الظلمات الثلاث.. قرأنيا وطبيا

موجز مراحل تشكل الجنين:
الآية القرآنية الأساسية في لقائنا الحالي هي قول الله تعالى: “… يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ{6}”[سورة الزمر]، ولكننا أن نمهد للدخول إلى هذه الآية بنبذة عن مراحل وأطوار تشكل الجنين البشري، فنقول: تتم عملية الإخصاب (Fertilization) بالتقاء حيْمن (حيوان منوي) واحد (آتٍ في نطفة الذكر) بالبييضة (في الأنثى)، فتتكوّن بذلك البييضة الملقحة (الزيجوت (Zygote التي يندمج فيها المحتوى الوراثي (المجين) للحيمن بالمحتوى الوراثي (المجين) للبييضة، ويتشكّل من مجموع المحتويين ذلك الجنين (Embryo) الذي يبدأ منذ هذه اللحظة في التكوّن والتطوّر (Embryogenesis or embryonic development) …
وأولى مراحل تخلق الجنين البشري هى بالتعبير القرآني مرحلة “النطفة”، وهى ثلاثة أشكال: نطفة الذكر (الحيامن أو الحيْمنات أو الحيوانات المنوية السابحة في السائل المنوي)، نطفة الأنثى (وهى البييضة)، والنطفة الأمشاج… وعن النطفة بالمعنيين الأول والثاني يقول الله سبحانه في القرآن الكريم: “خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ{4}”[سورة النحل]، “وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى{45} مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى{46}”[سورة النجم]... كما أنه عبرَّ عنها بكمية السائل قليل الكمية في النص الآتي: “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ{7} ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ{8}”[سورة السجدة]... وعن “النطفة الأمشاج”- وهى البيضة الملقحة- يقول الله سبحانه في القرآن الكريم: “إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً{2}”[سورة الإنسان]... وتتحول هذه البيضة الملقحة بالانقسام والانشقاق إلى مرحلة التوتة (Morula) ، ثم إلى الكرة الجرثومية (Germinal ball)، ثم تتحول إلى “العلقة”، لأنها تتعلق بجدار الرحم بواسطة المعاليق الصغيرة الممتدة التي تمتلكها مع المعاليق الموجودة في طلائية غشاء الرحم… وتنقسم الكرة الجرثومية إلى “كتلة خلايا خارجية” وظيفتها التعلق بجدار الرحم وامتصاص الغذاء منه (90% من مجموع خلايا الكرة الجرثومية)، “وكتلة خلايا داخلية” يتخلق منها الجنين (10% من مجموع خلايا الكرة الجرثومية).
وتتشكل العلقة إلى ثلاث طبقات: خارجية، ووسطى، وداخلية. ثم تتحول العلقة إلى “مضغة” من نهاية الأسبوع الثالث من التلقيح، وطوال الأسبوع الرابع، وهى الكتلة البدنية التي تشكل فيها الأقواس البلعومية، وتسمى “المرحلة الجنينية” (embryonic stage)، حيث تبدو الأطراف كالبراعم الصغيرة ، وتبدأ الفقرات في الظهور وكذلك الحبل السري…


تأتي بعد ذلك مرحلة تسمى “مرحلة الحميْل” (Fetal stage)، وهى مرحلة تكوين العظام وكسوتها باللحم، ويتبع هذا مرحلة لاحقة هى مرحلة التصوير والتسوية والتعديل، ثم تتبعها مرحلة نفخ الروح في الجنين. ومرحلة التسوية لا يمكن أن تحدث ما لم يكن الأساس قد تمّ وضعه في الفترة من الأسبوع الرابع إلى الأسبوع الثامن بعد تلقيح البويضة… ويمكن قراءة النص القرآني التالي لنعرف تتابع المراحل التي أشرنا إليها يقول الله سبحانه: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ{12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ{13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ{14}”[سورة المؤمنون] .
إن الباحث في علم الأجنة الحديث لن يجد أكثر مما أشارت إليه الآيات القرآنية، أو نبهت إليه، سواء في عمليات تشكل وتطور الجنين، أم في ملابسات الحمل، أم في ظروف المخاض والولادة… إلخ. إن القرآن الكريم نزل في القرن السابع الميلادي بهذه المعلومات، وبالرغم من هذا فإن فريقا من العلماء في أوروبا ظل حتى أواسط القرن التاسع عشر الميلادي يظن أن الجنين موجود بصورة مصغرة في بييضة المرأة، وما الحيْمن إلاّ حافز ينشط هذه البييضة، وفريق آخر يظن أن الجنين موجود بصورة مصغرة في الحيمن، وليس للأم دور سوى الحضانة والرعاية لهذا الجنين في رحمها…!! ولو أن هؤلاء وأولئك اطلعوا على آيات القرآن العظيم لفهموا كل ما توصلوا إليه بعد بحوث مضنية ودراسات استنفذت المال والجهد والوقت، ولوجهوا طاقاتهم العلمية وقدراتهم البحثية إلى أشياء أخرى في المجالات المفيدة للإنسان…
“ظلمات ثلاث” عند كبار المفسرين:
في تفسير الظلمات الثلاث الواردة في الآية الكريمة: “… يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ{6}”[سورة الزمر]، يقول ابن جرير الطبري (ت 310 هـ)(في تفسيره “جامع البيان عن تأويل آي القرآن) ما موجزه: يعني يخلقكم في ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة. وهو قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك والسديّ.. وفي تفسير (الكشاف) لجار الله الزمخشري (ت 538 هـ):… والظلمات الثلاث البطن والرحم والمشيمة. وقيل الصلب والرحم والبطن… وفي تفسير (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) لابن عطية (ت 546 هـ): وقوله: “في ظلمات ثلاث”، قالت فرقة: الأولى هي ظهر الأب، ثم رحم الأم، ثم المشيمة في البطن. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هي المشيمة والرحم والبطن… وورد عند القرطبي (ت 671 هـ) (في تفسيره “الجامع لأحكام القرآن”): “فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ”: ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المَشِيمَة. قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك. وقال ابن جبير: ظلمة المَشِيمَة وظلمة الرَّحِم وظلمة الليل. والقول الأول أصح. وقيل: ظلمة صُلْب الرجل وظلمة بطن المرأة وظلمة الرَّحِم. وهذا مذهب أبي عبيدة. أي لا تمنعه الظلمة كما تمنع المخلوقين… وفي تفسير (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم) لأبي السعود (ت 951 هـ): “فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ” هى ظُلمة البطن وظُلمة الرَّحمِ وظُلمة المشيمةِ، أو ظُلمة الصُّلبِ والبطنِ والرَّحِمِ… وبذلك قال محمود الألوسي (ت 1270 هـ)(في تفسيره “روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني”)… وهكذا، يبدو أن الشائع عند كبار المفسرين القدامى أن الظلمات الثلاث هى ظلمة جدار البطن، وظلمة جدار الرحم، وظلمة المشيمة بأغشيتها.. والقول غير المنتشر هو الصلب والرحم والبطن..
ومن المفسرين المحدثين، محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) (تفسير “التحرير والتنوير”)، وقد أهمل تحديد الظلمات الثلاث… محمد متولي الشعراوي (ت 1419 هـ)(تفسير “خواطر”)، وهو يرى أن الظلمات الثلاث بيان للقرار المكين الذي يستقر فيه الإنسان في بطن أمه… وقال محمد سيد طنطاوي (ت 1431 هـ) (تفسير القرآن الكريم) بما قاله القدامى ولكن بعبارته هو:.. في ظلمات بطون أمهاتكم، وظلمات الأرحام التي بداخل البطون، وظلمات الغشاء الذي بداخل الأرحام والبطون…
الظلمات الثلاث في ضوء علم الأجنة الحديث:
منذ سنوات قليلة، ذهب الدكتور/ كيث مور (صاحب الكتاب الشهير The Developing Human الذي تُرجِم إلى الفرنسية والإسبانية والبرتغالية والألمانية والإيطالية واليابانية) إلى أن (…الجنين ينتقل في تخلّقه من مرحلة إلى مرحلة داخل ثلاثة أغطية (أغلفة) وهى: جدار البطن، وجدار الرحم، والمشيمة مع أغشيتها… فجدار البطن يحتوي الرحم، وجدار الرحم يحتوي المشيمة، وهى التي بدورها تحيط الجنين بأغشيتها. هذه الظلمات التي تحيط بالجنين ترافقه خلال نموه “خلقاً من بعد خلق، وتتأقلم مع حاجاته إلى لحظة خروجه إلى النور، إذ يزداد حجم البطن والرحم وكذلك المشيمة مع ازدياد حجم الجنين، فهي تحيط به وتحفظه من الصدمات. كما تقوم بنقل الغذاء والأكسجين له من الأم ونقل ثاني أكسيد الكربون والفضلات (البولينا) منه إلى الأم. وهو بذلك يكون متفقا مع جمهور المفسرين، من قبل… ولكننا نرى أن التفسير الأقرب إلى الصواب هو كونها ثلاث أغشية (أو ظلمات، بالتعبير القرآني)، دون أن يكون جدار البطن أحدها.. فالظلمة الأولى هى ظلمة الغشاء الأمينوسي (غشاء السلى)، والظلمة الثانية هى ظلمة الغشاء الكوريونى (الغشاء المشيمي)، والظلمة الثالثة هى ظلمة الغشاء الساقط .. وذلك بناء على ما توصل إليه علماء الأجنة البشرية في القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين الميلاديين… وفيما يلي موجز لهذه الأغشية الثلاثة…


غشاء السلي (الغشاء الأمنيوسي):
غشاء السلى (الغشاء الأمنيوسي) (Amniotic membrane) هو الغشاء الرفيع الذي يحيط بالجنين مباشرة إحاطة تامة، ويحيط بالسائل حول الجنين وهو السائل المسمى “السائل (المحلول) الأمنيوسي “(Amniotic Fluid) الذي ينشأ من الجنين والأم. وهو عبارة عن نسيج ليس به أوعية دموية.. ويطلق البعض على هذا الغشاء بمحتوياته اسم “حقيبة الماء” (Bag of water)، ويسمى أيضا الكيس الأمنيوسى (Amniotic sac). و”السائل (المحلول) الأمنيوسي عبارة عن سائل شفاف، لكنه يتعكر في أواخر الحمل، ويحتوي ماءً وأملاحا ومواد أخرى تفيد الجنين. وهو السائل الذي يسبح فيه الجنين، ويقي الجنين أضرار الالتصاق بالغشاء الأمنيوسي، كالتشوهات الخلقية… وتتزايد كمية هذا السائل بتقدم عمر الجنين حتى يصبح لترا ونصف اللتر عند الشهر السابع، لكنه يتناقص باقتراب موعد الولادة حتى يصل إلى لتر واحد فقط قبيل الولادة. وهذا الغشاء مغطى بالغشاء الكوريونى (المشيمي) السميك والأكثر كثافة…
ويمكن عرض المزيد من التوضيح للفوائد العائدة على الجنين من هذا السائل الأمنيوسي في النقاط التالية: يعمل السائل الأمنيوسي كجهاز تكييف يحفظ على الجنين درجة حرارته المناسبة… يقي الجنين الصدمات المفاجئة وأضرار الحركات العنيفة التي قد تتعرض لها الأم… ويسهّل حركته، حتى ليستطيع أن يلعب ويتقلب يمنةً ويسرة، بل ويتشقلب رأسا على عقب، وهو يمسك بالحبل السُري في أمان تام… يغذي الجنين بالمواد السكرية والبروتينية والأملاح المعدنية اللازمة له… يكوّن جيب الماء الذي يوسع الرحم، وبالتالي يقي الجنين من انضغاط رأسه أو انحشارها فيما بين جدران الرحم أثناء الولادة…. عندما ينفجر هذا الجيب المائي قبل الولادة، فإنه يعقم المهبل من الجراثيم والميكروبات التي توجد به، وبالتالي ينظف المسار الذي يخرج منه الجنين آمنا سالما…
الغشاء المشيمي (الكوريوني):
يتألف الغشاء المشيمى (الكوريوني) (Chorionic membrane) من الطبقة الخارجية للبييضة الملقحة الآخذة في الانقسام (وهى المسماة حينئذ “التويتة” Morulla). ويقوم الكوريون (Chorine) بتثبيت الجنين وتعليقه في جدار الرحم بواسطة معاليقه وزغاباته (Chorionic villi) وأهدابه المنغرسة في مخاطية وجدار الرحم…
ويتألف هذا الغشاء من طبقتين: داخلية تغطي كيس المح، وخارجية تحتوي الحلمات (Velli) التي تنقل الأغذية والأكسجين من الدم إلى الجنين, وتنقل ثاني أكسيد الكربون والبولينا من الجنين إلى الأم… هكذا، فقد هيأ الخلاق العظيم لهذا الغشاء أن يفصل سطحين: السطح المواجه للجنين، وهو أملس ومغطى بالغشاء الأمنيوسي- وغالبا ما يخرج الحبل السري (Umbilical cord) من منتصفه- والسطح المواجه للرحم، وهو خشن، ويلتصق بالرحم، ويتكون من 12-16 فصا.. وبفضل وجود المشيمة لا يختلط دم الجنين بدم الأم، بل يحدث نوع من الانتقال الاختياري للمواد التي يحتاجها الجنين فيأخذها من دم الأم، ويتخلص من المواد الأخرى بإلقائها في دم الأم.
الغشاء الساقط :
الغشاء الساقط (Deciduas membrane) هو الغشاء المخاطي المبطن للرحم (مخاطية الرحم السطحية)، أي إنه إلى الخارج من الغشاءين المذكورين سابقا… وسمى “الغشاء الساقط” لأنّه يسقط ويخرج مع الجنين عند الولادة.. يتزايد سمك هذا الغشاء أثناء فترة الحمل نتيجة لازدياد هرمون بروجسترون ((Progesterone. وتزداد فيه أعداد الغدد والأوعية الدموية زيادة كبيرة، فيتحول إلى تركيب إسفنجي يختزن الغذاء والفيتامينات. ويبدأ هذا الغشاء في التكوّن بعد تعشيش البييضة الملقحة في جدار الرحم.
وفي الحقيقة، فإن هذا الغشاء يتألف من ثلاثة أغشية فرعية، هى: (1) الغشاء الساقط الأصلي (Deciduas veraporieratis)، وهو الذي يغلّف التجويف الرحمي. (2) الغشاء الساقط الغلافي (أو المحفظي) (Deciduas corbuscularis)، وهو الذي يحيط بالبويضة الملقحة. (3) الغشاء الساقط القاعدي (أو القاعي) (Deciduas basalis) وهو المبطن لمكان انزراع البييضة الملقحة، ويكوّن جزء المشيمة الخاص بالأم، أيْ المواجه للرحم.
هكذا يكتشف علماء الأجنة حديثا (بواسطة آلات التنظير الجوفي Endoscopies) سرّا من أسرار علم الأجنة، ذلك هو وجود ثلاثة أغشية رئيسة تحيط بالجنين، وهى الأغشية التي عبّر عنها القرآن الكريم منذ أكثر من أربعة عشر قرنا بالظلمات الثلاث، هى ظلمة الغشاء الأمينوسي (غشاء السلى)، والظلمة الثانية هى ظلمة الغشاء الكوريوني (الغشاء المشيمي)، والظلمة الثالثة هى ظلمة الغشاء الساقط … وحين يكشف الطب حديثا عن هذه الأغشية، فإن هذا يُعدّ من أدلة تأكيد ألوهية المصدر للقرآن الكريم، وأنه منزل من عند إله عالم بكل خبايا الخلق لأنه هو وحده الخالق المدبر المبدع. وحريٌّ بنا أن تقرأ الآية القرآنية مرة أخرى: “… يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ{6}”[سورة الزمر]… وعموما، ففي ذكر هذه الظلمات في الآية السادسة من سورة الزمر تنبيه إلى إحاطة علم الله تعالى بالأشياء ونفوذ قدرته إليها في أشدّ ما تكون فيه من الخفاء… هذا، وبالله التوفيق…

ا.د/ كارم السيد غنيم
أستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر
عضو اتحاد كُتّـاب مصر

مخطوطات القرآن المكتوبة في القرن الهجري الأول تشهد بموثوقية نص القرآن العظيم

د. منقذ بن محمود السقار

باحث في رابطة العالم الإسلامي

يعتقد المسلمون أن نص القرآن الكريم الذي بين أيديهم اليوم هو الذي أنزله الله على الرسول محمد – قبل أكثر من أربعة عشر قرنا، بلا زيادة أو نقصان، سالماً من التحريف والتبديل، كما أنهم يعتقدون أن ما سواه من الكتب السماوية قد اعتراها التحريف والتبديل والضياع، فلم يتكفل المولى سبحانه وتعالى بحفظ أي كتاب أنزله سوى القرآن العظيم: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون » الحجر: 9.
وفي هذه المقالة حرصنا على إبراز مظهر من مظاهر هذا الحفظ الإلهي للقرآن العظيم، مستفيدين من العلم الحديث الذي أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن نص القرآن الكريم المدون في مخطوطات مكتشفة للقرآن الكريم حتى الآن وهي مخطوطات القرن الهجري الأول هو ذاته نص القرآن الكريم الذي بين أيدينا اعتماداً على أدوات علوم المخطوطات ـ وهي علوم مهمة جداً نشأت في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي – فمنها في ما يهتم بالمواد والطرق المستخدمة في صناعة الكتب وتجليدها مثل علم الكوديكولوجيا، وعلم آثار الكتب، ومنها ما يهتم بدراسة المخطوطات كمحتوى مثل علم الباليوغرافيا، وعلم الفيلولوجيا.

