ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس

الفَقْرَة 

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ 30الروم:41.

كَلِمَات إِرْشَادِيَّة 

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾, ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾, ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

لمَحَات بَيَانِيَّة وعِلْمِيَّة

تدل الدراسات الحديثة لتاريخ الأرض على أنه كان ذات يوم مليئاً بالغازات السامة، ثم انخفضت نسبتها تدريجياً وزادت نسبة الأكسجين وأصلح الخلل في جو الأرض ولولا هذه العمليات لم يكن للحياة أن تنشأ على الأرض, واليوم ازدادت نسبة التلوث من جديد فنجد العلماء يطلقون الصيحات المحذرة للبشر ألا يلوّثوا هذه الأرض لأن ذلك سيؤدي إلى الكثير من الكوارث البيئية, ولذلك فقد سبق القرآن للإشارة إلى هذه الحقيقة العلمية؛ فأكد لنا القرآن أن الأرض كانت ذات يوم غير صالحة للحياة فأصلحها الله, وأمرنا ألا نفسد فيها وأن ندعو الله ليجنبنا شر الكوارث فقال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ 7الأعراف:56.

لم تكن الأرض في بداية تكوينها صالحة للحياة, فتغيرت نسبة المواد السامة في الجو وانتشرت المراعي وعمرت الأرض بتنوعات الحياة.

ولقد دلت القياسات الإشعاعية لصخور الأرض أن عمر هذه الأرض بحدود 4.6 بليون سنة، حيث كانت الأرض في بداياتها عملاقاً ملتهباً مغلفة بالصخور الملتهبة، وهناك ملايين النيازك التي تصطدم بسطحها كل يوم كمطارق جبارة, ثم بدأت بالتبرد شيئاً فشيئاً، وبدأ بخار الماء بالتكاثف حولها في الغلاف الجوي، وبدأت الغيوم بالتشكل والأمطار بالتساقط بغزارة؛ مما أدى إلى نشوء البحار, وبدأت القشرة الأرضية بالتشكل, وبدأت التشققات تظهر على هذه القشرة فشكلت ما يسمى بالألواح الأرضية، وبدأت هذه الألواح بالحركة والتصادم فيما بينها لتتشكل الجبال، والسائد أن الحياة قد بدأت على هذه الأرض قبل 3 بليون سنة, وقد وجدت شواهد على حدوث انقراض مفاجئ للعديد للديناصورات والعديد الكائنات الحية قبل 65 مليون سنة، وقد أرجع المختصون الحدث إلى نيزك ضخم اخترق الغلاف الجوي للأرض وسبب الحرائق والدمار والتلوث فهلكت جملة أنواع من المخلوقات بالكامل, والأرض في بدايات خلقها كانت ملوثة بالغازات السامة، ولم يكن الأكسجين قد ولد بعد، ثم تمت تنقية الجو، وهكذا أصلح الله تعالى الأرض للحياة, فكمية غاز الكربون وغاز الميثان كانت أعظم بمئات المرات مما هي عليه اليوم، أي كان هناك فساد في جو الأرض وأصلحه الله من خلال خلق النباتات التي امتصت هذا الغاز لصنع غذائها، ومن خلال ذوبان جزء هذا الغاز السام في المحيطات, وبنفس الوقت خلق الله كميات هائلة من البكتريا التي تنتج الأكسجين بكميات كبيرة، واستمرت هذه العملية ملايين السنين وكانت البكتريا والنباتات بمثابة أجهزة لتنقية جو الأرض, وباختصار كانت الأرض ذات يوم ملوثة بشدة فأصلحها الله تعالى لنا برحمته, ولكن كيف عرف العلماء بنسبة الكربون مثلا في الجو قبل ملايين السنين؟ لقد وجدوا أثناء أخذهم عينات من الجليد، وهو يحوي فقاعات من الغاز، وبعد دراستها وما تحويه من عناصر تدعى النظائر المشعة، فإنهم يستطيعون من خلال كمية الإشعاع المتبقية في هذه العناصر أن يحسبوا عمر هذه الفقاعات، وكيف كان الجو السائد في ذلك الزمن.

وقد دلت الدراسات أن نسبة غاز الكربون في الجو الآن أعلى بثلاثين في المائة من العصور السابقة، ونسبة غاز الميثان أعلى بنسبة مئة بالمائة. ونسبة غاز الكربون تزداد بمعدل واحد بالمائة كل عام، وهذه الزيادة المتسارعة هي بسبب النشاط البشري في حرق الوقود وإنتاج الطاقة, ولذلك إذا استمرت الزيادة كما هي عليه الآن، فإنه خلال مئة عام ستكون نسبة غاز الكربون في الهواء أعلى من أي وقت مضى على تاريخ الأرض خلال المليون سنة الماضية.

ولم يكن أحد زمن التنزيل يعلم أن الإنسان قد يفسد النظام البيئي العالمي, وفي قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ الروم: 41؛ ورد التعميم ليشمل كل سطح الأرض؛ برا وبحرا, في التعبير (فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ), ولفظ (الْفَسَادُ) عام؛ يمتد ليشمل الفساد البيئي نتيجة لسوء صنيع الناس بها, والاحتباس الحراري تعبير معاصر يقدم مثالا؛ يؤكد دلالة القرآن في إمكان الفساد البيئي للعالم كله نتيجة النشاط الإنساني.  

وقد ابتكر أرينيوس مصطلح الاحتباس الحراري Global Warning عام 1896م، وتوقع أن الوقود الحفري المحترق سيزيد من كميات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وأنه سيؤدي إلى زيادة درجات حرارة الأرض؛ مثلما يُعرف بتأثير دفيئة النبات Greenhouse effect, فإن أشعة الشمس تتغلغل وتسخن الداخل إلا أن الزجاج يمنعها من الرجوع إلى الهواء المعتدل البرودة في الخارج, واستنتج أنه في حالة تضاعف تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي فإننا سنشهد ارتفاعا بمعدل 4 إلى 5 درجات مئوية في درجة حرارة الكرة الأرضية؛ ويقترب ذلك على نحو ملفت للنظر من توقعات اليوم, وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهر اختلال في مكونات الغلاف الجوي نتيجة النشاطات الإنسانية وتقدم الصناعة, ونتيجة لزيادة معدلات العوادم الصناعية أصبحنا نلاحظ الآن اتضاح ظاهرة الدفيئة وتغير المناخ, فتركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي أصبح أعلى بحوالي 32% عما كان عليه تركيزه قبل الثورة الصناعية, وحسب تقرير اللجنة الدولية لمراقبة التغيرات المناخية قد ارتفعت درجة الحرارة إلى ما بين 0.4 – 0.8°م خلال القرن الماضي.

وقد كشفت دراسة حديثة أن عدد الأعاصير المدمرة مثل كاترينا وأندرو قد تزايد خلال العقود القليلة الماضية, وعزت سبب هذا التزايد إلى ظاهرة الاحتباس الحراري‏, كما بينت أن عدد الأعاصير الشديدة قد ارتفع من 11 إعصارا سنويا إبان السبعينيات إلى 19 إعصارا منذ العام 1990, واستنادا للمبدأ القائل بأن المحيطات هي سبب التغيرات المناخية التي تحدث على اليابسة قال بيتر وبستر من معهد جورجيا للتكنولوجيا أن بخار الماء الناتج من ارتفاع درجة حرارة مياه المحيطات هو بمثابة الوقود الذي يعجل من سرعة الأعاصير, وأعلن أن معدل درجة حرارة مياه أسطح البحار قد ارتفعت درجة مئوية بين العامين 1970 و2004, وحذر غريغ هولاند من المركز القومي لأبحاث المناخ بأن من المحتمل أن تشهد السنوات المقبلة تزايدا في أعاصير تشبه في خطورتها وقوتها الإعصار كاترينا والإعصار أندرو, وأجمع الباحثون على أن ارتفاع درجات الحرارة على أسطح البحار سببه الرئيس هو الاحتباس الحراري.

وقد لوحظ أن 171 إعصارا شديدا قد ضربت المنطقة شرق الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 1975 و1989 وأن العدد ارتفع إلى 269 في الفترة الممتدة من عام 1990 إلى عام 2004, وقد اعترفت كذلك أكاديمية العلوم الوطنية الأمريكية بوجود علاقة بين النشاط البشرى الذي يؤدى إلى انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون وبين ظاهرة الانحباس الحراري وما تسببه من آثار مدمرة للبيئة, وأصدرت كل من وزارتي الطاقة والتجارة الأمريكيتين تقريراً مشتركاً يتضمن اعترافاً صريحا بالأضرار التي يمكن أن تلحق بكوكب الأرض بسبب الاحتباس الحراري, وتشكل أوربا واليابان وأمريكا الشمالية مجتمعة ما يقرب من 15 % من سكان العالم إلا أنهم مسئولون عن حوالي ثلثي (66 %) غاز ثاني أكسيد الكربون الذي تطلقه المصانع, وأما الولايات المتحدة الأمريكية التي لا يزيد عدد سكانها عن 5 % من سكان العالم فهي مسئولة وحدها عن ربع تلك الكمية (25 %), أي أن أقل من 20 % من سكان العالم يتسببون في إطلاق أكثر من 90 % منها, ولكن العواقب الوخيمة تنال الكل على حد سواء ولا تميز بين من أطلقها ومن لم يطلقها.

وإذا ارتفعت درجة حرارة الكوكب نتيجة لتراكم مخلفات المصانع خاصة في البلدان المتقدمة تلك فمن المحتمل أن تزداد حرارة سطح المحيطات في المناطق الاستوائية فتتضاعف الأعاصير وتزداد عنفا وضراوة ويذوب جليد القطبين ويرتفع مستوى سطح البحر ليدمر مدن الشواطئ، وقد تضاعفت موجات الحر في معظم بلدان العالم منذ أواخر القرن العشرين بما لم يسبق له مثيل طوال الألفية الماضية, ووفقا لسجلات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية شهد عام 2003 موجة حر قاسية, وشهد عام 2002 موجة حر أشد قسوة, وأما موجة الحر عام 1998 فلم يشهدها صيف خلال السنوات الألف الماضية منذ عام 1861, ويقدر معدل ارتفاع درجة الحرارة في الفترة منذ عام 1976 حتى عام 2005 بثلاثة أمثال معدله للسنوات المائة الماضية, وينذر الارتفاع في درجة الحرارة بتوالي الكوارث بنسق متصاعد.

ويتوقع الخبراء أن يزداد ارتفاع سطح البحر إلى 88 سنتمتراً بحلول عام 2100 الأمر الذي يهدد حياة 100 مليون إنسان يعيشون على أراضي منخفضة, ناهيك عن تزايد الإصابة ببعض الأمراض كالملاريا نتيجة لتزايد تكاثر البعوض الناقل لها في الجو الحار, وقد نبهت هذه التحذيرات الدول للتداعي إلى الاجتماع في محاولة لتجنب الخطر من خلال اتفاقيات ملزمة كان أبرزها معاهدة كيوتو Kyoto Protocol الذي وافقت عليه كل الدول الصناعية الكبرى إلا الولايات المتحدة الأمريكية ذات المسئولية الأعظم في تخريب المناخ, ولكن مع توالي الأعاصير وتزايد عنفها يوما بعد آخر يدفع سكانها الأبرياء الثمن, وكل ذي حس إنساني تؤلمه المشاهد المروعة يواسي المنكوبين وينتظر غد تتكاتف فيه أيدي الجنس البشري جميعا للعيش بسلام وبناء عالم يخلو من العنصرية والأطماع والاستكبار, والأمل على الأقل أن يُستجاب لتحذيرات الخبراء, والعجيب أن تلك التحذيرات تتفق تماما مع ما سبق وقرره القرآن من أن الفساد في البيئة قد ينجم عن النشاط البشري في قوله تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الّذِي عَمِلُواْ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ” الروم: 41.

إن زيادة نسبة غاز الكربون سوف تتسبب بتغيرات مفاجئة بالمناخ، وهذا سوف يسبب بعض الكوارث الطبيعية، وينتج عن ذلك مجاعة، وسوف يرتفع مستوى سطح البحر عدة أمتار بسبب ذوبان الجبال الجليدية في القارة المتجمدة الشمالية والجنوبية. وهذا سيؤدي إلى غرق مدن ساحلية بأكملها نتيجة هذا الارتفاع الكبير, إن زيادة نسبة الكربون في الجو خلال العصور السابقة للأرض كانت بفعل الظواهر الجيولوجية كالبراكين وما تقذفه من غازات، وعلى الرغم من الكميات الهائلة التي أطلقتها البراكين فيما مضى، إلا أنها تبقى أقل بكثير مما يطلقه البشر اليوم من ملوثات.

وقد كشف القرآن الكريم هذه الحقيقة العلمية المستترة في أعماق التاريخ فأكد لنا أن الأرض كانت ذات يوم في الماضي غير صالحة للحياة فأصلحها الله تعالى, وأمرنا ألا نفسد فيها وإلا عمت الكوارث بسبب بشري لا بيئي, فقال تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) 7الأعراف:56, وفي مؤتمر باريس 2 الذي عقد في مطلع العام 2007 واجتمع فيه أكثر من 500 عالم من مختلف أنحاء العالم خرجوا بنتائج أهمها أن الفساد البيئي والتلوث قد شمل البر والبحر وحتى البشر والنبات والحيوان، وأن الإنسان هو المسئول عن هذا الإفساد، وأن هناك إمكانية للرجوع إلى النسب الطبيعية لغاز الكربون في الغلاف الجوي, والعجيب أن القرآن لخَّص لنا هذه النتائج بآية واحدة فقط تشير إلى ظهور هذا الفساد في البر والبحر بسبب تدخل الإنسان، يقول تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) 30الروم:41.

قُطُوف تَفْسِيرِيَّة

 Interpretation picks  

قال الماوردي: “قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} في {الفَسَادِ} أربعة أقاويل؛ أحدها: الشرك؛ قاله السدي, الثاني: ارتكاب المعاصي؛ قاله أبو العالية, الثالث: قحط المطر؛ قاله يحيى بن سلام, الرابع فساد البر: قتل ابن آدم أخاه, وفساد البحر: أخذ السفينة غصباً, ويحتمل خامساً: أن ظهور الفساد ولاة السوء, {فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} هنا أربعة أقاويل؛ أحدها: أن البر الفيافي والبحر القرى؛ قاله عكرمة، وقال: إن العرب تسمي الأمصار البحار, الثاني: البر أهل العمود والبحر أهل القرى والريف؛ قاله قتادة. الثالث: أن البر بادية الأعراب؛ قاله الضحاك والبحر الجزائر؛ قاله عطاء, الرابع: أن البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر, والبحر ما كان على شط نهر؛ قاله ابن عباس, وللمتعمقين في غوامض المعاني وجهان؛ أحدهما: أن البر النفس والبحر القلب, الثاني: أن البر اللسان والبحر القلب. لظهور ما على اللسان وخفاء ما في القلب, وهو بعيد, {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} قال السدي: بما عملواْ من المعاصي واكتسبوا من الخطايا, {لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا} من المعاصي جزاءً معجلاً في الدنيا وجزاءً مؤجلاً في الآخرة؛ فصار عذاب الدنيا بعض الجزاء, {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: يرجعون عن المعاصي, قاله أبو العالية, الثاني: يرجعون إلى حق؛ قاله إبراهيم, الثالث: يرجع من بعدهم؛ قاله الحسن”[1].

  • ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ 7الأعراف:56.
  • ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ 30الروم:

[1] الماوردي؛ النكت والعيون, تحقيق السيد عبد المقصود عبد الرحيم, دار الكتب العلمية بيروت (4\ 317).

هداية الموائمة المعيشية

يوجد عشرات الآلاف من المخلوقات وحيدات الخلية. وغشائها الخلوي (كما الحال في خلايا الكائنات الأكبر حجماً) به “موائمة” خاصة لوظائفه الحيوية من حركة وتغذية منتقاة وانقسام تكاثري الخ. وهذه الموائمة تجعل من هذا الغشاء كما لو كان غشاء “عاقلاً يجيد التمييز وحسن اختيار ما يتوافق مع وظيفته”.

ولا تمتلك الضفادع أسنانًا للمضغ لكن وهبت تجويف فم واسع لبلع كامل فرائسها (من الحشرات وغيرها). ولأقدامها وسائد لزجة تثبّت خطوها في البرك والمستنقعات فهو يعد من فئة البرمائيات. وللذود عن نفسه.. لدي “الضفدع الشيلي” عيوناً وهمية على ظهره تظهره كأنه أفعى خطيرة فيهابه الأعداء. ويظهر ضفدع السهم السام “dendrobates بهيئات ملونة زاهية وملونة لكنه سام.

وهو صغير الحجم (طوله 2-5 سم، ووزنه 3 جم)، ويقفز لمسافة 10-20سم. وخلافا لمعظم الضفادع هذه الأنواع تنشط خلال النهار ويقتل شخصاً بمجرد ملامسة جلده، فيفرز مادة سامة  “باتراكوتسينا”. ويكفى نحو اثنين ميكروجرام يحتويها جلده لقتل عشرة بالغين. وسمي بذلك لاستخدام الهنود الحمر إفرازاتها لتسميم رؤوس الأسهم لتقتل فوراُ. أما ضفدع الرعب” horror frog“/الضفدع المُشعر” فعند شعوره بالخطر يكسر أصابعه فتشق العظام طريقها عبر الجلد وتبرز للخارج، فيستعملها كمخالب حادة للدفاع عن نفسه. ثم يلتحم العظم واللحم مجدداً بعد فترة قصيرة.

لدي “الضفدع الشيلي” عيوناً وهمية على ظهره تظهره كأنه أفعى خطيرة فيهابه الأعداء

  ويتواءم الحلزون الكوبي مع بيئته أيًا كانت، ويفرز “الحلزون الضعيف عديم العضلات” سائلا مخاطيا لزجاً يساعده علي الانزلاق إلي الأمام. بينما يعيش حصان البحر في بيئات بحرية ضحلة عامرة بتيارات الماء القوية لكن ذيلًه يجعله موثوقاً إلي النباتات فلا ينجرف جسمه. بينما تتحرك مجدافيات الأرجل على سطح الماء بقرون استشعارها الممدودة كالباراشوت،. ويتحرك نجم البحر بالتلاعب بضغط الماء عن طريق أنابيبه الدقيقة أسفل قدمه، ويملك إخطبوط النوتي أصدافًا داخلية يملؤها بالهواء ليطفو كالغواصة، وتحوز السلحفاة البحرية ترسًا انسيابيًا للحركة يشبه العجلة، ويسحب الحبّار الماء ويضغطه بقوة فيتحرك بالدفع النفّاث كالطوربيد.

    وتضع أنثى سمكة “جاو فيش” (في المياه الضحلة بجزيرة “كورون” بالقرب من السواحل الفلبينية) أكثر من 400 بيضة؛ داخل فم الذكر/ الأب. فيصوم.. ولا يمكنه مضغ أي طعام طيلة فترة وضع البيض داخله؛ لحين الفقس وخروج الذريعة للحياة. كما يضطر الذكر لإبقاء فمه مفتوحاً طيلة فترة الحضانة؛ لتوفير الماء الغني بالأكسجين اللازم للبيض. كما يقوم بتدوير البيض حتى يحصل الجميع بالتساوي على حصته من الأكسجين.

حرباء ملونة تصطاد بلسانها الطويل
رسم لشكل لسان الحرباء

نماذج لموائمات في أمة الزواحف

   قد تبدو الحرباء بطيئة السعي علي معاشها مما قد تتعرض لعدوان أعدائها. لكن يسبقها لسانًها بالغ الطول والسرعة ليساعدها لصيد قوتها من الحشرات، كما أنها بارعة في التلون (لتصبح بلون صخرة أو جذع شجرة الخ) والتخفي والتمويه البيئي تحايلاً علي أعدائها حتي باتت مضرب المثل في ذلك. كما رزقها الله تعالي عينين تتحركان مستقلتين عن بعضهما البعض. ووقت الفجر.. تغدو عيون التماسيح حمراء لوجود سطح عاكس للضوء (البساط الشفاف) “Tapetum lucidum” ، يعكس الضوء في خلايا المستقبلات الضوئية، مما يتيح رؤية فائقة في حالات الإضاءة المنخفضة. وهو الوحيد الذي يحرك فكها العلوي أثناء الطعام أما باقي الكائنات الحية فتحرك فكها السفلى. بينما فك “أفعى الأَصَلة العاصرة” غير مثبّت بجمجمتها فيمكّنها من ابتلاع فريستها مهما كان حجمها.

 

نماذج لموائمات في أمة الحشرات

   جراد الصحراء “لا يورث غذاءً، بل سلاحا”. حيث يتغذي علي أوراق نبات Calotrpus procers المُحتوية علي سُمين يريدهما الجراد (دون سائر سمياته) للدفاع عن نفسه ضد أعدائه. ويترك منهما مخزوناُ بجانب بيضه حيث تفقس حشراته الصغيرة فتجد “أسلحة كيميائية دفاعية”. وهل تابعت حشرة “بتيلوسيرس” التى تتصنع الموت بجوار بيت للنمل، وعلي بطنها شعيرات ناعمة حمراء تحيط بغدة تفرز رحيقاً. ويمتزج الرحيق بالشعيرات ليكون “فخاً جاذباً”. فعندما تلعقه نملة “تتخدر” فتنهض الحشرة “المخادعة” فتفصل رأسها عن جسدها. وتدفع خرطومها في رقبتها فتمتص مكوناتها الحيوية فلا يبقي من النملة إلا جلدها، لتعاود التماوت مرة أخري. وعلى شاكلتها.. ينخر “الزنبور” بإبرته السامة المركز العصبي “للجندب النطاط” فـ “يخدره”، ولا ينفق فيفسد لحمه، بل يبقي “لحماً محفوظاُ” تبيض عليه الأنثى، وتغطي الحفرة وتموت وقد “أمنت” لصغارها غذائهم قبل قدومهم. ويشن النمل (السفاح) غارات على مستعمرات مجاورة، فيقتل ملكتها، وينهب محتوياتها، ويعيث فيها فسادها، ويقتاد شغالاتها فيجبرهن على العمل لديه.

  ويربي النمل قملة النبات ويحميها مقابل ندى العسل السكري الذي تفرزه له ويعشقه، وزهرات النبات تعطي الحشرات رحيقها المجاني لقاء لصق حبوب لقاحها على ظهر الحشرة لتنقلها إلى مياسم أزهار أخرى وتتزاوج. وتستطيع النحلات الطنانة رف جناحيها بسرعة 230 رفة/ ثانية. فتولد شحنات كهربائية موجبة، فتجمع غبار طلع الأزهار (ذو شحنة سالبة) فيلتصق بأجسادها. وتتحسس النحلات الحقل الكهربائي للزهرة، وتحديد ـ من علٍ ـ الأزهار التي تمت زيارتها من أخريات اعتماداً على الشحنات الموجودة في الأزهار. ويستطيع الذباب الطيران في أي اتجاه والطيران على أحد الجانبين ويقرر وجهته في واحد على مائة من الثانية. وله ثمان وثلاثين عضلة، عشرون منها تحرك الأجنحة والباقي لتحريك الرأس في جميع الاتجاهات. ويتعدي عدد ضربات جناحيه 200 ضربة / الثانية. وله في كل عين 600 عدسة وكل عدسة تتصل بمخ الذبابة. وهذه العيون ترى في كل الاتجاهات وتستطيع أن ترى أكثر من 100 صورة / ثانية. وجسمه مغط بزوائد تمكنه من الالتصاق بأي جسم. وعندما تلتهم الذبابة شيئاً من الطعام تبادر إلى فرز أنزيمات هاضمة عليه، لتحلله، فيصل ـ في ثوان ـ إلى معدتها مهضوماُ ومغايراً لحالته الأولي.

    نماذج لموائمات في أمة الطير

  كالشراع.. أجنحة طائر القطرس المحيطي طويلة ورفيعة تمكنه من السفر عبر المحيط أياماً دون تعب. وللبومة الثلجية ريش أبيض ناعم يمكنها من الطيران والتخفي والاصطياد في صمت تام. وللبشروش المائي أقدام مُكفّفة تمنعها من الغوص في الطين. أما (الطيور الثعبانية) أو (القاذفات) كالقاذف الإفريقي والزق الأحمر والزقة الأميركية التي تسبح وأعناقها الطويلة نسبياً مرفوعة خارج الماء فتبدو كرأس أفعي الكوبرا. كما تغوص باحثة عن فرائسها لفترات طويلة. وبيض طائر “الزمّار” الذي يعيش على الشاطئ ألوانه مُموّهة على شكل الرمال لتحميه من باقي الطيور. وانظر لهذا العبقري.. طائـر (الماليـو) Maleo Birds و”إستراتيجيته” في تفريخ بيضه (ست بيضات). حيث تقوم الأنثى بدفنها في حفرة قـرب أراض بركانية لتستفيد مـن درجـة حرارة الأرض. وبعد دفـن بيضها تنتهي علاقتها به، فتخرج الأفراخ ـ بعـد ثلاثة أشهـرـ مكتملة الريش وقـادرة علـى الطيـران (غريزياً).

  أما الدجاج والبط فيمتلك قدرة (النوم نصف الدماغي)، حيث ينام النصف ويبقى الآخر مستيقظاً مما يساعدها على البقاء منتبهة لأي مفترس محتمل. وتستطيع فصائل البوم (تزيد عن مائتين) تدوير عنقها ورأسها لما يقارب 270 درجة!. إنه التواء شديد لا يكسر عنقها المكون من أربعة عشرة فقرة بينما تمتلك معظم الفقاريات سبع فقط. أما عيونها فغير كروية (لا تتحرك في اتجاهات) بل علي شكل (أنبوب العين) مما يوفر رؤية ليلية استثنائية، عبر منظور ثابت، وهذا يفسر امتلاكها لتلك العنق المرنة. وإوزة “أبو قرن” Spur Winged Goose (Meloidae) من الطيور الإفريقية البرية غير المهاجرة. وتعتمد في نظامها الغذائي على خنافس البثور (تحتوي سم الكانثاريدين)، لذا فلحمها سامً لمن يأكله (عشرة مللي لترات تقتل شخصا) بينما تعيش هي سليمة معافاة.

