ وهي اللبنات الأساسية لتكوين الجزء البروتيني الذي تنبني منه أجساد الكائنات الحية‏)‏ لها القدرة علي ترتيب ذراتها ترتيبا يمينيا أو يساريا وأنها في جميع أجساد الكائنات الحية تترتب ترتيبا يساريا‏، ولكن الكائن الحي إذا مات فإن الأحماض الأمينية في بقايا جسده تعيد ترتيب ذراتها ترتيبا يمينيا بمعدلات ثابتة تمكن الدارسين من تقدير لحظة وفاة الكائن الحي بتقدير نسبة الترتيب اليميني إلي اليساري في جزيئات الأحماض الأمينية المكونة لأية فضلة عضوية متبقية عنه‏(‏ من مثل قطعة من الجلد أو الشعر أو العظم أو الصوف أو الخشب أو غير ذلك‏)‏ وتسمي هذه الظاهرة باسم ظاهرة إعادة ترتيب ذرات الأحماض الأمينية ترتيبا يمينيا ‏(RacimizationoftheAminoAcids).‏
ويعجب العلماء للسر الخفي الذي يمكن تلك الذرات المتبقية عن الجسد الميت من إعادة ترتيب أوضاعها في داخل كل جزئ من جزيئات الحمض الأميني بمعدلات ثابتة لا تتوقف ولا تتخلف‏، مما يشهد بأن المادة التي يصفها الإنسان بأنها صماء جامدة لا إحساس لها ولا شعور ولا إدراك هي في الحقيقة مليئة بالأسرار التي لا يعلمها إلا الله‏‏ تعالي‏.‏
-كذلك من المكتشفات العلمية المذهلة أن تنبني أجساد كل الكائنات الحية من عشرين حمضا أمينيا فقط وأن جميع ذرات هذه الأحماض الأمينية تترتب ترتيبا يساريا في جزيئاتها التي ينبني منها أكثر من مائتي ألف جزئ بروتيني مختلف تترتب أيضا ترتيبا يساريا في داخل هذه الجزيئات البروتينية العملاقة‏(‏ المبلمرات‏)‏ وكل ذلك يعيد ترتيب ذرات مكوناته من الأحماض الأمينية ترتيبا يمينيا بمعدلات ثابتة بعد وفاة الكائن الحي الذي كان يحملها في جسده‏.‏
خامسا‏:‏ تسبيح الذرات والجزيئات والعناصر والمركبات في صخور الأرض وجبالها‏:‏
الجبال وصخورها والمعادن المكونة لتلك الصخور والجزيئات والذرات المكونة لتلك المعادن واللبنات الأولية المكونة لتلك الذرات كلها يسبح الله‏‏ تعالي‏ بلغته وأسلوبه وطريقته الخاصة به‏.‏ وقد أمكن الاستماع إلي أصوات ذبذبات اللبنات الأولية للمادة في الذرة‏.‏
وقد ورد ذكر تسبيح الجبال في القرآن الكريم ضمنيا مع تسبيح كل شئ ومع تسبيح ما في السماوات والأرض كما ورد محددا في آيتين كريمتين‏(‏ سورة الأنبياء آية79 ‏)‏، (سورة ص آية ‏18)‏.
وجاءت الإشارة إلي خشوع الجبل إذا أنزل عليه القرآن الكريم في‏(‏ سورة الحشر آية ‏21)‏ وإلي سجود الجبال لله ‏تعالي مع بقية أجزاء الكون ومع كثير من الناس‏(‏ سورة الحج آية ‏18)‏.
وأشار القرآن الكريم إلي ترديد الجبال لتسبيح نبي الله داود‏(‏ علي نبينا وعليه من الله السلام‏)‏ كما جاء في ثلاث من الآيات هي علي التوالي‏:(‏ الأنبياء‏ آية79 ‏، ص‏ آية18 ‏، سبأ‏ آية10).‏
فالجبال ليست كتلا هامدة كما يظن البعض ولكنها تتحرك جانبيا بالتضاغط والتثني والطي، كما تتحرك رأسيا بالتصدع والرفع من أسفل إلي أعلي بواسطة مختلف قوي الأرض الداخلية وبفعل عوامل التعرية.
تتمة هامة:
من رحمة الله بعباده أن أصوات الجمادات تبلغ من الضعف والخفوت ما يجعلها محجوبة عن آذان الخلق إلا بكرامة من الله‏ تعالي‏ وفضل منه أو باستخدام تقنيات متقدمة للغاية وشتان ما بين الوسيلتين.
حقا إنها رحمة من الله تعالي‏ أن حجب عنا تلك الأصوات وإلا لأصبحت الحياة جحيما لا يطاق إذا تكاثرت الأصوات من حولنا وتداخلت دون توقف أو انقطاع ولتعطلت قدرات الإنسان عن العمل أو التفكر أو التدبر أو العبادة أو النوم أو الراحة والاستجمام بل لفقد الإنسان عقله إذا استمع إلي جميع ما في الوجود من حوله وهو يتكلم في وقت واحد‏:‏ الجبل والحجر والنبت والشجرة والمدر والوبر، ومختلف الحيوانات والنباتات والطعام واللباس، والمـداس والتراب والغبار والهواء والماء والقمر والكواكب والشمس والنجوم، وغير ذلك من صور الخلق إلي حركة الكون في مجموعه‏.‏
مسك الختام
أخي القارئ! إن كل شيء في هذا الكون يسبح الله ليلاً ونهاراً لا يمل ولا يفتر، فهذا الفيروس الذي لا يُرى يسبّح الله، وكذلك أصوات الحيوانات التي نسمعها إنما هي تسبيح لله و مواعظ تخاطب بها ابن أدم لو عقلها. وحين تحمل بين يديك قطعة من الخشب أو الصخر قد تظنها جامدة صلبة ولكنها في الحقيقة تمتلئ بالحركة والنشاط (على مستوى الذرة) تسبح الله. فلماذا تنسى ذكر الله والتسبيح؟ لماذا لا يكون كل كلامك تسبيحاً لله تعالى ؟ ألسنا نحن أحق بالتسبيح من هذه المخلوقات؟ نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المسبِّحين…
مصادر يمكن الرجوع إليها
– صور من تسبيح الكائنات لله – للدكتور‏‏ زغـلول النجـار.
-موقع الكحيل للإعجاز العلمي.
– موقع الدكتور زغـلول النجـار.