وانطلاقا من حديثنا حول المخطوطات، فقد قدر العلامة الدكتور. محمد مصطفى الأعظمي في كتابه ( The History of the
Quranic Text, from Revelation to Compilation)

مخطوطات المصاحف في العالم بمائتين وخمسين ألف مخطوط، تنتمي إلى العصور الإسلامية قبل ظهور الطباعة وتتوزع في متاحف العالم ومكاتبه.
لقد شرع المسلمون في تلقي المصاحف التي كتبتها اللجنة المكلفة من الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتم توزيعها على الأمصار الإسلامية (الكوفي ، البصري، الشامي ) وسميت هذه المصاحف بالمصحف (الإمام أو المدني )، واستبقى عثمان رضى الله عليه واحداً منها عنده ، وقد كتبت جميعا على ورق (الكاغد)، إلا المصحف الذي خص به نفسه ، فقد قيل : إنه مكتوب على رق الغزال ، وبعث عثمان بن عفان رساله مع كل واحد من هذه المصاحف مقرنا يقرئ الناس كما في المصحف، فكان زيد بن ثابت يقرئ المصحف لأهل المدينة ، وعبد الله بن السائب يقرئ المصحف لأهل مكة، والمغيرة بن شهاب يقرئ المصحف لأهل الشام ، وأبو عبد الرحمن السلمي يقرئ المصحف لأهل الكوفة ، وعامر بن عبد القيس يقرئ المصحف لأهل البصرة (2) وسرعان ما تكاثر عدد المصاحف، ونشأت حرفة كتابة المصاحف، ثم تزيينها وتجليدها وتذهيبها. وأود في هذه العجالة إعطاء نبذة مختصرة عن أهم المخطوطات القرآنية المتوافرة اليوم:

أولاً مخطوطات صنعاء:

عثر في سقف الجامع الكبير في صنعاء، أثناء ترميمه في عام 1385هـ –1965م على ما يقارب الـ 4500 مخطوط، إضافة إلى 12000 رق تحوي ۸۰۰ مصحفا، من بينها مائة مصحف مزخرف، وترجع جميعا إلى القرون الهجرية الخمسة الأولى، وقد أعيدت إلى خزائنها، قبل أن يعاد استخراجها عام 1392هـ – 1972م.

وقد طلبت الحكومة اليمنية من الحكومة الألمانية مساعدتها بالعناية بالمخطوطات وترميمها، فأوفدت ألمانيا اثنين من أساتذة جامعة سارلاند الألمانية، وهما جيرد يوسف بوئن المتخصص بالخط والرسم العربي، وزميله غراف فون بوتمر المتخصص في تاريخ الفن الإسلامي، وبدأ العمل من عام ١٩٨٤م إلى عام 1997م، وقاما بترميم ما يقارب 15000 صفحة قرآنية، وأنهيا عملهما بتصوير( 35000) صورة من الوثائق التي اصطحباها معهما إلى ألمانيا لدراستها(3).

وفي شهر يناير عام 1999م كتب موظف أمريكي يعمل في مجال الإغاثة يدعى توبي لستر مقالاً بعنوان “ما القرآن” في مجلة “أتلانتيك مونثلي” المرموقة، زعم فيه هذا الكاتب الهاوي (غير المتخصص) وجود اختلاف بين المخطوطات الصنعانية والنص القرآني المتداول، وأن الباحثين الألمانيين لديهما ما يخفيانه، فتصدى له أولهما ؛ جيرد بوئن في رسالة بعث بها إلى القاضي إسماعيل الأكوع، أكد فيها تطابق المخطوطات الصنعانية مع النص القرآني المتداول عند المسلمين،

وكتب: «وأما الحقيقة فتفتخر اليمن بكنز فريد في العالم، وهو بقايا أقدم المصاحف في العالم .. هذه البقايا ترجع إلى القرن الأول للهجرة .. لا تختلف المصاحف الصنعانية عن غيرها الموجودة في متاحف العالم ودور كتبه إلا في تفاصيل لا تمس القرآن كنص مقروء، وإنما الاختلاف في الكتابة فقط، هذه الظاهرة معروفة حتى في القرآن المطبوع في القاهرة، حيث ورد كتابة (إبرهيم) على جانب [أي بدلاً من ] (ابرهم)، (قرآن ) على جانب (قرن ) » (4)انظر .كتاب-الله-في-إعجازه-يتجلى

وأما زميله في العمل الدكتور غراف بوتر، فقد أرسل إلى القاضي إسماعيل الأكوع يستنكر ما كتبه لستر، ويقول: «وإنني أعلن بكل وضوح أن دراستي للمخطوطات القرآنية البدائية في صنعاء لم تؤثر بأي حال من الأحوال، أو تدع مجالاً للشك في محتوى الوحي المدون في تلك المخطوطات .. وإنه لمن السخف بمكان أن يفترض أنه قد خالجني شعور بأن أخفي محتويات أبحاثي أو اتجاهاتي عن السلطات اليمنية المعنية »(5)
وأما الدكتور غريغور شولر مدير 1 معهد الأبحاث الشرقية في جامعة بازل الـسـويـسـريـة، فكتب إلى القاضي الأكوع ما نصه: «وقد أتيحت لي في حينه فرصة الاطلاع على المخطوطات النادرة الموجودة في المتحف .. في تلك الزيارة قارنت بين قطعة من مخطوطة القرآن الكريم الأقدم وبين طبعة حديثة للقرآن الكريم ، ولم أجد فيهما أي فارق في النص، وأقر بأن لجوني إلى نسخة حديثة كان فقط بهدف الاستعانة على قراءة الخط عن نص القرآن الكريم كما هو معروف اليوم، ولذا قررت أن أكتب إليكم مفندا ذلك الرأي الخاطئ اليوم لا تنتمي إلى قرأت ما يدعيه الباحث الأمريكي لي واحد. أثناء رحلته إلى لبنان، ولم أشأ أن أنتظر في الرد على ذلك إلى حين أعود إلى بازل في سويسرا ، لأن الادعاء أغضبني »(6).

 

وفي وقت لاحق تقدمت الطالبة رزان غسان حمدون لنيل درجة الماجستير من جامعة صنعاء ، فكان موضوع دراستها 150 صفحة من هذه المخطوطات، وتغطي ما يقرب من خمس القرآن الكريم، ونشرتها مقارنة بالنص القرآني المطبوع ، فلم يكن ثمة خلاف بينها وبين الرسم العثماني إلا ما يتعلق بقواعد الإملاء التي تطورت عبر العصور، ورسالتها وما تضمنته من لوحات صنعانية منشورة على الشبكة العنكبوتية.

مخطوطة صنعاء للمصحف المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله :

وهي واحدة من أهم مخطوطات صنعاء ، ونشرها الدكتور طيار التي قولاج عام 2011م عبر مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) بعنوان : (المصحف الشريف المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله : نسخة صنعاء)(2)، ويحتوي هذا المخطوط على ٨٤٪ من آيات القرآن، وقد كتب بالخط الكوفي على 275 ورقة ، ويراه الدكتور طيار من منسوخات القرن الهجري الأول، بينما رجح القاضي إسماعيل الأكوع والأستاذ محبي الدين سرين أنه كتب في القرن الهجري الثاني (6).

وعن هذا المصحف يقول الدكتور طيار: « اطلعت على ٨٤٪ من أوراق المصحف الموجودة ويتمعن ودقة من بدايتها إلى نهايتها؛ حرفا حرفا ، وكلمة كلمة ، وآية آية ، وقايست هذا المصحف مع مصاحف أخرى قديمة ومتداولة في أيامنا هذه، ولم أجد أي فرق بينه وبين تلك المصاحف التي قد يعتريها وجود 9
سهو الكتاب ، مثل : مصاحف طوب قابي ومصحف طشقند ومصحف الآثار التركية الإسلامية بإسطنبول ومصحف القاهرة، والتي وجدت فيها سهو الكاتب يصل إلى 15 سهوا. [إضافة إلى سقوط كلمة من (آتنا) من قوله ( ربنا آتنا في الدنيا ) فإن ] مصحف صنعاء وجد فيه سهوان فقط: الأول : في كلمة واصبرة في سورة الطور آية (48)، تبدل فيها حرف الواو بحرف الفاء، فجاءت على شكل (فاصبر)، والثاني: قوله تعالى: «فمالون منها ) في سورة الواقعة ، على شكل (فمالون منه) ، فتبدل الضمير فقط ، وهذه ليست أخطاء، لكنها سهو بسيط ووجدت أن كاتب المصحف يتميز بالدقة الشديدة والانضباط والممارسة.. وفي اعتقادي أن هذا المصحف من أقدم المصاحف الموجودة في العالم كله، وأظنه كتب في العصر الأول للإسلام … فهذا المصحف منسوب إلى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله ، وجميع آياته وكلماته توافق المصاحف المنسوبة إلى سيدنا عثمان بن عفان رضی الله ۱۰۰٪ بغض النظر عن الاختلافات الإملائية البسيطة كحرف الجر (على) المكتوب ] بهذا الشكل في مصاحف سيدنا عثمان ، بينما جاء في هذا المصحف بحرف الألف (علا)»(7)

ثانياً: مصحف مسجد الحسين بالقاهرة:

وهو المصحف المحفوظ في القاهرة في 1807 ورقة من جلد الغزال، وتنقصه أربعة أوراق فقط، ويرى الأستاذ صلاح الدين المنجد ،

المتخصص في مخطوطات المصاحف القديمة في كتابه “دراسات في تاريخ الخط العربي” أنه مكتوب في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، ويوافقه الدكتور طيار قولاج، ويراه أقدم من مصحفي طوب قابي ومصحف متحف الأثار التركية تيام في إسطنبول .

ولا يخلو المصحف من أخطاء إملائية، منها أن ناسخه كتب: (صطفاك ) بدلاً من ( اصطفاك )، وكتب: ( ولم يمسني)، بدلا من ( ولم يمسسني ) ، وكتب: (اعبدووا)، بدلاً من ( اعبدوا ) في آخر سورة الحجر (8)

وقد نشره طيار قولاج مطبوعا في عام 1430هـ – 2009م بعنوان: المصحف الشريف المنسوب الى عثمان بن عفان رضي الله عنه : نسخة المشهد الحسيني بالقاهرة.

ثالثاً: مصحف طوب قابي:

وهو المصحف المنسوب إلى الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله ، المحفوظ في متحف طوب قابي سراي في اسطنبول، وهو مصحف شبه كامل يتكون من 408 لوحة ، ضاعت منه ورقتان فقط ورقتان(6.11)، وتظهران في المخطوط بخط مغاير. وقـد كـتـب على غلافه: (هـذا المـصـحـف كـتـب بيـد عثمان الشريفة)، وهو ما يتشكك فيه الدكتور طيار بقوله: «وليته كان كذلك»، وينقل عن الأساتذة :فهمي أدهم قرطاي ومحبي الدين سرين وأكمل الدين إحسان أوغلو أنهم يرون أنه مكتوب في أواخر القرن الأول أو النصف الأول من القرن الثاني . ولا يخلو هذا المصحف من الأخطاء الإملائية القليلة جدا ، والتي سببها سهو الكاتب: كتكرار كلمة (كلوا كلوا) مرتين في قوله: وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا )، وكذلك كتب الناسخ: (إذ) بدلاً من قوله : ( إذا ) ، في قول الله تعالى: { وإذا قلتم فاعدلوا ) ، وكتب: (وولا) بدلاً من (ولا) في قوله: (ولا يستطيعون لهم نصرا ) ، وكتب: (إني أأخـاف)، بدلاً من: «إني أخاف )، وأسقط

اللام حين كتب: (أولوا الأبب )، بدلاً من : ( أولوا الألباب ) (9).

رابعاً: مصحف تیام (متحف الآثار التركية والإسلامية ) في اسطنبول :
وهـو أحـد المصاحف التي تنسب إلى عثمان بن عفان رضي الله ويتكون هذا المصحف من 439 لوحة مكتوبة على جلد الغزال، وهو شبه كامل، فقط سقطت منه ثلاثة أوراق فقط، وخلا من 14 ورقة أخرى نقصت، فأعاد كتابتها شخص آخر يدعى داود بن علي الكيلاني في عام ٨٤١هـ – 1438م،

ويرى الأستاذ صلاح الدين المنجد أنه مكتوب في أحد القرنين الهجريين الآ المصحف من الأخطاء الإملائية، ويرجح الدكتور طيار قولاج أنه مكتوب في النصف الثاني من القرن الهجري الأول أو النصف الأول من القرن الهجري الثاني (10) وقد نشره الدكتور طيار مطبوعا عام 1428هــ 2007م .

خامساً: مخطوطة جامعة توبنجين الألمانية:

ويبلغ عدد لوحاتها 78 لوحة، وحصلت عليها جامعة توبنجين الألمانية (niversität Tübingen) في عام 1277هــ 1860م من مكتبة القنصل البروسي يوهان شتاين ، ونشرتها في عام 1436ه أن أجرت عليها دراسـات، وأخضعتها للتحليل الكربوني ، تبين أنها تعود إلى ما بين عامي 649 و675م، أي ب بعد وفاة النبي ﷺ عام (632م) بسبع وعشرين سنة وفق التقدير الأقدم،

أي في أول سنة من خلافة عثمان بن عفان رضی الله ، وأما التقدير الأبعد، فيجعلها في زمن معاوية بن أبي سفيان رض الله (11) .

وتتطابق مخطوطات توبنجين مع القراءات القرآنية العشرة المشهورة إلا في مواضع ثمانية فقط، أخطأ فيها الناسخ، فقد كتب: (ذا الرحمة)، بدلاً من : « ذو الرحمة ) ، و (المرجومين ) بدلاً من: * المخرجين ) ، و (مما يقولون) بدلاً من: (مما يعملون)، و (المسخرين) بدلاً من: «المسحرين )، وكتب: (فهم مفلحون) بدلاً من: «فهم مسلمون )، و(يؤفكون ) بدلاً من الوفكون ) ، و (تروا .. لتسكنوا) بدلاً من: « يروا ليسكنوا ) ، و ( نقول للملائكة ) بدلاً من : « يقول للملائكة ).