نقار الخشب

    ومناقير “الهدد”، وطائر الشنقب، و”الكروان” الطويل يمكّنها من النبش ـ كملقاط من الوصول للديدان داخل الرمل والطين الرخو. ويمتاز منقار طائر نقار الخشب، والطوقان بقوته وسرعته، وامتصاص صدمات هذا النقر. وهو يشبه “الإزميل” الذي يُمكن من اختراق الطبقة الفلينية للأشجار للبحث عن الحشرات والديدان المتواجدة في ثقوبها. وذلك بعد تحديد مواضعها، فيلتقطها بلسانه اللزج. ولتلك التي تلتقط الحشرات وهي طائرة مثل طائر “السنونو” منقاراً مضغوطاً من أعلى للأسفل ويصل أقصى عرض له عند قاعدته. وتوجد طيور ماصة لرحيق الأزهار، مثل طائر الطنان/ الزنان، يتميز منقارها بكونه طويل، وأنبوبي الشكل، كالماصة. ويدفعه الطائر داخل عنق وقلب الزهرة لامتصاص الرحيق. وفي هذا المضمار.. يشكل المنقار وسيلة هامة لتلقيح الزهور المختلفة. ولطائر النورس بقعة براقة ملونة في الفك السفلي يقوم صغاره بالنقر عليها لحث الآباء على التقيؤ، وتغذيتهم.أما الطيور الجارحة أو سِباع الطير، كالعقبان والصقور والنسور والبوم، فيكون منقارها (مِنسرها) حاداً مدبباً. وطرفه معقوفاً،ً يشبه الخطاف. ليساعدها علي تمزيق اللحوم إلى قطع صغيرة. في حين أن التي تتغذى على السمك، كمالك الحزين، فمنقارها طويل وطرفه مدبب كطرف الرمح/ الحربة. حيث يغرزه في جسم السمكة ويرفعها من الماء. ويتغذي البجع، أيضاً، على السمك، لكن فراغ فمه يمتد من أسفل ليكون “جراباً” يخزن فيه السمك الذي يصطاده. ويسع هذا الجراب حوالي 16 رطلاً من السمك. أما الطائر الملعقي فله منقار يشبه الجاروف ويستخدمه في اصطياد الأسماك الصغيرة وغيرها من أنواع الغذاء الموجودة في مياه الشواطئ والمستنقعات.

    نماذج لموائمات في أمة الثدييات

   قواطع الغزال الأمامية آكل الأعشاب منتظمة كآلة جز الحشائش، وأنياب النمر قاطعة كالخناجر، وأسنان الأسد الخلفية تشبه المقصّات، ولأقدامه وسائد رخوة تحميها من وعورة الغابات. بينما أوتار أقدام الكانجارو تتمدد كالأستك عند الهبوط فتدفعه لأعلى مثل الزنبرك. ويغير الأرنب البري لون جلده ـ شتاءـ إلى الأبيض فيصعب على الذئب الثلجي اصطياده. وتعد “الظربان” حيوانات مسلحة بسلاح كيميائي قوي في غدتها الشرجية إذ يطلق رائحة كالبيض الفاسد ترغم أشد الخصوم على الهرب. وتنشط الوطاويط (ثدييات تطير) ليلاً، وتنام نهاراً. وضمن أنواع عديدة منها.. يوجد لدي “الخفافيش آكلة الحشرات” آذان كبيرة نسبياً، وعيون صغيرة جداً، وطيات جلدية معقدة، وناميات علي أنوفها، يري المختصون أنها أساسية لاهتدائها للطيران والتغذية في ظلمة الكهوف العاتية، وذلك عبر رجع الصدى للموجات فوق الصوتية (السونار). ولقد هداه الله تعالي لتحدد ـ كذلك بسمعهاـ ما إذا كانت هناك من حشرات تقف فوق الأغصان وأسلاك البرق لتصطادها، متفادية العوائق في ذلك الظلام الدامس.

   وتنام بعض الثدييات البحرية كالدلافين والحيتان، (نوماً نصف دماغياً)، فينام النصف ويبقى الآخر مستيقظاً. لذا تصعد للسطح للتنفس وهي نائمة.  ويتميز “الدلفين” أيضا بحدة سمعه فهو يستطيع أن يعين موضع فريسته بواسطة ترديد الصوت الذي “هداه” الله تعالي لاستعماله. ولمسافات طويلة.. ترحل الحيتان وتسبح متحلية بقدرة علي سماع الأصوات تحت سطح الماء ولمسافة ثلاثة أميال. فيتعرف أفراد السرب علي بعضه البعض، وعلي الظروف المحيطة. فكما تنتشر أغاني (البوب).. يكرر ذكور (الحوت الأحدب) ”أغنية“ مدتها من 10- 20 دقيقة ويشدو بها لما يزيد على 24 ساعة.

فما الغرض من وراء هذه العروض الموسيقية المستمرة؟. لعله جذب الإناث أو تحدي الذكور الآخرين أو لتحديد الموقع عن طريق الصدى، أو لمجرد أنهم يحبون الغناء!. فالمحيط مكان ضخم جداً، ولعلها الطريقة التي تقضي بها الحيتان وقتها. فتبدأ الألحان في تجمع صغير من الحيتان. وبعد نحو سنتين تنتشر الأغاني بين تجمعات كثيرة في المحيط.

     ويتفرد فرس النهر بحليب وردي اللون. فوفق نظامه الدفاعي.. يتنتج نوعين من الأحماض:  “hipposudoric (احمر قان)، و “norhipposudoric” (برتقالي). وتعيق هذه الأحماض البكتيريا من البقاء على جلده، وتعمل كواق شمسي ضد الأشعة فوق البنفسجية. وغالبًا ما يحتوي حليب فرس النهر على الحمض ذو اللون الأحمر (بمزج الأبيض والأحمر يعطي لونًا ورديًا). وكوب منه يحتوي نحو 500 سعراُ حرارياُ. وينتمي “القُنْدُس” إلي طائفة القوارض المائية وهو أبرع “مهندسي المملكة الحيوانية”. له أسنان حادة تشبه الإزميل لتعينه علي إنشاء السدودَ والمساكن من أخشاب الأشجار. ويتراوح عرض السد – الذي يقيمه زوج القندس- من متر إلى مائة متر، ثم يبني بيته وسط البركة جاعلاً مدخله تحت سطح الماء لحمايته من الأعداء. ويبلغ طول الأنفاق المؤدية لمسكنه أمتارًا، إذ تؤدي النهاية العليا للنفق إلى غرفة تتسع لإيواء أسرته مغطاة بطبقة من الطين المتماسك الجيّد الصرف لوجود أعواد خشبية بأسفله.

يعتبر القندس من ابرع المهندسين في بناء السدود النهرية

إنه يبني مسكنه عبر تكديس الأعواد الخشبية والطين تاركًا فتحة تهوية علوية، ثم يحفر بفمه التربة ليكوّن الأنفاق والغرفة الرئيسة، وقد يكوّن الطين المتساقط من بين الأعواد الخشبية أرضيةَ الغرفة. وعادة ما تحصل القنادس على المواد اللازمة للبناء بإسقاط الأشجار ليلاً، ويمكن قرض جذع شجرة قطرها 30 سم في ليلتين من العمل الدائب. ومن ثم تُفصل الفروع عن الجذع وتُجزَّأ إلى قطع يبلغ طول كل منها قدمًا.

  وحظيت القطط الأليفة بـ “شخصية مستقلة” ونادرا ما يسودها “النظام الأبوي” أو تعيش ضمن “نظام القطيع”. فغالباً ما تعيش منفردة، مستقلة، هانئة بتأملاتها الذاتية، محتفظة ببعض صفاتها البرية، لا تبدى مشاعرها كثيراُ‍‍‍‍‍‍‍. وهي تمثل نموذجا يحتذي في “النظافة العامة وفى التجمل”.. تقضى ساعات طوال في تنظيف نفسها، والعناية بشعرها. وتراها ـ توافقاً مع مظاهر الجمال والنظافةـ لا تترك فضلاتها إلا وقد أهالت عليها التراب، ودفنتها سواء كان ذلك في الطريق العام أو داخل البيوت حيث موضعها وأطباقها المُعدة لذلك الغرض. أتعلم الحيوان الوحيد الذي (يقدد) طعامه كالإنسان؟.

يعيش “قط الرمال” في صحاري الجزائر فقط. وهو من  الهرر “الأصيلة” ولا يتزاوج مع سلالات أخرى. يصطاد ليلا ويحرس وكره نهاراُ, طعامه الأساس هو القوارض والحشرات والزواحف والطيور الزرقاء والأفاعي السامة. لديه حاسة سمع فائقة ليسمع أصوات القوارض في جحورها تحت الرمال. وعند استهدافه لصيد.. يضع رقبته على الرمال وأذناه في مستوى أفقي على الأرض وحاكي في ذلك أنظمة الرادار في المسح الأفقي. ثم يحفر للوصول إليها. وطريقته في الاصطياد مبهرة، حيث يوجه ضربة خاطفة للرأس ويليها عضة قوية للرقبة حتى تموت. وعندما يصطاد فريسة كبيرة, يدفنها في الرمال, ويعود إليها عندما يجوع وهو بذلك الوحيد الذي يحاكي الإنسان في تجفيف اللحم وتقديده.

     وبكسله.. يوفر حيوان “الكسلان” طاقته، فطعامه (المختار) أوراق الشجر، وتزوده بطاقة وعناصر غذائية قليلة، ويتم هضمها ببطء. وبشبعه يكون ثلثي وزنه أوراقاُ مأكولة. ويترجل من فوق الأشجار مرة أسبوعياً لقضاء حاجته فى حفرة أرضية، يغطيها بالأوراق ثم يصعد لبر الأمان. وربما بفعلته هذه ـ يستطيع قضاء حاجته وهو معلق ـ يريد تسميد شجره المفضل!. لكن نصف حالات موته بسبب ترجله لقضاء حاجته. وتهتم الفيلة ـ اجتماعياً ـ بشؤون بعضها البعض. فتحزن لموت فرد منها، وتغطيته بالأغصان والتراب وتبقى بقربه لأيام. كما تحاول مساعدة بشر مصابين، وتنوح عند رؤية بشر متوفين كما تفعل مع أفراد عائلتها.  

   ولقد دُبجت كثير من الدراسات والمقالات والكتب عن الإبل وأنواعها، وسلوكياتها، واقتصادياتها، وتكوينها التشريحي والفسيولوجي. وكذلك سبل “موائمتها وتأقلمها” مع بيئتها وظروف معيشتها، وذاكرتها القوية التي تعرف خط السير حتى ولو عبرته منذ سنين، فضلاً عن مقاومتها للأمراض، وخصائص ونوعية لحومها، وكمية ومكونات وفوائد منتجاتها.

أما  مجموعة الحيوانات الرئيسة مثل (الجيبون، والأورانغ أوتان، والغوريلا، والشمبانزي الخ)، فوهبها الله تعالي قدرات “ذهنية”، ومعدلات “ذكاء” عالية، ومظاهر “ذاكرة” جيدة، واستعداد كبير “للتعلم” والتدرب، ومقدرة مُدهشة علي “التقليد والمحاكاة”. كل هذا، وغيره، يجعلها متوافقة متوائمة دورها الذي خلقت من أجله بين المخلوقات.

    والخلاصة: وهب الله تعالى الوجود لكل موجود ثم هداه إلي وظيفته الحياتية، وأمده بما يناسبها وأعانه عليها. فالخلق ابتداء والاهتداء للوظيفة متزامنان، بيد أن هداية كل شيء لوظيفته مرتبة أعلي من خلقه من عدم. إنهما هبة الخلق علي صور بديعة، وهبة الموائمة للمعيشة والوظيفة التي خلق من أجلها. وفي هذه وتلك.. دلالة علي ربوبية الخالق سبحانه وتعالي ـ جلت حكمته ـ فهو رب كل شيء وهاديه إلي سواء الصراط: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (سورة طه ن الآيات:49-50).

 

أ.د ناصر أحمد محمد سنه

كاتب وأكاديمي ومن باحثي موسوعة الأعجاز العلمي في القرآن والسنة

[email protected]

حوار مع البروفسور توماس أرمسترونغ THOMAS P. ARMSTRONG

 اعداد رعد الخزرجي

البروفيسور (توماس أرمسترونغ THOMAS P. ARMSTRONG)(1) أحد مشاهير علماء الفلك في أمريكا .. عمل في وكالة الفضاء الأمريكيّة (ناسا) وهو من مشاهير علمائها .

التقى به الدكتور الزنداني وسأله عن عدد من الآيات الكونيّة المتعلقة بمجال تخصّصه في  الفلك .

فقال:

( سأحدّثكم كيف تكونت كل العناصر في الأرض .. لقد اكتشفناها .. بل لقد أقمت عدداً من التجارب لإثبات ما أقول لكم .. إنّ العناصر المختلفة تجتمع فيها الجسيمات المختلفة من الكترونات وبروتونات وغيرها .. ولكي تتحد هذه الجسيمات في ذرة كل عنصر نحتاج إلى طاقة .. وعند حسابنا للطاقة اللازمة لتكوين ذرة الحديد وجدنا أنّ الطاقة اللازمة يجب أن تكون كطاقة المجموعة الشمسيّة أربع مرات .. ليست طاقة الأرض ولا الشمس ولا القمر ولا عطارد ولا زحل ولا المشتري وكل هذه المجموعة الشمسيّة بأكملها لا تكفي طاقتها لتكوين ذرّة حديد واحدة .. بل تحتاج إلى طاقة مثل طاقة المجموعة الشمسية أربع مرات .. ولذلك يعتقد العلماء أنّ الحديد عنصر غريب وفد إلى الأرض ولم يتكوّن فيها ) .

قرأ عليه الدكتور الزنداني قول الله تعالى :

﴿( َ.. وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ .. )﴾      الحديد :25

إضافة وتعليق :

          يتولد الحديد في النجوم العملاقة المستعرة (النوفا) والمستعرة العظمى (السوبر نوفا) .. وهي نجوم ضخمة هائلة الكتلة .. والتي عند نفاد وقودها الهيدروجيني تبدأ بالتقلص نحو مراكزها لتحدث فيها إندماجات نوويّة بين نويّات عنصر أثقل من الهيدروجين وهو الهيليوم الناتج العرضي للإندماجات النوويّة الهيدروجينيّة التي سبقت ذلك .. وعند نفاد الهيليوم تحصل إندماجات نوويّة بين نويّات عنصر أثقل آخر هو الليثيوم فينتج عنها عنصر أثقل .. وهكذا صعوداً بسلسلة عمليّات الإندماجات النوويّة بين العناصر الأثقل فالأثقل حتى تصل هذه الإندماجات النوويّة إلى عنصر الحديد الذي لا يقبل الإندماج النووي .. فيبدأ بالتراكم في قلب النجم حتى تصل كتلة الحديد فيه إلى (50) % من كتلة النجم .. فينفجر النجم لافظاً قشرته الخارجيّة للأنظمة الشمسيّة أو الكواكب السيّارة ومنها أرضنا التي تعرّضت لضربات نيازك متتابعة في بدايات خلقها عندما كانت حارّة وليّنة فاخترقتها النيازك الحديديّة إلى جوفها مشكلّة لب الأرض .. ودخل قسم قليل منها في تركيب باقي طبقات الأرض .

نعود إلى الدكثور الزنداني لمتابعة الحوار فسأل العالم (أرمسترونك) : هل في هذه السماء فروج وشقوق؟ قال : لا .. إنكم تتكلمون عن فرع من فروع علم الفضاء إسمه الكون التام .. وهذا الكون التام ما عرفه العلماء إلا أخيراً .. لو أخذت نقطة في الفضاء وتحرّكت مسافة معيّنة إلى اتجاه وتحرّكت بنفس المسافة في اتجاه آخر لوجدت أن وزن الكتلة في كل الاتجاهات متساو .. لأن هذه النقطة متزنة فيجب أن تكون الضغوط عليها من كل جانب متساوية .. والكتلة يجب أن تكون كذلك .. ولو لم يكن هذا الاتزان لتحرّك الكون وحدث فيه تصدع          وشقوق .

فقرأ عليه الدكتور الزنداني قوله تعالى :

﴿( أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ))   ق :6

وتم التحدّث معه كذلك عن جهود العلماء في محاولاتهم الوصول إلى حافة الكون رسأله : هل وصلوا إلى حافة الكون ؟

قال : نحن في معركة للوصول إلى حافة الكون .. إننا نكبّر الأجهزة ثم ننظر من خلالها فنكتشف نجوماً .. ونكتشف أننا ما زلنا بداخل هذه النجوم ما وصلنا إلى الحافة .. ولذلك نحن ننفكّر في إقامة التلسكوبات في الفضاء حتى لا يكون هذا الغبار والأشياء من الظواهر الجوية الموجودة على الأرض من العوائق التي تحول بيننا وبين هذه الرؤية .. إن التلسكوبات البصرية التي تستعمل الضوء أو البصر عجزت ولم تستطع أن تتجاوز بنا مسافات كبيرة .. فعوّضنا عن هذه التلسكوبات البصرية بتلسكوبات راداريّة فوجدنا مسافات جديدة .. ولكن لا زلنا داخل الحدود ..

فذكر له الدكتور الزنداني قول الله جل وعلا :

          ﴿( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ . ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ )﴾           الملك :3-4

وعرضت عليه الآيات القرآنيّة ذات العلاقة .. وكان كلما ذكر حقيقة علميّة ذكرت له الآية التي تحدثت عنها .. وهو يوافق على ذلك .. ثم قيل له : هذا أنت ذا قد رأيت بنفسك حقائق علم الفلك الحديث بعد أن استخدم الإنسان هذه الأجهزة والصواريخ وسفن الفضاء واكتشفت هذه المعلومات .. وها أنت ذا قد رأيتها .. ثم رأيت كيف جاءت في نصوص القرآن الكريم قبل (1400) عام فما رأيك في هذا ؟

فأجاب البروفيسور (آرمسترونك) :

( هذا سؤال صعب ظللت أفكر فيه منذ أن تناقشنا هنا وإنني متأثر جداً كيف أن بعض الكتابات القديمة تبدو متطابقة مع علم الفلك الحديث بصورة ملفتة للأنظار .. لست عالماً وافياً في تاريخ البشريّة وفي صورة يُعتمد عليها بحيث ألقي بنفسي تماماً في ظروف قديمة كانت سائدة منذ (1400) سنة .. ولكني بالتأكيد أودّ ألا أزيد على أن ما رأيناه جدير بالملاحظة .. ومع ذلك قد لا يترك مجالاً للتفسير العلمي .. قد يكون هناك شيء فيما وراء فهمنا كخبرة بشرية عاديّة ليشرح الكتابات التي رأيناها .. ولكن ليس في نيّتي أو وضعي عند هذه النقطة أن أقدّم إجابة على ذلك .. لقد قلت كلمات كثيرة على ما أظن دون أن أعبّر بالضبط عما أردتني أن أعبّر عنه .. إنّه من واجبي كعالم أن أظل مستقلاً عن مسائل معيّنة .. وأعتقد أنّ هذا عندما توقفت على أفضل وجه عند نقطة أقل قليلاً من إعطائك الإجابة التي قد ترغب فيها ) .

نعم .. أمر صعب أن يتصوّر أن هذا العلم الذي نزل في كتاب الله قبل نحو (1400) عام قد جاء إلى محمد (ص) من مصدر بشري .. لا بد أن هناك مصدراً وراء تفكير هؤلاء العلماء كما جاء بقوله تعالى :

﴿( قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً )﴾    الفرقان :6

إنّ هؤلاء العلماء على أبواب عصر جديد .. هذا العصر عصر تعانق الدين والعلم .. ولكن العلم الحق والدين الحق لا يمكن أن يكون بينهما تناقض .. ولا يمكن أن يكون بينهما تعارض .. وهذا ما قرّره علماء المسلمين عبر القرون .. لا يمكن أبداً أن تتناقض حقيقة علميّة قطعيّة مع حقيقة شرعيّة قطعيّة في دلالتها وفي معناها .. إذا كانوا يقولون نحن في عصر الفضاء وفي عصر الذرّة فكذلك نحن نقول : هذا صحيح .. ولكن عصراً أهم من ذلك يوشك أن يطلّ علينا هو عصر الاتفاق بين العلم والدين .. ولا يكون ذلك إلا بين العلم الصحيح والدين الإسلامي الذي حفظه الله من كل تبديل وتحريف .

قال تعالى :  (( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ))    النجم : 3 ــ 5

وقال تعالى :  (( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد )) سبأ : 6

 

(1) حصل الدكتور أرمسترونج على بكالوريوس في الفيزياء من جامعة كانساس عام 1962 ، ثم ماجستير ودكتوراه من جامعة أيوا في عامي 1964 و 1966 على التوالي. انضم توم إلى قسم الفيزياء وعلم الفلك في جامعة KU كأستاذ مساعد في عام 1968. وقد نالت مسيرته البحثية الغزيرة العديد من الجوائز وركزت على فيزياء الفضاء ، له مشاركات فعالة في وكالة ناسا. حيث شارك في بعثات مارينر مارس في السبعينيات إلى مهمة ساتورن كاسيني في عام 1998. تقاعد توم كأستاذ فخري للفيزياء وعلم الفلك في عام 2002 للعمل بدوام كامل في شركته ، Fundamental Technologies، LLC.

https://physics.ku.edu/thomas-p-armstrong

إشارات هاديات في عالم النبات

امتن الله تعالى على عباده بتسخير الأرض لهم، كآية من آيات بديع خلقه، تسحق الشكر: :“وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ، وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ، لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ” (سورة يس، ألايات:33-35). كما جعل من خصائصها.. صلاحيتها، وقابليتها للحرث والزرع:”أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ” (سورة الواقعة، الآيات:63-65).

والنبات “مفاعل حيوي” يقوم بتثبيت الطاقة الشمسية على الكرة الأرضية. فهو مصدر متجدد للأكسجين. كما يقوم بتثبيت نسبتي الأكسجين وثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. والنباتات وغطائها الأخضر تحمي الأرض من التصحُّر ومن انجراف التربة، ووجودها البيئي ضروري جدا للمحافظة على العديد من الحيوانات من خطر الانقراض. وهو صانع رئيس للغذاء (للإنسان، والحيوان)، والعديد الأدوية، والعطور. فالنبات يستغل الطاقة الضوئية، والماء، وثاني أكسيد الكربون ليكون لنا، وللكائنات الحية غير ذاتية التغذية (أي غير القادرة على تصنيع غذاءها من خاماته الأولية كما يفعل النبات) المواد الغذائية. فجميع المواد الكربوهيدراتية والبروتينية والفيتامينات الدهنية مصدرها الأصلي النبات.

وكانت النباتات- وما تزال- أحد أهم مصادر مواد البناء، والورق، والأصباغ، والزيوت، والأنسجة. حيث تبنى من جذوع الأشجار وأخشابها البيوت والسفن. وهي أيضا مصدر للطاقة عن طريق حرق الحطب للوقود. وهي في حد ذاتها أحد أهم المكونات الطبيعية التي تكون منها النفط والغاز والفحم منذ ملايين السنين، والتي تستخدم الآن كمصدر رئيسي للطاقة وللمنتجات الصناعية المختلفة. وعديدة هي مجالات الاستفادة الصناعية من النباتات وثمارها أو أزهارها أو بذورها أو أجزائها المختلفة. كما تشكل مصدر دخول للعديد من المزارعين، والحرفيين، والصناع.

وأذا ما كانت تلك بعض فوائد واهمية النباتات في حياتنا. فنجد في شريعتنا الغراء، المُتممة والخاتمة، كل ما يؤطر ويوضح ويقنن الحقوق والواجبات الملقاة علي عاتق الإنسان. وقد أصّل الرسول، صلى الله عليه وسلم، هذه الحقوق المتقابلة في أحاديث كثير منها: “أن “سلمان الفارسي” قال لأبي الدرداء بعدما رأى أن زوجته مبتذلة: (إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه”. فأتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك فقال: “صدق سلمان” (صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ 4/191 – 193). فهذا القانون، والمبدأ العظيم: “فأعط كل ذي حق حقه” شامل لكل العلاقات التي تربط الإنسان بربه أولاُ. ثم بنفسه، وأهلة، وبكل من، وما حوله. وللنبات من هذه الحقوق نصيب كبير.. مُقدر وهام. عليه أن يقابلها بالوفاء لا بالجفاء، وبالتحقيق لا بالعقوق، وبالشكران لا بالكفران، وبالاصلاح لا بالافساد، وبالتعمير لا بالتدمير.

من هذه الحقوق حقه في تمهيد الأرض واستصلاحها لزراعته. ومن هنا كان الهدي النبوي الشريف:“من أحيا أرضاً ميتة فهي له” (رواه أحمد). وفي هذا حث على استصلاح الأرض وزراعتها وإنشاء الطرق المؤدية إليها. كما أقطع الخلفاء الراشدون والولاة المسلمون الأرض البور لاستصلاحها وزراعتها وسحبت ممن لم يستصلحها. وله حق في مورد ماء دائم مناسب يديم عليه حياته ونمائه وأستوائه. فحياة النبات ترتبط بوجود الماء. لذا لزم حفر الآبار، وشق الأنهار والترع والمصارف، قال تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا، أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ” (سورة النازعات، الآيات: 30 – 33).

ولما فتح المسلمون البلدان عمدوا إلى إصلاح وسائل الري وتنظيمها ببناء السدود وحفر القنوات وإقامة الجسور والقناطر. واستثمروا الأراضي الزراعية باستنبات النبات المناسب في التربة الصالحة له، بعد أن وقفوا على خصائص أنواع التربة. كما اعتنوا بتسميد التربة، وجلبوا أنواعًا كثيرة من الأشجار والنبات والغلال، كالأرز وقصب السكر والزيتون والمشمش التي أدخلوها إلى أوروبا. كما نقلوا إلى أوروبا نباتات وأعشاباً طبية وعطرية كثيرة.

ولقد حمى الإسلام حق النبات في الغرس وجعل علي ذلك المثوبة من الله تعالى. وحتي لو لم يجد الزارع ثمرها، (كفسيلة النخل)، إلا بعد سنوات متطاولة. فعن “أنس بن مالك” رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل” (رواه البخاري في مفرده، والإمام أحمد في مسنده). وفي هذا ترغيب وحث علي غرس الأشجار، وزرع المزروعات حتي مع “الذهول” بقيام الساعة، وأحداثها. كما إن مثوبة الزرع أو الغرس ممتدة إلى ما بعد الموت، وصدقة جارية إلى يوم القيامة:”.. لا يغرس المسلم غرساً، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة”.

 وروى أن رجلاً مر بأبي الدرداء، رضي الله عنه، وهو يغرس جوزة فقال: “أتغرس هذه، وأنت شيخ كبير، وهي لا تثمر إلا في كذا وكذا عاما”. فقال “أبو الدرداء”: “ما علي أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيري؟”. وكان الفاروق”عمر”، رضي الله عنه، يساعد الرعية في غرس الأشجار. وقال لخزيمة بن ثابت: “ما يمنعك أن تغرس أرضك؟”. فقال: أنا شيخ كبير أموت غداً. فقال “عمر”: أعزم عليك لتغرسنها، وقام وغرس الأرض مع صاحبها.