الصـلاة تدعم عـملية الدورة الدمـوية

تكشف المناقشات العلمية الحديثة على أن الصلاة لها دور هام  في تدعيم  الدورة الدموية؛ لأن السجود يساعد لإجراء الدم وافرا من الخلية اليمني للقلب إلى الرئتين، ومن الخلية اليسرى إلى الدماغ والى عضلات القلب عبر الوريد الأورطي. وخلال السجود يجد القلب تخفيفا لعمله مثلما يهبط الإنسان إلى الأماكن المنخفضة، كما يضمن السجود توفير جريان الدم إلى الرئتين. ولا يحصل الإنسان هذا التخفيف والتيسير إلا في السجود؛ لأن الأعضاء السافلة التي تقع تحت مستوى القلب مثل الكلية والمبيض والخصية  والكبد والأمعاء وغيرها تكون فوق القلب في حالة السجود، هذا الوضع يساعد لتفريغ الدم  الملوث بثاني أكسيد كربون الماكث فيها إلى خلية اليمني العالية من القلب.  وفي حالة السجود يحدث ضغط هوائي مفرغ  لانجذاب الدم من الأرجل ومن سائر أعضاء السافلة إلي جهة القلب، وأما في أحوال العادية يصعب صعود الدم من الأرجل والأعضاء الباطنية إلى القلب، وبالجملة أن الصلاة التي تشتمل السجود والركوع والقيام والقعود تقوم بدور مزدوج هام في الدورة الدموية لجريان الدم من القلب إلى الجوارح ومن شتى أنحاء الجسم إلى القلب.

ومن أهم أسباب المرض المسمى بتوسع الأوردة؛ المكث الدائم للدم في الشرايين دون أن يرتفع إلى الأعلى يحدث بما يفقد توازن جريان الدم عبر الوريد الأورطي، وفي الجلوس بين السجدتين والتشهد يحدث تضيق على عضلات الرجل بالتصاق الساق والفخذ عند ثني الركبة، نتيجة لهذا الضغط والتضييق، يصعد الدم الماكث في الأرجل إلى القلب، وفي أثناء سائر الأوقات لا يوجد عامل  لصعود  الدم الماكث إلى القلب، وبعبارة أخرى أن الجلوس بين السجدتين يعمل كقلب ثانوي خارجي في الدورة الدموية، والمكث القليل  في الجلوس عند القيام من السجود أيضا يحقق هذا الهدف ويجدر هنا الإشارة إلى المكث القليل في الجلوس قبل أن يرتفع المصلي من السجود إلى  القيام.