سادساً : مخطوط سمرقند:

ليس لهذا المخطوط مزية تفضله على عشرات المصاحف التي سبقته، وتعود إلى القرن الهجري الأول (الصنعانية وغيرها ) ؛ إلا أنه حاز اهتمام المستشرقين لما توهموه من أقدميته المطلقة، ، بسبب ظهوره المبكر في مطلع القرن العشرين ، وفي وقت لم تكن قد ظهرت فيه بعض تلك المصاحف، فادعي حينذاك أنه المصحف الذي مات عثمان رضي الله وهو يقرأ فيه.
ففي عام 1905م نشـر المستشرق الروسي بيساريف صورة لمصحف سمرقند، ويقدر الدكتور طيار قولاج العدد الأصلي لأوراق هذا المصحف بـ 950 ورقة، وقد ضاع معظمها ، فلم يتبق منه إلا 353 ورقة فقط(٤) ، وهي محفوظة اليوم في طشقند.

ويشير التحليل الكربوني للمخطوط إلى أنه مكتوب في القرن الثاني الهجري، ولا صحة للادعاء بأنه مصحف عثمان بن عفان رضي الله فقد ادعي مثله في عدد من المصاحف التي لطخت صفحاتها بالدماء طمعا في استجلاب التقدير لها، من غير أن يقوم على عثمانيتها دليل مما يعرف به أهل الفن بتاريخ المخطوطات القرآنية ( الخط، الإعجام ، الزخرفة ، التخميس، التعشير، الفواصل ). وهذه المخطوطة كثيرة الأخطاء والسهو، لذلك فقد عمد ناسخها إلى تصحيحها في الهامش أو بوضع علامات استدراك في وسطها، وجميع هذه الأخطاء نساخية، لا تتعلق بإرادة الناسخ إحداث معنى معين ، بل وقعت سهوا منه ونسيانا، ومن ذلك كتبه: (تقولون على الله لغير الحق)، بدلاً من قوله: «تقولون على الله غير الحق 》
و (گوها ) ، بدلاً من (كرها ) ، و(ولله ما في السموات وما في الأرض مين) وإلى ترجع ) بدلاً من قوله : ( ولله ما في السموات وما في الأرض وإلى الله ترجع ) ، وقوله : (هذا ناقة الله ) بدلاً من قوله : ( هذه ناقة الله ) .

ومما يجدر بالذكر أن للمستشرق بيسارف دور كبير في ظهور هذه الأخطاء، فقد حاول تحبير الحروف المطموسة في المخطوطة، فتسبب تحبيره في كثير من الأخطاء، وقد قام من بعده المستشرقان ماندلسون وجيفري بدراسة هذه المخطوطة، وأصـدرا في عام 1942م مقالهما The Orthography of the) (Samarqand Quran Codex وقررا أن أخطاء التحبير والتنقيط الذي قام به بيسارف لم تكن بسوء نية، بل بجهل منه. وقد يكون قولهم صحيحا، لكنه على كل حال أضاف إلى أخطاء ناسخ المخطوط المزيد من الأخطاء.

وقبل أن أمسك قلمي عن سرد المزيد عن المخطوطات القرآنية في القرون الأولى الهجرية، أود أن أنقل للقارئ ما يأسى عليه كل طالب حق، فقد ذكر العلامة محمد حميد الله الحيدر أبادي، وهو واحد من أكابر علماء الهند والعالم الإسلامي في القرن العشرين في مقال نشرته مجلة الأمة القطرية الصادرة في شهر رمضان عام 1402هـ أن جامعة ميونيخ أسست معهدا للبحوث القرآنية قام عليه كبار القساوسة ، واستمروا ثلاثة أجيال في جمع مخطوطات القرآن الكريم، وقد أخبره شخصياً بريتزل Pretzl المدير الثالث للمعهد في عام 1933م في لقاء جمعهما في باريس بأنهم جمعوا حتى ذلك الوقت 43000 صورة من مخطوطات القرآن، وأن العمل جار عليها. وقبيل الحرب العالمية الثانية نشر المعهد تقريراً مؤقتاً جاء فيه أنهم وجدوا في مخطوطات الكتاب المقدس مائتي ألف اختلاف، بينما «لم نجد إلى الآن أي اختلاف في الرواية سوى بعض أخطاء الكتابة » ، فالاختلافات في المخطوطات القرآنية لا تتكرر في عدة مخطوطات ، بل تتعلق بمخطوطة واحدة ، لأنها تقع بسبب سهوا الكاتب وقد دمر المعهد ومكتبته في الحرب العالمية الثانية قبل أن ينشر

تقريره النهائي(13).

وأنهي هذه الجولة بنقل بعض شهادات المستشرقين المنصفين سلامة وموثوقية النص القرآني :

وأبدأ بقول المستشرق البريطاني وأستاذ الدراسات العربية في جامعة دبلن (ستانلي لين بول) (Stanley Lane Poole): «إنه لميزة عظيمة للقرآن أنه لا شك في أصالته .. فكل كلمة نقرؤها اليوم بإمكاننا أن نقطع أنها لم تغير على مدى قرابة ثلاثة عشر قرنا » وأثني بشهادة مؤرخ كاثوليكي (بوسورث سميث Bosworth Smith) : «نحن نملك كتابا متميزا في أصله وحفظه ، وفي تفرق مواده، غير أنه لم يستطع أي أحد أن يقدم مبررات شك جدية في

موثوقيته» (14) ويقول الكولونيل البريطاني رونالد بودلي (R. V. Bodley) «وليس هناك أدنى شك في أن القرآن الذي يقرأ اليوم هو نفس المصحف الذي نسخ من مصحف حفصة »(15).

وحتى لا أطيل على القارئ أختم بما قاله المستشرق الفرنسي (ديمومبين) (Demombynes) عن أصالة القرآن الكريم: «لا يوجد أي سبب جدي للقول بتحريفه » (16)
الهوامش
(۱) انظر : المقنع في رسم مصاحف الأمصار، لأبي عمرو الداني ، ص (١٩)، وقيل أيضاً أنه

كانت سبعًا، إذ زادت بعض الروايات المصحف المكي واليمني والبحريني.

(٢) انظر : مناهل العرفان، للزرقاني (٣٩٦/١-٣٩٧).

(۳) انظر : الله في إعجازه يتجلى، د غسان حمدون ، ص (52، 112- 113، ومواضع أخرى ). (4) الرسالة نشر صورتها الدكتور غسان حمدون في كتابه : الله في إعجازه يتجلى، ص
(4) الرسالة نشر صورتها الدكتور غسان حمدون في كتابه : الله في إعجازه يتجلى، ص

(5) ومن منشورات الدكتور طيار الأخيرة المصحف الشريف «نسخة المكتبة الوطنية

الفرنسية »، إرسيكا 2015م.

(6) ويمكن للقارئ الاطلاع عليه أو تحميله من هذه الصفحة:

ما

(http://ia600209.us.archive.org/30/items/muthman/ms.pdf)
(7) انظر المقابلة الصحفية التي أجرتها معه صحيفة 26 سبتمبر اليمنية إبان زيارته إلى

صنعاء، والاستدراك المدرج من محاضرته التي سيشار إليها لاحقا.

(8) انظر محاضرة الدكتور طيار قولاج في أكاديمية برلين براندنبرغ للعلوم الإنسانية في 13/ 12/ 2013م، وقد ألقاها باللغة التركية، وترجم نصها إلى العربية معتز حسن، ونشرته مدونة الدراسات القرآنية، والمحاضرة الأصلية منشورة في موقع يوتيوب. (۳) انظر المحاضرة السابقة للدكتور طيار قولاج.

(9) انظر محاضرة الدكتور طيار قولاج في أكاديمية برلين براندنبرغ للعلوم الإنسانية.

(10) وقد نشرتها الجامعة في موقعها، انظر :

https://uni-tuebingen.de/universitaet/aktuelles-und-publikationen/newsfullview-aktuell/article/raritaet-entdeckt-koranhandschrift-stammt-aus-der-fruehzeit-des-islam/

https://www.rtf1.de/news.php?id=9763

(11) انظر التقرير الذي نشرته الجامعة عن المخطوطة في موقعها :

/https://www.uni-tuebingen.de/aktuelles/pressemitteilungen newsfullview-pressemitteilungen/article/raritaet-entdeckt koranhandschrift-stammt-aus-der-fruehzeit-des-islam.html.

(12) يمكن تحميل صور هذه المخطوطة من منتدى أهل التفسير، في الرابط التالي:

لهرت
http://www.tafsir.net/Bookstorge/OldHolyQuran.part1.rar
https://vb.tafsir.net/forum/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85/%D9%85%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D9%88%D8%AB-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%B7%D8%A7%D8%AA/%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB%D8%A7%D9%8B-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86%D9%8A%D8%A9/13618-%D8%B7%D9%84%D8%A8-%D9%85%D8%B5%D8%AD%D9%81-%D8%B7%D8%B4%D9%82%D9%86%D8%AF

(13) انظر : الميزان في مقارنة الأديان ، محمد عزت الطهطاوي ، ص (410 – 411)، وانظر: Bilal Philips, Usool at-Tafseer, Sharjah: Dar al-Fatah, 1997, p.157 (http://idb.ub.uni-tuebingen.de/diglit/MaVI1650001//thumbs?sid=54f 9b0db2c67c7810daf63ce59b2fa53#current_page).

() (http://www.islamic-awareness.org/Quran/Text/Mss)
(14) انظر محاضرة الدكتور طيار قولاج في أكاديمية برلين براندنبرغ للعلوم الإنسانية.

(15 ) انظر : رسم المصحف (دراسة لغوية ) ، غانم قدوري الحمد، في مواضع كثيرة من كتابه .

Edward William Lane and Stanley Lane Poole, Selections from (16)

p.c ,۱۸۷۹ ,the Kur-an, London: Trubner

Bosworth Smirh, Mohammed and Mohammedanism, New (17)

41.p,1875 ,York: Harper & Brothers

(18) الرسول ( حياة محمد). ) ، رونالد بودلي، ص (٢٨٣).

2.p.AVO ,York: Harper & Brothers

(19) الرسول (حياة محمد)، رونالد بودلي، ص (٢٨٣).

Institutions (V) Gaudefroy-Demombynes, Les

Maurice

r.p, Musulmanes, Paris: E. Flammarion

إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ – رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً

قال تعالى في سورة آل عمران – 190: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } * { ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } *

ففي هذه الآيات تحدي لعقولنا، فالله تعالى يخبرنا أنه بخلقة للسموات والأرض وحدوث إختلاف في الليل والنهار آيات علينا التفكر بها، وهذه الآيات تتضح لـ ” لأُوْلِي ٱلأَلْبَاب”، هؤلاء هم الذين يتفكرون في هذا الخلق ويقولون “… رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ “.

الإعجاز العلمي في إختلاف الليل والنهار في قوله تعالى { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } إلى قوله “رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ“

السموات والأرض خلق عظيم ونادر، لأن فيه من المواصفات ما يندر وجودها في الكواكب الأخرى، ولا مكان للعشوائية فيها، وهذا ما وضحناه في مقالتنا العميقة علمياً “فرضية الأرض النادرة في القرآن” والتي تقارن الآيات أو المزايا التي خصها تعالى بالسموات والارض مع المزايا التي وضعتها فرضية الأرض النادرة لوجود كوكب صالح للحياة، تجدون كامل المقالة على هذا الرابط.

يبقى السؤال، ما القصد ب”إختلاف الليل والنهار”، فمن المؤكد أنه لا يتعلّق بوجود الضوء من عدمه، لان الآية لم تقارن “بين” الليل والنهار، وانما اختلاف الليل مع الليل والنهار مع النهار. بحثت في كتب التفسير عن هذا الموضوع، ووجدت الغالبية لا تتطرق الى تفسير “إختلاف الليل والنهار”، حتى وجدتها في تفسير إبن كثير 774هـ :

“{ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } أي تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر، فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيراً، ويقصر الذي كان طويلاً، وكل ذلك تقدير العزيز العليم، ولهذا قال تعالى { لأَيَـٰتٍ لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } أي العقول التامة الذكية، التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون، الذين قال الله فيهم { وَكَأَيِّن مِّن ءَايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } يوسف 105 ـ 106 ثم وصف تعالى أولي الألباب، فقال { ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ }.“

“و الشوكاني 1250هـ قال: “وصفاتهما { وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } أي تعاقبهما، وكون كل واحد منهما يخلف الآخر، وكون زيادة أحدهما في نقصان الآخر، وتفاوتهما طولاً، وقصراً، وحراً، وبرداً وغير ذلك { لآيَاتٍ } أي دلالات واضحة، وبراهين بينة تدل على الخالق سبحانه.“

ورد مصطلح اختلاف الليل والنهار في سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة الجاثية، وسورة يونس، وسورة المؤمنون، فهناك تركيز وتأكيد على هذا الخلق، وإذا اردنا التفكّر بهذا الخلق، علينا معرفة السبب المؤدي لاختلاف طول النهار والليل واختلاف حرارة الأيام خلال السنة.

تدور الأرض حول الشمس بمدار شبه دائري، أي ان المسافة بين الأرض والشمس شبه متساوية، وهذا يعني أنه من المفترض ان يبقى الليل والنهار متساويان في الطول وتكون الحرارة متشابهة في نفس المكان وعلى مدى السنة، ولكن هذا عكس الواقع، إذ يكون النهار قصيراً وبارداً في فصل الشتاء وطويلاً ودافئاً في الصيف. وهذا ما طلب الله منّا ان نتدبره أو نعقله أو نتفكّر به.

السبب في هذا الاختلاف هو أن محور دوران الأرض حول نفسها يميل بمقدار 23.5 درجة عن محور دوران الأرض حول الشمس كما هو مبيّن في الصورة التالية، ففي فصل الصيف، تكون الشمس عامودية على مدار السرطان وبذلك يكون تركيز أشعة الشمس أعلى على النصف الشمالي من الكرة الأرضية والمساحة المعرضة للشمس أكبر، وهذا يفسّر ارتفاع الحرارة في الصيف وطول النهار.

في الصيف، يكون تركيز اشعة الشمس أعلى على النصف الشمالي من الكرة الأرضية والمساحة المعرضة للشمس أكبر، وهذا يفسّر ارتفاع الحرارة في الصيف وطول النهار.

يحدث العكس في فصل الشتاء، إذ يكون النصف الشمالي معرضا لكمية اقل من اشعة الشمس ويكون تركيز أشعة الشمس أقل لكل وحدة مساحة، مما يجعل النهار أقصر والحرارة أقل من الصيف، ففي فصل الشتاء، تكون الشمس عامودية على مدار الجدي في النصف الجنوبي.

بعد نصف سنة، تدور الأرض نصف دورة حول الشمس، ويصبح النصف الحنوبي معرضاً لكمية أكبر من أشعة الشمس فيزداد طول النهار في النصف الجنوبي وترتفع الحرارة (صيف)، بينما يقصر النهار في النصف الشمالي وتقل الحرارة (شتاء)

لكي يكون هناك “ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ”، يتوجب توفّر الشروط التالية: 1- دوران الارض حول نفسها 2- دوران الارض حول الشمس 3- ميل محور دوران حول نفسها بقدار 23.5 درجة عن محور دوران الأرض حول الشمس 4- ان تكون الأرض كروية 5- أن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس. وهذا ما تحدانا الله به! إحذف أي من هذه الشروط، ولن تحصل على “ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ” الذي نعيشه كل يوم!

كان المسلمون يعرفون علمياً أن الأرض كرة، فقد كتب أحمد بن عمر أبو علي ابن رسته، المتوفي تقريبا عام 300 هجري (912 ميلادي)، أي قبل جاليليو بـ 700 سنة، بأن الأرض كروية مقسمة الى 360 درجة وهناك خط الاستواء وحدد مدارا السرطان والجدي ومَيلهما عن خط الاستواء بـ 24 درجة. وكتب بأن اليوم مقسّم الى 24 ساعة.

أحمد بن عمر، أبو علي ابن رسته المتوفي تقريبا عام 300 هجري (912 ميلادي)

في حال عدم وجود إختلاف الليل والنهار، وبعيدا عن التقدم الحضاري في القرن الأخير، فستكون الحياة مملة بعض الشيء، كل يوم سيكون مثل سابقه، ولن تكون هناك فصول أربعة، ولن تكون هناك رياح تجارية “تصريف الرياح”، ولن تكون هناك هجرة للحيوانات والطيور، ولن تكون هناك مراعي، أو حتى القمح { وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ } * { فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ } الأعلى – 5، وستبقى حياة البشرية ضمن تجمعات محصورة في مدارات معينة دون أي دافع للتطور المعرفي، وقد تنتشر الحشرات والأوبئة، سيكون هناك غزارة للأمطار في مدارات معينة، مما سيؤدي الى انجراف التربة وتصبح هذه المناطق غير صالحة للزراعة. سيعاني ويصارع البشر وكافة المخلوقات من أجل البقاء!