ولقد سلك علي هذا النهج المسلمون فيما بعد. فكان من دأبهم إذا فتحوا بلداً بدأوا بشيئين: بناء المسجد وإقامة المشاريع الزراعية. وكان همُّ الولاة الأول ـ بعد العبادة ـ الاستقرار الاقتصادي الزراعي. ومن ثَمَّ سرعان ما قامت المزارع العامر ، والبساتين النضرة، والحدائق الغناء. حدث ذلك في المشرق والمغرب على حد سواء. وانتشرت في كل من بغداد، ودمشق، ومكة، والمدينة المنورة، والقاهرة، وقرطبة، وصقلية، وأشبيلية الخ.

وللنبات حق في الحماية من الهلاك بسبب الحيوان أو الإنسان، أو الإفساد في الأرض. ولذلك نص الفقه الإسلامي على أن صاحب الحيوان ضامن إذا خرجت حيواناته ليلاً وأهلكت زرع أحد الجيران. لأن عليه حماية حيواناته من الخروج ليلاً. كما جعل صاحب الزرع مسئولاً عن زرعه نهاراً فعليه حراسته. وإذا اعتدت عليه الحيوانات فهو الضامن لنباته. ولقد منع الإسلام الحجيج (وهم كثر) من قطع نبات الحرم أو إتلافه في مكان الحرم. ولقد أوصى الصديق “أبو بكر”، رضي الله عنه، قائد جيش الشام بقوله: “لا تقتل صبياً، ولا امرأة، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاه، ولا بعيراً إلا لمأكله، ولا تغرقن نخلاً، ولا تحرقه”. وهذه حماية للأشجار المثمرة، والنخيل، والزرع من الهلاك أثناء الحرب، والهرج والمرج. حق لم تكفله القوانين الوضعية ولا تشريعات الدول المتقدمة.

كما منع الإسلام الإفساد في الأرض بعد إصلاحها: “وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ” (سورة الأعراف، الآية: 56). ومن صور الإفساد التلوث البيئي الذي يُهلك التربة والنبات والماء فيحرم النبات من حقه في بيئة نظيفة: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (سورة الروم ، الآية: 41). وقد روى “أبو داوود” أن: “من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار”. والسدرة في الفلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم. وفي هذا حماية لأشجار البر من القطع الظالم، وحماية لأشجار الغابات من القطع الجائر.

وللأشجار والمزروعات التي يتم التفيؤ بظلالها حق في محيط بيئي نظيف. فقد حذرنا صلى الله عليه وسلم من قضاء الحاجة تحت الأشجار التي يُستظل بها، وقد يُنتفع بثمارها. وعد ذلك من “الملاعن”، فقال:”اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل”(رواه أبو داوود). ولم يعط الإسلام النبات حقه في الحماية فقط بل أقر حقه في الرعاية الخاصة. وفي كل سبيل ـ علمي، وبحثي، وعملي، وتقني ـ يؤدي لحسن إنتاجه. فقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بالأنصار وهم يُلقحون نخيلهم. فسألهم ماذا يفعلون فأخبروه، فلم ير ضرورة لهذا الأمر. وظنه الأنصار أمراً دينياً فتركوا التلقيح. فخرج الثمر رديئاً، غير صالح للأكل. فلما سألهم قالوا له: أنت أشرت علينا بتركه فقال لهم:”إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذوني بالظن، أنتم أعلم بأمور دنياكم”.

ومن حق النبات الإنتفاع بمنتوجاته، وأستثمارها  في سبيل تحقيق حُسن خلافة الإنسان علي الأرض. فتعينه هذه الأرزاق علي مواصلة عبادة ربه، وابتغاء مثوبته، ومرضاته. قال تعالى: “والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد وأحيينا به بلدةً ميتاً كذلك الخروج”(سورة ق، الآيتان: 10- 11)، ويقول جل شأنه:”وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون”(سورة الرعد، الآية: 4). وقال، صلى الله عليه وسلم: “يا عائشة بيت بلا تمر جياع أهله، أوجاع أهله، قالها مرتين أو ثلاثة”(من حديث رواه مسلم). وقال، صلى الله عليه وسلم:”كلو الزيت وادهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة”(رواه الترمذي).

   حق النبات في الدراسة، والبحث العلمي المفيد، والحفاظ على “أصوله وصفاته الوراثية”. قال تعالى:” وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ”(سورة الأنعام، ألآية: 99). و”النظر” هنا نظر تأمل وتدبر وبحث، وملاحظة منظمة، ودراسة علمية موثقة. ولقد صال وجال علماء ورواد مسلمون في علم النبات والأعشاب، منهم: “أبو الخير الأشبيلي”) عاش في القرن الخامس الهجري)، و”ابن العوام” (عاش في أشبيلية في القرن السادس للهجرة)، و”ابن الصوري” (573- 639هـ)، و”ابن السراج” (654- 720هـ)، و”الدينوري” (ت 282هـ، 895م)، و”الغافقي” (ت 560هـ / 1165م)، و”ابن الرومية” (1165- 1240م)، و”ابن البيطار” (1197- 1248م).

ومن المعلوم أن الله خلق النباتات وأودع فيها صفات وخصائص وراثية تميز كل نوع عن الآخر. فلا ينبغي “التلاعب والتحوير الجيني” الضار بصحة الإنسان والحيوان. قال تعالى: “وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا” (سورة الأعراف، الآية: 56).

كثيراً ما يلفت القرآن الكريم نظرنا إلي أن مقاصد خلق الإنعام ليست قاصرة علي توفير المنافع والضرورات المادية من طعام، وشراب، وتناسل، وركوب فقط. بل لتوفير المنافع المعنوية أيضاً وعلي رأسها تلبية وإشباع ذائقة الإنسان للجًمال، وحاجته إلى الزينة. كي يحسن تعرفه وتيقنه بقدرة ربه، وبديع صنعه في خلقه:” وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” (سورة النحل، الآيات::5-8). وإذا كان ذلك شان الأنعام ففي النبات، أيضاً، جمال رائع بديع ينبغي بيانه ولفت النظر إليه لتأمله، وتذوقه. قال تعالى: “أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (سورة النمل، الاية:60).

ويشير “أدولف بورتمان”، الحُجة في مجال أشكال الكائنات الحية وعلاماتها المميزة ووظائفها، إلي: “أن هناك سماتاً كثيرة لا تفسرها الضرورة أو الملائمة للبقاء، فالأوراق ضرورية لإنتاج الشجرة غذائها، ولكن هناك الكثير في شكلها، وخطوطها مما ليس تكيفا مع البيئة، بل هو أمر جمالي تصويري محض. إن عملية التمثيل الضوئي قد تفسر وجود وظيفة الأوراق، لكنها لا تفسر بأي حال تمايز وجمال ورقة البلوط عن ورقة القيقب” (المرجع الأصليِ Adolf Portmann: New pathways in Biology).

 

فالزهور، وأوراق النباتات وتصنيفاتها وعروقها وتعرجاتها الظاهرة والدقيقة، وألوانها، تعطي تصانيف جمالية لا حصر لها هي غاية في الإبداع والدقة والإنسجام والتناسق المبهر. صفات تبعث علي البهجة”:”.. وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ”(سورة الحج، الآية: 5)، ويقول تعالى: “وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ”(سورة ق، الآية: 7). ويقول جل شأنه:”أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ”(سورة الزمر، الآية:21). إنها دعوة مستمرة لتأمل “دنيا النبات” واليانع من الثمار:” وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ”(سورة الأنعام، الآية:99).

وحقه كمضرب للأمثال، لتقريب المعاني إلي الأفهام. فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ» قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ» (أخرجه البخاري). وعَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ النَّحْلَةِ لَا تَأْكُلُ إِلَّا طَيِّبًا وَلَا تَضَعُ إِلَّا طَيِّبًا”(صحيح ابن حبان). وعَن “أَبِي هُرَيرة”، عَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم قال: مثل المؤمن مثل الزرع لا تزال الريح تميله، ولاَ يزال المؤمن يصيبه بلاء ومثل المنافق كمثل الشجرة الأرز لا تزال تهتز حتى تنجفل”(مسند البزار). وفي مسند الإمام أحمد: عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ. وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا. وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ طَيِّبٌ رِيحُهَا وَلَا طَعْمَ لَهَا” وَقَالَ يَحْيَى: “مَرَّةً طَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْحَنْظَلَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا خَبِيثٌ”.

ومن حقوق النبات اخراج زكاته عند وجوبها. تنفيذاً لأمر الله تعالي الذي يصلح من شأن الناس قال تعالى: “وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”(سورة الأنعام، الآية: 141). وكذلك كي يبارك الله فيه ويحميه من الهلاك إذا ما تم منع حق الفقير والمسكين: “إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ، فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ”(سورة القلم، الآيات: 17-20. فلما منع هؤلاء النفر حق الله ، الذي هو حق المساكين والفقراء في انتاج الجنة أهلكها الله، وحرمهم منها.

خلاصة القول: ضمن علم الأحياء Biology يشغل علم النبات Botany موقعه الرئيس بجوار نظيره علم الحيوان Zoology. ومضمار علم النبات هو البحث في أنواعه، وخصائصها، وعجائبها، وأشكالها، وتركيبها، وعللها، ومنافعها، ومضارها، وكيفية التداوي بها. وللنبات أهمية كبري منها: فوائده الغذائية، والعلاجية، والطبية، والصناعية، والعطرية، والبيئية، والطبيعية. لذا ففي تلبية حقوقه علي خير وجه.. يتحقق جانب كبير من عمارة الأرض:” وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ” (سورة هود، الآية: 61). لكل مخلوق ـ من البشر، أو الحيوان، أو النبات، أو الجماد ـ من مخلوقات الله تعالي حقوقه. ولقد كثر الحديث عن حقوق الحيوان في الإسلام. والنبات ـ شأنه كشأن الحيوان ـ من أهم الكائنات الحية. فله خيرات كثيرة، ومنافع وفيرة، وفوائد عظيمة، وأهمية كبيرة. لو غابت لغابت الحياة من علي وجه الأرض. لذا إن لم يُعط حقه فسدت العلاقات، واختلت التوازنات، وتهدمت البيئات، وزالت الحضارات.

أ.د ناصر أحمد محمد سنه

كاتب وأكاديمي ومن باحثي موسوعة الأعجاز العلمي في القرآن والسنة

[email protected]

من صفاته عليه الصلاة و السلام في كتب السابقين؛ خروجه من الصحراء: وانتصاره على عباد الأصنام من سكانها

:
{ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ…}(الأعراف ١٥٧).
لا تكاد تخلو منهما نبوءة مسيحانية (لها علاقة بالمسيح المنتظر، نبي آخر الزمان).. إلا وتذكر الحمد (وهذا موضوع فردنا له مقالا منفصلا [البريكليت _ الحمد ] ) و الصحراء وعباد الأصنام فيها..
= أما الصحراء: فنقرأ عنها على سبيل المثال في أشعياء40 : 3 “صوت صارخ: أعدوا في الصحراء طريقاً للرب”. ومثل ذلك في أشعياء 42 1-15 و 21: 14 و 32: 2، 32: 16 و 35 : 1 و 43: 19. وفي المزمور 68 : 4 وغير ذلك كثير.
وقد فهمت طائفة اليهود الأسينيين التي انعزلت عن بقية اليهود 100 عام قبل.الميلاد إلى صحراء البحر الميت في قمران والتي كشفت مخطوطاتها مخطوطات البحر الميت Dead Sea scrolls حديثاً هذا الفهم عن علاقة نبي آخر الزمان بالصحراء فخرجوا لانتظاره فيها. وقد وجدت في كهوف مطلة على البحر الميت.
 
نبدأ هذا الباب بذكر نبوءة طويلة في سفر أشعياء
أشعياء42..The book of Isaiah
“هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي ابتهجت به نفسي. وضعت روحي ليسوس الأمم بالعدل. لا يصيح ولا يصرخ ولا يرفع صوته في الطريق. لا يكسر قصبة مرضوضة، وفتيلة مدخنة لا يطفئ. إنما بأمانة يجري عدلاً. لا يكل ولا تثبط له همة حتى يرسخ العدل في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته. أنا الرب دعوتك لأجل البر وأخذت بيدك وحفظتك، وجعلتك عهداً للشعب ونوراً للأمم لتفتح عيون المكفوفين وتطلق سراح المأسورين في السجن… لتهتف الصحراء ومدنها وديار قيدار المأهولة. ليتغن بفرح أهل سالع وليهتفوا من قمم الجبال وليمجدوا الرب ويذيعوا حمده في الجزائر. يبرز الرب كجبار، يستثير حميته كما يستثيرها المحارب ويطلق صرخة حرب… وأقود العمي في سبيل لم يعرفوها من قبل، وأهيدهم في مسالك يجهلونها وأحيل الظلام أمامهم إلى نور والأماكن الوعرة إلى أرض ممهدة. هذه الأمور أضعها ولن أتخلى عنهم. أما المتوكلون على الأصنام، القائلون للأوثان أنت آلهتنا فإنهم يدبرون مجللين بالخزي” العهد القديم ـ سفر أشعياء 42 : 1-17.
☆☆☆ في الفقرة السابقة عدة نبوءات أخرى غاية في الوضوح عن النبي صلى الله عليه وسلم:
١_ جبل سالع (الذي سيفرح أهله!!) و الذي تكلمت عنه وعلاقته بنبي آخر الزمان يقع في نطاق المدينة المنورة.
٢_ قيدار المذكور هو جد للنبي العربي صلى الله عليه وسلم.
٣_ قوله(تنتظر الجزائر شريعته) كلمة الجزائر ترجمة لكلمة عبرية(آي ) كما تعني الجُزر تعني البلاد. يعني نبي آخر الزمان سيأتي بشريعة تنتظرها بلاد العالم.
٤_ ذكر الحمد واضح علاقته بالنبي صلى الله عليه وسلم..حتى كلمة البر ترجمتها الأصلية الصحيحة الحمد.
٥_ ذكر الحرب يؤكد ما ذهبنا إليه كذلك لأن سيدنا عيسى الذي ينسب النصارى له النبوءة لم يحارب.
٦_ ذكر الأصنام كما أسلفنا يتوافق مع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه نشأ بينهم على العكس من المسيح عيسى.
٧_ قوله: [ أقود العُمي في سبيل لم يعرفوها من قبل، وأهيدهم في مسالك يجهلونها وأحيل الظلام أمامهم إلى نور والأماكن الوعرة إلى أرض ممهدة]
يكاد يتطابق مع قوله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المائدة: { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) }.
٨_ قوله (وأخذت بيدك وحفظتك) تذكرنا بقوله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم :{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين }(المائدة ٦٧).
٩_ الهتاف بحمد الله من رؤوس الجبال لم يفعله سوى المسلمون في جبل عرفة “والصفا والمروة “.
١٠_ قوله :(قصبة مرضوضة لا يكسر) تذكرنا بقوله صلى الله عليه وسلم :(مثل المؤمن مثل النحلة إن أكلت أكلت طيبا وإن وضعت وضعت طيبا وإن وقفت على عود نخر لم تكسره..) (رواه البيهقي عن إبن عمرو).
١١_ لقب عبدي ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم في مواضع لا تحصى في القرآن الكريم.
١٢_ قوله :لا يكل ولا تثبط له همة حتى يرسخ العدل في الأرض.. يذكرنا بقوله تعالى {.. ويأبى الله إلا أن يتم نوره..} [التوبة ٣٢].
١٣_ التعبير عن النبي المنتظر بالنور يتفق مع مواضع لا حصر لها في القرآن الكريم.. (الأحزاب ٤٦_المائدة ١٥و١٦.. الأعراف ١٥٧ وغير ذلك كثير).
١٤_ قوله : وتطلق سراح المأسورين.. يذكرنا بقوله تعالى في سورة الأعراف :{.. وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ..}..
*** وقد انتبه بعض الصحابة إلى هذا النص التوراتي وبشاراته، مثل ما رواه البخاري في صحيحه عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ لَقِيتُ عبد الله بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِي اللَّهم عنهما قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ وَلا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا..

تأملات علمية في سورة الطارق (خلق الإنسان من الماء الدافق)

صالح شيخو الهسنياني
قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ . يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ . إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، يقول ابن عاشور: ” والنظر: نظر العقل، وهو التفكر المؤدي إلى علم شيء بالاستدلال فالمأمور به نظر المنكر للبعث في أدلة إثباته، والإنسان مراد به خصوص منكر البعث”(1).
قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾:
﴿دَافِقٍ﴾ في اللغة:
بمعنى مدفوق (2).
وقيل: سائل بسرعة (3).
وقيل: والدّفق: الصبّ (4).
وقيل: دفَق الماءُ: انْدفَعَ وانصَبَّ بشدّة واندفاع (5).
وقيل: أي منصب أو ذي انصباب (6).
في التفسير:
والدفق: الصب، تقول العرب للموج إذا علا وانحط: تدفق واندفق وأراد من مائين: ماء الرجل وماء المرأة لأن الولد مخلوق منهما، ولكنه جعله ماء واحدا لامتزاجهما (7).
﴿الصُّلْبِ﴾ في اللغة:
الصُّلْبُ: الظَّهر، وهو عَظمُ الفَقارِ المتصِّل في وَسَطِ الظَّهْرِ (8).
وقيل: فقار الظَّهر من الكاهل إلى أسفل الظهر (9).
وقَال الفَيُّومِيُّ: الصُّلْبُ كل ظهر له فقار (10).
ويُسَمَّى الجِمَاعُ صُلْباً لأَنَّ المَنِيَّ يَخْرُج مِنْهُ (كالصَّالِب) (11).
قال سعيد بن جبير رحمه الله: (فِي الصُّلْب الدِّيَةُ). يعنى إن كسر. وقيل إن أصيب بشيء تذهب به شهوة الجماع لأن المني مكانه الصلب ففيه الدية (12).
﴿وَالتَّرَائِبِ﴾ في اللغة:
موضع القلادة والحلي من الصّدر بين ثدي المرأة (13).
وقيل: هي الأضلاع أسفل الصدر أربع من كل جانبين (14).
وقيل: الترائب: عظام الصدر.
وقيل: ما ولى الترقوتين منه.
وقيل: ما بين الثديين والترقوتين.
وقيل: أربع أضلاع من يمنة الصدر، وأربع من يسرته.
وقيل: الترائب: اليدان والرجلان والعينان (15).
وقيل: أعلى صدر الإنسان تحت الذقن (16).
في التفسير:
أسفل من التراقي (17).
وقيل: عصارة القلب، ومنه يكون الولد، والمشهور من كلام العرب أنهما عظام النحر والصدر (18).
مكونات المني:
المَنِيّ Semenأو السائل المَنَوِيّ sperm (19): هو أحد السوائل الجسمية، وهو سائل عضوي درجة الحموضة PH: (7.2 – 8.0) تفرزه الخصيتان (الغدد الجنسية) لدى الذكور ويحتوي على الحيوانات المنوية بالإضافة إلى إنزيمات وبروتينات ومركب الفركتوز وتعمل هذه العناصر على بقاء الحيوانات المنوية حية، وتوفر وسط يمكنها من خلاله التنقل أو السباحة.
مكونات أخرى:
1. حامض الاسكوربيك ascorbic acid (فيتامين C لحماية وصيانة الأنسجة).
2. مضادات لتقوية جهاز المناعة.
3. معادن الكالسيوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم والخارصين والفوسفور.
4. الكلور كعامل مؤكسد.
5. الكوليسترول (ينشط ويعطي هرمونات كحولية لسوائل الجسم).
6. قاعدة كولين choline (جزء من فيتامين B المركب).
7. الكرياتين creatine.
8. DNA
9. الفركتوز fructose (سكر لأجل إمداد الحيوان المنوي بالطاقة).
10. حامض الأمينو ببتيد peptide amino acid.
11. انوسيتول inositol (سكر يوجد في العضلات).
12. حامض اللاكتيك lactic acid (يستخدم في انتاج العضلات).
13. البورين purine (مركب من حامض اليوريك).
14. البريميدين pyrimidine (قاعدة عضوية).
15. حامض البايروفيك pyruvic acid (يتكون من الكلوكوز أو الكلايكوجين).
16. ملح الصوديوم.
17. النتروجين.
18. السوربيتول sorbitol (سكر كحولي).
19. سبيرمين spermine (يحتوي على الأمونيا).
20. اليوريا urea .
21. حامض اليوريك uric acid.
22. فيتامين B12.
ينظر: WHAT IS SEMEN MADE OF? By Fred Guerra
JackinWorld Science Corner (JACKIN LIBRARY)
والسائل المنوي يحتوي على ملايين الحيوانات المنوية التي تلقح البويضات الأنثوية في عملية التكاثر، والحيوان المنوي القوي هو الذي يقوم بتلقيح البويضة أما بقيتها فتموت أثناء تحركها باتجاه البويضة، ولكون الحيوان المنوي يحتاج من (20-30) دقيقة أثناء تحركه باتجاه البويضة.
يتكون المني من إفرازات تنتج في الخصية والبروستات وغدة كوبر والحويصلات المنوية، وجميعها تشترك لتؤلف أنواعا مختلفة من السوائل القاعدية حيث:
1. تؤلف السوائل من البروستات (30%) من المني ولكونه قاعديًّا فإنه يساعد على معادلة الحامض الموجود طبيعيًّا في الإحليل والمهبل وهذا يحمي النطف.
2. تؤلف الحويصلات المنوية حوالي (60%) من السائل المنوي وأيضا يتكون من سائل قاعدي يحتوي على سكر الفركتوز الذي يعطي الطاقة للنطف.
3. غدة كوبر والخصيتان مسؤولتان عن إفراز الجزء الباقي من المني.
وتعرف عملية إخراج السائل المنوي بالقذف، ويتكون المني من جزئين: خلايا حية وتعرف بالحيوانات المنوية، وسائل بلازمي يساعد على بقاء الحيوانات المنوية حية في الظروف الجديدة ويمدها بالطاقة، والجدول التالي يوضح مصادر المني بالتفصيل مع العناصر المكونة من كل مخرج:
الغدة (المصدر) النسبة التقريبية العناصر المكونة
الخصيتين 5-2 % ما بين (200 – 500) مليون حيوان منوي تنتج في الخصية خلال القذف الواحد.
الحويصلات المنوية 75-65 % أحماض أمينية، حامض الستريك، إنزيمات، فركتوز، بروتينات، فيتامين C وغيرها.
البروستات 30-25 % حامض الفوسفوريك، حامض الستريك، زنك وغيرها.
غدة كوبر أقل من 1% الجالاكتوز، المذي وغيرها.

قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾
تعددت الآراء والتفاسير حول هذه الآية إلى:
1. خلق من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي ثدياها. يقول سيد قطب: ” خلق الماء الذي يجتمع من صلب الرجل وهو عظام ظهره الفقارية ومن ترائب المرأة وهي عظام صدرها العلوية.. ولقد كان هذا سرا مكنونا في علم الله لا يعلمه البشر. حتى كان نصف القرن الأخير حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة بطريقته وعرف أنه في عظام الظهر الفقارية يتكون ماء الرجل، وفي عظام الصدر العلوية يتكون ماء المرأة. حيث يلتقيان في قرار مكين فينشأ منهما الإنسان (20).
2. صلب الرجل وترائبه، يقول السعدي: ” ويحتمل أن المراد المني الدافق، وهو مني الرجل، وأن محله الذي يخرج منه ما بين صلبه وترائبه، ولعل هذا أولى، فإنه إنما وصف الله به الماء الدافق، والذي يحس به ويشاهد دفقه، هو مني الرجل، وكذلك لفظ الترائب فإنها تستعمل في الرجل، فإن الترائب للرجل، بمنزلة الثديين للأنثى، فلو أريدت الأنثى لقال: ” من بين الصلب والثديين ” ونحو ذلك، والله أعلم (21).