وأن حركات العضلات خلال المشي والعدو وسائر النشاطات الجسدية تحدث ضغطا يدعم صعود الدم إلى جهة العليا ويساعد رجوع السائل اللمف إلى القلب من جديد، لذا تسمي هذه الجوارح بالقلب الثانوي الخارجي، وأما هذا الضغط الذي يحدث عند حركات البدنية غير كثيف بالنسبة ما يجري في الجلوس بين السجدتين وجلوس التشهد، اعتبارا لهذه الميزة يمكن تسمية الجلوس في الصلاة كالقلب الثانوي الخارجي، وإن جميع نشاطات الصلاة  من القيام والركوع والسجود والجلوس تقوم بدور هام في الدورة الدموية، وتمنح للقلب حالة مريحة تشابه حالة القطار الذي ربط خلفه محركا إضافيا في تخفيف عمله وإزالة صعوباته، لذلك يساعد الركوع والسجود لإيصال الدم المحتوي على الغذاء والهواء من القلب إلى جميع أنحاء البدن، كما يدعمان معا لرجوع الدم الملوث بثاني أكسيد كربون إلى القلب والرئتين. 

ومما يلفت النظر هنا ما نشاهد في مسابقات كرة القدم ما يفعل اللاعبون عند رسوبهم عن حصول الهدف أو عند إصابتهم قنوط في إفلات الكرة عن المرمى،  يلقون أنفسهم في الميدان ـ أو يخرون في الأرض سجدا كما يسجد المصلي في الأرض، لكي ينشرح صدورهم من الضيق والحرج والتوتر؛ لأن هذا “السجود” يخفف ضغط قلوبهم المجهودة، بما يكثف جريان الدم المختلط بأكسجين إلى الدماغ والرئتين، لذا نراهم ينهضون من الأرض بعد لحظات؛ لأنهم إذا مكثوا قليلا على هذه الحالة ينتعش قلوبهم ويرتاح أبدانهم. وأما هؤلاء “النجوم” إن لم ينهضوا من الاستلقاء يلهث إليهم الأطباء بأنابيب أكسجين ليستعيدوا قواهم. وفي هذه الآونة التي صارت الحياة كلها مسابقات ومباريات، يلزم على الجميع القيام بالسجود في أوقاتها المعينة ” كما قال الله تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا”، ولا ينكر أحد من علماء البيولوجيا وأخصائي الطب الحديث الدور الذي تقوم الصلاة بتنشيط جريان الدم في الدورة الدموية وفي تخفيف عمل القلب المثقل وفي انتعاش  الدماغ والرئتين والحواس الخمسة.

ومن سنة النبي صلي الله عليه وسلم انه يضع يديه في السجود مبعدتين من جانب الصدر حتى يري بياض إبطيه، وعندما يبعد اليدين على هذا النحو يوسع الصدر وينشرح الرئتان ويكثر احتواء الهواء فيهما، وفي هذه الحالة بما يحدث فراغ للقلب يجري الدم الملوث سهلا إلى القلب من اليدين والبطن وسائر الأعضاء من منطقة الحوض حتى تتم تصفية الدم بسرعة عجيبة وبمقدار كبير، وهكذا عندما نرفع اليدين إلى المنكبين في بداية الصلاة وعند الركوع والارتفاع منه يوسع الصدر ويزيد مقدار الهواء إلى الرئتين ويتم تصفية الدم بمقدار هائل بوقت قصير. وفي حالة السجود يتعرض الحاجب الحاجز  بين الصدر والبطن للقبضة والتوسعة بضغط الكبد والبطن وسائر الأعضاء الباطنية عليه. ولا شك أن  فوائد حركات الصلاة من السجود والركوع والجلوس أو أكثرها تدرك من بعض الرياضيات، ولكنها غير موافق لجميع الناس بما يستغرق أوقاتا طويلة أو يحتاج إلى إجهاد جسدي كبير، وأما الصلاة مفيدة جدا لجميع أنواع الناس سواء أكانوا  شبانا أو شيوخا أو مرضي القلب.