ربنا إنك ما خلقت هذا الخلق البديع العظيم الشأن عبثاً، أو عارياً عن الحكمة، أو خالياً من المصلحة، بل خلقته مشتملاً على حكم جليلة، منتظما لمصالح عظيمة، سُبْحانَكَ؛ أي ننزهك تنزيها تاما عن كل مالا يليق بك، فَقِنا عَذابَ النَّارِ أي فوفقنا للعمل بما يرضيك، وأبعدنا عن عذاب النار.

يخبرنا تعالى ذكره، بأن هذا الخلق الذي صُمم بدقّةٍ بالغة، هو أساسي لوجود حياة متطورة على الأرض.

رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
بقلم: حسين أحمد كتّاب

النظافة في الإسلام

من نعم الله تعالى على الإنسان أن خلق له ما يصنع من ثيابه فيستر عورته ويجمِّل مظهره، ويتقي به الحر والبرد، ويخفف عن وطأة الرياح والغبار.

قال تعالى : ( بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ {26} ) [سورة الأعراف ].

ولا يكمل جمال الظاهر بغير النظافة، ولا يكمل صفاء الباطن وحسن المعاملة بغير تقوى ولطافة .

إن النظافة تزيد من حسن الثوب ورونقه، ولو كان متخذاً من نسيج رخيص. ولا حسن ولا بهجة لثوب فذر ولو كان من أفخر المنسوجات. فعلى المسلم أن يعتني بنظافة ثوبه وحسن هندامه، كما يعتني بنظافة جسمه وحسن خلقه. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنها قال : ” أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره فقال : أما كان هذا يجد ما يسكن به شعره ؟ ” ورأى رجلاً آخر وعليه ثياب وسخة فقال : ” أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه “[1].

يلبس المسلم الثوب النظيف ويتخذه من نوع يتلاءم مع إمكانياته وسعته، ولا يجوز له أن يتخذ من ثيابه مجالاً للخيلاء والكبر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر، فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، فقال : إن الله جميل يحب الجمال، الكبِر بطر الحق وغمط الناس “[2].

وتكلم المناوي في فيض القدير عن إهمال نظافة الثياب من قبل بعض العامة بحجة الزهد والسلوك والاشتغال بنظافة الباطن فقال : وقد تهاون بذلك جمع من الفقراء حتى بلغ ثوب أحدهم إلى حد يذم عقلاً وعرفاً، ويكاد يذم شرعاً.

سوّل الشيطان لأحدهم فأقعده عن التنظيف بنحو نظف قلبك قبل ثوبك لا لنصحه بل لتخذيله عن امتثال أوامر الله ورسوله وإقعاده عن القيام بحق جليسه ومجامع الجماعة المطلوب فيها النظافة، ولو حقق لوجد نظافة الظاهر تعين على نظافة الباطن . ومن ثم ورد أن المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يتسخ له ثوب قط كما في المواهب وغيرها أ هـ[3].

وليعلم أن النجاسة تؤلف قسماً كبيراً من الأوساخ، وإنها من أسباب عدوى الأمراض السارية، لأنها مفعمة بالجراثيم أو وسط صالح لتكاثرها، فإذا أهمل تطهير ما أصابته من ثوب أو بدن تعرض الجسم للعدوى، وإذا كثر عدد الجراثيم الداخلة إلى الجسم تغلبت على مقاومته ووسائل دفاعه وتكاثرت فيه وأدت إلى أمراضه . ولذا حكم الإسلام بأن طهارة ثياب المصلي كطهارة بدنه شرط في صحة صلاته قال تعالى : ” وثيابك فطَّهر “[4].

قال الإمام فخر الدين الرازي : إذا ترك لفظ الثياب والتطهر على ظاهره وحقيقته، فيكون المراد منه أنه عليه الصلاة والسلام أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار.

قال الشافعي : المقصود منه الإعلام بأن الصلاة لا تجوز في ثياب طاهرة من الأنجاس[5].

ولقد رغب الإسلام من المسلم أن يكون ثوب صلاته مع الجماعة غير ثوب عمله، حرصاً على تمام النظافة وحسن المظهر واللقاء، وسنَّ للمقتدر أن يكون له ثوباً عمل وثوب صلاة ليوم الجمعة يلبس النظيف منهما، عن محمد بن يحيى ابن حبّان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” ما على أحدكم إن وجد ـ أو ما على أحدكم إن وجدتم ـ أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته “ وفي رواية عنه عن ابن سلام : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر ” ما على .. إلخ ” [6] .

هذا وقد أوصى عليه الصلاة والسلام صحابته وهم في بيئة حارة بالثياب البيض، لأن اللون الأبيض أقل الألوان اكتنازاً للحرارة، ولأن الوسخ والنجاسة يظهران عليها بجلاء، وذلك مدعاة في تنظيفها وتطهيرها وعدم إهمالها . قال عليه الصلاة والسلام : ” عليكم بثياب البياض فالبسوها فإنها أطهر وأطيب وكفّنوا موتاكم “[7].

صحة المسكن

نظافة المسكن :

إن التنفس لتنشرح للمكان التنظيف وتنقبض لمنظر القذارة وإن قذارة المكان قد تصيب ثياب الإنسان المجاور أو بدنه فتحلق به وساخة أو جراثيم تكون سبباً في عدواه بالأمراض السارية.

وليتذكر المسلم أن طهارة مكان الصلاة شرط في صحة صلاته كما أسلفت لقوله تعالى : (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) وهذا التطهير يشمل التطهير من الأنجاس والأقذار ومن مظاهر الشرك والآثام. وإن بيت المسلم الملتزم لا يخلو من الصلاة فيه أداء لفريضة أو تنقلاً أو تهجداً .

وسنرى أن الإسلام اهتم بنظافة الطريق فكيف بنظافة المسكن . يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم “[8].

وبما أن المساجد هي البيوت المعدة لأداء الصلاة ولاجتماع المسلمين لطلب العلم والتفقه في الدين، فإن الاعتناء بنظافتها آكد قال الرسول عليه الصلاة والسلام : ” البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها”[9].

ومن تمام نظافة المسكن ومكان العمل، العناية بنظافة دورات المياه وتغطية علب الأوساخ منعاً لانتشار الروائح المستكرهة، ولئلا يقف عليها ذباب أو بعوضة أو صراصير، فتكون هذه واسطة لنقل الجراثيم إلى الأغذية وغيرها فتلوثها وتكون سبباً في عدوى الأمراض من ديدان وزحار وتيفوئيد وهيضة (كوليرا) وإنتانات معوية أخرى .

وبهذه المناسبة أذكر إخوننا أهل الريف أن يكون تخليهم في أماكن خاصة، لا في الفلاة ليقل انتشار الأمراض السارية والأوبئة وأن تكون دورات المياه بعيدة عن الآبار وعن موارد المياه لئلا تتلوث هذه وإذا لم يكون للمرحاض (سيفون ) فيجب تغطيته لأنّ الجرذان سبب في انتشار الطاعون، لأنها تمرض به وتنقله براغيثها إلى الإنسان، كما تنقل الجرذان جراثيم الأقذار.

ولقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الإنسان في مكان الاستحمام صوناً له من النجاسة وبعداً عن تردد الوسواس ببقاء النجاسة والإصابة ثانية برشاش الماء المنصبِ، فقال عليه الصلاة والسلام : ” لا يبولنَّ أحدكم في مستحمه فإن عامة الوسواس منه ” [10] .

ويلزم أن تجمع أقذار المسكن في مكان منزو منه في سطل أو صندوق محكم الإغلاق يحوي كيساً من النايلون .

وينبغي ألا تترك الأقذار في البيت طويلاً، أي أكثر من أربع وعشرين ساعة، لما يخشى من ضررها بعد ذلك. وعلى الفرع المختص في دائرة البلدية تعهد نقلها بالطرق الصحية بما يمكن من السرعة. ويستحسن أن يضاف إلى هذه الأقذار شيء من الكلس المطفأ إن عرف أنها لن تنقل من المسكن بسرعة درءاً لضررها وأذاه[11].

وصايا صحية أخرى :

لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمور تنفذ قبل النوم لوقاية البيت وساكنيه قال عليه الصلاة والسلام : ” لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون ” [12] فقد يتطاير شرر في النار يؤدي إلى حريق البيت وأذية من فيهن وقد ينتشر من النار غاز أوكسيد الفحم بكمية تؤدي إلى تسمم من في البيت . وتبقى هذه الوصية نافذة بالنسبة للمدافئ المنزلية التي تعمل بالمازوت أوالغاز أو الكهرباء، بسبب المخاطر التي قد يؤدي إلهيا العوارض التي يمكن أن تطرأ على تلك الآلات وسير العمل فيها.

ولئلا يدخل البيت لص أو حيوان مفترس أو حيوان مؤذ أو كلب أو مصاب بدون (الشريطية المكورة المشوكة) فيلح الضرر المباشر أو غير المباشر على ساكني المنزل أو محتوياته، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ” خمِّروا الآنية وأوكئوا الأسقية وأجيفوا الأبواب وأطفئوا المصابيح فإن الفويسقة ربما جرَّت الفتيلة فأحرقت أهل البيت “[13].

أي ربما جرت الفأرة فتيل السراج الزيتي المستعمل في الأزمنة السابقة فيحرق الطرف المشتعل من الفتيل البيت .

وفي إقامة المخيمات والنوم في طريق السفر أوصى الرسول عليه الصلاة والسلام ألا يكون ذلك جوار الطريق مباشرة، لأن الطريق ممر الدواب ومأوى الهوام بالليل،إذ تأتي حيث ترمى الفضلات من غذاء المسافرين . عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في الجدب فأسرعوا عليها السير وبادروا بها نقيهاً وإذا عرّستم فاجتنبوا الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل “[14].

نظافة الطريق :

إن نظافة الطريق أبهج لنفوس السالكين وأنقى للنسيم وأبعد عن أذى العاثرين ووسيلة هامة للحد من تكاثر الذباب ونقله لجراثيم الأمراض. وما أقبح عادة من يرمي الأقذار إلى الشارع من شرف الطوابق فتنتشر فيه وتسيء إلى منظره وهوائه وإلى الصحة العامة، فمن فعل ذلك فقد أذى مجتمعه ولوث سمعة بلده وفعل مستهجناً ووقع في الإثم .

إن إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان، وإن لفاعلها ثواباً عند الله تعالى .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بعض وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وإدناها إماطة الإذى عن الطريق، والحياء شبعة من الإيمان “[15]. وقال : “ بينما رجل يمشي بطريق وجد غُصن شوك على الطريق فأخَّره، فشكر الله له فغفر له ” [16] ، وقال عليه الصلاة والسلام : ” عُرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن”[17].
فالتسبب في اتساخ الطريق وأذى المارة سيئة تنقص من درجة الإيمان الكامل وخاصة التخلي في طريق المارّة أو ظلهم. قال عليه الصلاة والسلام : ” أتقو اللاعنين ، قيل : وما اللاعنان؟ قال : الذذي يتخلىّ في طريق الناس أو ظلهم “[18].

فعلى المواطنين كافة أن يساهموا في نظافة بلدهم، فلا يلقوا الأوساخ من النوافذ والشرف، بل يضعوها في أماكنها من الطريق ليلاً قبل جولة عمال التنظيفات، وهي في أكياس النايلون بعد إحكام ربطها وبعد إضافة شيء من المطهرات إذا أمكن .

ونأمل من رجال التنظيفات جزاهم الله خيراً وضاعف حسناتهم، أن ينشطوا في إماطة الأوساخ والأذى عن الطريق. ومن الواجب نقل الأقذار في صناديق محكمة الإغلاق، حتى لا تتناثر في الطريق أو تفسد الهواء برائحتها المستكرهة، وأن يكون النقل في الأوقات التي تكون الطرق والشوارع فيهاخالية من المارة كما في آخر الليل .

إن الإسلام طهارة ونظافة وعبادة ولطافة، والنظافة جمال وكمال، والطهارة ركن وقائي من الأمراض السارية، فتحلّوا بهما وربوا أولادكم عليها وساهموا في نشرهما في المجتمع وربوع الوطن ترضوا ربكم وتبلغوا المظهر اللائق بكم وتساعدوا في تخفيف وطأة الأمراض وانتشارها بينكم .

الهوامش : 
[1] رواه أبو داود، وعزاه السيوطي في الجامع الصغير إلى المسند أيضاً ورواه ابن حبان والحاكم . وقال المناوي في فيض القدير : على شرطهما وأقره الذهبي : إسناده جيد .

[2] أخرجه مسلم واللفظ له والترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه .

[3] الفيض القدير: في شرح ما يروى أنه عليه السلام قال إن الله جميل يحب الجمال سخي يحب السخاء، نظيف يحب النظافة، وهذا حديث أشار السيوطي إلى ضعفه .

[4] سورة المدثر ـ 4.

[5] التفسير الكبير للرازي

[6] أخرجه أبو داود كما في جامع الأصول . قال الأستاذ عبد القادر الأرناؤوط في تعليقه : إسناده صحيح ورقمه في سنن أبي داود 1078 باب اللبس للجمعة .

الرواية الأولى مرسلة والثانية موصولة . وفي معنى هذا الحديث روى ابن ماجة عن عبد الله بن سلام مرفوعاً : ” ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته ” وفي الزوائد إسناده صحيح ورجاله ثقات . وأخرج عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً : ” ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته ” .

[7] رواه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد جيد . ورواية الترمذي : ” ألبسوا البياض فإنه أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم ” وقال حسن صحيح .

[8] رواه الترمذي وقال حديث غريب وخالد بن إياس يضعف أ هـ فالحديث ضعيف .

[9] أخرجه البخاري ومسلم عن أنس .

[10] رواه الترمذي ورواه أبو داود بزيادة (مستحمه ) هي : ( ثم يغتسل منه ) وفي أخرى (ثم يتوضأ فيه .. الحديث ) وهو حديث حسن كما في جامع الأصول والتعليق عليه للأستاذ عبد القادر الأرناؤوط .

[11] فن الصحة

[12] رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر .

[13] رواه الترمذي في الأطعمة وأبواب الأدب وقال : هذا حديث حسن صحيح .

[14] أخرجه مسلم ورقمه 1926 والترمذي في أبواب الأدب ورقمه 2862 وأبو داود في الجهاد وفي رواية أبي داود عن جابر بعد قوله ” حقها ” ” ولا تعدوا المنازل ” .

[15] رواه مسلم عن أبي هريرة ورواية الترمذي : ” الإيمان بضع وسبعون باباً أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرقعها قول : لا إله إلا الله ” .

[16] جزء من حديث رواه البخاري ومسلم

[17] رواه البخاري ومسلم ومالك والترمذي كما في جامع الأصول .

[18] رواه مسلم

العينان.. هذا خلق الله!

العينان جواهر ثمينة لا تُـقدر بثمن، يقول تعالي ممتناً علي خلقه: “أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ” (سورة البلد:8). وهي مرآة عاكسة لصحة الجسم، وعافيته. والجواهر النفيسة يتم حفظها، وصيانتها، ووقايتها من المخاطر المحدقة بها. فماهي أسرار العيون، وعجائب خلقها؟. وكيف نحافظ عليها من مشكلاتها؟.