ذكر الدكتور محمد وصفي في كتاب “القرآن والطب” أنه نقل ما كتبه في مجلة “هدى الإسلام” عام (1354هـ /1936م) فقال: “الماء الدافق هو السائل المنوي الذي يحتوي على الحيوانات المنوية الحية، وسمي دافقاً لأنه يصب.. بوساطة الانقباضات الخاصة التي تدفع بها القناة الناقلة والحويصلة المنوية هذا السائل… وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ﴾ [القيامة: 37]، ويقول القاموس المحيط دفقه ويدفقه صبه، وهذا ما يجعل الماء الدافق خاصاً بالذكر وحده دون الأنثى، إذ ليس للمرأة ماء يصب ويتدفق بشدة كماء الرجل، بل إن ماء المرأة إفراز يسيل لمجرد تليين الجهاز التناسلي وترطيبه، مثل سيلان اللعاب والعرق، وبذلك يكون قوله تعالى ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ﴾ أي يخرج من بين صلب الرجل وترائبه ولا دخل هنا لصلب المرأة وترائبها مطلقاً… والصلب هو السلسلة الفقرية.. والترائب هي عظام الصدر… (و) النطفة.. تتكون حقيقةً في القناة المنوية في الأنثيين (الخصيتين) ولا تتكون في الصلب ولا تتكون كذلك من الترائب، فقوله تعالى ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ﴾ ليس معناه أنه يخرج منهما ولكن معناه أنه يخرج بينهما، أي يخرج من مكان يقع بينهما، وهذا من عظيم أسرار الإسلام في الطب… (و) في الذكر والأنثى.. مكان الغدة التناسلية يكون في أول الأمر في الفراغ البطني.. (و) يقع تماماً بين الصلب والترائب… فالآية الكريمة ترشدنا بذلك إلى أصل تكوين الغدة التناسلية في الإنسان وتدلنا على مكان وجودها الأولي فيه.. (و) يخرج باعتبار نشأته الأولى وأصل وجوده في الجنين” (22).
3. صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها (23):
نقل القرطبي عن الحسن البصري أن: “المعنى: يخرج من صلب الرجل وترائب الرجل، ومن صلب المرأة وترائب المرأة” (24).
يقول ابن القيم: ” ولا خلاف أن المراد بالصلب صلب الرجل، واختلف في الترائب فقيل: المراد بها ترائبه أيضا، وهي عظام الصدر ما بين الترقوة إلى الثندوة (ثدي الرجل)، وقيل: المراد ترائب المرأة، والأول أظهر؛ لأنه سبحانه قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 7] ولم يقل يخرج من الصلب والترائب فلا بد أن يكون ماء الرجل خارجا من بين هذين المختلفين كما قال في اللبن: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: 66] وأيضا فإنه سبحانه أخبر أنه خلقه من نطفة في غير موضع، والنطفة هي ماء الرجل، كذلك قال أهل اللغة، قال الجوهري: والنطفة الماء الصافي قل أو كثر، والنطفة ماء الرجل، والجمع نطف؛ وأيضا فإن الذي يوصف بالدفق والنضح إنما هو ماء الرجل، ولا يقال نضحت المرأة الماء ولا دفقته، والذي أوجب لأصحاب القول الآخر ذلك أنهم رأوا أهل اللغة قالوا: الترائب موضع القلادة من الصدر. وهذا لا يدل على اختصاص الترائب بالمرأة، بل يطلق على الرجل والمرأة” (25).
يقول المراغي (ت: 1371هـ/ 1953م): ” اعلم أخي وفقك الله أن في هاتين الآيتين وما شاكلهما من الآيات سرّا من أسرار التنزيل ووجها من وجوه إعجازه، إذ فيهما معرفةحقائق علمية تأخر العلم بها والكشف عن معرفتها وإثباتها ثلاثة عشر قرنا، بيان هذا أن صلب الإنسان هو عموده الفقري (سلسلة ظهره) وترائبه هي عظام صدره.. وإذا رجعنا إلى علم الأجنة وجدنا في منشأ خصية الرجل ومبيض المرأة ما يفسر لنا هذه الآيات التي حيرت الألباب.. فكل من الخصية والمبيض في بدء تكوينهما يجاور الكلى ويقع بين الصلب والترائب، أي ما بين منتصف العمود الفقري تقريبا ومقابل أسفل الضلوع… فإذا كانت الخصية والمبيض في نشأتهما وفي إمدادهما بالدم الشرياني وفي ضبط شئونهما بالأعصاب قد اعتمدتا في ذلك كله على مكان في الجسم يقع بين الصلب والترائب فقد استبان صدق ما نطق به القرآن الكريم وجاء به رب العالمين ولم يكشفه العلم إلا حديثا بعد ثلاثة عشر قرنا من نزول ذلك الكتاب، هذا وكل من الخصية والمبيض بعد كمال نموه يأخذ في الهبوط إلى مكانه المعروف فتهبط الخصية حتى تأخذ مكانها في الصفن ويهبط المبيض حتى يأخذ مكانه في الحوض بجوار بوق الرحم، وقد يحدث في بعض الأحيان ألا تتم عملية الهبوط هذه فتقف الخصية في طريقها ولا تنزل إلى الصفن فتحتاج إلى عملية جراحية… وإذا هدي الفكر إلى كل هذا في مبدأ خلق الإنسان سهل أن نصدق بما جاء به الشرع وهو البعث في اليوم الآخر.. ﴿إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، أي إن الذي قدر على خلق الإنسان ابتداءً.. قادر أن يرده حيا بعد أن يموت”(26).
يقول ابن عاشور (ت: 1393هـ): ” وأطنب في وصف هذا الماء الدافق لإدماج التعليم والعبرة بدقائق التكوين ليستيقظ الجاهل الكافر ويزداد المؤمن علما ويقينا.
ووصف أنه يخرج من بين الصلب والترائب لأن الناس لا يتفطنون لذلك.
والخروج مستعمل في ابتداء التنقل من مكان إلى مكان ولو بدون بروز فإن بروز هذا الماء لا يكون من بين الصلب والترائب.
والصلب: العمود العظمي الكائن في وسط الظهر، وهو ذو الفقرات.
والترائب: جمع تريبة، ويقال: تريب. ومحرر أقوال اللغويين فيها أنها عظام الصدر التي بين الترقوتين والثديين ووسموه بأنه موضع القلادة من المرأة.
والترائب تضاف إلى الرجل وإلى المرأة، ولكن أكثر وقوعها في كلامهم في أوصاف النساء لعدم احتياجهم إلى وصفها في الرجال.
وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ الضمير عائد إلى ماء دافق وهو المتبادر فتكون جملة يخرج حالا من ماء دافق أي يمر ذلك الماء بعد أن يفرز من بين صلب الرجل وترائبه.
وأصل مادة كلا المائين مادة دموية تنفصل عن الدماغ وتنزل في عرقين خلف الأذنين، فأما في الرجل فيتصل العرقان بالنخاع، وهو الصلب ثم ينتهي إلى عرق يسمى الحبل المنوي مؤلف من شرايين وأوردة وأعصاب وينتهي إلى الأنثيين وهما الغدتان اللتان تفرزان المني فيتكون هنالك بكيفية دهنية وتبقى منتشرة في الأنثيين إلى أن تفرزها الأنثيان مادة دهنية شحمية وذلك عند دغدغة ولذع القضيب المتصل بالأنثيين فيندفق في رحم المرأة.
وأما بالنسبة إلى المرأة فالعرقان اللذان خلف الأذنين يمران بأعلى صدر المرأة وهو الترائب لأن فيه موضع الثديين وهما من الأعضاء المتصلة بالعروق التي يسير فيها دم الحيض الحامل للبويضات التي منها النسل، والحيض يسيل من فوهات عروق في الرحم، وهي عروق تنفتح عند حلول إبان المحيض وتنقبض عقب الطهر. والرحم يأتيها عصب من الدماغ” (27).
التفسير العلمي:
الحقائق العلمية المكتشفة اليوم تقول بأن مني الرجل يصنع في الخصية التي تحتوي على الخلايا المهيئة لذلك، وليس في منطقة الظهر أو الصدر، فكيف يصف القرآن خروج الماء الدافق بأنه من بين الصلب والترائب؟
والجواب: أن هذا من الإعجاز العلمي لهذا الكتاب العظيم، فقد اكتشف الطب الحديث أن هذا المكان – بين الصلب والترائب – هو مكان نشوء الخلايا الأولى للخصية التي تنزل بعد مرحلة من تخلق الجنين إلى كيس الصفن أسفل البطن.
يقول الدكتور محمد دودح (28): ” والحقيقة العلمية هي أن الأصول الخلوية للخصية في الذكر أو المبيض في الأنثى تجتمع في ظهر الأبوين خلال نشأتهما الجنينية، ثم تخرج من الظهر من منطقة بين بدايات العمود الفقري وبدايات الضلوع ليهاجر المبيض إلى الحوض بجانب الرحم، وتهاجر الخصية إلى كيس الصفن حيث الحرارة أقل، وإلا فشلت في إنتاج الحيوانات المنوية، وتصبح معرضة للتحول إلى ورم سرطاني إذا لم تكمل رحلتها (29).
والتعبير ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ﴾ يفيد بوصف تاريخ نشأة الذرية، ويستوعب كافة الأحداث الدالة على سبق التقدير والاقتدار والإتقان والإحكام في الخلق، منذ تكوين البدايات في الأصلاب وهجرتها خلف أحشاء البطن، ابتداءً من المنطقة بين الصلب والترائب إلى المستقر، وحتى يولد الأبوان ويبلغان ويتزاوجان وتخلق الذرية مما يماثل نطفة ماء في التركيب عديمة البشرية من المني لكنها حية تتدفق ذاتياً لتندمج مع نطفة نظير، فتتكون النطفة الأمشاج من الجنسين(30).
ويقول الدكتور محمد علي البار: ” تقول الآية الكريمة أن الماء الدافق يخرج من بين الصلب والترائب، ونحن قد قلنا أن هذا الماء (المني) إنما يتكون في الخصية وملحقاتها، كما تتكون البويضة في المبيض لدى المرأة، فكيف تتطابق الحقيقة العلمية مع الحقيقة القرآنية؟
إن الخصية والمبيض إنما يتكونان من الحدبة التناسلية بين صلب الجنين وترائبه، والصلب هو العمود الفقري والترائب هي الأضلاع، وتتكون الخصية والمبيض في هذه المنطقة بالضبط، أي بين الصلب والترائب، ثم تنزل الخصية تدريجيا حتى تصل إلى كيس الصفن (خارج تجويف البطن) في أواخر الشهر السابع من الحمل، بينما ينزل المبيض إلى حوض المرأة.. ومع هذا فإن تغذية الخصية والمبيض بالدماء والأعصاب واللمف تبقى من حيث أصلها، أي من بين الصلب والترائب، فشريان الخصية أو المبيض يأتي من الشريان الأبهر (الأورطي البطني) من بين الصلب والترائب، كما أن وريد الخصية يصب في نفس المنطقة، أي بين الصلب والترائب، كما أن الأعصاب المغذية للخصية أو للمبيض تأتي من المجموعة العصبية الموجودة تحت المعدة من بين الصلب والترائب، وكذلك الأوعية اللمفاوية تصب في نفس المنطقة، أي بين الصلب والترائب.
فهل يبقى بعد كل هذا شك أن الخصية أو المبيض إنما تأخذ تغذيتها ودماءها وأعصابها من بين الصلب والترائب.
فالحيوانات المنوية لدى الرجل أو البويضة لدى المرأة إنما تستقي مواد تكوينها من بين الصلب والترائب، كما أن منشأها ومبدأها هو من بين الصلب والترائب، والآية الكريمة إعجاز كامل، حيث تقول: ﴿مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ﴾، ولم تقل من الصلب والترائب، فكلمة ﴿بَيْنِ﴾ ليست بلاغية فحسب، وإنما تعطي الدقة العلمية المتناهية.
والعلم الحديث يقرر أن الماء الذي لا يقذف ولا يندفع وإنما يسيل.. إنما هو إفرازات المهبل وغدد بارثولين المتصلة به، وأن هذه الإفرازات ليس لها دخل في تكوين الجنين، وإنما وظيفتها ترطيب المهبل.. ولكن العلم الحديث يكشف شيئا مذهلا؛ أن الحيوانات المنوية يحملها ماء دافق هو ماء المني، كذلك البويضة في المبيض تكون في حويصلة ” جراف ” محاطة بالماء، فإذا انفجرت الحويصلة تدفق الماء.. وتلقفت أهداب البوق البويضة لتدخلها إلى قناة الرحم حيث تلتقي بالحيوان المنوي لتكون النطفة الأمشاج.. هذا الماء يحمل البويضة تماما كما يحمل ماء الرجل الحيوانات المنوية، كلاهما يتدفق، وكلاهما يخرج من بين الصلب والترائب: من الغدة التناسلية؛ الخصية أو المبيض.
وتتضح مرة أخرى معاني الآية الكريمة في إعجازها العلمي الرائع: ماء دافق من الخصية يحمل الحيوانات المنوية، وماء دافق من حويصلة ” جراف ” بالمبيض يحمل البويضة” (31).
ويقول آخر: ثبت بعلم الطب أن بداية خلق خصية الرجل ومبيض المرأة هما في موضع يجاور الكلى، وهو موضع بين صلب الإنسان (العمود الفقري) وترائبه (عظام الصدر) وهو لكل من الرجل والمرأة.
وإن تدفق الماء عند الرجل واضح، أما عند المرأة ففيه وجه الإعجاز فقد وجد أن المبيض يتكون من حويصلات تنمو وتنضج كل شهر ويكبر حجمها وتكثر أوعيتها وتفرز سائلا يملأ الحويصلة، وعندما تنفجر تنطلق منها البويضة مدفوعة بهذا السائل.
وقال أحد الأطباء: إن عروق الدم والأعصاب المتصلة بالخصيتين والمبيضين ما زالت تبتدئ من المكان المجاور للكليتين، وهذا الاتصال يفسر لنا آلام الظهر في حالة التهاب الخصيتين أو المبيضين (32).
يقول الدكتور حيدر محمد الجدي: ” منطقة الظهر تمتلك العديد من الأعضاء التي تتحكم وراثيا (الخصي والمبايض)، وهرمونيا ووظيفيا (الخصي والمبايض والغدة الكظرية) بالقذف، وخروج الماء الدافق الذي سيخرج منه الإنسان لاحقا (أي الجنين البشري).
فحسب ما أثبته الطب في علم الأجنة أنه منذ التشكل الجنيني تمتد على طول هذه المنطقة وفي الجانبين ما يدعى بالكلية الوسطى، التي هي بنية جنينية نسيجية تعتبر أمهات المناسل، أي ستعطي فيما بعد المناسل وهي المبيض والخصي وهي البنى الأساسية في الماء الدافق الذي سيتولد منه الإنسان فيما بعد.
[إن] أصل الخصي والمبايض موجود بين الصلب والترائب من خلال (الكلية الوسطى) التي ستتحول لما يدعى بالعرف البولي التناسلي، الذي يتابع التشكلات القادمة من خصي ومبايض وجهاز بولي.
تستلزم عملية انتاج النطاف إلى هجرة الخصية من الكلية الوسطى إلى الصفن قبل الولادة المكان الأكثر ملائمة لها، حيث تحتاج لحراة أقل من حرارة الجسم الطبيعية وهي حوالي (33-34) درجة مئوية. اما المبيض فيتشكل ويبقى مكانه.
ومن الحقائق الأخرى التي تطرحها الآية الكريمة هي وجود عضو له علاقة بالدفق، وهما غدتا الكظر على السطح العلوي للكليتين، وتمتدان تقريبا من الحافة الضلعية وحتى الفقرات القطنية الأولى والثانية، وتتجه نحو الأعلى نحو الحجاب الحاجز بين البطن والصدر، وقد تبين أن هذه الغدة تتحكم أيضا ولو جزئيا بالماء الدافق من خلال الهرمونات التي تفرزها، وهي هرمونات من النمطين الذكري والانثوي، وبنسب متقاربة حسب الحالة التي يكون فيها الجسم، وحسب الجنس من ذكر أو أنثى”(33).

الهوامش:
1. التحرير والتنوير: (30/261).
2. غريب القرآن لابن قتيبة: (ص177).
3. مفردات الراغب الأصفهاني: (ص316).
4. الفيروزأبادي، بصائر ذوي التمييز: (2/604).
5. أحمد مختار عبد الحميد، معجم اللغة العربية المعاصرة: (1/755).
6. معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن: (2/111).
7. الثعلبي، الكشف والبيان: (10/179).
8. الفراهيدي، العين: (7/127).
9. معجم اللغة العربية المعاصرة: (2/1311).
10. الفيومي، قاموس اللغة (المصباح المنير): (3/471).
11. المرتضى الزبيدي، تاج العروس: (3/201).
12. الزمخشري، الفائق: (2/314)، دار المعرفة – لبنان، ط2.
13. أبو عبيدة التيمي، مجاز القرآن: (2/294)؛ غريب القرآن لابن قتيبة: (ص449)؛ ابن دريد، جمهرة اللغة: (1/253)؛ ابن الهائم، التبيان في تفسير غريب القرآن: (ص341)؛ الثعلبي، الكشف والبيان: (10/179).
14. برهان الدين الكرماني، غرائب التفسير وعجائب التأويل: (2/1328).
15. المحكم لابن سيده: (9/480).
16. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير الجزري: (1/186).
17. تفسير مجاهد: (ص720)، دار الفكر الإسلامي الحديثة- مصر، ط1، 1410 هـ – 1989م.
18. الكشف والبيان: (10/179)؛ تفسير ابن كثير: (8/375).
19. ويكيبيديا.
20. في ظلال القرآن: (6/3878).
21. السعدي، تيسير الكريم الرحمن: (ص919).
22. محمد دودح، نشأة الذرية، موقع إعجاز القرآن والسنة.
23. يقول الشيخ محمد علي الشنقيطي: ” هذا الأقرب للصواب”. يوتيوب تفسير سورة الطارق.
24. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: (20/7).
25. إعلام الموقعين عن رب العالمين: (1/112-113)، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، 1411هـ – 1991م.
26. تفسير المراغي: (30/113-115).
27. التحرير والتنوير: (30/263-264).
28. نشأة الذرية معجزة علمية، موقع إعجاز القرآن والسنة.
29. يفيد علم الأجنة أن الخلايا الأولية للخصيتين والمبيضين نشأت من خلايا تسمى الكونادز (Gonads) ولها القابلية على أن تصبح خصيتين أو مبيضين، وفي داخلها خلايا تسمى كونوسايت (Gonocyte)، والكونادز عندما تتكون تكون ما بين العمود الفقري والضلوع الأخيرة من القفص الصدري ومنها تنزل إلى كيس الصفن لتكوين الخصيتين أو إلى الحوض لتكوين المبيضين. يوتيوب: يخرج من بين الصلب والترائب.
30. موقع ملتقى أهل التفسير.
31. خلق الإنسان بين الطب والقرآن: (ص114-124).
32. مؤيد يحيى الدباغ، الإنسان والعلم والإيمان: (ص222)، مكتبة عباد الرحمن – مصر، مؤسسة الريان بيروت، ط1، 2011م.
33. مقال بعنوان: يخرج من بين الصلب والترائب (بتصرف يسير)، مجلة الإعجاز العلمي، العدد (58)، 1440هـ/ 2018م. تصدر عن الهيئة العالمية للكتاب والسنة برابطة العالم الإسلامي.

ثمار حرث النساء

   وأنت تتلو سورة البقرة هل استوقفتك الآية الكريمة: “نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ…” (البقرة:223)؟!. وهل خطر ببالك لماذا وردت كلمة: “نِسَاؤُكُمْ”، وليس “أرحامكم”؟. حيث أن رحم الزوجة هو الأرض الخصبة، ومحل الحرث، ووضع البذر “ماء الزوج” بغية إنبات الثمر (الذرية). فهل توجد ثمار يانعة أخري تتجاوز رحم الزوجة ـ ربما جعل هذا الرحم عقيماُ لا يثمر طفلاُ ـ إلي عموم نفسية الزوجة، وجسدها؟، وهل إذا فات إحداهن رزق الإنجاب، فإنها تجني ثماراُ أخري؟.

    ويتكون السائل المنوي من حيامن (حيوانات منوية) تشكل نحو 10% من النطفة وتحمل شيفرة جينات الزوج، وسوائل وعناصر أهمها: بلازما منوية (وسط يُبقى الحيامن حية ميسورة الحركة)، وسكر فركتوز (طاقة للنطف)، وأحماض أمينيه (نسبة البروتينات 1/20 من  كتلة ماء الرجل)، وحمض ستريك، وكالسيوم، وصوديوم، وزنك، وبوتاسيوم، ومغنيسيوم، وأنزيمات، وفيتامين “ب12″، وبروستاجلاندين الخ. ولأن مهبل الزوجة وإفرازاته حامضية القاعدة، فكان السائل المنوي محلولاُ قلوياً لحماية الحيامن. كما يحتوي على مضادات الالتهاب كى لا تتعرض الحيامن للهجوم عندما تدخل جسم المرأة. وهذا السائل ليس فقط مجرّد وسيلة لحماية وحمل الحيوانات المنويّة، بل قد يؤثر أيضاً على تحفيز عملية الإباضة لدي الزوجة، وعلي عدد البويضات التي يتمّ إنتاجها لديها. ويتراوح الحجم الطبيعي لدفقة ماء الرجل ما بين 2-5 مل. ودورياُ.. يتعرّض جسد الزوجة لكمية لا بأس بها من مني الزوج.

   ولقد أجمعت دراسات قام بها كلا من د. “سارة روبرتسون”  (جامعة “اديليد”/ استراليا)، د. “ستيوارت برودي” (جامعة غرب اسكتلندا)، د. “تراسي” (رئيس فريق بحثي بجامعة “انجليا الشمالية”/ المملكة المتحدة) أن محتويات السائل المنوي لها إشارات (Seminal signaling) تساعد علي إطلاق هرمونات “الأوكسيتوسين” (يسبب الشعور بالهدوء والمحبة)،  و”البروجستيرون” (يقلل من الشعور بالقلق والتوتر)، و”السيروتونين” (يساعد في تحسين الحالة المزاجية)، و”الميلاتونين” (يحدث استرخاءً ونوماُ صحياُ). مما له تأثير قوي في زيادة الشعور بالاسترخاء والنوم الصحي، والهدوء النفسي، والمحبة عند الزوجة وإلي زيادة قوة ارتباطها بزوجها.

   ومن المعلوم أن مجال تمتع الزوج بزوجته فسيح، وعلى أي وجه من الأوجه، شريطة أن يتم الإتيان في محل الحرث والإنبات. فقد أكدت دراسة نشرتها (عام 2015) “جمعية علم الأحياء الجزئية” في “فيينا” بأن ماء الزوج- عند امتصاصه من الفرج ـ يعمل كمضاد للاكتئاب عند النساء. ذلك لأن بروتينات السائل المنوي تمر سريعاُ إلي مجري الدم فتصل إلي الدماغ وتؤثر مباشرة علي الحالة المزاجية. كما يعمل علي خفض مستوي هرمون “الكورتيزول”، مما يساعد في تقليل الشعور بالتوتر وخفض مستوي ضغط الدم. ووفقًا لدراسة أجريت على (293) سيدة في جامعة نيويورك، ثبت أن تعرض رحم المرأة للسائل المنوي يمكن أن يقلل من أعراض الاكتئاب لديها. وقارنت الدراسة بين النساء اللواتي مارسن العلاقة الحميمة في وجود “واق ذكري”، وبين اللواتي مارسنها بدونه، ووجد أن اللواتي تعرضن لماء الرجل تحسنت حالتهن المزاجية وظهرت عليهن أعراض اكتئاب أقل.

    وفي خلاصة يشير كلا من د. “جريج أدامز” في جامعة “ساسكاتشوان”، ود. “لورا بيرمان” أستاذ الطب النفسي في كلية فاينيبيرغ/ جامعة “نورث ويسترن”: “أن مكونات النطف تعمل بمثابة إشارة هرمونية لمخ الزوجة تساعد في إفرازاتها الهرمونية التي تسفر عن مزاج هادئ لدي النسوة”. كما تسهم محتوياتها في زيادة الأجسام المضادة لدي السيدات مما يزيد من قدرة أجسامهن علي مقاومة الأمراض. ويساعد علي تقليل الشعور بالألم مثل ألم الظهر، والصداع. حيث ذكرت د. “سيندي ميستون” الاختصاصية في علم النفس الفسيولوجي الجنسي (جامعة تسكاس أوستن): تبين من دراسة أجريت في جامعة جنوب “إلينوي” أن إطلاق الإندورفينات الجسمانية عقب العلاقات الحميمة مع الأزواج يساعد ـ بفاعليةـ في تخفيف ألم الصداع النصفي لدي نصف النسوة  محل الدراسة.

  ومن المعلوم أنّ الاحتقان والضغط داخل رحم المرأة يزداد بشكل أكبر عند دخول النطفة، ليساعد الحيامن على التحرك في بوتيرة أسرع، للوصول إلى البويضة وتلقيحهاّ. كما ينصح أطباء بالمني كـ “طلق طبيعي” مقارنة بالطلق الصناعي المستخدم عند الولادة. وعلي جانب آخر.. تسهم مكونات السائل المنوي (وبخاصة بروستاجلاندين) في تقليل تقلصات الرحم وقت حدوث الدورة الشهرية، مع زيادة كفاءة طرد إفرازاتها الشهرية بسرعة أكبر. وربطت دراسات بمركز “هاتشنسون لابحاث السرطان” بين ماء الرجل وانخفاض خطر الإصابة بسرطان الثدي وتعزيز الصحة العامة للنساء. ونظرًا لما يحتويه من مضادات الأكسدة مثل الجلوتاثيون بيروكسيديز وفيتامين ج والبيروفات وكارنيتين، وحمض اليوريك، وعناصر مثل: الزنك، وتعزيزه من إفراز هرمون الأستروجين مما قد يسهم في مكافحة “الإجهاد ألتأكسدي” زيادة نضارة البشرة والشعر والأسنان. وذلك وفق دراسة لمستشفي “رويال” ادنبره/ اسكتلندا. وإن كان هذا الأمر يحتاج لمزيد من الدراسات المعمقة.

“بصمة” المني، و”ذاكرة” الرحم

   ينشد الشاعر فيقول:

    إنما الأرحام أرضون لنا محترثات      فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات

  وقد شبهت النساء بالأرض التي تحرث لأن كليهما يمد الوجود الإنساني بأسباب بقائه، فالزوجة تمده الوجود بعناصر تكوينه من الذرية، والأرض تمده بأسباب حياته من الأطعمة والفاكهة. وقد تبين علمياً تمايز السائل المنوي من رجل إلى آخر، مما يسمي “بصمة ماء الرجل” كسائر البصمات الآخري. فلكلّ زوج “شيفرة خاصة” لسائله المنوي (يحمل جيناته وصفاته). وهو يرسل ذلكم السائل/ الرسالة “كخاتم” إلي جسد زوجته. كما تبين أن للمرأة (وعاء الحمل) خلايا مناعية متخصصة لها “ذاكرة وراثية” تختزن الشيفرة الوراثية للجسم الدخيل الأول. وتبقي هذه الخلايا مدة 120 يومًا. وإذا تغيرت أي أجسام دخيلة للمرأة مثل “السائل المنوي” قبل هذه المدة وحدثت علاقة زواج وأدت إلي حمل، فإن الجنين سيحمل جزءًا من الصفات الوراثية للجسم الدخيل الأول والجسم الدخيل الثاني وتختلط الأنساب. كما قد يحدث لها خلل في جهازها المناعي ويتسبب في تعرضها للأورام السرطانية. وهذا يفسر علميًا زيادة نسبة الإصابة بأورام الرحم والثدي للسيدات متعددات العلاقة الجنسية. ولعل في ذلك تعليلاُ لاقتصار زواج المرأة من رجلٍ واحدٍ (دون التعدّد في حقها) لتأثر جسدها وتناغمه وتشوشه إذا كان مع أكثر من رجل في الوقت عينه.

    كما يوجد فارق بين عدّة المطلّقة: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قرُوءٍ..) (البقرة:228) فأول حيض للمطلقة يزيل ما بين 32% – 35%, وتزيل الحيض الثانية ما بين 67% – 72%. أما الحيض الثالثة فتزيل ما تبقي من بصمة الرجل. وعندها يكون الرحم قد استعد لاستقبال شيفرة جديدة (بصمة زوج جديد). وأما عدة الأرملة: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا…) (البقرة:234) فهي تحتاج وقتاً أطول من المطلّقة لنسيان تلكم “الشيفرة” الّتي خلفها زوجها الراحل، وذلك لحالتها النفسيّة التي تثبت البصمة لديها بشكل أقوى، وارتباطها أكثر بحرث زوجها. والخلاصة:  لعل فيما ورد سابقاُ ما يشي بدقة اختيار اللفظ القرآني: “نِسَاؤُكُمْ”، وليس “أرحامكم”؟. فقد أفادت الدراسات بأن بدن الزوجة كله يتأثر بمحل الحرث ووضع البذر. وثمة ثمار يانعة أخري تتجاوز رحمها إلي عموم نفسيتها، وجسدها.