 

====================================

 

Dr. T K Yoosuf

Associate Professor

M U A College

Pulikkal – 673637

Malappuram Dist

Kerala, India.

Phone: 0091 9349798262

Email: [email protected]

www.drtkyoosuf.info

 

 

العقل البشري… لغـــز يبحث عن حل

العقل نعمة من أعظم النعم التي اختص الله عز وجل بها الإنسان ، وميزه بها عن سائر المخلوقات ، فقد جعله بالعقل يدرك حقائق الوجود ، ويميز بين الحق والباطل والحلال والحرام ، وبه يهتدي إلى تحقيق المصالح واتقاء المضار، وبه يتواصل مع بني جنسه ، ولولا العقل لظل الإنسان مثل بقية السوائم التي مازالت تهيم على وجهها في القفار، فيما استطاع الإنسان أن يحقق إنجازات عظيمة فاقت حدود الخيال، وما ذلك إلا بفضل هذه الهبة الإلهية العظيمة … العقل الذي أعانه على التفكير والتدبير والتسخير .

ولهذا نجد القرآن الكريم يحض مراراً وتكراراً على إعمال العقل ، ويعيب على الذين يعطلون عقولهم من التفكر في آيات الله ، والاستجابة لداعي الإيمان ، حتى إنه ليشبههم بالدواب التي لم ترزق نعمة العقل أصلاً : “إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ” الأنفال – الآية 22.

ويكفي الإشارة إلى أهمية “العقل” في كتاب الله أنها تكررت ومشتقاتها حوالي سبعين مرة، ناهيك عن الآيات التي تتصل بالعمليات العقلية كالتفكر والتأمل والنظر بتمعن في آيات الله في الأنفس والآفاق، والتي لا يمكن حصرها من كثرتها في كتاب الله.

ولقد عرف التاريخ البشري رجالاً ونساءً قد وهبهم الخالق عز وجل ملكات عقلية هائلة ، إلا أنهم اختلفوا في طريقة توظيف هذه الملكات ، فمنهم من سخر عقله في الخير ، فقدم للبشرية إنجازات باهرة وخدمات علمية وفكرية جليلة رفعت من شأنها، ومنهم من وظف عقله أسوأ توظيف، فجلب على البشرية صنوفاً لا تعد ولا تحصى من الكوارث والمآسي والنكبات.                          

مفهوم العقل

يدلّ مصطلح العقل على مجموعة وجُملة الوظائف الدماغية التي يقوم بها الإنسان، وتتمثل هذه الوظائف في قدرة الإنسان على التفكير والإدراك، والإبداع، والابتكار، والتمحيص، والتذكّر أو استحضار المعلومات واسترجاعها، والفهم، والقيام بالعمليات العقليّة المختلفة بما فيها العمليّات الحسابيّة، وكذلك القدرة على التحليل والتفكيك والتركيب والتنبؤ بحدوث الأشياء وتوقعها بناءً على فهم الواقع، وكذلك الربط بين الأشياء والمفاهيم والتمييز فيما بينها، ممّا سبق نجد أنّ العقل يتمثّل في مجموعة من العمليات أي أنه معنويّ يضمّ الأفكار والمعلومات والحقائق النظريّة والعمليّة التي اكتسبها الفرد وتعلمها بشكل مقصود أو غير مقصود خلال مراحل حياته المختلفة، ونجد أنّه لا يعبّر عن شيء مادي ولا يمكن ملامسته وعلاجه.

والعقل في الجسم هو الجهاز الذي يوجه ويأمر ويختار ويرفض ويحب ويكره ويُسعد الروح أو يُتعسها، وتخزّن به تجارب الحياة العلمية والعملية فهو غرفة عمليات دائمة العمل، ويتكون العقل من جانب مادي وهو المخ، الذي يتكون من ملايين الخلايا، ومن جانب غير مادي يمثل الوعي وهو على مستويَين مستوى الوعي العقلاني ( المدرك ) ومستوى العقل اللاواعي غير المدرك ( مستودع المعلومات ).