العينان من أكثر أجزاء الجسم تعقيداً في الوظيفة، وروعة في الخلق والتقدير، وتميزاُ في سبل الوقاية والحماية والتدبير. وسيلة استقبال وتفاعل، واتصال وتواصل، وتعلم واستذكار، ودراية وإدراك، ومعرفة وأستبصار. وتمنع حواجب العينان تساقط حبات العرق داخلهما. لكن حرسهما اليقظ المدافع عنها دوماً هم الجفون Eyelids (العليا، والسفلي). وتحمله هذه الجفون رموشاً، تقي من الأثربة والمثيرات والأجسام الدقيقة الخ. وتنغلق الجفون تلقائيا مرة كل ست ثواني تقريباً، أو من عشر إلى خمس عشرة مرة في الدقيقة. وهي تنزلق وتتحاف بسلاسة فوق العين، دون احتكاك، بفضل مادة زيتية تفرزها غدة في غضروف الجفن، وبمساعدة الدموع أيضاً. فتغلق العيون عند الضرورة، وأنعكاساً لمثير مفاجئ. وتوقياً لها مما قد يضرها من انعكاسات ضوئية شديدة. أما الملتحمة Conjunctiva فغشاء رقيق يبطن تلك الجفون، كما يحيط بأطراف القرنية، ويكسو صلبة العين.
الدموع أسرار، وأنواع
الدموع أسرار، وأنواع. سائل يتم إفرازه من الجهاز الدمعي Lachrymal apparatus. ويتكون من غدة في الحافة العلوية الخارجية لكل عين، وكيس وقنوات دمعية، وأخري تصل للأنف. ومكونات الدموع هي: الماء (98-99% من السائل الدمعي). بالإضافة إلي نسب ضئيلة من الأكسجين، والصوديوم، والبوتاسيوم، والكالسيوم، والماغنسيوم، والأمونيا، والآزوت، وفيتامين ب12، وفيتامين (ج)، والأحماض الأمينية، والحديد، والنحاس، والزنك، والمنغنيز، والكلورين، والفسفور، والبيكروبونات، وحمض البوليك، والأنزيمات، وستّين نوعًا من البروتينات.
والدموع Tears نوعان: دموع أساسية صِّحية، إجبارية، وثابتة في نوعيتها وكميتها. تفيض بها العيون بانتظام، وتصرف عن طريق مجرى الدموع، وتتسلل لداخل الأنف والحلق. ودموع انعكاسية نتيجة انفعال عصبي، أو تعرض العين لزيادة في الضوء أو لمادة مُهيجة (كالنشادر، والبصل، الفلفل)، أو بعض الغازات والكيماويات. فالدموع تحمي شفافية القرنية وترطبها. وتجلو العين مما يهيجها أتربة، وكيماويات/ وأجسام غريبة. ومن لا تدمع عيونه يصاب بجفاف العين، فيحتاج لعلاج. كما تحتوي علي مضادات للبكتريا (الليسوزيم lysozyme )، تحافظ علي صحة العين، وتقيها من الميكروبات. وتساعد على وضوح الرؤية وقوة الابصار ودقتها. كما تعالج الاكتئاب، فتخلص الجسم من كيماويات متعلقة بالضغط النفسي.


طبقات جدار كرة العين
العين كروية الشكل، لا يتجاوز سمك جدارها الملليمترين. وهو يتكون من ثلاثة طبقات رئيسة: الطبقة الخارجية (الليفية): تتكون من جزء أمامي “القرنية” (خُمس جدار العين)، وجزء خلفي “الصلبة” (أربعة أخماسها). والجزءان متداخلان وملتحمان أحدهما بالأخر. والقرنية Cornea فجزء شفاف رقيق (نسيجها الضام لا يحوي أوعية دموية ولا أصباغ) ونافذة أمامية قليلة التحدب تمرر الضوء وصور المرئيات لداخلها. والقرنية تفوق سواها من أنسجة الجسم في طول البقاء.
أما صلبة العين (بياضها) Sclera فغشاء سميك معتم (لا ينفذ من الضوء من خلاله) ليحمي ما بداخلها. أما الطبقة المتوسطة: وهي المغذية للعين، وتتكون من أوعية دموية تحمل الغذاء لأجزاء العين المختلفة، ومنها تأتي سوائل العين التي تغذي القرنية، والعدسة Lens. وتحافظ على وجود ضغط طبيعي في العين، ويمتد جزئها الأمامي علي شكل قرص مستدير هو القزحية. بينما الطبقة الثالثة الحساسة هي شبكية العين (Retina)، الشفافة بالرغم من أنها تتكون من عشر طبقات. وتحتوي على نهايات عصبية حساسة للضوء، وتتجمع هذه النهايات العصبية معًا لتكوّن العصب البصري (Optic Nerve). وهي الغلاف الداخلي الحساس للضوء والذي ترتسم عليه صورة الأجسام.

القزحية، وأجزاء العين الأخري
يُعزي لون العينين (الأخضر/ العسلي/ الأزرق الخ) إلي القزحية التي يتوسطها جزء أسود صغير هو إنسان العين/ البوبوء أو الحدقة. تحتوي القزحية علي عضلات تتحكم في مرور الضوء عبر عدسة العين محدبة الوجهين، وهي أيضا كشأن القرنية شفافة من الأصباغ والدم، بيضاوية تفصل الحجرة الأمامية للعين (بها السائل المائي) عن الخلفية التي يملئها الجسم الزجاجي (السائل الزجاجي). يوجد على جانبي الحجرة الخلفية جسم هدبي يقوم بفرز سوائل الرطوبة المائية.
وحجرة العين الخلفية تبطنها من الداخل الشبكية، وهي غلاف حساس تتجمع عليه صور المرئيات، (يماثلها الفيلم الحساس في آلة التصوير) وترتبط ارتباطا وثيقا بأجزاء العين. تحوي الشبكية خلايا شديدة التخصص (لا توجد في أي عضو آخر من أعضاء الجسم) تسمي العصي (لإدراك درجة سطوع الضوء وشدته)، والمخاريط (تضفي الألوان علي الصورة المتكونة). تستمد العين أعصابها من الأعصاب المخية الثالث، والرابع، والسادس، بينما هناك ست عضلات تحوطها وتقع خلفها تتحكم في حركتها داخل محجرها، ذلك المحجر (التجويف العظمي داخل عظام الجمجمة)، وما به من دهون، لحماية الجوهرة الغالية/ العين من الصدمات: “هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ” (سورة لقمان:11).


كيف نحافظ علي العين؟.
ينبغي عدم الاقتراب كثيراً من التلفزيون أو شاشة الكومبيوتر. ويفضل استخدام شاشات توضع أمام الكمبيوتر كي تقلل من الإشعاعات المنبعثة منه. كما لا تُفضل القراءة في ضوء خافت، مع عدم إجهاد العينين بالنظر إلى الأشياء القريبة لفترة طويلة، لذلك يجب على القارئ أن يمنح عينيه فترة من الراحة (إما بإغماض عينيه أو بالنظر إلى أشياء أخري بعيدة الخ) لبضع دقائق كل ساعتين تقريباً. وينبغي استخدام نظارات مخصصة للقراءة لمن هم فوق سن الأربعين وتقل قدرتهم على تمييز الحروف والمقرؤة.
كما يجب عدم لمس العين بأصابع متسخة قبل غسلهما جيداً، وإذا دخل جسم غريب دقيق للعين فيجب التأني وعدم فرك أو دعك العين المصابة. وإذا أصيبت العين بكدمة فيوضع عليها مؤقتاً كمادات ماء بارد. وإذا كان هناك شعوراً بتشويش البصر أو عدم القدرة على فتح العين، فيتم مراجعة الطبيب فورا. وإذا أصيبت العين أو الجفن بجرح فيجب عدم فتحها أو فركها بقوة بل التقليل من حركتها. ووضع ضمادة نظيفة من الشاش المعقم عليها، ثم التوجه إلى أقرب مشفى. كما يجب عدم التعرض لمناخ عدوي العيون ومسبباتها. وعدم استعمال أدوات المرضي الخاصة (كالعدسات اللاصقة، أو أقلام التجميل، أو مناشف وغيرها). متعنا الله بالصحة، والعافية الدائمة.
“ذوو البصيرة”
لقد أولى الاسلام، دين الله تعالى، وخاتم شرائعه، اهتمامه الكبير بكل شؤون الحياة ونُظمها.. عامة وخاصة، فردية وجماعية الخ. لذا فقد اهتم اهتماماً فائقاً بحقوق ذوي الإحتياجات الخاصة، ومنهم من كُفّ بصره. فحرص على تلبية احتياجاتهم، ودمجهم في مجتمعاتهم. ويكفي أن الله تعالى عاتب نبيه “صلى الله عليه وسلم” في شأن صحابي من هؤلاء المكفوفين (عبدالله بن أم مكتوم، رضي الله عنه): {عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى. وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى. كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} (عبس: 1-11). فكان “صلى الله عليه وسلم” حين يقابل “ابن أم مكتوم” يقول له: “مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي. وكان إذا غاب عن المدينة- بعد الهجرة- يوليه عليها حتى يعود.
ولقد أكرم الله تعالى المكفوفين بما يجبر خواطرهم، ويُعلي مكانتهم، فقال رسول الله “صلى الله عليه وسلم” : “إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته بها الجنة” (يريد عينيه) (رواه البخاري). فالمؤمن المُبتلى بفقد نعمة البصر (يتراوح الابتلاء بين عمى كامل، وحالات قريبة منه) يستقبل قضاء الله وقدره بكل إيمان ورضا. ولقد كان المؤمنون، قديمًا وحديثًاً، أمام هذا الابتلاء أطيب قلوبًا، وأسلم صدورًا.
وتبقي علاقة المكفوفين بمجتمعهم تحكمها أطر متباينة: ففي بعض المجتمعات يعتبرونهم “عبئاً ثقيلاً، وكماً مهملاً”، أو “قصّرًا تحت الوصاية”، أو النظر إليهم كأعضاء عاملين نافعين. وهذا الإطار الأخير تبناه المجتمع المسلم، وأخذ به. فعمِل على حسن دمجهم فيه. إذا إن كف البصر ليس عائقًا للكفيف، فهو يحمل من القدرات ما يؤهله للعمل الذي يتفق مع ميوله واستعداداته. وهو قادر، بإذن الله، على المساهمة في العطاء والمشاركة في البناء الحضاري والتنموي إذا تم تأهيله التأهيل المناسب، الذي لا يقل بحال عن الإهتمام بغيرهم من ذوي البصر.

لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر … وجُمع الشمس والقمر!

قال تعالى في سورة يس { لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }، هذه الآية تتحدث بشكل علمي بحت بأن للشمس فلك (مدار) وللقمر فلك (مدار ) وأن هذان المداران لا يتقاطعان، وبالتالي، فإنه لا ينبغي للشمس ان تدرك القمر، وهذا كلام منطقي ومقنع ويتطابق مع ما يقوله العلم الحديث، فالقمر يدور حول الارض دورة كل 27 يوم وبسرعة 3،700 كيلومتر/ساعة وبالنسبة لناظره من الارض، فإنه يدور مرة كل 29.5 يوم. وتدور الارض حول الشمس كل 365.25 يوم بسرعة 107،000 كيلومتر/ساعة وتدور الشمس حول مركز المجرة كل 250 مليون سنة تقريبا بسرعة 758،000 كيلومتر/ساعة. ولكن، في سورة القيامة، حدث العكس، فقال تعالى { وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ } فكيف لهذا التناقض الواضح أن يحدث في كتاب الله.

الشكل يوضح مدار الشمس والقمر والشمس التي لا تتعداها

ما يزيد الموضوع تعقيدا وحيرة أنه ورد في سورة الانفطار أن من احداث الساعة ان الكواكب ستنتثر وتخرج من مداراتها { وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ }، والنثر كما ينثر المزارع القمح عند الزراعة وهو وصف غاية في الدقة كون الكواكب تسير بمدار دائري حول الشمس وهو يشبه الحركة القوسية التي يقوم بها المزارع. ولكن رسول الله، الذي لا ينطق عن الهوى، قال “تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق ، حتى تكون منهم كمقدار ميل …”، فلماذا ستنثر كافة الكواكب ما عدا الأرض، حيث أنها كوكب يدور حول الشمس مثل باقي الكواكب وليست لها مواصفات خاصة بالحجم أو بالمدار.

العامل المشترك

انتثرت

لم يستخدم تعالى ذكره لغوياً أدوات النفي في سورة يس، بل أكد في آيات اخرى ما يتناسق مع ذاك النص بأن هذا الجريان محدود المدة “وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى” في سورة فاطر 13 و الزمر 5. من الواضح أن العامل المشترك بين الحدثين اللذان سببا التناقض (جمع الشمس والقمر، ودنو الشمس يوم القيامة) هو انهما مرتبطان بأحداث الساعة والقيامة، هذا يعني أن هناك ظروف خاصة ستحدث في ذلك الوقت ستساعد في تحليل هذا التناقض، فما هي؟

يحصل خسوف القمر عندما تتوسط الارض بين الشمس والقمر أو بمعنى آخر، يختبيء القمر خلف الأرض

فقد روى مسلم في صحيحه حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ وفيه: ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة. وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنْ السَّاعَةِ، إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ.

تسلسل الاحداث

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي العين فليقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت.

ورد في سورة التكوير { إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ } * { وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ } * { وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ } * { وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ } فمعنى التكوير: الشَّمْسُ كَوِّرَتْ أزيل ضياؤهَا أو لُفَّتْ وطُويَتْ بينما معنى الكدر: الكَدَرُ: نقيض الصفاء، ومعنى العشار عطِّلت: النّوقُ الحواملُ اهْمِلَتْ بلا رَاعٍ.

انفجار نجم شبيه من ناحية الحجم بشمسنا

أمّا الإنفطار: فطَرَ الشيءَ أي شقه، فهو الحدث التالي وهو إنشقاق السماء في منطقة شمسنا وتفسير الانشقاق في قوله تعالى: {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} “أي ٱنصدعت، وتفطرتْ بالغَمام، والغَمام مثل السحاب الأبيض، وكذا رَوَى أبو صالح عن ٱبن عباس. وروي عن عليّ عليه السلام قال: تُشَقّ من المجرة. وقال: المُجَرَّة باب السماء”.

نهاية الحياة الدنيا على كوكبنا محسومة في القران منذ خلقها، اذ اخبرنا بديع السموات والارض بان هذا الامر لا مفر منه وانه أحد اشراط الإيمان، هذا الحدث تم التخطيط له مسبقا من حيث الوقت والاحداث المسببة له والتي سنقوم بسردها بناء على ما ورد في القرآن الكريم والاحاديث النبوية. لا علم لنا بوقتها، ولكنها ستحدث يوم الجمعة، ويكون القمر على موعد مع خسوف.

رأي العين

تدخل شمسنا في حدث فريد، اذ ترسل شمسنا عاصفة شمسية دخانية “النجوم انكدرت” ثم يبدأ نور الشمس بالاضمحلال ويصغر حجمها تدريجياً وكأنه رمي بها، وصف رسول الله حال الأرض عند وصول العاصفة بأنها ستجعل “الأرْض كالسَّفِـينَةِ الـموبَقَةِ فـي البَحْرِ تَضْرِبُها الأَمْوَاجُ تُكْفَأُ بأَهْلها، أوْ كالقِنْديـلِ الـمُعَلَّقِ بـالعَرْشِ تُرَجّحُهُ الأَرْوَاحُ فَتَـمِيدُ الناسُ عَلـى ظَهْرِها فَتَذْهَلُ الـمَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الـحَوَامِلُ“. فعند وصول العاصفة الشمسية الى الارض، تحدث حركات عنيفة في قشرة الارض على شكل زلازل غير مسبوقة بحيث ان الانسان لا يستطيع الوقوف، واذا وقف، فسيكون حاله حال “السكارى وما هم بسكارى”.

بعد فترة وجيزة، وقد تكون ساعة، تنفجر شمسنا بحدث عظيم فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) بحيث تتشقق السماء وتنسف الجبال بحيث تصبح ارضا ملساء من الشدة وتنتهي الحياة على كوكب الارض.