 

أ.د ناصر أحمد محمد سنه

كاتب وأكاديمي ومن باحثي موسوعة الأعجاز العلمي في القرآن والسنة

[email protected]

 

دور السجود في تنشيط الرئة ضد هجوم الجراثيم والفيروسات

د. يوسف أبو بكر المدني

ومن المعروف لدي الجميع أن الفيروس التاجي يهاجم رئيسيا على رئة الانسان ويسبب للالتهاب الرئوي حتى يؤدي معظم المرضى إلى أن يقضي نحبهم بهذا السبب، ولمجابهة هذه الحالة الحرجة ينصح الأبطاء والخبراء في مجال الصحة للقيام بممارسة الرياضة التنفسية وإجراء التنفس العميق لتقوية الرئة وتشخيص هجوم الفيروسات،  ولا شك أن السجود يقوم دورا هاما في تقوية الرئة وتنشيط فعاليتها ضد الالتهابات والميكروبات. لأن الرئة تتسع ويتوفر جريان الدماء إلى جميع مناطقها في حالة السجود حتى تكون قادرة للدفاع عن هجوم الجراثيم والفيروسات.

وقبل بيان الفوائد الصحية الناتجة من السجود للرئة، ألفت النظر إلى مهمة الرئة، ومن أهمها تبديل الهواء الخبيث بالهواء الطيب بأخذ أوكسجين من الهواء وإيصاله إلى الدم مع طرح ثاني أكسيد كربون من الجسم عبر التنفس، وهناك جانبين للرئة اليمنى واليسرى وفي اليمنى ثلاثة خليات وفي اليسرى خليتان تعرف هذه الخليات بالفصوص.  وحسب تركيب الرئة وشكلها نمكن أن نقسمها إلى ثلاثة مناطق: وفي المنطقة الأولى أو العالية  يكون ضغط الدم فيها ضئيلا جدا في حالة قيام الانسان حيث تكون شكلها منقبضة وملتصقة؛ لذا تعرف هذه المنطقة منطقة الجدبة للرئة، ولا يقصد بها إلا أنها تكون قليلة الدماء بالنسبة سائر مناطق الرئة. وفي المنطقة الثانية أو المتوسطة يزداد قدر الدم الجاري إليها بما تقع على مستوي القلب، وأما في المنطقة الثالثة أو السافلة  يكون ضغط الدم فيها متوفرا بما تقع هذه المنطقة تحت مستوي القلب، حتى يكون الشعري داخل الرئة  موسعة كل وقت بتوفر جريان الدم إليها، وهذا التقسيم غير مميز بالحدوود والأسوار،لأنه فرضي حسب شكل الرئة.

 وفي العادة عندما نتنفس لا تتسع الرئة بكاملها ولا يمتللأ الهواء في جميع أجزائها، ولا يتفرغ الهواء كاملا من داخلها، بل يمتلأ الهواء نصف الرئة أو يقل أو يزيد منها بقليل. ولا تتسع المنطقة العالية ولا تنشط فعاليتها، هنا ينصح الأطباء أو الإخصائيون في مجال الصحة للقيام بتمارين التنفس أو التنفس العميق بطرق شتى قياما أو قعودا أو على جنوبهم لتنشيط مناعة الرئة. وإذا أنعمنا النظر إلى أشكال التمارين التنفسية المختلفة أنها لا تصل إلى ما تدرك من الفوائد الجمة الناتجة من السجود، وفي حالة السجود يتوفر جريان الدم إلى المنطقة العالية والمتوسطة للرئة بما تكون فيه تحت مستوى القلب. كما أن السجود يؤدي إلى توسعة الرئة عند قيامه كما أرشد في الأحاديث النبوية، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد جافى حتى يرى من خلفه وضح إبطيه، وهذا الشكل الصحيح للسجود برفع المرفقين وتجنبيهما من الصدر يسهل الطريق إلى توسع الرئة، كما أنه يكثر جري الدم إلى المنطقة العالية للرئة.

وفي السجود الذي يتقرب العبد بربه يساعده لاحتفاظ صحته عاما وبصحة رئته خاصة، ومما تدل أهمية السجود في الصلاة وفائدته قول الله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. كما يدل فضل السجود والترغيب في الإكثار منه قول النبي صلى الله عليه وسلم  عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً. وقال صلى الله عليه وسلم «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ. عند كثرة السجود بإطالته يتقرب العبد بربه ويتحقق أمنيته الدنيوية والأخروية مع احتفاظ صحته من الأمراض والأسقام.

 وفي حالة قيامنا وقعودنا لا يجري الدم وافرا إلى المنطقة العالية للرئة بما تقع فوق مستوى القلب، وأما في السجود يصب الدم إلي الرئتين صبا وافرا كانصباب الماء من جهة العالية إلى السافلة، عند انصباب الدم إلي الرئة في حالة السجود يتسع المنطقة الأولي والثانية للرئة، لأن هذه المنطقة تكون  معطلة ومحجوزة عند قيام الرجل، ولكن في حالة السجود إنها تكون مجالا واسعا لتصفية الدم بما يصل الدم وافرا إليه بكونها تحت مستوي القلب. 

ولا شك أن الصلاة تمنح النشاط والحيوية للجسم بما ينشط السجود تصفية الدم من الرئتين بتسهيل الطريق لجريان الدم الهائل إليهما، وقد ثبت علم الطب أن السرطان يجد الطريق للعض في الرئتين حينما يعوز خلياتها من أكسجين، وعلاوة على ذلك أن نقص أكسجين في خلية الرئة يؤدي إلي أمراض أخري حيث لا يوجد فيها قوة المناعة بكون جريان الدم إليها غير كافيا، ويظهر هنا حاجة القيلولة أيضا لاحتفاظ الصحة. وقد ثبتت الدراسات الطبية أن داء السل يهاجم على المنطقة العالية للرئة وذلك بقلة جريان الدم فيها. كما أن الجراثيم التي تدخل إلي الرئتين ترتكز على المنطقة الوسطي للرئة، وإن أمكن إيصال الدم إليها بقدر وافر حتى تروي جميع الخليات فتنشط القوة المناعة فيها، لذا يقوم  السجود بمنح القوة المناعة لخليات الرئة ويحفظها من إصابة الأمراض.

وحسب المعلومات العلمية لجسم الإنسان أن الشخص قادر على التنفس كحد أقصى 80% من سعته الوظيفية الكلية، تعتمد سعة الرئتين الكلية على عمر الشخص وطوله ووزنه وجنسه وتتراوح طبيعتها بين 4 إلى 6 ليترات. تكون للإناث عادة سعة أقل ب 25% من الذكور. كما أن الناس طوال القامة عادة ما يكون لديهم سعة رئوية كلية أكبر من من هم أقصر. كما أن المدخنين عادة تكوت سعتهم أقل من غير المدخنين، وجدير بالذكر أنه من الممكن زيادة السعة عبر التمارين. ولا شك أن من يقوم بالسجود بشكله الصحيح بمدة طويلة يحصل من الفوائد أكثر مما يدرك من الرياضة التنفسية.

ومن فوائد السجود التي لا تدرك من من الرياضة التنفسية أنه يحدث ضغطا من  الأعضاء الباطنية على الحاجب الحاجز الذي بين البطن والصدر ويضيق الصدر وينشط تنفس الزفير، وعند الارتفاع من السجود يتعمق الشهيق، وبذلك يقل قدر الهواء الماكث في خليات الرئة أو يتفرغ منها ثاني أكسيد كربون المتراكم، عندما يكرر السجود مرات في كل يوم وليلة، ينعدم الهواء الماكث فيها حتى تصفيه الرئة تدريجيا، وان وضع اليدين في السجود بعيدتين  عن الجوانب يسهل توسع الصدر وتعمق التنفس الزفير والشهيق بما يساعد لاحتواء قدرا هائلا من الهواء ويصفي كثيرا من الهواء ويحصل الجسم به كثيرا من أكسجين. وبالجملة أن السجود يهب للإنسان منافع كثيرة صحية وطبية.

وفي حالة رقود الانسان أو عند اضطجاعه تدرك بعض الفوائد الناتجة من السجود، وذلك بما  تنعدم حدود مناطق الرئة الثلاثة، حتى تكون الرئة كاملة مثل منطقة السافلة التي يتوفر فيها تيار الدم حيث يجري الدماء إلي جميع الجوانب، وأما في السجود يجري الدم بمقدار هائل إلي المنطقة العالية الجدبة للرئة التي تعاني من قلة الدم فيها، حتى يجبر مشاكل قلة تيار الدماء. ومن لافت النظر أن الصلاة فرضت خلال الأوقات التي يشتغل الإنسان بالأعمال لا في أوقات الاضطجاع الذي ينام فيه، لذلك يكون السجود مهما جدا بالنسبة إلي صحة الرئتين، وفي حالة السجود والركوع يصب الدم إلي جميع جوانب الرئتين ويجري ذللا من أجل استبدال أكسجين الطيب بثاني أكسيد كربون الخبيث.

===============================================

Dr. T K Yoosuf

Associate Professor

M U A College

Pulikkal- 673637

Kerala, INDIA

Phone: 0091 9349798262

Email: [email protected]

www.drtkyoosuf.info

تأملات في أية هبة الولد

مقدمة :

  يقول سبحانه وتعالى ( لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ)(49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(50)) الشورى.

لطالما مررت بهذه الآية  مرور الكرام لا أرى منها إلا ما هو ظاهرا من غير أن احتاج إلى تفسير, حيث تظهر المشيئة الإلهية التي لا يحدها شيء في الخلق مما نعلم ولا نعلم كما أنه سبحانه جل في علاه هو ملك السماوات ونعلم قوله في خلق السماوات والأرض (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (57) غافر.

بحيث تصبح هبته للبشر الموجودين أهون من إيجادهم من العدم بل أهون من خلق ادم من تراب فقد جرت السنة الإلهية في الخلق بموجود حي وهو طبعا الخلية ….

وكما يدل ظاهر الآية فسبحانه يهب الإناث ويهب الذكور أو يزوج الذكور بالإناث أي باختلاطهم كما يجعل من يشاء عقيما

هذا ما كنت افهم من الآيتين إلى أن عرفت أن هناك نوعا من البشر ليس بالأنثى وليس بالذكر وهذا هو محل  البحث.

إشكالية البحث

  • هل هذا النوع من البشر (الجنس الثالث) خصه الله بذكر في القران أم لا ؟؟
  • هل يدخل ذكر هذا الجنس الذي يسمى ثالثا ضمن قوله تعالى (يخلق ما يشاء) ؟؟
  • إذا كانت الهبة الإلهية نفهم منها نوع الجنس’ فلما لم يذكر الجنس الثالث ولما جعله ضمن يخلق ما يشاء, مع ان العرب كانت تعلم بوجود هذا الجنس ؟؟؟
  • هل يمكن قراءة هذه الآية بالرجوع للفهم العلمي للجنس على مستوى الكروموسومات؟؟؟

تذكرة ببعض المفاهيم والتفاسير(1),

لو عدنا للتفاسير لاستطعنا تلخيص مجمل ما فيها في تفسير آيتي سورة الشورى إلى ما يلي :

  • الله سبحانه يهب ما يشاء الناس بحسب علم مسبق وفضل ومنة منه. يهب الإناث أو الذكور على حدى أو يهب ذكورا وإناثا في أزمنة متفرقة أو في حمل واحد.
  • التقديم فيه أمر آخر وهو أن الإحسان إليهن ستر من النار يقول الأستاذ السامرائي. وجاء أيضا لإثبات أن الله يهب ما يشاء والإناث (جاءت مقدمة) عادة مما لا يبغي الإنسان وانه  أخر- سبحانه- الذكور، فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم، وهم أحقاء بالتقديم بتعريفهم  (صاحب تفسير الوسيط). وقد أورد القرطبي كلاما مشابها عن أبو عبيدة وأبو مالك ومجاهد والحسن والضحاك : يهب لمن يشاء إناثا لا ذكور معهن ، ويهب لمن يشاء ذكورا لا إناث معهم، وأدخل الألف واللام على الذكور دون الإناث لأنهم أشرف فميزهم بسمة التعريف.
  • كما أن ابن عاشور خالفهم في تعريف الذكور بقوله : الذكور باللام لأنهم الصنف المعهود للمخاطبين ولم يجعل منها أفضلية
  • التقديم له دلالة أخرى وهي أن الإناث ألصق بالأبّ من الذكور، فالذكر تنتهي رعايته عند البلوغ إنما البنت فلا بد من وجود قيّم عليها من الذكور
  • تعريف الذكور تنكير الإناث: هناك قاعدة عامة عند العرب سجّلها أهل اللغة مفادها أن العرب لا يذكرون أسماء الإناث وينكّرونها عند التحدث
  • وحسب النابلسي فان تقديم الإناث على الذُّكور تقديم تكريم، وكرّم الذُّكور على الإناث تكريم تعريف، والإناث جاءت نكرة للدَّلالة على أنّ المرأة لا بدّ أن تكون مُحَجَّبة
  • كما عرف ابن عاشور التزويج : والتزويج قرن الشيء بشيء آخر فيصيران زوجاً. وان والضمير في يزوجهم عائد إلى كلاً من الإناث والذكور.
  • كما أن القرطبي استفرد بذكر الخنثى بين التفاسير المذكورة ( لا اعلم ولم أبحث ان كان وحده من قال به ) ومما جاء في كلامه :

قال علماؤنا : كانت الخلقة مستمرة ذكرا وأنثى إلى أن وقع في الجاهلية الأولى الخنثى . وقيل إن المرأة تزيد على الرجل بضلع واحد . قال القاضي أبو بكر بن العربي : وقد أنكر قوم من رءوس العوام وجود الخنثى ، لأن الله تعالى قسم الخلق إلى ذكر وأنثى . قلنا : هذا جهل باللغة ، وغباوة عن مقطع الفصاحة ، وقصور عن معرفة سعة القدرة . أما قدرة الله سبحانه فإنه واسع عليم ، وأما ظاهر القرآن فلا ينفي وجود الخنثى ; لأن الله تعالى قال : لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء فهذا عموم مدح فلا يجوز تخصيصه ; لأن القدرة تقتضيه . وأما قوله : يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما فهذا إخبار عن الغالب في الموجودات ، وسكت عن ذكر النادر لدخوله تحت عموم الكلام الأول ، والوجود يشهد له والعيان يكذب منكره.

رأي العلماء  في الخنثى

فالخنثى لغة من الخنث، وهو الليل، وفي الاصطلاح: شخص له آلتا الرجال والنساء، أو ليس له شيء منهما أصلا…

وقد اجتهدوا في طريقة توريثه وهو لا يهمنا في مبحثنا هذا [3 ]

هل ذكرت كلمة خنثى في القران أو السنة ؟

لم يرد ذكر للخنثى في القرآن ولا في المرفوع من السنة الصحيحة، وإنما ورد ذكره في بعض الآثار، ففي سنن البيهقي عن الحسن بن كثير سمع أباه، قال: شهدت علياً رضي الله عنه في خنثى قال انظروا مسيل البول فورثوه منه. وفي رواية: فقال علي رضي الله عنه: إن بال من مجرى الذكر فهو غلام وإن من مجرى الفرج فهو جارية  .[4]

معانى بعض الكلمات التي جاءت بالقران, أو التفاسير او القاموس   [5]

يزوجهم : زَوجَ: فعل ,  زَوَّجَ الأَشْياءَ : قَرَنَ بَعْضَها بِبَعْضٍ

خُنثى: اسم, الجمع : خِناث و خَناثَى  .الخُنثى  في الحيوان  : فردٌ تتكوَّن فيه أمْشاج الذَّكر وأمْشاج الأُنثى ، كما في الدودة الكبدية ، وقد تظهر خُناثاتٌ اتفاقًا في الحيوانات وحيدة الجنس.  المصدر : المعاني الجامع

خنثى مشكل :ما لا يُتبيّن من أيّ الجنسين هو. المصدر: عربي عامة

الخُنثى  في الحيوان  : فردٌ تتكوَّن فيه أمْشاج الذَّكر وأمْشاج الأُنثى ، كما في الدودة الكبدية ، وقد تظهر خُناثاتٌ اتفاقًا في الحيوانات وحيدة الجنس . المصدر: المعجم الوسيط

المَشِجُ ، والمَشِيجُ : كُلُّ شيئين مختلطين ، أو كُلُّ لونين اختلطا وامتزجا

المَشِجُ  في علم الأحياءِ  : تُطلَق الأَمشاجُ على الخلايا الذكرية كالحيوان المنوي ، والخلايا الأُنثوية كالبيضة قبل أَن تندمجا لتكوين اللاقحة. مَشيج: اسم , الْمَشِيجُ : الخَلِيَّةُ ذَكَرِيَّةٌ أَوْ أُنْثَوِيَّةٌ قَبْلَ انْدِمَاجِهَا وَتَلاَقُحِهَا ، (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ)الإنسان آية 2 : أَيْ مِنْ نُطْفَتَيْنِ مُخْتَلِطَتَيْنِ . المصدر : قاموس المعاني

وقد جاء في تفسير قوله تعالى :(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) الانسان (2)

إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج  أي : أخلاط . والمشج والمشيج : الشيء الخليط ، بعضه في بعض .
قال ابن عباس في قوله : من نطفة أمشاج  يعني : ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا ، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور ، وحال إلى حال ، ولون إلى لون .. (من تفسير ابن كثير  [1])

حيث يظهر جليا أن النطفة الأمشاج هي الخلية المتشكلة والناتجة من اختلاط  الخلايا الجنسية الذكرية والأنثوية

 وقد سبقت بعض الأبحاث إلى التدليل علي هده الحقيقة العلمية, حيث أثبت العلم الحديث أن صفات الخلية الحية تتحدد بما تحمله من كروموسومات.

والكروموسومات بناء من البروتينات والأحماض الأمينية الأربعة : أدينين ، وثيامين ، وجوانين ، وسيتوزين، مرتبة على هيئة شريطين حلزونين ملتفين حول بعضهما . وتحمل الكروموسومات الشفرة التي توجه نشاط الخلية وانقسامها تبعاً لترتيب الأحماض الأمينية على امتداد الشريطين في الفراغ ، ومن المعروف أن الجنين يتكون من اتحاد خلية واحدة من الذكر ( الحيوان المنوي ) وخلية واحدة من الإنثى ( البويضة ) . ومن هنا فإن الصفات الوراثية تتحدد بكل من كروموسومات الأب وكروموسومات الأم 50 % لكل منهما ويتم ذلك ابتداء من النطفة الأولى التي تجمع بين الحيوان المنوي والبويضة : النطفة الأمشاج أي الخليط  [6]. وهذا فيديو للدكتور ايهاب رجاء استاذ الوراثة يتحدث فيه عن الأمشاج التي عليها الصفات الوراثية بمعنى الكروموسومات[7]

طريقة البحث في الآيتين :

( لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ.. ) الشورى 49

من المعلوم أن عدد الكروموسومات في الخلية 46 حيث الخلية الأنثوية تحتوي 23 وتقابلها الذكرية 23 فتعطينا 46 باختلاطهما , فخطر ببالي حساب عدد الحروف من بداية الآية إلى كلمة إناثا وهو النوع الأول من الهبة التي ابتدأ  بها سبحانه حيث وجدت بأن عددها 46 وتوقفت عند كلمة إناثا لان ما بعده  (ويهب لمن يشاء الذكور)عطف على الأول وقد تم الفهم بان الحديث عن جنس الهبة من نوع  الولد.

وطبعا  حسبت عدد الحروف من غير زيادة في الحرف المشدد وأخذت حرف الألف في إناثا حرفين بسبب المد كما يمكن حسابه حرفين بسبب التنوين وهذه طرق حساب الحروف حيث اختلفت مناهج العلماء  [8]:
-فبعضهم يحسب الحرف المشدد حرفين، وبعضهم يحسبه حرفاً واحداً.
-وبعضهم لا يحسب الحروف التي لا تنطق كاللام الشمسية وألف واو الجماعة ونحوهما، وبعضهم يحسبها.
-وبعضهم يحسب المد حرفين على أنه همزة بعدها ألف، وبعضهم يحسبه حرفاً واحداً.
-وبعضهم يعد التنوين حرفاً وبعضهم لا يعده

وعليه فقد فهمت الآية ودلالة كلمات إناثا أو ذكورا من جهة الجنس الخفي الكروموسومي وليس فقط من الجانب الظاهر بنيويا . وبالتالي فهي إشارة إلى النظر فيما يميز الذكر عن الأنثى .

 وقبل ذكر ما نراه من حكمة في تقديم الأنثى على الذكر (لأنه حتى لو قدم كلمة ذكورا لما تغير المعنى ولما تغير عدد الحروف)  في الآية وجب التذكير ببعض البديهيات فيما يخص ما تحتويه الخلايا المشكلة الموهوبة من الله سبحانه وتعالى , 22 من الأب مقابل 22 من الأم أي 44 إضافة إلى Y  أو X  من الأب أو X من الأم ثم فيما يخص  تحديد نوع الجنس الناتج عن اختلاط الأمشاج (نطفة الرجل ونطفة المراة) حيث أن الخلايا الجنسية تتمايز لكي تعطي كما قلنا عند الذكر خلايا من نوع X  أو من نوع Y  بينما تتمايز عند المرأة لتعطي X  أو آخر يماثله. وعليه فعند التشكل قد يكون) أنثى X X 🙂 أو ( ذكر : Y X) مع انه اكتشف مؤخرا انه قد يكون هناك دورا ما للكروموسوم X  عند الذكر  ولكن هذا أمر آخر.

وعليه ما أراه من حكمة في تقديم الإناث فإنما يعود لهذا  X  الأنثوي الذي يتواجد في كلى الجنسين فهو في الأنثى مضاعفا  ويوجد في الذكر منفردا.  فهو مقدم ولكن في نفس الوقت لا يعرف وحده الجنس بل يجب النظر إلى ما يقابله (إما  X إما Y) وعليه وردت كلمة إناثا نكرة ,  بينما جاءت كلمة الذكور مؤخرة لان Y وحيدا ويبدو ضعيفا  ولكنها معرفة لان هذا  Y كاف لوحده للتعريف بالجنس من غير النظر لما يقابله.

ولست أدري لما بعض المفسرين يعتقد أن الذكر  أشرف من الأنثى وبه جاء تعريف كلمة الذكر !!؟؟

وعندما بحثنا بهذا المعنى الجيني عن  كلمة أنثى مضاعفة أي  الأنثيين (بمعنى X مضاعفا)   وجدت اللطيفة القرآنية التالية :

      كلمة الأنثيين ذكرت 6 مرات :

  • في سورة النساء مرتين تتحدث عن المرأة والميراث (الآية 11 والآية 176)

(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ)  … (11) وجاءت آخر سورة النساء :( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ … ) (176)

والملاحظ ان كلمات ذكر وأنثى  ذكرت 4 مرات وهو رقم سورة النساء

  • وفي سورة الأنعام ذكرت 4 مرات تتحدث عن الأنعام (الاية 143 والاية 144)

(ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۖ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144))

والملاحظ أن كلمات ذكرين وأنثيين  ذكرت 6 مرات وهو رقم سورة الأنعام

و إضافة إلى ما سبق يلاحظ  أيضا أن كلمة الذكر في النساء تقابلها كلمة الأنثيين  في كلتي الآيتين في سورة  النساء وأن كلمة الذكرين في الأنعام ذكرت مرتين وقابلتها الأنثيين أربع مرات . حيث  عدد مرات ذكر الأنثى يضاعف مرات ذكر الذكر سواء فيما تعلق بالميراث في النساء أو في آيات الأنعام. وبما نعلمه من الكروموسومات الجنسية   فكروموسوم X  منفرد عند الذكر ونجده عند الأنثى مضاعفا   XXويبدو والله اعلم أنه يوافق قراءتنا لأية سورة الشورى .

نأتي الآن للآية 50 وهو قوله تعالى:( أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)(50)

القراءة الأولى للآية وفي نفس سياق الفهم الجيني فسبحانه وتعالى يزوج بمعنى يقرن (كما جاءت في المعاني ) والضمير المتصل (هم) كما جاء في بعض التفاسير يعود على كلمتي إناثا والذكور ولكننا بالتفسير  الكروموسومي الذي بدأنا به في الآية السابقة يكون اقتران  الكروموسومات الذكرية XY  بالأنثوية  XX  لكي يعطي جنسا آخرا من ناحية النمط النووي حتى لو كان ظاهر الجنس  إناثا أوذكورا , و قد يكون  XXY  أو XXX أو XYY وغيره …..

وقد أثبتت الدراسات العلمية اليوم والتحليلات الجينية على وجود عديد الاحتمالات الجينية وهذا موقع علمي معتمد فيه دراسة تهم موضوعنا  [9]   

كما يمكن أن تفهم الآية بأنه سبحانه يزوج في نفس الشخص العلامات الذكورية والعلامات الأنثوية ظاهريا, وهو ما يعرف علميا باضطرابات التمايز الجنسي ]10[ وقد يظهر لنا هنا سبب تقديم الذكر على الأنثى في هذه الآية أن هذه الاضطرابات تمس النقص في الذكورة للجنين الذكر بالنمط النووي الذكري ((46 XY  أو التذكير المفرط لجنين الأنثى بنمط نووي أنثويي (46 XX). حيث أن هذا الخلل في التمايز يشار إليه بخلل في التذكير سواء بالنقص أو بالإفراط كما قلنا

خلاصة :           

حسب ما سبق يمكن فهم الآية في سياق حديثه سبحانه وتعالى عن الجنس بذكره لجنس مخالف غير الأنثى وغير الذكر وجعله مفتوح الاحتمالات بتزويج الكرومووسمات الذكرية والأنثوية أو بتزويج  الصفات الذكرية والأنثوية  في نفس الشخص وهو من أطلق عليه قديما الخنثى .