الفرق بين العقل والمخ والدماغ

يشيع اعتقاد خاطئ بين الناس أنّ العقل يحمل نفس المفهوم للمخ، حيث يخلط العديد منهم بين المفهومين ويعتبروا أنهم وجهان لعملة واحدة. كذلك ساد الاعتقاد دوماً بأنّه لا فرق بين العقل والدماغ، وأنّهما سيان، لكن لم يخطر ببال العامة التعمق في المعرفة، ليعلموا أنّ هناك فرقاً عظيماً بين الدماغ والعقل، وأن مفهوم كل منهما يختلف عن الآخر اختلافاً كليّاً… ولتصحيح هذا الاعتقاد لا بدّ من التعرف على أبرز الفروق بين كل من العقل والمخ والدماغ.

العقل: ليس جزء من الدماغ وإنما هو مصطلح يُستخدم غالباً للتعبير ووصف جميع وظائف الدماغ البشري العليا، وعلى وجه الخصوص تلك الوظائف التي يكون فيها الإنسان واعياً، كالجدل والتفكير والذكاء والذاكرة والتحليل، وجميع الانفعالات العاطفيّة التي يتعرّض لها، والتي تعد وفق آراء البعض بأنها منسوبة للعقل. … إذن العقل هو ما يميز الإنسان عن الحيوان وليس الدماغ.

المخ : هو أحد أجزاء الدماغ حيث يهتم المخ بشكل عام بالوظائف الإدراكية والحسية والعقلية ووظائف اللغة.

إذنّ الفرق بين العقل والمخ يتمثل في أنّ الأول يشكل جانب معنوي غير ملموس مرتبط بالعمليات العقلية المختلفة، بينما يشكل الآخر عضواً او جزءاً مادياً وملموس يقع تحديداً في الجمجمة البشرية.

الدماغ: هو الجزء الكامل الموجود في الجمجمة والذي نعرفه جميعا وهو من أهم أجزاء الجهاز العصبي في جسم الإنسان ، حيث يتألف دماغ الإنسان من عدة أقسام: المخ والمخيخ والبصلة السيسائية، وهو يجمع المعلومات ويحللها ويسيطر ويدير علي معظم أعضاء الجسم و كذلك هو منبع إنتاج معلومات جديدة.

موقع العقل في جسم الإنسان

اكتشف العلماء المناطق المسئولة عن السمع والبصر والكلام في دماغ الإنسان، ولكنهم لم يكتشفوا مركز الحب والإيمان والضمير… أيضا عرف العلماء كيف يعمل المخ ولكنهم لم يتوصلوا إلي مكان وجود العقل؟.

 وقبل أن نناقش هذه النقطة لا بد أن نذكر أولا أنّ كل من زعم بأن العقل هو المخ فقد أبطل، لأن كل الحيوانات لديها مخ ولا عقل لها، وكذلك من استدل على وجود العقل بالقلب فقد أخطأ أيضا لأن كل الحيوانات تمتلك قلبا ولا عقل لها، إذْا ليس وجود المخ أو وجود القلب دليل على وجود العقل، لكن هل يلزم من عدمهما أو عدم أحدهما ذهاب العقل ؟

 يعتقد الكثير من الناس أن العقل موجود بالدماغ وأن القلب مجرد عضو كسائر الأعضاء له وظيفة ضخ الدم إلى الجسد، أو أنه مركز للحب والكره ونحوه من المشاعر فقط، لكنّ نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، وحتى بعض نصوص التوراة والإنجيل تدل على أن للقلب وظيفة أخرى وهي وظيفة التدبر والفهم والتفكير.

والسؤال المطروح هنا هو: أين توجد هذه الأداة المحركة للجوارح والتي يتم بها الإدراك والفهم والتمييز ؟ هل هي في الدماغ أو في القلب؟ أم فيهما معا ؟ أقول: إذا كان القلب في نظر الأطباء هو العضَلة التي تُنظِّم توزيع الدمِ حسب حاجاتِ البدَن، فإنه في نظَر الإسلام هو مصدر التوجيه والقيادة في الإنسان الذي يُضلُّه ويهديه.

لقد اختلف العلماء في تحديد مكان وجود العقل في جسم الإنسان وانقسموا في تحديد مكانه إلى طرفين، يرجح الطرف الأول وجود العقل في الدماغ، أمّا الطرف الثاني فيرجح وجود العقل في القلب ولكل فريق أدلته وبراهينه علي ذلك.