تغيّر مسار القمر Slingshot

عند انفجار الشمس وقذفها لقشرتها الخارجية، تبدأ الأرض وكما سيحدث لباقي الكواكب، بالانتثار من شدة انفجار وتبدأ بالتحرك بعيدا عن الشمس، وحيث ان القمر مختبئ خلفها مباشرة، فان العاصفة الشمسية لا تطاله ويستمر في دورانه حول الارض. اقتراب الارض من القمر يزيد الجاذبية بينهما بـ 400 ضعف حيث ان قوة الجاذبية تتناسب عكسياً مع مربع المسافة بينهما، ما يمنع القمر من ملامسة الارض هو حركته الدائرية حولها، والتي، ومع اقتراب الارض من القمر، تبدأ سرعة القمر بالازدياد نحوها ويمر بجانبها، ويخرج القمر من مداره حول الارض متجها مباشرة نحو الشمس، مثل المقليعة slingshot، وهذا الحدث الخاص هو ما يجمع الشمس والقمر. حركة القمر هذه باتجاه الشمس تقوم بعملية جذب الارض بعكس اتجاه الانفجار مما يعيد تثبيت الارض في مدارها حول الشمس.

قال صلى الله عليه وسلم “تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل …“. وعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ “مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ شَهْرًا قَالَ أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ قَالَ ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“

ينزل الله من السماء ماء على الارض وينبت الانسان كما ينبت البقل ويبدأ الحساب. وهكذا تدنى الشمس من الناس يوم القيامة وتكون بمقدار ميل كما اخبرنا رسولنا الكريم، حيث تدخل شمسنا بمرحلة يسميها العلماء بالعملاق الاحمر بعد قذفها لقشرتها الخارجية، ويصل وهجها – كما يقول العلماء – الى مدار الأرض. دقة الوصف في الحديث النبوي مبهرة، فالشمس هي التي تدنى من الأرض وليس العكس!

سبق وكتبنا في مقالتنا “فاذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان” تفاصيل واحداث الساعة بتعمق، وتأتي هذه المقالة بعد ست سنوات لتؤكد ما توصلنا اليه في حينه، كما وأنها تؤكد دقة التوقيت وتناسق الاحداث في القرآن الكريم، علماً بأن القرآن الكريم لم ينزَّل دفعة واحدة، بل خلال عقدين ونصف من الزمان، وتفاصيل الاحداث وردت وفي سور مختلفة وأزمنة مختلفة، كما ووردت أيضاً أدلّة مساندة في الأحاديث النبوية، فلا يمكن لهذا الكلام أن يأتي من شاعر أو ساحر أو مجنون أو حتى عبقري، { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } * { ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ } * { مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } * { وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } * { وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ } * { وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ } * { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ } * { فَأيْنَ تَذْهَبُونَ }

{ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ }
لا مفرّ من الحساب

بقلم: حسين أحمد كتّاب

 

الهدي النبوي في العطاس والتثاؤب

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده ـ وفي رواية ـ على فيه ، فإن الشيطان يدخل ” رواه مسلم

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس أحدكم فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته ، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فليرده ما ستطاع فإذا قال هاء ضحك من الشيطان “ رواه البخاري.

وعنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع ولا يقل هاه هاه فإنما ذلكم الشيطان يضحك من ” أخرجه أبو داود .

يقول الخطابي (1) : ” معنى حب العطاس وكراهة التثاؤب أن العطاس إنما يكون مع انفتاح المسام وخفة البدن وتيسير الحركات ، وسبب هذه الأمور تخفيف الغذاء والإقلال من الطعام ، والتثاؤب إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه ، وعند استرخائه للنوم وميله للكسل ، فصار العطاس محموداً لأنه يعين على الطاعات، والتثاؤب مذموماً لأنه يثبط عن الخيرات وقضاء الواجبات ” .

ويعرف د. عبد الرزاق كيلاني (2) التثاؤب بأنه شهيق عميق يجري عن طريق الفم فيدخل الهواء إلى الرئتين دون تصفية ، خلافاً لما يحصل لو دخل مجراه الطبيعي وهو الأنف .

وهو دليل على حاجة الدماغ خاصة إلى الأوكسجين والغذاء ، وعلى تقصير الجهاز التنفسي في تقديم ذلك إلى الدماغ خاصة وإلى الجسم عامة وهذا ما يحدث عند النعاس وعند الإغماء . والتثاؤب قد يضر بالبدن لأن الهواء غير المصفى قد يحمل معه إلى البدن الجراثيم والهوام ، لذا نجد أن الهدي النبوي الحق يرد التثاؤب قدر المستطاع أو سد الفم براحة اليد اليمنى أو بظهر اليد اليسرى هو التدبير الصحي الأمثل ، وصلى الله على معلم الناس الخير.

والتثاؤب عند اللغويين من تثاءب وتثأب ، أي أصابه كسل وفترة كفترة النعاس . وينقل د. غياث الأحمد (3) تفسير علماء النفس للتثاؤب على أنه دليل على الصراع بين النفس وفعالياتها من جهة، وبين الجسد وحاجته إلى النوم من جهة أخرى . وهو من الناحية الطبية فعل منعكس من أفعال التنفس ، ويرى أن علية كراهة النبي صلى الله عليه وسلم له كونه دليل على الكسل والخمول .

ويرى د. أنور حمدي (4) أن الأمر النبوي الكريم برد التثاؤب قدر المستطاع إنما يحمل فوائد ثلاث : أولها أنه دليل بلا شك على ذوق جمالي رفيع ، إذ أن المتثائب حين يفغر فاه كاملاً ، مظهراً كل ما فيه من بقايا طعامية ولعاب وأسنان نخرة أو ضائعة مع ظهور رائحة الفم يثير الاشمئزاز في نفس الناظر . ثانياً فائدة وقائية إذ يفيد في منع الهوام والحشرات من الدخول إلى الفم أثناء فعله ، وثانيها فائدة وقائية إذ يفيد في منع الهوام والحشرات من الدخول إلى الفم أثناء فعله . وثالثاً وقائي أيضاً فهذه التعليمات الرائعة تقي من حدوث خلع في المفصل الفكي الصدغي ، ذلك أن الحركة المفاجئة الواسعة للفك السفلي أثناء التثاؤب قد يؤدي لحدوث مثل هذا الخلع .

أم العطاس فهوعكس التثاؤب (2) ويعرف بأنه زفير قوي يخرج معه الهواء بقوة من طريقي الأنف والفم معاً جارفاً معه كل ما يجده في طريقه من غبار وهباء وجراثيم وسواها ويطردها من الجسم مخلصاً له من أذاه . لذا ـ وكما يرى د. الكيلاني ـ كان طبيعياً أن يكون العطاس من الرحمن لما فيه من المنافع للبدن وحق على المسلم أن يحمد الله سبحانه وتعالى على العطاس كما أن عليه أن يتعوذ من الشيطان حين التثاؤب.

هذا وقد عرف الإنسان منذ القدم فائدة العطاس لجسمه وعرف أنه يجلب له الراحة والإنشراح فاستخدم طريقة لتنبيه بطانة الأنف لإحداث العطاس وذلك بإدخال سنابل الأعشاب أو ريش الطير إلى الأنف أو باستنشاق مواد مهيجة (كالنشوق) حيث يؤدي ذلك إلى إحداث تهيج شديد في بطانة الأنف وأعصابها الحسية يؤدي إلى حدوث العطاس وما ينجم عنه من شعور بالراحة .

وقد أكد د. إبراهيم الراوي (5) أن العطاس وسيلة دفاعية دماغية هامة لتخليص المسالك التنفسية من الشوائب ومن أي جسم غريب يدخل إلهيا عن طريق الأنف، فهو بذلك الحارس الأمين الذي يمنع ذلك الجسم الغريب من الإستمرار في الولوج داخل القصبة الهوائية . فإن مجرد ملامسة الجسم الغريب لبطانة الأنف ( من حشرة ضارة أو ذات مهيجة وغيرها ) فإن بطانة الأنف تتنبه بسرعة عجيبة آمرة الحجاب الحاجز بصنع شهيق عميق لا إرادي يتبعه زفير عنيف [والذي هو العطاس ] عن طريق الأنف لطرد الداخل الخطير ومنعه من متابعة سيره عبر المسالك التنفسية إلى الرئتين .

ويتابع د. الراوي قوله : ” أما إذا دخل الجسم الغريب عن طريق الفم ووصل إلى القصبة الهوئية فإن ذلك ينبه الجهاز التنفسي محدثاً السعال لصد الخطر وطرد الجسم الغريب الداخل إلىالمجرى التنفسي ولا يحدث العطاس إلا حين دخول المواد المؤذية عن طريق الأنف”.

والفرق العجيب بين العطاس والسعال أن السعال لا يؤثر على الدماغ ولا يحدث العطاس . ولا يزال العلماء حتى اليوم يقفون حائرين أمام هذا السر المبهم ، ولا يزالون عاجزين عن إيجاد أي تعليل علمي عن آلية توليد العطاس لذلك الشعور بالارتياح في الدماغ وخفة الرأس وانشراح النفس.

وقد اعتبره الأطباء القدامى ” العطاس” شعاع الحياة ، وكان عندهم مقياساً لدرجة الصحة والعافية ، ولا حظوا أن الإنسان عندما يصاب بمرض خطير فإنه يفقد القدرة على العطاس ، وكانوا يعتبرون عطاس مريضهم بشارة لحسن العاقبة عنده وأملاً بابتعاد ناقوس الخطر عنه . ويذكرنا بأهمية العطاس للبدن ، التفاتة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بتشميت العاطس، هذه الالتفاتة توحي بأن هناك خطراً متوقعاً فجاء العطاس، فطرد ـ بقدرة الله جل جلاله ـ العدو المهاجم وانتصر عليه وأبقى صاحبه معافى . وهكذا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نشمت العاطس، أي ندعو له بقولنا ” يرحمك الله ” .

فعلى المسلم إذا عطس أخاه المسلم أن يبارك له هذه الرحمة الإلهية والتي يكمن وراءها سر خفي من أسرار هذا الجسم البشري فسبحان من خلق الإنسان وأبدعه في أحسن تقويم . وفي تشميت العاطس حكمة إلهية ـ كما يقول الدكتور الراوي ـ أن يوحي رب العالمين إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوجه أتباعه إلى أهمية ما في العطاس من منفعة للبدن تستحق الحمد والشكر وهذه من معجزات النبوة ! إذ لماذا نحمد الله على العطاس ولا نفعل ذلك عند السعال ؟

لا شك أن هناك سراً خفياً ونعمة كبرى تستحق حمد الله الذي خلق فأبدع وصمم فأتقن التصوير وفوق هذا فقد جعل من حق المسلم على المسلم أن يبارك له رحمة الله إذا أصابه العطاس واستشعر حلاوته فقال : ” الحمد لله ” جهراً يسمعه من حوله ليقدموا له دعواتهم ” يرحمكم الله ” وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم :” حق المسلم على المسلم ست .. وعدّ منها وإذا عطس وحمد الله فشمته ” .
والمقصود بالعطاس، العطاس الطبيعي، وأما العطاس المرضي الناجم عن الزكام مثلاً، فإن المصاب يعطس مرات مرات وعلى السامع أن يشمته في الأولى والثانية وبعد ذلك يدعو له بالعافية ” عافاك الله “.

والتدبير النبوي الرائع في العطاس ، أن يضع العاطس يده على فمه ليمنع وصول الرذاذ إلى الجالسين، فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض أو غض من صوته ” .
وهذا الأدب النبوي له حكمته الصحية الجلية ، إذ يندفع مع العطاس رذاذه إلى مسافة بعيدة يمكن أن يصل معها إلى الجالسين مع العاطس، أو أن يصل إلى طعام أو إلى شراب قريب منه ، وهذا يمكن أن ينقل العدوى بمرض ما (كالزكام ) إن كان العاطس مصاباً به ، وليس من خلق المسلم في أن يتسبب بشيء من ذلك ، لذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأدب في أن نضع يدنا أو منديلاً على فمنا عند العطاس لمنع وصول رذاذه إلى الغير وفي ذلك ـ كما نرى ـ غاية الأدب ومنتهى الحكمة .

المصدر : بحث للدكتور محمد نزار الدقر اختصاصي بالأمراض الجلدية والتناسلية والعلاج التجميلي دكتوره ” فلسفة ” في العلوم الطبية سوريا ـ دمشق هـ: 00963113339946

مراجع البحث :

1. الحافظ ابن حجر العسقلاني : ” فتح الباري شرح صحيح البخاري”

2. د. عبد الرزاق الكيلاني : ” الحقائق الطبية في الإسلام “.

3. د. غياث الأحمد : ” الطب النبوي في ضوء العلم الحديث “.

4. د. أنور حمدي :” النوم : ” أسراره وخفاياه ” بيروت 1986

5. د. إبراهيم الراوي : مقالته ” أثر العطاس على الدماغ ” مجلة حضارة الإسلام المجلد 20 العدد 5/6 لعام 1979

قصة إكتشاف مخطوطات نجع حمادي وصلب المسيح عليه السلام

بقلم احمد عثمان

في عام 1945 وبالقرب من قرية نجع حمادي(Nag Hammâdi)(قرية في محافظة قنا بصعيد مصر ) اكتشف القروي محمد السمان الذي كان يبحث عن سماد لحقله جرة خزفية. فقام بكسر الجرة فوجد مخطوطات قديمة هي ما عرف لاحقا بمخطوطات نجع حمادي(Nag Hammadi library). هذه المخطوطات تحتوي الأناجيل والكتابات الغنوصية.

 ومضت أعوام عدة بعد عثور القروي محمد السمان على مجلدات نجع حمادي، قبل أن يعلم رجال الآثار المصرية شيئا عنها. فلقد أخفى أمر المخطوطات تماماً عن السلطات الحكومية بمجرد إدراكه لقيمتها الأثرية، رغبة منه في بيعها في السوق والحصول على مكاسب مالية مقابلها. وعندما طرحت المجلدات في سوق الأنتيكة بالقاهرة، سمع رجال مصلحة الآثار – التي كانت تابعة لوزارة المعارف آنذاك – بالموضوع فقاموا بشراء أول مجلد ظهر في السوق وحفظوه بالمتحف القبطي، إلا أنهم حتى ذلك الوقت لم يدركوا القيمة الحقيقية لهذه المجلدات، نظرا إلى عدم وجود خبراء متخصصين للتحقق من أصلها.

 وسنحت الفرصة عندما حضر إلى مصر أحد علماء المصريات المتخصصين في الدراسات القبطية، فقد ذهب الفرنسي جين دوريس لزيارة المتحف القبطي، فانتهز مدير المتحف توجو مينا هذه الفرصة لإطلاعه على المجلد الذي بحوزته لفحصه. وازداد حماس مينا عندما أخبره العالم الفرنسي أن اكتشاف هذا النوع من المجلدات سوف يؤدي إلى تغيير كل ما هو معروف عن أصل الحركة المسيحية.

وأصر توجو مينا على أن تحصل سلطات الآثار من التجار، على كل ما عثر عليه من مجلدات، وعدم السماح لأي منها بمغادرة البلاد، فقام بإبلاغ رؤسائه حتى وصل الخبر إلى وزير المعارف، الذي قرر شراء أي مجلد منها يتم العثور عليه لصالح المتحف القبطي.

ولما تعذر للوزير تدبير المبلغ الذي طلبه التجار، قام رجال الآثار بمصادرة ما وجدوه في حوزة البائعين، وقد وصل العدد في النهاية إلي 13 مجلدا تحتوى على 52 نصا.

وقام رجال الآثار بحفظ المجلدات التي في حوزتهم بالمتحف القبطي إلا أن التجار تمكنوا من تهريب جزء كبير من المجلد رقم 13 – الذي يتضمن خمسة نصوص – إلى خارج البلاد، وعرضوه للبيع في الولايات المتحدة الأمريكية. ولما علم جايلز جمسبيل، أستاذ تاريخ الديانات بجامعة أوتريش الهولندية بأمر النصوص المعروضة للبيع، أقنع مؤسسة جوستاف يونج بمدينة زيوريخ السويسرية – وهى مؤسسة خيرية باسم عالم النفس الشهير الذي كان زميلا لسيجموند فرويد – بشراء الأجزاء المطروحة للبيع.