المراجع

                                                                                             http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/          [1]

http://www.islamicbook.ws/qbook%5Calom/lmsat-bianit-005.html  السامرائي                  من كتاب فاضل [2]

http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&lang                        [3]       =A&Id=46747

http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=54591               [4]

                                https://www.almaany.com/appendix.php?language=arabic&category=               [5]      

%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%AC%D9%85+%D8%A7%D9%84%D9%88%

D8%B3%D9%8A%D8%B7&lang_name=%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A 

                                                                   http://egazinquran.blogspot.com/2012/12/3.html               [6]

                                                             https://www.youtube.com/watch?v=D7L9gM-t2x4                 [7]                                                                  https://vb.tafsir.net/tafsir10223/#.WuiVFzPA_IU                [8]

http://www.em-consulte.com/showarticlefile/114079/index.pdf                                                           [9]

http://www.urofrance.org/nc/science-et-recherche/base bibliographique/article/html/                       [10] 

problematique-de-la-prise-en-charge-des-anomalies-de-la-differenciation-sexuelle-dans-le-service-d.html  

إمكانيات الطب النبوي في تنشيط المناعة ومجابهة الفيروس التاجي

د.يوسف أبو بكر المدني

تشير الدراسات في الطب الآيورفيدي أن الأعشاب المذكورة في الطب النبوي تفيد في تنشيط مناعة الجسم ومجابهة الفيروسات ومكافحة المضاعفات الناتجة من إصابة الفيروس التاجي، وتقوم هذه الدراسات التي نشرت  في موقع www.ayujournal.org   بدور هام  في علاج  هذا الصدد؛ لأن الطب الحديث لا يقدم لمواجهة هذا المرض إلا بعض الاحترازات مثل ارتداء الكمامة وتعقيم اليدين والحجر الصحي بالإضافة إلى العناية بطرق تنشيط المناعة القادرة للقضاء على جميع الميكروبات.

وعندما نرتدي القناع الوجهي أوالكمامة أنه  يحفظنا من معظم الميكروبات ولكنه غير كاف لصد الفيروس التاجي لأن حجمه يقدر ما بين 40 و 150 نانو متر حتى يمكن أن  يتسرب خلال ثقوب الكمامة  التي تتسع بثلاثمائة نانو متر.   وأما الابتعاد الاجتماعي أو التباعد الجسدي يمنعنا من إصابة الفيروس المتطاير من قحة المريض وعطاسه وتنفسه فقط وأما الفيروس الجاري عبر الهواء يصل إلى ما أبعده، كما أن تعقيم اليدين لا يمنع الفيروسات من دخولها إلى الرئة عبر الهواء. وفي كل نفس  يتنفس الانسان يدخل خلاله  إلى رئتيه كثير من الميكروبات ولكن بفضل مناعة جسمه  يمكن أن يطردها ويحفظ نفسه من الأمراض، لذلك لا يسع  أمامنا إلا أن نتخذ الطرق الطبيعية لتقوية المناعة الذاتية بتغذية الجسم لما يلزم من الفيتامينات والمعادن وعناصر الأعشاب الطبية، تجدر هنا  أهمية الطب النبوي والنمط الغذائي للإسلام.

وحسب  العلم الحديث أن جسم الانسان يحتوي على مائة تريليون من الميكروبات، يبلغ هذا العدد الهائل إلى ثلاثة أضعاف من عدد الخليات في الجسم؛ حتى أننا نعيش في خضم الحيوانات الدقيقة من الفيروسات والبكتيريات وما إليها من الميكروبات. ولكن أكثرها لازمة للحياة واحتفاظ الصحة وأما المضرة منها يدفعها الجسم بقدرة مناعته. وبما أن  الفيروس التاجي المستجد عدو جديد للجسم يتحير أمامه في أول الأمر ولكن  لا يلبث أنه يدافع عنه بفطرة المناعة الذاتية، ولكن ومن سوء الحظ أن كثير من المرضى يلقون حتفهم بإصابتهم بالاتهاب الرئوي، هذه الحالة العصيبة ليست من صنع الفيروس فحسب، بل أنه يؤدي  المريض إلى هذه الأزمة الصحية عوز جسمه من فيتامين دي وفيتامين سي وفيتامين بـ 12 وحمض فوليك وما إليها من العناصر. وجدير بالذكر هنا أنه وجد عوز فيتامين دي في  60% من اللذين ماتوا بسبب الفيروس في الولايات المتحدة، ومن الغريب أن كثير من الناس يعانون بقلة فيتامين دي الذي يحصل الإنسان من ضياء الشمس بدون تكلفة مالية ، ناهيك عما يعاني هذا العوز أهل بلاد العربية التي تتوفر فيها ضياء الشمس في معظم أيام السنة، وذلك بعدم تعرض أجسامهم للشمس وبستر جل جلودهم بالثياب، وأن الذي يعرض جسمه للشمس نصف ساعة على الأقل كاشف البدن يحصل ما يكفي له من فيتامين دي، لأن أشعة فوق البنسفجية من الشمس تحيل الشحم الذي  تحت جلده إلى هذا الفيتامين اللازم للمناعة.

يعتقد كثير من الناس أن التلقيح هو الحل الشامل لهذا الفيروس، ولكن هذا الظن خلاف لأدعاء الشركات التي تصنع اللقاحات، وقد تطورت إلى الآن أنوعا كثيرة من اللقاحات، وفي بعضها يستخدم الفيروس الذي يسبب الزكام في القرود مع بعض عناصر البروتين من الفيروس التاجي، وفي بعضها يستخدم الفيروس التاجي غير الحي، وفهمنا من الاعلام أن بعض اللقاحات أدت إلى أزمة صحية في بعض البلاد حتى أنهم توقفوا اللقاح، ولم يدع أحد من صانعي اللقاح أنه مفيد بقدر مائة في المائة ضد الفيروس التاجي. وكل ما يدعون أن اللقاح لعله ينشط المناعة ضد العدوى. ولا يعرف فعالية أي لقاح إلا بعد من قام بحقنه إجراء المباشرة مع المرضى المصابين بالفيروس، ولكن المسؤوليين في جميع البلاد ينصح الناس أن يحترزوا كل الاحتراز من مصاحبة المرضى المصابين بالفيروس التاجي سواء من احتقن باللقاح ومن لم يحتقن اللقاء .

وهناك سؤال يطرح في هذه الأيام، وذلك  هل يطارد اللقاح الوباء؟ ، وإذا أنعمنا النظر إلى تاريخ الأوبئة نرى أن أول وباء سجل في التاريخ هو ما حدث في الصين في 2000 قبل الميلاد، كما سجل في التاريخ عشرون أوبئة كبيرة أدت إلى موت ملايين من الناس في عموم العالم، يعد الطاعون من أعظم الوباء في التاريخ حتى يقال عنه الموت السواد في البلاد الأوروبية،  وغابت هذه الأوبئة كلها من العالم بدون اللقاح أو قبل أن يتطور اللقاح، ويجدر هنا الإشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الوباء، «إِنَّ هَذَا الْوَبَاءَ رِجْزٌ أَهْلَكَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ يَجِيءُ أَحْيَانًا وَيَذْهَبُ أَحْيَانًا، فَإِذَا وَقَعَ وَأَنْتُمْ بِأَرْضٍ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَأْتُوهَا»( مسند أحمد، والطبراني). ولا شك أن هذا الحديث يعطي جوابا مقنعا عن جميع الأوبئة المسجلة في التاريخ وعن الأوبئة الآتية في المستقبل.

وفي حين اندلاع الفيرس التاجي في أنحاء العالم في العام الماضي، تقدم الناس إلى الأعشاب الطبية حتى ارتفع ثمنها في الأسواق، وانتشر في الوسائل الاجتماعية كثير من الوصفات الطبية المحتوية الأعشاب الطبيعية، وفي طليعة قائمتها الحبة السوداء والقسط الهندي والسنا المذكورة في الطب النبوي مع سائر الأعشاب مثل القرفة والقرنفل والزنجبيل والهيل والليمون بالإضافة إلى الأعشاب الطبية المختلفة المستخدمة في الطب البديل. وليس ثمة اعتراف رسمي من قبل دائرات الطبية أو من منظمة الصحة العالمية عن فعالية هذه الأعشاب، ولكن التجارب الشعوبية  تحققت فعالية هذه الأعشاب من قبل المستخدمين ومن المتناولين بها.

وعندما نلفت النظر إلى الأسفار الآيورفيدية  الهندية أن الأعشاب المذكورة في الطب النبوي تكون مفيدة في علاج الفيروس التاجي، وعلى سبيل المثال أن العود الهندي أو القسط استخدم في تركيا وسائر البلاد ضد هذا المرض، وهذا الدواء يعرف باسم العلمي   Saussurea Lappa   ويقال في الإنجليزية Costus وفي اللغة السنسكريتية يقال له كوستاه، يستخدم جذر هذا النبات  للعلاج وحسب الطب الهندي الآيورفيدي أنه مفيد للبلعم والقحة وضيق التنفس كما أنه مفيد لبعض الأمراض الناتجة من الميكروبات،  هذا أكبر دليل أنه يفيد في مرض الفيروس التاجي، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ، عَلَى مَا تَدْغَرُونَ أَوْلاَدَكُمْ بِهَذِهِ الأَعْلاَقِ، عَلَيْكُمْ بِهَذَا العُودِ الهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الجَنْبِ» يُرِيدُ الكُسْتَ، يَعْنِي القُسْطَ.

جذور القسط الهندي

يحتوي هذا الجذر الطبي على مضادت الأكسدة ومضادات الالتهابية حتى أنه مفيد لأنفلوفانزا والحمي والزكام وألم الحلق وانسداد الأنف فضلا عما يؤخر الشيخوخة ويجبر مشكلات الشيخوخة. ويجب علينا أن نجري البحوث في الفوائد الطبية للقسط لكي نثبت أمام العالم الاعجاز العلمي للطب النبوي.

وأما حبة البركة أو الحبة السوداء التي ذكرت في الحديث الشريف مفيدة في هذا الصدد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فِي الحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلَّا السَّامَ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَالسَّامُ المَوْتُ، وَالحَبَّةُ السَّوْدَاءُ: الشُّونِيزُ. وقد جرت دراسات كثيرة في أنحاء العالم حول فوائد الطبية عن الحبة السوداء، ومفاد هذه الدراسات يفيد أنه يقوم بدور  إيجابي في الأمراض التنفسية كما أنها تستخدم في العالم منذ قديم الزمان، ولا شك أنه يقتل الجراثيم ويقوي المناعة ويحتوي على عناصر طبية وغذائية تلعب دورا هاما في احتفاظ الصحة. وعندما نتناولها مع سائر الأعشاب الطبية يتضاعف فعاليته ويكمل فوائده حتى تكون شفاء لجميع الأمراض بإذن الله.

حبوب نبات الشونيز او الحبة السوداء

وأما السنا النبات الطبي المذكور في الطب النبوي معروف بهذا الاسم في العالم كله حتى أن اسمه العلمي أيضا يكون Cassia Senna  ، أنه مفيد لأمراض الفيروسية بشهرته باسم مضاد البكتيريا، كما أنه يستخدم في الطب الهندي وفي الطب اليوناني للبلعم والامساك والآلم والسعال وتصفية الدم وفي الأمراض الجلدية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم “عَلَيْكُمْ بِالسَّنَا وَالسَّنُّوتِ، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ” قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: “الْمَوْتُ”.

وبما ثبت في الطب الأعشابي الفوائد الطبية للحبة السوداء والسنا أن الطبيب اليوناني المعروف بالحكيم في باكستان يقدم وصفة طبية لعلاج الفيروس التاجي وذلك بغلي الماء بقليل من الحبة السوداء والسنا ثم يشرب باختلاط العسل، ويقول أنه مفيد للفيروس التاجي ويتحدى المعارضين أن يثبتوا بطلان هذه الوصفة بالأدلة العلمية، هذه الوصفة موجودة في يوتوب.

وفي حين تثبيت الطب الآيورفيدي الفوائد الطبية للأعشاب المذكورة في الطب النبوي لا سيما للأعراض الجانبية والمضاعفات الناتجة من الفيروس التاجي مثل ضيق التنفس والاتهاب الرئوي والقحة والبلعم، يتطلب الوضع الراهن أن يتطور البحوث والدراسات في استخدام هذه الأدوية في علاج الفيروس التاجي حتى يقوم بتنشيط المناعة ومجابهة الفيروسات أو يؤدي إلى الشفاء لهذا المرض بإذن الله.

==========================================

Dr. T K Yoosuf

Associate Professor

M U A College

Pulikkal- 673637

Kerala, INDIA

Phone: 0091 9349798262

Email: [email protected]

www.drtkyoosuf.info

غزوة تبوك في الكتاب المقدس

د . محمد سعد
باحث في تاريخ الحضارات والأديان

غزوة تبوك هي آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك في العام التاسع الهجري حيث خرج النبي صلى الله عليه وسلم في جيش قوامه ثلاثون ألف مقاتل لملاقاة الروم بعد أن وصلت الأنباء إلى المدينة أن الروم يعدون العدة لغزو المدينة للقضاء على المسلمين وذلك بعد أن توحدت الجزيرة العربية على دين واحد وقائد واحد فصار ذلك يشكل خطراً وتهديدا على سلطانهم في الشام ومصر .
خرج جيش المسلمين من المدينة متجها شمالاً إلى مدينة العُلا ومنها إلى مدينة تبوك قاطعا حوالي 700 كيلو متر مربع .

كان الروم قد جهزوا جيشا قوامه أربعون ألف مقاتل متضمناً القبائل العربية المتحالفة معهم لغزو المدينة وعندما علموا بخروج جيش المسلمين إليهم ووصوله إلى تبوك لملاقاتهم تراجع جيش الروم وحلفاؤه وآثروا عدم المواجهة وانتهت المعركة بلا صدام أو قتال مما أدى إلى تغيرات عسكرية في المنطقة جعلت حلفاء الروم يتخلون عنهم ويتحالفون مع المسلمين.

هذا المشهد المهيب لمسير النبي صلى الله عليه وسلم في جيش من ثلاثين ألف مقاتل مارا بمدينة العُلا وصولاً إلى تبوك قد تم وصفه بدقة في الكتاب المقدس في سفر أشعياء الاصحاح 63 :

يصف النص مشهدا لشخص يتقدم من أدوم ويصف هذا الشخص بأنه بهي بملابسه ويسير في كثرة قوته مرتديا ثياباً من بُصرى.
ويتحدث النص عن الهداية للحق والنجاة وتبليغ كلمات الله المشار إليه بالكلام بالبر العظيم للخلاص ويتحدث أيضا عن الحروب والانتصار على الشعوب.

وأدوم مملكة تاريخية معروفة شملت المنطقة جنوب البحر الميت وامتدت لتشمل أجزاء من الجزيرة العربية على الساحل الشرقي للبحر الأحمر كما تذكر بعض المصادر التاريخية مثل موسوعة طرق التجارة القديمة Ancient trade routes :
EDOM e’-dom GEOGRAPHY The country of Edom began at a line from the south end of the Dead Sea stretched to the Arabian Desert areas to the east. From this line, Edom claimed all the land south to the Red Sea, and farther along the east coast of the Red Sea.

(إدوم بدأت من النهاية الجنوبية للبحر الميت إلى الصحراء العربية شرقا، ومن هذا الخط امتدت إدوم لتشمل كل الأراضى جنوبا وصولا إلى البحر الأحمر ثم أراضي شرق البحر الأحمر )

والكتاب المقدس يحدد أن ددان هي الجزء الجنوبي من أدوم :
سفر أرميا اصحاح 49 :

سفر حزقيال اصحاح 25 :

وددان هو الإسم القديم لمدينة العُلا كما هو ثابت من المصادر التاريخية والاكتشافات الأثرية وكما يذكر أيضاً قاموس الكتاب المقدس :

وبُصرة أو بُصرى مدينة تاريخية معروفة تتبع الآن محافظة درعا السورية وكما هو معلوم كانت بصرى مركزاً تجارياً هاما يقصده أهل مكة في رحلاتهم التجارية والتي أشار القرآن إليها :
(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)

ورد في تفسير ابن كثير: كانت قريش قد ألفوا بصرى واليمن يختلفون إلى هذه في الصيف وإلى هذه في الشتاء.

وفي التفسير المسمى البحر المحيط لصاحبه أثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الأندلسي روي عن ابن عباس قوله عن رحلتي قريش للتجارة في الشتاء والصيف، رحلة إلى اليمن، ورحلة إلى بصرى.

وورد في تفسير الدر المنثور للسيوطي أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كانت قريش تتجر شتاء وصيفا فتأخذ في الصيف فيأخذون قبل بصرى وأذرعات يلتمسون البرد.

إذن أدوم التي يذكر النص أن الشخص المقصود يتقدم منها في كثرة قوته قد قطع النبي صلى الله عليه وسلم وجيش المسلمين جزءا كبيرا منها يمتد من العُلا جنوباً إلى تبوك شمالاً .

والنص في النُسخ الإنجليزية يصف تقدم ذلك القائد والجيش وصفا دقيقا :

KJV : Who is this that cometh from Edom …. travelling in the greatness of his strength?

من ذا الآتي من أدوم (مسافرا) (مرتحلا) في عظمة قوته .

NIV : Who is this coming from Edom ….. robed in splendor,
striding forward in the greatness of his strength?
من ذا الآتي من أدوم المُلَبَّس في الجلال الذي يتقدم في عظمة قوته .

ESV : Who is this who comes from Edom … he who is splendid in his apparel,
marching in the greatness of his strength?
من ذا الآتي من أدوم الفخم بملابسه (السائر) (الزاحف) (المتقدم) في عظمة قوته

وبصرة أو بصرى كما ذكرنا كانت مركزاً تجارياً هاما ومقصدا لتجارة وقوافل أهل مكة ومن البديهي أن النبي كباقي أهل مكة كان يرتدي ثياباً قادمة من بصرى بحكم كونها أهم المراكز التجارية في ذلك الوقت .

ما تبقى من سوق بصرى الشام

وقد ورد في كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم زار بصرى بنفسه في تلك القوافل مرتين الأولى عندما كان في الثانية عشرة مع عمه أبي طالب والثانية قبل بعثته عندما كان يعمل بالتجارة في أموال السيدة خديجة رضي الله عنها حيث تذكر كتب السيرة أنه ذهب إلى سوق بصرى فباع واشترى وكان يصحبه غلام للسيدة خديجة رضي الله عنها يدعى ميسرة.

ونص أشعياء كما نرى يذكر مرة أن تلك الثياب البُصرية تُظهر بهاء وجلال ذلك الشخص العظيم ويذكر مرة أخرى أن لونها المُحمر كناية عن النصر وعن هزيمة ودحر الشعوب المعادية :

البهي بملابسه
ذكر ابن القيم رحمه الله :
كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتدي أحسن الثياب وأعدلها وأجملها
وعن قتادة قال:
(قلنا لأنس بن مالك: أي الثياب كان أحب أو أعجب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: الحِبَرة)
رواه مسلم. والحِبَرَة: ثياب من كتان أو قطن محبرة، أي: مزينة.
وعن هند بن أبي هالة قال :
(كان رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم فخما مفخما ، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر) رواه البيهقي
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال:
(رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان (مضيئة مقمرة) وعليه حُلَّة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلي القمر، فلهو عندي أحسن من القمر) رواه الترمذي وصححه الألباني.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:
(رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في حُلَّة حمراء ما رأيت شيئاً قط أحسن منه) رواه البخاري
ويقصد بالحُلَّة الحمراء أنها نسجت بخيوط حُمر مع الأسود.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
(ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه) رواه الترمذي وصححه الألباني.
وفي وصف أم مِعْبَد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجها عند رجوعه آخر النهار حين مرَّ النبي وصاحباه بخيمتها أثناء الهجرة يستقون الماء ولم تكن تعرفه حينئذ قالت :
(ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق وسيم قسيم شديد سواد الشعر إذا صمت علاه الوقار، وإن تكلم علاه البهاء، أجل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأحلاهم من قريب، حلو المنطق كأن منطقه خرزات نُظمن يتحدرن وله رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفَنَّد)
وقال كعب بن مالك رضي الله عنه:
(وكان إذا سُرَّ استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر) رواه البخاري.
وقد سُئل جابر رضي الله عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(كان وجهه مثل الشمس والقمر، وكان مستديرا) رواه البخاري.
وعن البراء رضي الله عنه قال:
(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا) رواه البخاري.

الفاتح المنتصر
كانت الحرب ضد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام مستعرة من اليوم الأول ولقد لاقوا من الصعوبات والأهوال ما تزول منه الجبال ولم تزل المكائد والمؤامرات وتجييش الجيوش من قبائل العرب للدفاع عن وثنيتهم والقضاء على المسلمين دائرة حتى أتم الله عزّ وجل لرسوله الفتح المبين وأيده بالنصر العزيز فقضى على الوثنية وعبادة الأصنام ورفع راية التوحيد في كل الجزيرة العربية .. خاض النبي صلى الله عليه وسلم في حياته سبعا وعشرين غزوة وفي غضون سنوات معدودة تحقق وعد الله وتم النصر للصحابة الكرام على ممالك الروم والفرس في العراق وفارس والشام وبيت المقدس ومصر.. والروم والفرس في ذلك الوقت كانتا أعظم ممالك الأرض وكان خطرهما عظيما ومحدقا يتهدد الإسلام لإحاطتهما بالجزيرة العربية .
ولكنَّ الله رمى
ونص أشعياء كما نرى يأخذ طابعا بلاغيا يتكلم عن نبي عظيم بهي بملابسه متعظم في كثرة قوته (من ذا الآتي من أدوم بثياب حمر من بصرة هذا البهي بملابسه المتعظم في كثرة قوته …) ثم يذكر في إطار شعري أن الله نفسه هو الذي يحارب وينتصر(قد دُست المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد فدُستهم بغضبي …) وذلك لأن عمل النبي وهديه وظهوره على الأعداء هو كله من عمل الله الذي يتعهده برعايته ويوفقه لنصره وهذا مشابه لما ورد في القرآن في خطاب الله عزّ وجل لنبيه :
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
وكذلك : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم
فالحروب والانتصار والفتوحات هي أعمال خالصة لله عزّ وجل لم تتم إلا بتأييده وتثبيته وكل المنصفين من الباحثين في التاريخ الإسلامي يستبعدون قصر انتصارات وفتوح المسلمين على العامل البشري وحده ذلك لأن كم الإعجاز الذي تحقق من ظهور الإسلام وانتشار رقعته وإسقاط ممالك وإمبراطوريات عظمى من أرباب الحرب والغزو في سنوات قليلة يستحيل حدوثه بدون تدخل إلهي .

(إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم).

(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون).

عالم الوراثة الشهير..كيف تحول من ملحد إلى مؤمن؟

كتب محمد بن جمعة

فرانسيس كولينز، طبيب علم الوراثة، ومدير مشروع الجينوم البشري.. ولد ملحدا في أسرة أمريكية ملحدة..
ثم تحول للإيمان بنظرية التصميم الذكي نتيجة أبحاثه الجامعية حول الجينات (DNA) وكتب فيها لاحقا كتابا هاما يرى فيه أن (DNA) هي لغة الله (The Language of God)..

وخلص فيه إلى أن دراسة علم الوراثة يؤدي حتما إلى الإيمان بوجود خالق للكون والحياة والإنسان، ويستحيل أن يكون الأمر متعلقا بالعشوائية.. والتطور آلية أساسية من آليات خلق الكون من قبل الله...
في حوار تلفزيوني علمي، سئل: كيف يمكن لعالِم مثلك أن يؤمن بالخوارق والمعجزات والنبوات؟
فأجاب:

كثيرون يندهشون كيف لعالِم ذي عقلية علمية، ومؤمن بالتطور، أن يؤمن بالنبوات والمعجزات والخوارق..
وأقول لهم دائما: نعم، هذا ممكن في بعض الأحيان..
وهم يستغربون لأن هذا يعتبر خرقا لقوانين الطبيعة التي لا تقبل الخرق علميا..

تعريف المعجزة هو أنها “خرق لقوانين الطبيعة”، بما يعني أن القانون الطبيعي يتم تعطيله مؤقتا في ظرف ما..
وأنا هنا لا أتحدث عن جميع ما يصفه عامة الناس بأنه معجزة أو خارقة من الخوارق في حين أن لها تفسيرا علميا.. العامة يتوسعون كثيرا في مفهوم المعجزة، ويصفون بها كل الأمور التي تعجز عقولهم عن إيجاد تفسير علمي لها.. وليس هذا هو ما أقصده هنا..

مثلا، قيامة المسيح أو معجزات المسيح، هي من جوهر معتقدي المسيحي.. ولا أرى أن الإيمان بها يحدث إشكالا كبيرا من الناحية العلمية. وانما الإشكال الحقيقي هو أن تجيب عن الأسئلة الثلاثة التالية:
1- هل تؤمن بوجود الله كخالق للكون؟ (مفهوم الألوهية)
2- وهل تؤمن بأن هذا الإله خارج عن إطار القوانين الطبيعية بحيث لا تحكمه نفس القوانين، وإنما هو الذي يتحكم فيها إنشاءً وتعطيلا؟ (مفهوم الربوبية)

3- هل تمؤمن بأن هذا الإله ما زال يتدخل في تدبير شؤون هذا الكون والحياة، حتى في عصرنا الراهن؟ (مفهوم الربوبية)
إذا أجبت بنعم على الأسئلة الثلاث، فلن تجد صعوبة في قبول فكرة المعجزة والخوارق والنبوات. لأن السؤال هو: إن كنا نؤمن بذلك، فلماذا لا نؤمن بأنه قادر على أن يرسل لنا رسائل استثنائية في أوقات وظروف معينة لتنبيهنا لأمر ما أو لحكمة ما؟
نعم، كعلماء نرى أن قوانين الطبيعة تعمل بشكل غير قابل للخرق، وبالتالي نسعى لوضع المعجزات والخوارق في أدنى درجات اهتماماتنا لتفسير الأمور.. ولكن هذا لا يعني أنها غير موجودة.. والله لم يضعها كآلية أساسية في الطبيعة والكون والحياة، ولكن هذا لا يمنع وجودها كاستثناءات في مسيرة الحياة..

القول بوجود قوانين طبيعية غير قابلة للخرق لا يعني بالضرورة أن احتمال المعجزات الخوارق والنبوات هو صفر.. وإنما يعني أن احتمالها في أدنى الدرجات باعتبارها استثناءً.