دليل وجود العقل في الدماغ

أيّد الأطباء والفلاسفة فرضية وجود العقل في دماغ الإنسان، وقدّم البعض دعمهم وتفسيرهم لذلك بأنّ العمليات الإرادية التي يقوم بها الإنسان عن وعي وبعد تفكير وتحليل لا تختلف كثيراً عن العمليات العصبية التي تحدث في جسمه كالتنفس وتحليل الأطعمة والروائح، أمّا البعض الآخر من الأطباء فلجئوا إلى أن الجهاز العصبي في جسم الإنسان لا يحتوي فقط على الدماغ، بل يمتد في جميع أجزاء الجسم من خلال الحبل الشوكي والأعصاب التي تنتشر في جميع خلايا الجسم وأنسجته، فعمل الجهاز العصبي في نقل الأوامر من وإلى الدماغ عبر السيلان العصبي في خلاياه وطريقة تفاعله مع باقي أعضاء الجسم وأجهزته تؤثر بشكل كبير في تفعيل العمليات العقلية وتخزينها في الدماغ.

وبالرغم من أن العلماء لا يعرفون مكان العقل إلاّ أنهم يفترضون وجوده في جمجمة الإنسان. فوجود “العقل” في الجمجمة أصبح من قبيل المسلمات في الوسط الطبي والفلسفي، لكن الواقع يقول أن وجود العقل في الجمجمة ادعاء لا يسانده أي دليل علمي أو تشريحي… الدليل الوحيد المتوفر هو صعوبة تقبل وجوده في مكان آخر كالمعدة أو الطحال مثلاً!.

دليل وجود العقل في القلب

رجحت الأبحاث العلمية الحديثة وجود العقل في قلب الإنسان، حيث رجح العلماء الفسيولوجيين ذلك بأنه عندما يتعرض الإنسان لموقف مفاجئ كالخوف الشديد فإن القلب هو أوّل ما يتأثر بذلك في جسم الإنسان عن طريق زيادة سرعة نبضاته و عددها، ثمّ يرسل الأوامر للدماغ بأن يقوم بأفعال لا إرادية كالقفز أو الهرب، أمّا البعض الآخر فرجّحوا أن القلب يحتوي على طاقة خاصة تساعده على استقبال المعلومات وتحليلها ومعالجتها. وقد وصف البعض هذه الطاقة بدماغ صغير شديد التعقيد يوجد في القلب، ولجأ علماء المسلمين إلى النصوص القرآنية لتحديد مكان وجود العقل ومنها قوله تعالى: “َ أ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا”. سورة محمد:24. حيث نسب التدبر والتفكير في هذه الآية إلى القلب، فهذه الآية تصرح بأن التدبر وإدراك المعاني يكُون بالقلب، ولو جعل على القلب قفل لم يحصل الإدراك ؛ فتبين أن الدماغ ليس هو محل الإدراك كما ترى..وقوله تعالى:”وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا” سورة   الأعراف: من الآية179.عابهم الله بأنهم لا يفقهون بقلوبهم ؛ والفقه هو: الفهم، والفهم لا يكون إلا بالعقل, فدل ذلك على: أن القلب محل العقل. ولو كان الأمر كما زعم الفلاسفة لقال: لهم أدمغة لا يفقهون بها .

 اكتشف العلماء أن القلب يحوي أكثر من أربعين ألف خلية عصبية لها دور مهم في التفكير والإدراك والسلوك وتوجيه الدماغ، وهذا ما أشار إليه القرآن بقوله تعالي: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” سورة الحج:46.ولم يقل: فتكون لهم أدمغة يعقلون بها، ولم يقل : ولكن تعمى الأدمغة التي في الرؤوس ، فقد صرح الحق سبحانه في آية الحج هذه بأن: القلوب هي التي يعقل بها، وما ذلك إلا لأنها محل العقل. ثم أكد ذلك تأكيدا لا يترك شبهة ولا لبسا ؛ فقال تعالى: وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ. 