وعند إطلاعه على النصوص التي تم شراؤها، تبين ليكسبيل وجود أجزاء ناقصة، فسافر إلى القاهرة للبحث عنها. وبمجرد وصوله إلى القاهرة ذهب إلى المتحف القبطي وحصل على صور فوتوغرافية لبقية المجلدات الموجودة هناك، وعاد إلى الفندق محاولا فك رموز اللغة القبطية القديمة والتعرف على محتويات الصور. وكانت مفاجأة عندما وجد الباحث الهولندي بداية النص، وجاء فيها ما يلي: ” هذه هي الكلمات السرية التي قالها يسوع الحي، ودونها ديديموس جوداس توماس”.

و كان قد تم العثور قبل ذلك بنصف قرن- في مصر أيضا- على قصاصة من ورق البردى تحتوى على جزء من إنجيل توماس، مكتوب باللغة اليونانية، وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها العثور على الكتاب كله. كما تأكد كيسبيل عند مراجعته لصور باقي المجلدات من أنها تحتوى على 52 نصا ترجع كلها إلى القرون الأولى للتاريخ الميلادي، من بينها أناجيل لم تكن معروفة من قبل، مثل إنجيل توماس- أوتحتمس في المصرية القديمة- وإنجيل فيليب وإنجيل الحق وإنجيل المصريين، إلى جانب بعض كتابات منسوبة للحواريين، مثل كتاب جيمس- يحمس في المصرية- و رؤيا بولس وخطاب بطرس إلى فيليب. صورة للقروي محمد السمان مكتشف مخطوطات نجع حمادي
و ليس هناك خلاف بين الباحثين بشأن الوقت الذي تم فيه إخفاء هذه المجلدات، خلال النصف الثاني من القرن الرابع للميلاد. ومما يؤكد هذا التاريخ أن الكتابات التي وجدت على أوراق البردي المستخدمة في تبطين الأغلفة الجلدية للمجلدات تنتمي إلى تلك الفترة.

وهذه هي الفترة التي قامت خلالها كنيسة روما- على أثر تحول الإمبراطورية إلى الديانة الجديدة- بإحراق كل الكتابات التي تتضمن معلومات مخالفة لتعاليمها وهى الفترة التي تم فيها حرق مكتبة الإسكندرية- بما في ذلك معهد اللاهوت المسيحي- التي كانت قائمة في معبد السرابيوم.

و تقول المصادر القبطية إن القديس مرقس- الذي كتب الإنجيل الثاني من العهد الجديد- جاء إلى الإسكندرية عند منتصف القرن الميلادي الأول، وعاش به حتى مات عام 74 و دفن بالمدينة. وأصبحت الإسكندرية ومكتبتها المركز الرئيسي للفكر المسيحي خلال القرنين الأول والثاني للميلاد. وهناك العديد من المصادر التاريخية التي تشير إلى تحول مكتبة الإسكندرية في بداية العصر المسيحي- إلى جانب الدراسات اليونانية- إلى مركز لدراسة الفلسفة المسيحية واللاهوت في تلك الحقبة.

إلا أن تعاليم الكنيسة المصرية كانت لا تتفق مع تعاليم كنيسة روما في نقاط عدة، بل من الممكن القول أنه كان هناك صراع فكري بين روما والإسكندرية على زعامة العالم المسيحي، ولم يحسم هذا الصراع لصالح روما إلا بسبب السيطرة السياسية الرومانية على معظم بلدان الحضارات القديمة.

عمر مخطوطات نجح حمادي:

إلا أن خلافا شديداً ثار بين الباحثين عند تحديد الوقت الذي كتبت فيه النسخ الأصلية للنصوص التي عثر عليها في مكتبة نجع حمادي.

استند بعضهم إلى ما ذكره الأب إيرانيوس أسقف مدينة ليون في كتاب له عام 180، من أن الجماعات الهرطوقية- وهذا هو الاسم الذي كان الآباء الأوروبيون يطلقونه على الحركات التي خرجت من مصر- لديها العديد من الأناجيل التي كانت قد انتشرت في ذلك الوقت إلى معظم بلدان الإمبراطورية الرومانية، لتحديد وقت سابق على تاريخ الكتاب عام 180 بمدة كافية تسمح بظهور هذه الأناجيل وانتشارها. إلا أن فريقا آخر من رجال الدراسات الإنجيلية رفض قبول هذا التاريخ المبكر لكتابات نجع حمادي، فإذا كانت هذه كتابات هرطوقية ضالة- حسبما قررت الكنيسة الرومانية- فلابد أن تكون قد ظهرت بعد مدة كافية من ظهور الكتابات الأخرى التي تعتبرها روما ذات طابع أورثوذوكسى مستقيم.

 ولما كان الرأي السائد الآن هو أن أناجيل العهد الجديد ظهرت بين عام 75 ومنتصف القرن الميلادي الثاني، فإن هؤلاء الباحثين يذهبون إلى تحديد وقت لاحق- خلال القرن الميلادي الثالث- لظهور كتابات نجع حمادي القبطية. وحتى يتم هذا التاريخ، فقد حددوا وقتا متأخرا كذلك لظهور الكتابة القبطية نفسها.

خريطة تبين مكان اكتشاف المخطوطات في قرية نجع حمادي التابعة لمحافظة قنا في جمهورية مصر العربية

ذلك أن الفكرة السائدة لدى الباحثين الغربيين هي أنه- على رغم وصول الاعتقادات المسيحية إلي مصر خلال القرن الميلادي الأول- إلا أن المصريين أنفسهم لم يتحولوا إلى المسيحية قبل القرن الثالث. وهم مصممون على أن الطوائف المسيحية التي ظهرت في مصر خلال القرن الأول، كانت إما من اليهود المقيمين في مصر أو من اليونان. وعلى هذا فلا يمكن ظهور كتابات مسيحية ترجع إلى هذا التاريخ المبكر باللغة القبطية التي كانت هي كتابة عامة المصريين.

و لهذا- وبدون دليل موضوعي- قام الباحثون الغربيون بتحديد تاريخ ظهور الكتابة القبطية خلال القرن الميلادي الثالث، أي في نفس الوقت الذي يحددونه لاعتناق المصريين للديانة المسيحية. ولسوف نعود لمناقشة هذا الموضوع فيما بعد لمحاولة التعرف علي التاريخ الحقيقي لظهور الكتابة القبطية، إلا أننا هنا نكتفي بتوضيح المبررات التي استند إليها الباحثون لتحديد تاريخ متأخر لظهور الكتابات الأصلية لمجلدات نجع حمادي.

 إلا أن هؤلاء الباحثين واجهوا مشكلة حقيقية عند محاولة تحديد تاريخ أهم النصوص التي عثر عليها في نجع حمادي، ألا وهو إنجيل توماس.

صورة مخطوطات نجع حمادي

و يختلف هذا الإنجيل عن الأناجيل الأخرى المعروفة في أنه لا يحتوي على قصة أو رواية للأحداث، وإنما يتكون من 114 قولا منسوبة إلى يسوع المسيح. كما أنه من الصعب اعتبار هذا الإنجيل هرطوقيا إذ أنه يحتوي على عدد كبير من أقوال المسيح التي ظهرت في أناجيل العهد الجديد، إلى جانب أقوال لم تظهر بها.

كما أن أقوال يسوع هنا موجودة بشكل أولي ولا تدخل في سرد قصصي، مما يوحى بأنها أقدم من أي من الأناجيل الأخرى. ولهذا فبينما اقترح الباحث الهولندي كيسبيل عام 140 لظهور النص الأصلي لإنجيل توماس، فإن هيلموت كويستر- أستاذ التاريخ المسيحي بجامعة هارفارد وأهم باحث معاصر في هذا الموضوع- فاجأ الجميع بإرجاعه أصل إنجيل توماس إلي منتصف القرن الميلادي الأول، أي إلى تاريخ يسبق ظهور أي من كتابات العهد الجديد، بما في ذلك رسائل بولس وكتاب أعمال الرسل.

وعندما انتقلت إدارة المتحف القبطي إلي الدكتور باحور لبيب عام 1952، لم يكن متحمساً في الإسراع بنشر نصوص نجع حمادي، وإدراكاً منه للشهرة الكبيرة التي سينالها أي باحث يقوم بنشر النصوص القبطية، قرر عدم السماح لأحد بالقيام بهذا العمل إلا بتصريح منه، مما تسبب في تعطيل نشر محتويات مكتبة نجع حمادي لسنوات أخرى.

إلا أن هيئة اليونسكو طالبت عام 1961 بنشر جميع المجلدات القبطية، واقترحت تشكيل لجنة عالمية تجتمع في القاهرة للإشراف على هذا العمل. وقررت اللجنة أن تكون الخطوة الأولى في نشر النصوص هي تنظيم عملية تصويرها فوتوغرافيِا، حتى تصبح الصور جاهزة لأي باحث يرغب في دراستها. وبالفعل بدأت عملية التصوير التي استغرقت بدورها سنوات أخرى، ونشرت صورة النصوص في عشرة مجلدات بين 1972 و 1977.  ثم قام الأستاذ الأمريكي جيمس رربنسون- مدير معهد دراسات التاريخ المسيحي، بتكوين لجنة دولية لدراسة وترجمة نصوص مكتبة نجع حمادي القبطية، مما زاد اهتمام طلاب التاريخ المسيحي بتعلم اللغة القبطية، خصوصا في جامعة هارفارد الأمريكية.

و لم تكن مكتبة نجع حمادي هي أول ما عثر عليه في مصر من كتابات مسيحية قديمة، مدونة باللغة القبطية. فقبل نهاية القرن الثامن عشر اشترى سائح اسكتلندي مخطوطاً قبطياً في مدينة الأقصر، كما وجد أحد هواة التحف مخطوطاً قبطياً لدى أحد بائعي الكتب القديمة في لندن، وتبين من ترجمة هذه الكتابات أنها تحتوي على حوار بين يسوع المسيح ومجموعة من تلاميذه، من بينهم بعض النساء.

 ثم عثر احد علماء المصريات الألمان- قبل نهاية القرن الماضي- على مخطوط، قبطي معروض في سوق الأنتيكات بالقاهرة، يتضمن ما يسمى بإنجيل مريم المجدلية، إلى جانب نصوص أخرى وجدت نسخ منها ضمن مكتبة نجع حمادي بعد ذلك، ثم عثر الأثريون خلال هذا القرن- في مواضع مختلفة من مصر- على الآلاف من البرديات التي تحتوى على كتابات مسيحية قديمة، وإن كان أغلبها مدونا باليونانية.

و مما لا شك فيه أن أقدم الكتابات المسيحية الموجودة الآن في العالم. بما في ذلك نسخ العهد الجديد، وجدت كلها في أرض مصر، وليس هناك نص واحد ينتمي إلى القرون الثلاثة الأولى للميلاد، تم العثور عليه خارج مصر.

تتفق أناجيل العهد الجديد الأربعة على أن يسوع مات على الصليب، بأمر من الحاكم الروماني لفلسطين ” بونتياس بيلاطس” في ثلاثينات القرن الميلادي الأول. إلا أن هذا الحدث ليس فقط غائباً عن أناجيل نجع حمادي القبطية، بل يذكر بعضها صراحة هذه القصة ويسخر من قائليها. فلم يرد ذكر الوالي الروماني بيلاطس في الأناجيل القبطية التي لا تحتوى على قصة الصلب الروماني.

صورة لأحد صفحات مخطوطات نجع حمادي

جاء في انجيل بطرس على لسان بطرس:

 ” رأيته يبد وكأنهم يمسكون به. وقلت: ما هذا الذي أراه يا سيد؟ هل هو أنت حقا من يأخذون؟.. أم أنهم يدقون. دمي ويدي شخص أخر ؟… قال لي المخلص:…..من يدخلون المسامير في يده وقدميه… هو البديل.  فهم يضعون الذي بقى في شبهه العار. أنظر إليه. وأنظر إلي”.

كما ورد في كتاب ” سيت الأكبر ” على لسان المسيح قوله:

” كان شخص آخر… هو الذي شرب المرارة والخل، لم أكن أنا… كان آخر الذي حمل الصليب فوق كتفيه، كان آخر هو الذي وضعوا تاج الشوك على رأسه. وكنت أنا مبتهجا في العلا… أضحك لجهلهم”.

 وجاء في كتاب “أعمال يوحنا” الذي عثر عليه بنجع حمادي أيضا، على لسان المسيح قوله:

” لم يحدث لي أي شئ مما يقولون عني”.

وهذا تصديق لما جاء به القرآن الكريم عن المسيح بن مريم : (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) [النساء : 157].

و مع أن الصليب هو رمز للمسيح في الأناجيل القبطية، إلا أنه ليس دلالة على الطريقة التي مات بها، وإنما هو يرمز إلى المسيح الحي- بروحه- التي لا تموت.

 وعلى ذلك فنحن نجد أن الصليب الذي وجد مرسوما على أغلفة مجلدات نجع حمادي ليس الصليب الروماني، وإنما هو “عنخ” مفتاح الحياة عند المصريين القدماء. ومن المؤكد أن الصليب المصري هو الذي ظل سائدا بين الجماعات المسيحية الأولى، ليس في مصر وحدها، وإنما في كل بلدان الإمبراطورية الرومانية.

و من يذهب إلى المتحف القبطي في القاهرة يجد أن مفتاح الحياة هو الصليب الوحيد الذي يرمز لقيامة المسيح خلال القرون الثلاثة الأولى للميلاد. ولم تستخدم الكنائس المسيحية الصليب الروماني إلا منذ النصف الثاني من القرن الرابع، عندها أصبحت كنيسة روما مسيطرة على الحركة المسيحية، ومع هذا فإن ذلك الصليب لم يصبح مقبولا لدى عامة المسيحيين إلا بعد أن أعلنت الكنيسة الرومانية عن العثور في مدينة القدس على ما قيل إنه الصليب الخشبي الذي مات

عليه يسوع. ثم تطور الأمر بعد ذلك- خلال القرن الخامس- عندما وضعت الكنيسة الرومانية صور لجسد المسيح على الصليب الخشبي.

و أثار كتاب ( تطور الأناجيل The Evolution of the Gospel) الذي صدر أخيرا للسياسي البريطاني( Enoch Powell) ضجة كبيرة عندما أعلن الباحث أن قصة صلب الرومان للمسيح لم تكن موجودة في النص الأصلي للأناجيل. إذ قام باول بإعادة ترجمة إنجيل متى من اللغة اليونانية. فتبين له أن هنالك أجزاء وردت مكررة في هذا الإنجيل مما يوحي بأنه أعيدت كتابتها في مرحلة تالية.

و أهم الوقائع المكررة ما ورد في الجزء الأخير من الإنجيل، الذي يتعلق بمحاكمة المسيح وصلبه. فقد لاحظ الكاتب أن هذه المحاكمة، بعد انتهائها أمام الكاهن الأكبر، تعود فتتكرر مرة ثانية- بالكلمات ذاتها- مع فارق واحد أن المحاكمة الثانية- بعكس المحاكمة الأولى- تنتهي بتنفيذ حكم الإعدام فيه عن طريق الصلب- واستنتج الباحث أن استخدام الألفاظ المستعملة نفسها في المحاكمة الأولى- لصياغة قصة المحاكمة الثانية، على رغم تغير الظروف، يوحي بالتكرار المتعمد وليس بالإشارة إلى حدث جديد، و أعرب المؤلف عن اعتقاده بأن النتيجة الطبيعية للمحاكمة الأصلية أمام مجلس الكهنة- في حالة الإدانة- لم تكن هي الصلب، وإنما الرجم بالحجارة.

صورة للسياسي البريطاني Enoch Powell صاحب كتاب تطور الإنجيل  The Evolution of the Gospel

و قال باول أن قصة صلب المسيح التي وردت في باقي الأناجيل، إنما جاءت عن طريق نقل الرواة اللاحقين لما وجدوه في إنجيل متى بعد أن كان التعديل أدخل عليه، ولم ترد هذه القصة في مصدر آخر. وفي رأيه أن إنجيل متى ليس فقط أول الأناجيل وإنما مصدرها الوحيد كذلك. والمشكلة التي يواجهها الباحثون هي ان الأناجيل الأربعة هي المصدر الوحيد لقصة صلب الرومان للسيد المسيح، ولو ثبت ان رواية الأناجيل هذه كانت نفسها إضافة لاحقة ولا تمثل حدثا تاريخيا، فإن هذا سوف يؤدى إلى

ضرورة إعادة النظر في قبول ما ورد في قصة الأناجيل باعتباره لا يمثل الحقيقة التاريخية للأحداث.