المنهج العقلي في دعوة ابراهيم

إن المنهج العقلي اليوم في البحث عن حل المشكلات يقوم على خطوات ومراحل هي : تحديد المشكلة أولا ثم وضع الفرضيات المحتملة ثم اختبار هذه الفرضيات لقبولها او رفضها وأخيرا التوصل الى الحلول والنتائج.
ولعلنا نقف بشيء من التفصيل على هذا المنهج في حل المشكلات ، وكيف عرضه القرآن الكريم ، وذلك من خلال الحوار الذي جرى بين إبراهيم عليه السلام وقومه ، حين حاجّهم وجادلهم في إثبات بطلان عبادتهم للكواكب والنجوم ، وذلك في الآيات التالية من سورة الأنعام :
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴿74﴾ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴿75﴾ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴿76﴾ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴿77﴾ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿78﴾ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿79﴾ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ﴿80﴾ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿81﴾ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿83﴾ “

ولنستعرض الآن ومن خلال الآيات الكريمة هذا المنهج العقلي الذي سلكه إبراهيم عليه السلام في دعوة قومه
• لقد بدأ ابراهيم عليه السلام بتحديد المشكلة وهي عبادة أبيه وقومه للكواكب والنجوم :” وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً”.
• ثم سايرهم في الفرضية التي افترضوها ، وهي أن هذه الكواكب والنجوم هي الآلهة
:” فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي “
” فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي “
” فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ”
• ثم قام باختبار فرضيتهم والتشكيك في صحتها ، وذلك بتأمل هذه الكواكب والنجوم وحركتها ، فكان نهاية حركتها الى الأفول ، فأما عن الكوكب ” فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ “
وأما عن القمر ” فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ”
وأما عن الشمس : ” فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ “
• ثم أصدر الحكم على الفرضية ، فلما غابت هذه الكواكب والنجوم عن الأنظار ، بطل الادعاء بألوهيتها إذ كيف يكون الإله شاهدا ، ثم يصير غائبا عن هذا الكون الذي هو إلهه ، ومن الذي سيصرف أمور الكون في غيابه ؟
• ثم تاتي آخر خطوة من خطوات هذا المنهج وهي التوصل إلى حلّ المشكلة ، وما يتعلق به من النتائج وهي :
1- أن هذه الكواكب والنجوم آلهة مزعومة ، ” قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ “
2- لا بد من وجود إله حق لهذا الوجود وهو الله الذي خلق هذه الكواكب والنجوم وخلق السماوات والأرض جميعا : ” إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”
3- من اهتدى إلى الله وآمن به فله الأمن والأمان ، ومن أشرك به آلهة أخرى كان مصيره إلى الشك والخوف :” وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿81﴾ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ “
4- الحجة والبرهان هي السبيل إلى إثبات الحق و تفنيد الفرضيات الخاطئة المزعومة
” وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ “.
هذا والله أعلم
كتبه عمر محمود أبو أنس

من نبوءات التوراة : عيسى المسيح ومن بعده نبي الأميين عليهما أفضل الصلاة والسلام

د. محمد سعد باحث في تاريخ الحضارات والأديان

الأُمَّيون أو الأمميون نسبة إلى الأمم ويقصد بهم الأمم التي ليست من أهل الكتاب .. والقرآن يقسم الناس إلى صنفين: أهل كتاب وأميين لذلك يقول الله مخاطبا نبيه ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم) .. وهم الذين بعث فيهم ومنهم النبي صلى الله عليه وسلم (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) .. وهذه إحدى صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي يؤكد القرآن ذكرها في الكتب السابقة ( النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) .. والحق هو أن النبوءات عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة عديدة ومتنوعة وقد تم نشر كتب ومقالات عديدة بخصوصها لكن موضوع هذا المقال تحديدا هو صفة نبي الأميين أو النبي الأمي الذي سيبعثه الله بعد عيسى المسيح عليهما أفضل الصلاة والسلام .. والحديث هنا عن النص الذي ورد في سِفْر أشعياء أحد أسفار التوراة الفصل 41 والفصل 42 .. حيث بدأ النص في مخاطبة الله للأمم الغير إسرائيلية يطلب منهم المناظرة وأن يعملوا ما بوسعهم لإظهار حججهم وقوتهم وتحدث عن مَلِك أنهضه الله من المشرق ليحطم به الأمم والشعوب الغير مؤمنة ولتخليص شعب إسرائيل من الأسر وإعادتهم إلى أرضهم والملك المقصود هنا هو كورش ملك فارس: ( أنصتي إلي أيتها الجزائر ولتجدد القبائل قوة. ليقتربوا ثم يتكلموا. لنتقدم معا إلى المحاكمة. من أنهض من المشرق الذي يلاقيه النصر عند رجليه؟ دفع أمامه أمما وعلى ملوك سلطه. جعلهم كالتراب بسيفه، وكالقش المنذري بقوسه. طردهم. مر سالما في طريق لم يسلكه برجليه. من فعل وصنع داعيا الأجيال من البدء؟ أنا الرب الأول، ومع الآخرين أنا هو». نظرت الجزائر فخافت. أطراف الأرض ارتعدت. اقتربت وجاءت. كل واحد يساعد صاحبه ويقول لأخيه: «تشدد». فشدد النجار الصائغ. الصاقل بالمطرقة الضارب على السندان، قائلا عن الإلحام: «هو جيد». فمكنه بمسامير حتى لا يتقلقل ) .

ثم توجه الله بالخطاب إلى شعب إسرائيل وتحدث عن فضله وتأييده ونعمه عليهم واستجابته لهم:

( وأما أنت يا إسرائيل عبدي، يا يعقوب الذي اخترته، نسل إبراهيم خليلي، الذي أمسكته من أطراف الأرض، ومن أقطارها دعوته، وقلت لك: أنت عبدي. اخترتك ولم أرفضك. لا تخف لأني معك. لا تتلفت لأني إلهك. قد أيدتك وأعنتك وعضدتك بيمين بري. إنه سيخزى ويخجل جميع المغتاظين عليك. يكون كلا شيء مخاصموك ويبيدون. تفتش على منازعيك ولا تجدهم. يكون محاربوك كلا شيء وكالعدم. لأني أنا الرب إلهك الممسك بيمينك، القائل لك: لا تخف. أنا أعينك. «لا تخف يا دودة يعقوب، يا شرذمة إسرائيل. أنا أعينك، يقول الرب، وفاديك قدوس إسرائيل. هأنذا قد جعلتك نورجا محددا جديدا ذا أسنان. تدرس الجبال وتسحقها، وتجعل الآكام كالعصافة. تذريها فالريح تحملها والعاصف تبددها، وأنت تبتهج بالرب. بقدوس إسرائيل تفتخر. «البائسون والمساكين طالبون ماء ولا يوجد. لسانهم من العطش قد يبس. أنا الرب أستجيب لهم. أنا إله إسرائيل لا أتركهم. أفتح على الهضاب أنهارا، وفي وسط البقاع ينابيع. أجعل القفر أجمة ماء، والأرض اليابسة مفاجر مياه. أجعل في البرية الأرز والسنط والآس وشجرة الزيت. أضع في البادية السرو والسنديان والشربين معا. لكي ينظروا ويعرفوا ويتنبهوا ويتأملوا معا أن يد الرب فعلت هذا وقدوس إسرائيل أبدعه ) .

ثم توجه الله بالخطاب مرة أخرى إلى الأمم وإلى آلهتها الباطلة وطلب منهم أن يحضروا حججهم وأن يخبروا بالأمور المستقبلية ليبينوا صدقهم وتكلم مرة أخرى عن كورش ملك فارس الذي سلطه الله على الأمم والشعوب الغير مؤمنة :

( أحضروا حججكم، يقول ملك يعقوب. ليقدموها ويخبرونا بما سيعرض. ما هي الأوليات؟ أخبروا فنجعل عليها قلوبنا ونعرف آخرتها، أو أعلمونا المستقبلات. أخبروا بالآتيات فيما بعد فنعرف أنكم آلهة، وافعلوا خيرا أو شرا فنلتفت وننظر معا. ها أنتم من لا شيء، وعملكم من العدم. رجس هو الذي يختاركم. «قد أنهضته من الشمال فأتى. من مشرق الشمس يدعو باسمي. يأتي على الولاة كما على الملاط، وكخزاف يدوس الطين. من أخبر من البدء حتى نعرف، ومن قبل حتى نقول: هو صادق؟ لا مخبر ولا مسمع ولا سامع أقوالكم ) .

ثم أخبر الله أنه في الأول سوف يرسل مبشرا لأورشليم :

(أنا أولا قلت لصهيون: ها! ها هم. ولأورشليم جعلت مبشرا).

وفي الترجمة الإنجليزية النسخة العالمية الجديدة :

 New international version : I gave to Jerusalem a messenger of good news.

 رسول يأتي بالأخبار السارة

وفي ترجمة الملك جيمس :

 I will give to Jerusalem one that bringeth good tidings.

 رسول يأتي بالبشارات السارة

وهو إشارة إلى عيسى المسيح عليه السلام لأنه جاء بالإنجيل والإنجيل كلمة معربة من (اليونانية: εὐαγγέλιον، ايوانجيليون) وتعني البشارة السارة أو البشرى السارة .

ثم تحدث الله عن حال الأرض التي كادت تخلو من الصالحين وتكلم مرة أخرى عن الأمم وتكلم تحديدا عن أمة من عبدة الأصنام وعن عبده ومختاره الذي سيبعثه ليخرج الحق للأمم :

(ونظرت فليس إنسان، ومن هؤلاء فليس مشير حتى أسألهم فيردون كلمة .ها كلهم باطل، وأعمالهم عدم، ومسبوكاتهم ريح وخلاء. هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرت به نفسي. وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم. لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة خامدة لا يطفئ. إلى الأمان يخرج الحق.. لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته.. هكذا يقول الله الرب، خالق السماوات وناشرها، باسط الأرض ونتائجها، معطي الشعب عليها نسمة، والساكنين فيها روحا .. أنا الرب قد دعوتك بالبر، فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهدا للشعب ونورا للأمم، لتفتح عيون العمي، لتخرج من الحبس المأسورين، من بيت السجن الجالسين في الظلمة.. أنا الرب هذا اسمي، ومجدي لا أعطيه لآخر، ولا تسبيحي للمنحوتات).

والمسبوكات هي الأصنام المصنوعة والأمم هنا ترجمة لكلمة gentiles وفي النص العبري جوييم גוים ويقصد بها الأمم الغير كتابية أو الأميين كما ذكرنا .. ومعنى وضعت روحي عليه أي روح الوحي والتأييد من الله وذلك مثل ما ورد في الكتاب المقدس : وكان روح الله مع عزريا بن عوديد .. يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء إذا وضع الله روحه عليهم .. وفي القرآن الكريم : قل نزله روح القدس من ربك بالحق .. ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده .. رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده .. وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان .. وتحدث عن أخلاق ذلك النبي وعن أنه لا يرفع صوته في الأسواق وعن رحمته بالضعيف (لا يصيح ولا يسمع في الشارع صوته قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خادمة لا يطفيء) وهذه كلها من صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي وردت في كتب الحديث والسيرة (لم يكن بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق .. يحمل الكَل ويقري الضيف وينصف المظلوم) .. وتحدث النص عن العمل والسعي والإصرار والجهد العظيم الذي بذله ذلك النبي في نشر الحق واستقراره في الأرض (لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته) والجزائر جمع جزيرة ويقول قاموس الكتاب المقدس أنها تعني الأماكن المطلة على بحار وأنها تطلق عموما على القرى والبلدان .. وتحدث الله عن حفظه وتأييده لذلك النبي حتى يخرج الناس من الظلمات إلى النور لأن الله لا يقبل أن يُشْرَك معه شخص أو أصنام منحوتة (هكذا يقول الله الرب … قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفظك … لتخرج من الحبس الجالسين في الظلمة .. أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر ولا تسبيحي للمنحوتات)

ثم يخبر الله عز وجل أنه يحدثنا عن أمر عظيم سيحدث في المستقبل وعن أدق خصائص الرسالة الإسلامية : (هوذا الأوليات قد أتت، والحديثات أنا مخبر بها. قبل أن تنبت أعلمكم بها .. غنوا للرب أغنية جديدة، تسبيحه من أقصى الأرض. أيها المنحدرون في البحر وملؤه والجزائر وسكانها، لترفع البرية ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار. لتترنم سكان سالع. من رؤوس الجبال ليهتفوا. ليعطوا الرب مجدا ويخبروا بتسبيحه في الجزائر.. الرب كالجبار يخرج. كرجل حروب ينهض غيرته. يهتف ويصرخ ويقوى على أعدائه.. قد صمت منذ الدهر. سكت. تجلدت. كالوالدة أصيح. أنفخ وأنخر معا.. أخرب الجبال والآكام وأجفف كل عشبها، وأجعل الأنهار يبسا وأنشف الآجام، وأسير العمي في طريق لم يعرفوها. في مسالك لم يدروها أمشيهم. أجعل الظلمة أمامهم نورا، والمعوجات مستقيمة. هذه الأمور أفعلها ولا أتركهم).

كما نلاحظ يخبر النص مكان الرسالة أنه من أقصى الأرض ولم يقل في أقصى الأرض أو إلى أقصى الأرض ولكن حدد أنها من أقصى الأرض.. ولأن هذا النص قد نزل على أحد أنبياء بني إسرائيل فإن أقصى الأرض يقصد به الجزيرة العربية لأن جزيرة العرب بالنسبة لفلسطين تعتبر أقصى الأرض وكذلك فلسطين بالنسبة لجزيرة العرب تعتبر أقصى الأرض ولذلك يطلق العرب على مسجد القدس في فلسطين المسجد الأقصى وفي القرآن (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) والمسيح عليه السلام أطلق على جنوب الجزيرة العربية في الإنجيل أقصى الأرض وذلك عندما تحدث عن ملكة سبأ (ملكة التيمن أتت من أقصى الأرض لتسمع حكمة سليمان) وخطاب النص (أيها المنحدرون في البحر وملئه والجزائر وسكانها) موافق تماما لوصف منطقة الحجاز التي تحاذي البحر الأحمر والتي انتشرت فيها وانطلقت منها دعوة التوحيد وتحدث النص عن رفع الصحراء صوتها والتهليل من رؤوس الجبال(لترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا) ورفع الصحراء صوتها بالأذان والتكبير والهتاف من رؤوس الجبال كل ذلك من الخصائص المعروفة للدعوة الإسلامية وقيدار كما نعلم أحد أبناء إسماعيل ويقول عنه قاموس الكتاب المقدس أنه جد لأشهر القبائل العربية وأنه يأتي في الكتاب المقدس للتعبير عن العرب عموما كما ذكرنا وسالع يقول عنها قاموس الكتاب المقدس أنه جبل قريب من البتراء شمال غرب الجزيرة العربية ويقول أن سالع معناها العام هو الصخرة هذا ما يقوله الكتاب المقدس عن سالع .. كما أن سالع أو سلع إسم لجبل شمال المدينة المنورة ولازال يحمل نفس الإسم لم يتغير وهو الذي أقام النبي صلى الله عليه وسلم خيمته عليه في غزوة الخندق ومذكور في العديد من قصائد الشعر الجاهلي وسلع في اللغة العربية مفرد سلوع وهي الشقوق والطُرُق في الجبال وهو معنى قريب مما ورد في قاموس الكتاب المقدس أن سالع يعني الصخرة لذلك نجد نفس الفقرة في بعض الترجمات مثل ترجمة الملك جيمس :

11 Let the wilderness and the cities thereof lift up their voice, the villages that Kedar doth inhabit: let the inhabitants of the rock sing, let them shout from the top of the mountains.

لترفع الصحراء ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار لتترنم سكان الصخور من رؤوس الجبال ويهتفوا

وتحدث أيضا عن واحدة من أهم خصائص الدعوة الإسلامية وهي نصر الله للمؤمنين والفتوحات والغضب الإلهي على الشعوب التي سارت في طرق الشرك والإثم وكرهت نور الحق والتوحيد وتأييده لهؤلاء الذين كانوا عُميا في الجاهلية فأنعم عليهم بالإيمان وأخرجهم من الظلمات إلى النور ويسر لهم السير في طرق ومسالك لا يعرفوها ودخول بلاد جديدة عليهم (الرب كالجبار يخرج كرجل حروب يصيح ويهتف ويقوى على أعدائه أخرب الجبال والاكام وأجعل الأنهار يبسا وأنشف الاجام وأسير العمي في طرق لم يعرفوها ومسالك لم يدروها أمشيهم أجعل الظلمة أمامهم نورا والمعوجات مستقيمة هذه الأمور أفعلها ولا أتركهم)

ثم تحدث الله عن الخزي الذي لحق بالمشركين عبدة الأصنام :

(قد ارتدوا إلى الوراء. يخزى خزيا المتكلون على المنحوتات، القائلون للمسبوكات: أنتن آلهتنا!).

تالله ما أجمله من تصوير فني بليغ ومشهد ختامي رائع يصور الخزي الذي حل بالمشركين عبدة الأصنام (يَخْزَى خزيا المتكلون على المنحوتات القائلون للمسبوكات أنتن آلهتنا)

هذا المشهد الختامي الرائع مكتوب هكذا في الترجمة العالمية الجديدة NIV

But those who trust in idols, who say to images, `You are our gods,’ will be turned back in utter shame

أما هؤلاء الذين يتوكلون على الأوثان الذين يقولون للأصنام أنتم آلهتنا سوف يتراجعون في خزي مطلق

ومكتوب هكذا في ترجمة الملك جيمس

 17 They shall be turned back, they shall be greatly ashamed, that trust in graven images, that say to the molten images, Ye are our gods.

سوف يتراجعون سوف يخزون خزيا عظيما هؤلاء الذين يتوكلون على الأصنام المنحوتة الذين يقولون للأصنام المسبوكة أنتن آلهتنا

وهذا وصف دقيق جدا لما حل بصناديد الكفر وعبدة الأصنام من الخزي ووصف دقيق جدا للأصنام التي كانت تُعبد من دون الله كما ورد وصفها في كتب السِيَر وكتب التاريخ ومثال ذلك ما ورد في كتاب المفصل في تاريخ العرب لجواد علي :

لا أحسب أن منصفا يحترم عقله ويؤمن بالبحث المجرد يستطيع أن ينكر صحة ما جاء في هذا النص ذلك لأنه يصف ما حدث وصفا دقيقا لا لبس فيه رغم أن تاريخه يرجع إلى القرن السابع قبل الميلاد .

هدانا الله جميعا إلى الحق بإذنه ووفقنا لما يحبه ويرضاه .

مكة في سفر التكوين .. فصل الخطاب حول النبوة الخاتمة في الكتاب المقدس

 د.محمد سعد

باحث في تاريخ الحضارات والأديان

من الأمور التي يجزم بها الباحثون من أتباع الديانات السابقة هو عدم وجود أي ذكر لمكة في نصوص الكتاب المقدس.

ورد في سفر التكوين الإصحاح العاشر :

26 وَيَقْطَانُ وَلَدَ: أَلْمُودَادَ وَشَالَفَ وَحَضَرْمَوْتَ وَيَارَحَ 27 وَهَدُورَامَ وَأُوزَالَ وَدِقْلَةَ 28 وَعُوبَالَ وَأَبِيمَايِلَ وَشَبَا 29 وَأُوفِيرَ وَحَوِيلَةَ وَيُوبَابَ. جَمِيعُ هؤُلاَءِ بَنُو يَقْطَانَ. 30 وَكَانَ مَسْكَنُهُمْ مِنْ مِيشَا حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ سَفَارَ جَبَلِ الْمَشْرِقِ.

كما نلاحظ فإن أغلب هذه الأسماء هي لأماكن عربية معروفة مثل حضرموت التي لا تزال تحتفظ بهذا الإسم إلى اليوم .. وكذلك شبا وهي نفسها سبأ المذكورة في القرآن الكريم ويقابلها اليمن حاليا .. وحويلة يتفق أغلب المؤرخون وقواميس الكتاب المقدس أنها منطقة شمال اليمن .. ويتفق المؤرخون كذلك أن يقطان المذكور هنا هو نفسه قحطان التي تنسب له العديد من القبائل العربية .. إذن لابد أن يكون سكن هؤلاء كما هو ظاهر من سياق النص هو الجزيرة العربية ، ولكن هل يوضح النص بدقة المنطقة التي سكنها أبناء يقطان أو قحطان ؟ يذكر النص في الفقرة 30 أن مسكنهم من ميشا حينما تجيء نحو سفار جبل المشرق إذن نفهم بوضوح أن الحد الغربي لمنطقة سكن أبناء يقطان هو ميشا وأن الحد الشرقي لها هو سَفار جبل المشرق .. وهذا ما يؤكده أيضا موقع أطلس الكتاب المقدس :

 mesha’; Masse): This appears to mark the western boundary of the land occupied by the descendants of Joktan (No certain identification is possible, but several more or less probable have been suggested: e.g (a) The Greek Mesene, on the Persian Gulf, not far from the mouth of the Tigris and the Euphrates;

(b) the Syro-Arabian desert, called Mashu in the Assyrian inscriptions; the name here, however, could hardly cover such a vast tract as this; more probably it denoted a place;

(c) Dillmann would alter the vowels and identify it with Massa’, a branch of the Ishmaelite stock (Genesis 25:14 1 Chronicles 1:30). This, however, furnishes no clue to the locality, the territory of that tribe being also unidentified.

 

يقول أطلس الكتاب المقدس كما نرى أن ميشا يظهر أنها الحد الغربي للأرض التي سكنها اليقطانيون ويحدد عدة فرضيات لمكان ميشا تحديدا، الفرضية الأولى على الخليج الفارسي والفرضية الثانية صحراء بادية الشام والفرضية الثالثة أن ميشا هي نفسها ( مسَّا ) أحد أبناء إسماعيل عليه السلام لكنه يقول أن الإسم ( مسَّا ) هو مجرد إسم ولا يوضح مكان . بالطبع الفرضية الأولى والثانية يمكن استبعادهما بسهولة لأنها لأماكن تبعد عن المنطقة التي تضم حضرموت واليمن وحويلة وكذلك لأن سياق النص وما ذكره أطلس الكتاب المقدس يؤكد أن ميشا تمثل الحد الغربي للأرض التي سكنها اليقطانيون .

إذن أين تقع ميشا أو ( مشَّا ) كما كُتبت تحديدا في النص العبري الأصلي משא ؟

هل من الممكن أن تكون(مشَّا) هي نفسها (مكة) ؟

لكي نتعرف أكثر على أين تقع ( مشَّا ) لابد أن نفهم جيدا باقي حدود المنطقة التي سكنها اليقطانيون وفقا للنص. يخبر النص بوضوح أن الحد الشرقي للمنطقة التي سكنها اليقطانيون هي صَفار جبل المشرق.. فأين تقع صَفار ؟ يقول أطلس الكتاب المقدس :

two important towns in South Arabia bear this name. The one lies a little to the South of San`a’. According to tradition it was founded by Shammir, one of the Sabean kings, and for a long time served as the royal seat of the Tubbas. The other Zafar stands on the coast , East of Chadramaut. The latter is probably to be accepted as the Biblical site.

 كما نرى يخبرنا أطلس الكتاب المقدس أن صَفار هي نفسها ظفار بالعربية وأن هناك موقعان يحملان نفس الإسم أحدهما جنوب صنعاء والآخر شرق حضرموت ويُرجِّح أن يكون الموقع الصحيح شرق حضرموت (يقصد بالطبع ظفار العمانية) .

إذن يظهر لنا بوضوح أن أبناء يقطان وفقا لنص سفر التكوين وهو كما هو معلوم أقدم نص كتابي موجود قد سكنوا منطقة بالجزيرة العربية حدها الغربي ( مشَّا ) وحدها الشرقي عُمان

نستطيع إذن أن نرجح بشدة أن ( مشَّا ) التي وردت في سفر التكوين والتي تمثل الحد الغربي للأرض التي سكنها اليقطانيون أو القحطانيون هي نفسها مكة لأن ذلك متفق تماما مع التشابه اللفظي بين الكلمتين ومع جغرافيا المنطقة وسياق النص وتحليل موقع أطلس الكتاب المقدس ومع الأماكن والأسماء الواردة في النص وكذلك مع ما ذكره المؤرخون عن أماكن تواجد العرب القحطانيين . ونستطيع أيضا أن نرجح أن هذا الإسم يرجع إلى (مسَّا) أحد أبناء إسماعيل عليه السلام كما يخبرنا سفر التكوين :

12 وَهذِهِ مَوَالِيدُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي وَلَدَتْهُ هَاجَرُ الْمِصْرِيَّةُ جَارِيَةُ سَارَةَ لإِبْرَاهِيمَ. 13 وَهذِهِ أَسْمَاءُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ بِأَسْمَائِهِمْ حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ: نَبَايُوتُ بِكْرُ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيدَارُ، وَأَدَبْئِيلُ وَمِبْسَامُ 14 وَمِشْمَاعُ وَدُومَةُ وَ* مَسَّا * 15 وَحَدَارُ وَتَيْمَا وَيَطُورُ وَنَافِيشُ وَقِدْمَةُ. 16 هؤُلاَءِ هُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ، وَهذِهِ أَسْمَاؤُهُمْ بِدِيَارِهِمْ وَحُصُونِهِمْ. اثْنَا عَشَرَ رَئِيسًا حَسَبَ قَبَائِلِهِمْ.

كما نلاحظ فإن النص يبين أن أسماء الأماكن التي عاش فيها بنو إسماعيل قد تسمت بأسمائهم (وهذه أسماؤهم بديارهم وحصونهم) . وبالفعل بعض هذه الأماكن معروف مثل نابت أبو الأنباط الذين كونوا مملكة قوية في شمال غرب الجزيرة العربية وقيدار يقول عنه قاموس الكتاب المقدس أنه جد لأشهر القبائل العربية وأنه يأتي في الكتاب المقدس للتعبير عن العرب عموما، ودومة يقصد به دومة الجندل شمال شرق الجزيرة العربية.. وتيما هو ما تسمت بإسمه مدينة تيماء ولا زالت تحتفظ بهذا الإسم إلى الآن وتقع بين تبوك وبين المدينة المنورة .

كما نرى فإن ما يُعرف من أماكن سكن أبناء إسماعيل عليه السلام هي كلها أماكن بالجزيرة العربية وليست في فلسطين أو سيناء كما يزعم البعض.

إلا أن باقي أبناء إسماعيل لم يذكر الكتاب المقدس مواطن سكن كل منهم بالتحديد ولكنه يذكر في العموم أن أبناء إسماعيل قد سكنوا في المنطقة الممتدة من حويلة إلى شور

18 وَسَكَنُوا مِنْ حَوِيلَةَ إِلَى شُورَ الَّتِي أَمَامَ مِصْرَ حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ أَشُّورَ. أَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ نَزَلَ.

ويوضح في موضع آخر أن إسماعيل قد سكن في ما يعرف ببرية فاران

21 وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ، وَأَخَذَتْ لَهُ أُمُّهُ زَوْجَةً مِنْ أَرْضِ مِصْرَ.

وحويلة كما يقول قاموس الكتاب المقدس : (مقاطعة في بلاد العرب, يسكن بعضها الكوشيون ويسكن البعض الآخر اليقطانيون وهم شعب سامي والصلة بين حويلة وحضرموت وأماكن أخرى تشير إلى موقع في وسط البلاد العربية أو جنوبها) .