أقسام العقل البشري

ينقسم العقل البشري إلى قسمين رئيسين هما:

العقل الواعي(الظاهر) Conscious Mind: هو العقل الذي يتحكم بكافة تصرفاتنا وأفعالنا ونظراتنا تجاه الأمور وفهمنا لها، ويعمل في حالة اليقظة ويعتبر مسئولا عن عشرة بالمائة من وظائف الجسم المختلفة، ويتمثل في العمليات العقلية المنطقية التي تجعل الفرد يفكر ويتصرف بشكل طبيعي وتبعاً للواقع وبعيداً عن التخيلات.

والعقل المدرك( الواعي) هو من يقوم بعملية التفكير فيحب أو يكره ويستنتج ويحلل ويختار ويرفض فإذا ركزتَ بتفكيرك على النجاح ستنجح، وإذا ركزت تفكيرك على عمل الخير ستتجه إلى عمل الخير، وإذا أكثرت من ذكر تجارب مبدعة ستبدع وهكذا… لماذا ؟ وكيف …؟. جميع إشارات تفكيرك وإعجابك وذكرك ومشاهداتك وتجربتك ودراستك وفرحك وحزنك، تُرسَل إلى عقلك الباطن وتخزن فى خلايا المخ وتصبح جميع هذه الأمور هي ذاكرتك وقاعدة بياناتك، وفي العقل الباطن الطاقة والقدرة على ربطها بكل معرفة اكتسبتها في حياتك .

العقل اللاواعي(الباطن) Unconscious Mind: يمثل العقل الباطن مستودع ومركز الإبداع والخير والعواطف ونقيضها أيضاً، لأنها تأتي من عقلك المدرِك وتخزن في خلايا المخ حتى تصبح جزءاً منك ومنها تنطلق الأوامر للتنفيذ. ويعدّ العقل الباطن هو المسئول عن تنظيم الحركات داخل الجسم، فقد تعمل عمل بيديك وتكون شارد الذهن بموضوع ليس له علاقة بما تعمله ورغم ذلك تنجزه، فقد تقود سيارتك حسب الأصول وبدون ارتكاب أي خطأ وفي الوقت نفسه يكون تفكيرك في شيء آخر ورغم انشغال تفكيرك بشيء غير القيادة تصل إلى المكان الذي تريد فتكون العملية أشبه ببرمجة إلكترونية.

ويختلف العقل الباطن غير الواعي عن العقل الواعي في كونه يعمل في حالة يقظة الشخص أو نومه، ويتحكم بما لا يقلّ عن 90% من وظائف الجسم المختلفة. كذلك يختلف في الخصائص والتصرفات، حيث أنّ العقل الباطن تركيزه غير محدود، فيستطيع تخزين وملاحظة الملايين من المعلومات في الثانية الواحدة، كما يربط المعلومات ليشكل سلسلة أفكار مترابطة، ويؤثر على تصرفات الإنسان، فمن خلال تهذيب عقلك الباطن يمكنك الحصول على نتائج ممتازة، والعكس صحيح في حال إساءة استخدامه.

كلمة أخيرة

لقد سبر العلماء غور العالم فاكتشفوا القارات ورسموا الخرائط وحددوا خطوط الطول والعرض ولم يتركوا عمق بحر إلا وكشفوه ولا جزيرة إلا وصلوا إليها ، ولا قمة جبل إلا وصعدوا عليها ، وبهذا اكتشفوا العالم الذي نعيش فيه وبدأوا يتطلعون إلى عوالم أخرى ، ومع ذلك فهناك قارة استعصت على روادها وأغلقت أسرارها ، هذه القارة هي رؤوسنا التي نسير بها كل يوم ونفكر بها كل لحظة !.

أين العقل من الدماغ؟ هل هو المخ؟ هل هو جزء منه؟ هل هو خارج نطاق الدماغ كلية؟ … أسئلة كثيرة محيرة لا نهاية لها تجعل الإنسان يقول إن العقل يعجز عن إدراك كيف يدرك وعن فهم كيف يفهم؟! ….

إن خارطة الدماغ لم يكشف منها حتى الآن إلا أشياء قليلة ، وحتى هذه المناطق المعدودة لم تعرف خارطتها بالتفصيل … فتبارك الذي جمع الأضداد وحل المتناقضات وأبدع في الخلق وجعل من البساطة تعقيدا ومن التعقيد بساطة كما جعل من العصا حية ومن الموت الحياة .

 

القائمة البريدية

إشترك في قائمنا البريدية ليصلك كل ما هو جديد من المقالات