إذن نستطيع أن نستنتج مما سبق أن هذه الأماكن تقع داخل نطاق الجزيرة العربية ولكن لا يزال الخلاف قائما حول شور وفاران لأن نصوص الكتاب المقدس تذكر أنهما من الأماكن التي مر بها بنو إسرائيل أثناء خروجهم من مصر لفلسطين وبالتالي يقولون أنهما يقعان في شبه جزيرة سيناء .

لكي نفهم ذلك بوضوح يتعين علينا أن ندقق مرة أخرى في النصوص : 18 وَسَكَنُوا مِنْ حَوِيلَةَ إِلَى شُورَ الَّتِي أَمَامَ مِصْرَ حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ أَشُّورَ. أَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ نَزَلَ. أشور لا خلاف على أنها مملكة أشور التي يمثلها حاليا العراق وهذا مما لا خلاف عليه إذن لكي يستقيم النص بأن شور تقع أمام مصر حينما تجيء نحو أشور لابد إذن أن تكون شرق خليج العقبة في شمال الجزيرة العربية وليس في شبه جزيرة سيناء

ومما يؤكد أيضا أن برية فاران تقع داخل نطاق الجزيرة العربية وليس في شبه جزيرة سيناء هو ما ذكره اثنان من أقدم مؤرخي الكتاب المقدس وهما يوزيبيوس وجيروم

Both Eusebius (in his Onomasticon, a Bible dictionary) and Jerome reported that Paran was a city in Paran desert, in Arabia Deserta (beyond Arabia Nabataea), southeast of Eilat Pharan. Onomasticon, under Pharan, states: “(Now) a city beyond Arabia adjoining the desert of the Saracens [who wander in the desert] through which the children of Israel went moving (camp) from Sinai. Located (we say) beyond Arabia on the south, three days journey to the east of Aila (in the desert Pharan) where Scripture affirms Ismael dwelled, whence the Ishmaelites.

هكذا بكل وضوح يتفق إثنان من أقدم مؤرخي الكتاب المقدس أن فاران التي مر بها بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر هي منطقة بصحراء فاران بالصحراء العربية وهي البرية التي سكنها إسماعيل حسب الكتاب المقدس

وإذا كان موضع فاران يوجد على مسيرة ثلاثة أيام من شرق أيلة إلى الجنوب فإنها قطعا داخل الصحراء العربية أو منطقة الحجاز التي تبدأ من خليج العقبة شمالا إلى مرتفعات عسير جنوبا

خريطة قديمة تبين موقع الحجاز كما نرى من بداية خليج العقبة شمالا إلى مرتفعات عسير جنوبا

وهذا ما يذكره بعض مواقع الكتاب المقدس أن فاران بالجزيرة العربية تبدأ من شمال شرق العقبة وتمتد إلى الجنوب بالجزيرة العربية

www.bible.ca

ولذلك أيضا نجد خريطة قديمة رسمها جغرافي فرنسي في عهد لويس الرابع عشر تضع فاران على المنطقة الجبلية شرق خليج العقبة

وكذلك قاموس سترونجس العبري يؤكد أن فاران صحراء عربية

 Strong’s Hebrew Lexicon 364 ‘Eyl Pa’ran ale paw-rawn’ from 352 and 6290; oak of Paran; El- Paran, a portion of the district of Paran:–El-paran. 6290 Pa’ran paw-rawn’ from 6286; ornamental; Paran, a desert of Arabia:–Paran

ولكن هل ورد في الكتاب المقدس ما يشير إلى خروج نبي من هذه الأرض التي سكنها إسماعيل وأبناؤه ؟

بكل وضوح نجد نصا في سفر حبقوق الإصحاح الثالث يتكلم عن نبي عظيم تمتليء الأرض من هدايته وتسبيحه وينصره الله على كل أعدائه .

1 صَلاَةٌ لِحَبَقُّوقَ النَّبِيِّ عَلَى الشَّجَوِيَّةِ 2 يَا رَبُّ، قَدْ سَمِعْتُ خَبَرَكَ فَجَزِعْتُ. يَا رَبُّ، عَمَلَكَ فِي وَسَطِ السِّنِينَ أَحْيِهِ. فِي وَسَطِ السِّنِينَ عَرِّفْ. فِي الْغَضَبِ اذْكُرِ الرَّحْمَةَ. 3 اَللهُ جَاءَ مِنْ تِيمَانَ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ. سِلاَهْ. جَلاَلُهُ غَطَّى السَّمَاوَاتِ، وَالأَرْضُ امْتَلأَتْ مِنْ تَسْبِيحِهِ. 4 وَكَانَ لَمَعَانٌ كَالنُّورِ. لَهُ مِنْ يَدِهِ شُعَاعٌ، وَهُنَاكَ اسْتِتَارُ قُدْرَتِهِ.(بيده قوة عظيمة في نسخة الملك جيمس) 5 قُدَّامَهُ ذَهَبَ الْوَبَأُ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْحُمَّى. 6 وَقَفَ وَقَاسَ الأَرْضَ. نَظَرَ فَرَجَفَ الأُمَمُ وَدُكَّتِ الْجِبَالُ الدَّهْرِيَّةُ وَخَسَفَتْ آكَامُ الْقِدَمِ. مَسَالِكُ الأَزَلِ لَهُ. 7 رَأَيْتُ خِيَامَ كُوشَانَ تَحْتَ بَلِيَّةٍ. رَجَفَتْ شُقَقُ أَرْضِ مِدْيَانَ.

 (يقول قاموس الكتاب المقدس أن كوش تطلق في الكتاب المقدس على أثيوبيا والنوبة وأيضا على جنوب الجزيرة العربية ويبين أن المقصود بها هنا هو قبائل كوش بجنوب الجزيرة العربية .. ومديان في شمال الجزيرة العربية كما هو معروف.. والفقرة كما نلاحظ تشير لشمال وجنوب الجزيرة العربية) 8 هَلْ عَلَى الأَنْهَارِ حَمِيَ يَا رَبُّ؟ هَلْ عَلَى الأَنْهَارِ غَضَبُكَ؟ أَوْ عَلَى الْبَحْرِ سَخَطُكَ حَتَّى إِنَّكَ رَكِبْتَ خَيْلَكَ، مَرْكَبَاتِكَ مَرْكَبَاتِ الْخَلاَصِ؟ 9 عُرِّيَتْ قَوْسُكَ تَعْرِيَةً. سُبَاعِيَّاتُ سِهَامٍ كَلِمَتُكَ. سِلاَهْ. شَقَّقْتَ الأَرْضَ أَنْهَارًا. 10 أَبْصَرَتْكَ فَفَزِعَتِ الْجِبَالُ. سَيْلُ الْمِيَاهِ طَمَا. أَعْطَتِ اللُّجَّةُ صَوْتَهَا. رَفَعَتْ يَدَيْهَا إِلَى الْعَلاَءِ. 11 اَلشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَقَفَا فِي بُرُوجِهِمَا لِنُورِ سِهَامِكَ الطَّائِرَةِ، لِلَمَعَانِ بَرْقِ مَجْدِكَ(لنور برق رماحك في نسخة الملك جيمس) . 12 بِغَضَبٍ خَطَرْتَ فِي الأَرْضِ، بِسَخَطٍ دُسْتَ الأُمَمَ. 13 خَرَجْتَ لِخَلاَصِ شَعْبِكَ، لِخَلاَصِ مَسِيحِكَ(مسيح تطلق على كل الأنبياء في الكتاب المقدس مثل الصانع رحمة لمسيحه داود يقول الرب لمسيحه كورش لا تمسوا مسحائي ولا تسيئوا إلى أنبيائي) .

سَحَقْتَ رَأْسَ بَيْتِ الشِّرِّيرِ مُعَرِّيًا الأَسَاسَ حَتَّى الْعُنُقِ. سِلاَهْ. 14 ثَقَبْتَ بِسِهَامِهِ رَأْسَ قَبَائِلِهِ. عَصَفُوا لِتَشْتِيتِي. ابْتِهَاجُهُمْ كَمَا لأَكْلِ الْمِسْكِينِ فِي الْخُفْيَةِ. 15 سَلَكْتَ الْبَحْرَ بِخَيْلِكَ، كُوَمَ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ.(عبر ستون ألفا من جيش المسلمين نهر دجلة بخيولهم في فتوحات فارس وهذا من الأخبار الصحيحة الثابتة) 16 سَمِعْتُ فَارْتَعَدَتْ أَحْشَائِي. مِنَ الصَّوْتِ رَجَفَتْ شَفَتَايَ. دَخَلَ النَّخْرُ فِي عِظَامِي، وَارْتَعَدْتُ فِي مَكَانِي لأَسْتَرِيحَ فِي يَوْمِ الضِّيقِ، عِنْدَ صُعُودِ الشَّعْبِ الَّذِي يَزْحَمُنَا.(عندما يأتي إلى الناس سوف يغزوهم بكتائب جيشه في نسخة الملك جيمس)

كما نرى فإن النص يتحدث عن جزع النبي حبقوق عندما أتاه الخبر أن الله جاء من تيمان والقدوس من جبال فاران وهو إشارة واضحة لنبوة تخرج من الجنوب لأن تيمان تعني الجنوب وهذا مما لا خلاف عليه وأن هذا النبي العظيم الذي يصفه بالقدوس يخرج تحديدا من فاران ولفظ القدوس لبيان مدى المكانة العظيمة وهذا من المألوف في الكتاب المقدس مثل ما ورد في سفر المزامير 106 : 16 (هارون قدوس الرب) وسفر الخروج 7 : 1 (فقال الرب لموسى أنظر أنا جعلتك إلها لفرعون)

يحاول البعض أن ينفي أن هذا النص يتحدث عن نبوءة وأنه يشير إلى تجليات الله لبني إسرائيل في رحلة الخروج من مصر وهذا تفسير يتنافى تماما مع أي تفكير علمي وموضوعي لأن النص يتكلم بوضوح عن الله وعن شخص له مكانة عظيمة (الله جاء من تيمان والقدوس من جبال فاران) لذلك نجد بعض الترجمات تكتبها هكذا : Daury Remis bible : God will come from the south and the holy one from mountain pharan (الله سوف يأتي من الجنوب والقدوس من جبال فاران)

وفي النص من أوله لآخره يتكلم النبي حبقوق مع الله بصيغة المخاطَب (يا رب سمعت خبرك يا رب عملك في وسط السنين أحيِه ….) وعن ذلك النبي بصيغة الغائب (جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه وقف وقاس الأرض …. ) وأحيانا يتكلم مع الله بصيغة المخاطَب وعن ذلك النبي بصيغة الغائب في نفس الفقرة (ثقبت بسهامه رأس قبائله) إذن لا مجال لإنكار أن هذا النص يتحدث عن نبوءة واضحة ومؤكدة لنبي عظيم تخرج رسالته من الجنوب تحديدا من فاران التي سكنها إسماعيل عليه السلام ويصف النص صفات ذلك النبي الروحية (جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه) ويصف ما حدث من نصر الله لهذا النبي على أعدائه والحديث عن الحرب والغزو والرماح والسهام والانتصار على الشعوب والغضب الإلهي الذي جازى به الله الشعوب التي سارت في طرق الشرك والإثم (بغضب خطرت في الأرض بسخط دست الأمم) إن نصا كهذا لا يمكن أن ينكره باحث يتحرى الدقة والموضوعية والمنهج العلمي والوصول للحق بعيدا عن الأهواء والتعصب والتمسك بالباطل

من النصوص العظيمة التي تتحدث أيضا عن نبي عظيم تخرج دعوته من الجزيرة العربية ويصف بدقة ووضوح صفات ذلك النبي وخصائص رسالته وأحوال القوم الذين بعث فيهم ووسائل انتشار دعوته هو نص اشعياء الاصحاح 42 :

1 «هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ. 2 لاَ يَصِيحُ وَلاَ يَرْفَعُ وَلاَ يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ. 3 قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ. إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ. 4 لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ، وَتَنْتَظِرُ الْجَزَائِرُ شَرِيعَتَهُ». 5 هكَذَا يَقُولُ اللهُ الرَّبُّ، خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَنَاشِرُهَا، بَاسِطُ الأَرْضِ وَنَتَائِجِهَا، مُعْطِي الشَّعْبِ عَلَيْهَا نَسَمَةً، وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحًا: 6 «أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ، 7 لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ، لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ. 8 «أَنَا الرَّبُّ هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ، وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ. 9 هُوَذَا الأَوَّلِيَّاتُ قَدْ أَتَتْ، وَالْحَدِيثَاتُ أَنَا مُخْبِرٌ بِهَا. قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ أُعْلِمُكُمْ بِهَا».

 10 غَنُّوا لِلرَّبِّ أُغْنِيَةً جَدِيدَةً، تَسْبِيحَهُ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ. أَيُّهَا الْمُنْحَدِرُونَ فِي الْبَحْرِ وَمِلْؤُهُ وَالْجَزَائِرُ وَسُكَّانُهَا، 11 لِتَرْفَعِ الْبَرِّيَّةُ وَمُدُنُهَا صَوْتَهَا، الدِّيَارُ الَّتِي سَكَنَهَا قِيدَارُ. لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ. مِنْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ لِيَهْتِفُوا. 12 لِيُعْطُوا الرَّبَّ مَجْدًا وَيُخْبِرُوا بِتَسْبِيحِهِ فِي الْجَزَائِرِ. 13 الرَّبُّ كَالْجَبَّارِ يَخْرُجُ. كَرَجُلِ حُرُوبٍ يُنْهِضُ غَيْرَتَهُ. يَهْتِفُ وَيَصْرُخُ وَيَقْوَى عَلَى أَعْدَائِهِ. 14 «قَدْ صَمَتُّ مُنْذُ الدَّهْرِ. سَكَتُّ. تَجَلَّدْتُ. كَالْوَالِدَةِ أَصِيحُ. أَنْفُخُ وَأَنَخُرُ مَعًا. 15 أَخْرِبُ الْجِبَالَ وَالآكَامَ وَأُجَفِّفُ كُلَّ عُشْبِهَا، وَأَجْعَلُ الأَنْهَارَ يَبَسًا وَأُنَشِّفُ الآجَامَ، 16 وَأُسَيِّرُ الْعُمْيَ فِي طَرِيق لَمْ يَعْرِفُوهَا. فِي مَسَالِكَ لَمْ يَدْرُوهَا أُمَشِّيهِمْ. أَجْعَلُ الظُّلْمَةَ أَمَامَهُمْ نُورًا، وَالْمُعْوَجَّاتِ مُسْتَقِيمَةً. هذِهِ الأُمُورُ أَفْعَلُهَا وَلاَ أَتْرُكُهُمْ. 17 قَدِ ارْتَدُّوا إِلَى الْوَرَاءِ. يَخْزَى خِزْيًا الْمُتَّكِلُونَ عَلَى الْمَنْحُوتَاتِ، الْقَائِلُونَ لِلْمَسْبُوكَاتِ: أَنْتُنَّ آلِهَتُنَا!

1 «هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ. 2 لاَ يَصِيحُ وَلاَ يَرْفَعُ وَلاَ يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ. 3 قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ. إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ. 4 لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ، وَتَنْتَظِرُ الْجَزَائِرُ شَرِيعَتَهُ». 5 هكَذَا يَقُولُ اللهُ الرَّبُّ، خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَنَاشِرُهَا، بَاسِطُ الأَرْضِ وَنَتَائِجِهَا، مُعْطِي الشَّعْبِ عَلَيْهَا نَسَمَةً، وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحًا: 6 «أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ، 7 لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ، لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ. 8 «أَنَا الرَّبُّ هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ، وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ.

يبدأ النص بالحديث عن عبد الله ومختاره الذي يخرج الحق للأمم والأمم هنا ترجمة لكلمة gentiles وفي النص العبري جوييم גוים ويقصد بها الأمم الغير كتابية وهو ما ذكره القرآن الكريم عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة نبي الأميين ويُقصد بالأميين أو الأمميين الأمم الغير كتابية لذلك يقول الله تعالى في القرآن الكريم (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم) ويقول في موضع آخر (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم؟ ؟) وفي موضع آخر يتكلم عن اليهود (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) فالقرآن كما نرى يقسم الناس وقت نزول القرآن إلى قسمين أهل كتاب وأميين وهم الذين بعث منهم وفيهم النبي صلى الله عليه وسلم.. ومعنى وضعت روحي عليه أي روح الوحي والتأييد من الله وذلك مثل ما ورد في الكتاب المقدس : وكان روح الله مع عزريا بن عوديد .. يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء إذا وضع الله روحه عليهم .. وفي القرآن الكريم : قل نزله روح القدس من ربك بالحق .. ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده .. رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده .. وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان .. ثم تحدث النص عن أخلاق ذلك النبي وعن أنه لا يرفع صوته في الأسواق وعن رحمته بالضعيف (لا يصيح ولا يسمع في الشارع صوته قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خادمة لا يطفيء) وهذه صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي وردت في كتب الحديث والسيرة أنه لم يكن فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق وكان يحمل الكل والضعيف وينصف المظلوم) .. ثم تحدث النص عن العمل والسعي والإصرار والجهد العظيم الذي بذله ذلك النبي في نشر الحق واستقراره في الأرض (لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته) والجزائر جمع جزيرة ويقول قاموس الكتاب المقدس أنها تعني الأماكن المطلة على بحار وأنها تطلق عموما على القرى والبلدان .. ثم تحدث الله عن حفظه وتأييده لذلك النبي حتى يخرج الناس من الظلمات إلى النور لأن الله لا يقبل أن يُشْرَك معه شخص أو أصنام منحوتة (هكذا يقول الله الرب … قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفظك … لتخرج من الحبس الجالسين في الظلمة .. أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر ولا تسبيحي للمنحوتات)

9 هُوَذَا الأَوَّلِيَّاتُ قَدْ أَتَتْ، وَالْحَدِيثَاتُ أَنَا مُخْبِرٌ بِهَا. قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ أُعْلِمُكُمْ بِهَا». 10 غَنُّوا لِلرَّبِّ أُغْنِيَةً جَدِيدَةً، تَسْبِيحَهُ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ. أَيُّهَا الْمُنْحَدِرُونَ فِي الْبَحْرِ وَمِلْؤُهُ وَالْجَزَائِرُ وَسُكَّانُهَا، 11 لِتَرْفَعِ الْبَرِّيَّةُ وَمُدُنُهَا صَوْتَهَا، الدِّيَارُ الَّتِي سَكَنَهَا قِيدَارُ. لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ. مِنْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ لِيَهْتِفُوا. 12 لِيُعْطُوا الرَّبَّ مَجْدًا وَيُخْبِرُوا بِتَسْبِيحِهِ فِي الْجَزَائِرِ. 13 الرَّبُّ كَالْجَبَّارِ يَخْرُجُ. كَرَجُلِ حُرُوبٍ يُنْهِضُ غَيْرَتَهُ. يَهْتِفُ وَيَصْرُخُ وَيَقْوَى عَلَى أَعْدَائِهِ. 14 «قَدْ صَمَتُّ مُنْذُ الدَّهْرِ. سَكَتُّ. تَجَلَّدْتُ. كَالْوَالِدَةِ أَصِيحُ. أَنْفُخُ وَأَنَخُرُ مَعًا. 15 أَخْرِبُ الْجِبَالَ وَالآكَامَ وَأُجَفِّفُ كُلَّ عُشْبِهَا، وَأَجْعَلُ الأَنْهَارَ يَبَسًا وَأُنَشِّفُ الآجَامَ، 16 وَأُسَيِّرُ الْعُمْيَ فِي طَرِيق لَمْ يَعْرِفُوهَا. فِي مَسَالِكَ لَمْ يَدْرُوهَا أُمَشِّيهِمْ. أَجْعَلُ الظُّلْمَةَ أَمَامَهُمْ نُورًا، وَالْمُعْوَجَّاتِ مُسْتَقِيمَةً. هذِهِ الأُمُورُ أَفْعَلُهَا وَلاَ أَتْرُكُهُمْ.

ثم بين النص أن الله يحدثنا عن أمر عظيم سيحدث في المستقبل (الأوليات قد أتت والحديثات أنا مخبر بها قبل أن تنبت أعلمكم بها) ثم تكلم عن مكان خروج تلك الرسالة(تسبيحة من أقصى الأرض) كما نلاحظ يخبر النص أنها من أقصى الأرض ولم يقل في أقصى الأرض أو إلى أقصى الأرض ولكن حدد أنها من أقصى الأرض.. ولأن هذا النص قد نزل على أحد أنبياء بني إسرائيل فإن أقصى الأرض يقصد به الجزيرة العربية لأن جزيرة العرب بالنسبة لفلسطين تعتبر أقصى الأرض وكذلك فلسطين بالنسبة لجزيرة العرب تعتبر أقصى الأرض ولذلك يطلق العرب على مسجد القدس في فلسطين المسجد الأقصى وفي القرآن (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) والمسيح عليه السلام أطلق على جنوب الجزيرة العربية في الإنجيل أقصى الأرض وذلك عندما تحدث عن ملكة سبأ (ملكة التيمن أتت من أقصى الأرض لتسمع حكمة سليمان) وخطاب النص (أيها المنحدرون في البحر وملئه والجزائر وسكانها) موافق تماما لوصف منطقة الحجاز التي تحاذي البحر الأحمر والتي انتشرت فيها وانطلقت منها دعوة التوحيد ثم تحدث النص عن رفع الصحراء صوتها والتهليل من رؤوس الجبال(لترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا) ورفع الصحراء صوتها بالأذان والتكبير والهتاف من رؤوس الجبال كل ذلك من الخصائص المعروفة للدعوة الإسلامية وقيدار كما نعلم أحد أبناء إسماعيل ويقول عنه قاموس الكتاب المقدس أنه جد لأشهر القبائل العربية وأنه يأتي في الكتاب المقدس للتعبير عن العرب عموما كما ذكرنا وسالع يقول عنها قاموس الكتاب المقدس أنه جبل قريب من البتراء شمال غرب الجزيرة العربية ويقول أن سالع معناها العام هو الصخرة هذا ما يقوله الكتاب المقدس عن سالع .. كما أن سالع أو سلع إسم لجبل شمال المدينة المنورة ولا زال يحمل نفس الإسم لم يتغير وهو الذي أقام النبي صلى الله عليه وسلم خيمته عليه في غزوة الخندق ومذكور في العديد من قصائد الشعر الجاهلي وسلع في اللغة العربية مفرد سلوع وهي الشقوق والطُرُق في الجبال وهو معنى قريب مما ورد في قاموس الكتاب المقدس أن سالع يعني الصخرة لذلك نجد نفس الفقرة في بعض الترجمات مثل ترجمة الملك جيمس :

11 Let the wilderness and the cities thereof lift up their voice, the villages that Kedar doth inhabit: let the inhabitants of the rock sing, let them shout from the top of the mountains.

لترفع الصحراء ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار لتترنم سكان الصخور من رؤوس الجبال ويهتفوا

ثم تحدث النص عن واحدة من أهم خصائص الدعوة الإسلامية وهي نصر الله للمؤمنين والفتوحات والغضب الإلهي على الشعوب التي سارت في طرق الشرك والإثم وكرهت نور الحق والتوحيد وتأييده لهؤلاء الذين كانوا عُميا في الجاهلية فمن عليهم بالإيمان وأخرجهم من الظلمات إلى النور ويسر لهم السير في طرق ومسالك لا يعرفوها ودخول بلاد جديدة عليهم (الرب كالجبار يخرج كرجل حروب يصيح ويهتف ويقوى على أعدائه أخرب الجبال والاكام وأجعل الأنهار يبسا وأنشف الاجام وأسير العمي في طرق لم يعرفوها ومسالك لم يدروها أمشيهم أجعل الظلمة أمامهم نورا والمعوجات مستقيمة هذه الأمور أفعلها ولا أتركهم)

17 قَدِ ارْتَدُّوا إِلَى الْوَرَاءِ. يَخْزَى خِزْيًا الْمُتَّكِلُونَ عَلَى الْمَنْحُوتَاتِ، الْقَائِلُونَ لِلْمَسْبُوكَاتِ: أَنْتُنَّ آلِهَتُنَا!

ثم اختُتِم النص بتصوير فني بليغ ومشهد ختامي رائع يصور الخزي الذي حل بالمشركين عبدة الأصنام (يَخْزَى خزيا المتكلون على المنحوتات القائلون للمسبوكات أنتن آلهتنا)

هذا المشهد الختامي الرائع مكتوب هكذا في الترجمة العالمية الجديدة NIV

But those who trust in idols, who say to images, `You are our gods,’ will be turned back in utter shame

أما هؤلاء الذين يتوكلون على الأوثان الذين يقولون للأصنام أنتم آلهتنا سوف يتراجعون في خزي مطلق

ومكتوب هكذا في ترجمة الملك جيمس

 17 They shall be turned back, they shall be greatly ashamed, that trust in graven images, that say to the molten images, Ye are our gods.

سوف يتراجعون سوف يخزون خزيا عظيما هؤلاء الذين يتوكلون على الأصنام المنحوتة الذين يقولون للأصنام المسبوكة أنتن آلهتنا

وهذا وصف دقيق جدا لما حل بصناديد الكفر وعبدة الأصنام من الخزي ووصف دقيق جدا للأصنام التي كانت تُعبد من دون الله كما ورد وصفها في كتب السير وكتب التاريخ ومثال ذلك ما ورد في كتاب المفصل في تاريخ العرب لجواد علي الذي ورد فيه ما يلي :

تالله ما أروعها من نبوءة تبدأ بالحديث عن عبد الله ومختاره نبي الأمم ثم تستفيض في الحديث عن أدق الخصائص والتفاصيل وتنتهي بمشهد ختامي رائع يصف الخزي الذي لحق بالمشركين عبدة الأصنام وكأن هذه النبوءة التي يرجع تاريخها إلى القرن السابع قبل الميلاد لم تُكتَب إلا بعد ظهور الإسلام واستقرار دعوته في الأرض .

الحق أن الكتاب المقدس يحتوى على العديد من النبوءات الأخرى التي تتحدث بوضوح عن صفات النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم لكن الغرض من هذا المقال هو إلقاء النظر على بعض النبوءات التي تشتمل تحديدا على وصف جغرافي دقيق لمكان ظهور النبوة الخاتمة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام

كما أن الحديث عن النبوءات عموما لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لفرد العضلات أو الاستطالة على الآخرين ولكن الهدف هو الدعوة إلى الحق ورجاء الهداية فكلنا مفتقرون إلى الله محتاجون لعونه راجون لفضله .. هدانا الله جميعا إلى صراطه المستقيم ووفقنا لما يحبه ويرضاه

القائمة البريدية

إشترك في قائمنا البريدية ليصلك كل ما هو جديد من المقالات