و مع أننا نقترب الآن من نهاية الألف الثانية للتاريخ الميلادي، إلا أنه يكاد لا يكون لدينا أية معلومات تاريخية مؤكدة عن حياة السيد المسيح نفسه. وكان الاعتقاد السائد في ما مضى هو أن كتبة الأناجيل سجلوا أخبارا و وقائع كانوا هم أنفسهم شهودا عليها، إلا أنه تبين الآن عدم صحة هذا الاعتقاد. فلم تتم كتابة أول الأناجيل التي لدينا الآن إلا بعد مرور حوالي نصف قرن من الزمان على الأحداث التي تتكلم عنها، ثم أدخلت عليها تعديلات بعد ذلك خلال الأعوام العشرين التالية.

و القصة كما وردت في أناجيل العهد الجديد تقول إن يسوع ولد في بيت لحم في عهد الملك هيرودوس، الذي حكم فلسطين أربعين عاما انتهت بوفاته في العام الرابع السابق للتاريخ الميلادي. ثم هربت السيدة مريم بابنها إلى مصر عقب ولادته خوفا عليه من بطش الملك، الذي علم من النبوءات عن مكان و زمان مولد المسيح الذي سيطالب بعرش داوود.

و لم ترجع الأم بولدها من مصر إلى فلسطين إلا بعد موت هيرودوس، فذهبت بالطفل لتعيش في بلدة الناصرة في الجليل بشمال فلسطين. و تقول الرواية إنه بعد أن كبر الصبي وأصبح رجلا في الثلاثين من عمره، ذهب إلى وادي الأردن حيث التقى هناك بيوحنا المعمدان الذي عمده بالماء في وسط النهر.

صورة لغلاف كتاب تطور الإنجيل

The Evolution of the Gospel

و بعد هذا اعتكف يسوع في خلوة أربعين يوما صائما في الصحراء و دخل في صراع مع الشيطان الذي حاول إغرائه بمنحه ممالك العالم، وعاد المسيح- بعد أن فشل الشيطان في مهمته- إلى الجليل ليختار حوارييه الإثني عشر ويبدأ دعوته، مما أثار حقد الكهنة الصدوقيين اليهود والأحبار الفريسيين عليه.

و ازداد غضب الكهنة على يسوع- بحسب رواية الأناجيل- عندما ذهب إلى مدينة القدس قبل عيد الفصح، ودخل المعبد وصار يبشر فيه بدعوته. فتأمروا عليه وأرسلوا حرسا للقبض عليه- بمساعدة يهوذا الاسخريوطي الحواري الذي خانه- وكان يستريح مع تلاميذه عند جبل الزيتون بشمال المدينة.

و استمر التحقيق والمحاكمة أمام مجلس الكهنة برئاسة ” قيافا” الكاهن الأكبر طوال الليل. وبعد انتهاء المحاكمة عند الصباح، أخذ الكهنة المسيح إلى بيلاطس الوالي الروماني على فلسطين، الذي أعاد محاكمته ” فسأله الوالي قائلا أنت ملك اليهود، فقال له يسوع أنت تقول، وبينما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يشتكون عليه لم يجب بشيء، فقال بيلاطس أما تسمع كم يشهدون عليك، فلم يجبه ولا عن كلمة واحدة حتى تعجب الوالي جدا “. وحاول بيلاطس، بحسب ما جاء في الرواية، الإفراج عن عيسى بمناسبة عيد الفصح إذ لم يجد مبررا لعقابه، ولكن رؤساء الكهنة حرضوا الجموع على المطالبة بصلب المسيح فخضع الوالي لرغبتهم.

فأخذه الجند ” ولما أتوا إلى موضع يقال له جلجاثة… أعطوه خلا ممزوج بمرارة ليشربها ولما صلبوه اقتسموا ثيابه… ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة… فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وسلم الروح”.

و تنتهي القصة الإنجيلية بقيامة المسيح من بين الأموات في اليوم الثالث، واختفى جسده من المقبرة التي وضع بها، ثم ظهر لحوارييه وحثهم على نشر التعاليم المسيحية بين الأمم.

هذه هي القصة بحسب ما وردت في أناجيل العهد الجديد الأربعة، ولكن الأمر الغريب هو عدم وجود أية إشارة ولو بسيطة أو عابرة ـ عن هذه الأحداث في المصادر التاريخية المعاصرة لتلك الفترة، سواء في ذلك المصادر الرومانية أو اليونانية أو اليهودية. والمصدر الوحيد الذي جاء به ذكر يسوع المسيح كان كتابات المؤرخ اليهودي يوسيفوس، ولكن تبين للباحثين منذ القرن السادس عشر أن هذه القصة- التي لا تتجاوز بضعة أسطر- إنما هي إضافة لاحقة إلى الكـتاب ولم تكن ضمن النسخ الأولى منه، فلا شك في أن بعض الناسخين المسيحيين أضافها في مرحلة متأخرة.

و لهذا فإن النتيجة التي توصل إليها باول أخيرا من أن النسخة الأصلية من إنجيل متى لم يكن بها ذكر لصلب المسيح، لم يعد من الممكن تجاهلها، وهو يرى أن انجيل متى لا يمثل سردا تاريخيا لحياة السيد المسيح، وإنما هو في حقيقته جدل لاهوتي قدم بطريقة الرمز والمجاز. ولهذا فإن تحديد وقت ميلاد المسيح بعصر الملك هيرودوس لا يعتبر تحديداً تاريخيا، لأن التحديد التاريخي- بحسب قوله- عادة ما يذكر اليوم والعام الذي تمت فيه الحادثة، ولا يكون على إطلاقه. فتعبير ” في أيام الملك هيرودوس” يبدو وكأنه بداية قصة وليس تاريخا لواقعة. و المسالة في رأيه لا تتعلق بالعقيدة المسيحية نفسها وإنما بدعوى الشرعية التي ارتكزت عليها الكنيسة الرومانية في سلطتها.

ذلك أن بابا هذه الكنيسة- وهو يمثل الكاهن الأعلى- يستمد سلطته من أنه ممثل السيد المسيح على هذه الأرض. هذا التمثيل- كما تصر الكنيسة- جاء بناء على تفويض أخذته عن طريق المسيح شخصيا. فهم يقولون إن السيد المسيح بعد قيامته في اليوم الثالث أعطي تلميذه بطرس تفويضا ليخلفه في إمامة المسيحيين. و ان بطرس سافر قبل موته

بردية مصرية مرسوم عليها صليب “عنخ”: مفتاح الحياة عند المصريين القدماء حيث أقتبسها عنهم نصارى مصر وانتشرت هذه الفكرة بين النصارى في العالم

إلى روما، لينقل هذا التفويض شخصيا إلى كهنة الكنيسة هناك، حتى قيل إن مقر الفاتيكان بنى على ضريحه.

و لا يوجد أي دليل على سفر بطرس إلى روما، بل إن هناك ما يشير إلى أنه مات في السجن حوالي عام 40 ميلادية في القدس.

أما قصة الصليب فمن المؤكد أنها لم تصبح على ما هي عليه الآن إلا بعد فترة طويلة من بداية المسيحية، ولأن الدعوة المسيحية في جوهرها تقوم على الاعتقاد في خلود الروح والقيامة، وهى الاعتقادات التي كان اليهود يرفضونها، فقد لجأ المسيحيون الأوائل إلى استعمال مفتاح الحياة “عنخ” المصري القديم رمزا للمسيح الحي، وكان هذا المفتاح يرمز في العالم القديم إلى خلود الروح وقيامة الأموات، فكان استعماله يدل على أن المسيح- على رغم موته جسديا- لا يزال حيا في كيانه الروحي، خالدا لا يموت.

و نحن نجد أنه حتى القرن الرابع الميلادي لم تكن الرسوم المسيحية تعرف الصليب الروماني، وكانت تقدم مفتاح الحياة المصري على أنه رمز للسيد المسيح، وهذا يتضح من الرسومات الموجودة على أغلفة أناجيل نجع حمادي، والموجودة الآن بالمتحف القبطي في مدينة الفسطاط (حي مصر القديمة)، وكذلك للرسوم الموجودة في روما نفسها.

إلا أن الكنيسة الرومانية عمدت منذ القرن الرابع إلى استبدال مفتاح الحياة المصري بشكل الصليب الروماني، الذي يمثل العقوبة الرومانية، ثم تطور الأمر بعد ذلك فأصبحوا يضعون جسدا مصلوبا علي هذه الخشبة. وعلى ذلك، فلو تبين أن المسيح لم يعش في فترة الحكم الروماني وأن بطرس لم يأخذ منه التفويض بالسلطة، لم يعد هناك أساس لسلطة البابا كخليفة للمسيح.

و الذي جعل Enoch Powell  يحدد تاريخ تدوين النص الأول لإنجيل متى بعد فوات نصف قرن على أحداث القصة هو الإشارة التي وردت به إلى دمار مدينة القدس ومعبدها، والذي تم عام 70 ميلادية. فقد جاء أن المسيح فسر هذه الأحداث على أنها كانت عقابا لليهود لإنكار رسالته.

” ويل لكم أيها الكتبة و الفريسيون المراؤون لأنكم تبنون قبور الأنبياء و تزينون مدافن الصديقين، وتقولون لو كنا في أيام آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء. فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم قتلة الأنبياء. فإملاؤا أنتم مكيال آبائكم، أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم. لذلك ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء و كتبة فمنهم تقتلون وتصلبون ومنهم تجلدون في مجامعكم وتطردون من مدينة إلى مدينة. لكي يأتي عليكم دم ذكى سفك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه. الحق أقول لكم أن هذا كله يأتي على هذا الجيل. يا أورشليم يا قتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها… هو ذا بيتكم يترك خرابا، لأني أقول لكم أنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب”.

و ذكر سقوط القدس هنا يشير إلى أن هذا النص لابد وأنه كتب بعد سقوط القدس، أي بعد عام 70، كما لم يصل إلى شكله النهائي الحالي – بعد الإضافات والتعديلات- إلا عند نهاية القرن الميلادي الأول.

 كما يقول باول إن ذكر مدينة الناصرة غريب في ذاته، فليس هناك دليل على وجود مدينة بهذا الاسم في أي من المصادر القديمة قبل القرن الميلادي الرابع. والمرجح أن الكلمة الأصلية كانت هي “النصارى” التي تشير إلى إتباع المسيح وليس إلى مدينته.

المصادر:

 

 The Evolution of the Gospel New Haven and London: Yale University Press, 1994)

 

http://www.enochpowell.net

http://www.al-maktabeh.com/a/index.htm

 http://en.wikipedia.org/wiki/Nag_hammadi_library
http://www.gnosis.org/naghamm/nhl.html
http://www.nag-hammadi.com/

 

 

من هيمنة القران الكريم على كتب السابقين: تحدي القرآن الكريم بذكر إسم أبي إبراهيم (آزر)

*من أهم صور هيمنة القرآن الكريم على كتب السابقين الفصل بين الكتب المختلفة في القضية الواحدة..
*{إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)}(النمل)
‎اسم أبي إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم هو ” آزر “*
رغم عدم اهتمام القرآن الكريم بذكر الأسماء (فإن ذكرها لا يكون إلا للتحدي كذكر موضع رسو فلك نوح) لقد ذكر اسم أبي إبراهيم عليه السلام للفصل بين كتب أهل الكتاب فكل مؤلفي الكتب تقريبًا من أهل الكتاب يسمونه ” تارح ” عدا ” يوسابيوس القيصري ” المؤرخ القديم الذي قال
“ Adhar “
في كتابه الشهير “تاريخ الكنيسة ”
History of the church (Eusebius of Caesarea)

في كتابه الشهير “تاريخ الكنيسة “
History of the church (Eusebius of Caesarea)

أول من لفت الانتباه لذلك كان المستشرق الشهير William Tisdall
في كتابه الشهير
The original sources of the Quran
‎ذكر اسم قريب من ذلك أيضًا استخدمه اليهود الشرقيين في بعض الأحيان فيقولون*
“ Zarah “.
(المصدر السابق)

The original sources of the Quran

‎بذلك تتفق هذه الكتب مع القرآن الكريم وتختلف مع التوراة نفسها .
‎ولعلك تعجب حين تعلم أن كلمة ” آزر ” ترجمة لكلمة ” تارح ” وهو في العربية بمعنى الوازر ( أي حامل الوزر) فأنّى للقرآن الكريم بهذا العلم لا أن يكون من عند الله؟
‎الغريب أن بعض تفاسير القرآن الكريم تأثرت بالنص التوراتي في هذا المجال ، وقالت أن اسم أبي إبراهيم عليه السلام ” تارح ” . وحتى لا يتناقض هذا مع النص القرآني الصحيح مع أن اسم أبي إبراهيم عليه السلام ” آزر ” قالوا أن آزر هذا هو عمه والعم والد ! ما حاجتنا لذلك والنص الصريــــــح ؟ كما أن تكـــــــــرر قـــــــول إبراهـــــــيــــــــم علـــــــيــه الســــــلام في القـــــــرآن الكريــــم ” يا أبت ” أربع مرات ( سورة مريم ٤١ – ٤٨ ) يدعم ما ذهبنا إليه من أن أبيه بالفعل هو ” آزر ” لأن ” يا أبت ” خطاب أقرب أن يقال للأب اللفظي
*{إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)}(النمل)

تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (رؤية جديدة )

نعيش مع السطور التالية في ظلال آية من آيات القرآن الكريم لنرى الإعجاز العلمي فيها قال تعالى : (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ {20} وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ {21} وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ)[1].

قال المفسرون :

إن الشجرة هي شجرة الزيتون، وأن في ثمارها ما ينتفع به من الدهن والأصباغ وقال ابن عباس رضي الله عنه ألم تر أن الرجل أبيض وأحمر وأسود .

ومن التفسير السابقين نفهم أن شجرة الزيتون تعطي ثماراً (الزيتون ) وأن هذه الثمار بها دهن (زيت الزيتون ) وصبغ للآكلين .

وهذا يعني أن ثمار الزيتون بها أصباغ للآكلين وأرجع ابن عباس رضي الله عنه لون البشرة في الناس إلى هذا الصبغ الموجود في ثمار شجرة الزيتون التي تخرج من طور سيناء وتنبت بالدهن وصبغ للآكلين وقال المفسرون : أنها شجرة الزيتون .

وهذا كلام عين الحق وقمة الإعجاز النباتي في القرآن الكريم والقرآن كله معجز .

فإذا حللنا ثمار الزيتون بالطرق العلمية الحديثة في التحليل سنجد بها علاوة على الدهن كميات من الأحماض الأمينية (وهي الأحماض التي ترتبط مع بعضها البعض في سلسلة ببتيدية طويلة لتكون البروتين).
بعض هذه الأحماض تسمى بالأحماض الأمينية الأساسية وهي الأحماض الأمينية التي يمرض الإنسان إذا لم يتناولها في طعامه لمدة طويلة أحد هذه الأحماض الأمينية الأساسية هوحمض الفنيل ألانين وهذا الحمض موجود في ثمار الزيتون (وهذا ما استنتجته من الآية نفسها) وله دوراً أساسي في إعطاء لون البشرة ولون رموش الأعين ولون الشعر في الإنسان .

ولكن كيف يحدث ذلك علمياً ؟
يتناول الإنسان الحمض الأميني فنيل ألانين في الطعام فيتحول إلى تيروزين والتيروزين يتحول إلى الميلانين والميلانين هو المادة الكيميائية الحيوية التي تصبغ جلد وشعر ورموش الإنسان عندما تترسب في بعض طبقات الجلد والشعر والرموش .

من الخطوات السابقة نفهم أن شجرة الزيتون تعطي ثماراً ،هذه الثمار بكل تأكيد بها الدهن والصبغ للآكلين كما قال تعالى 🙁 وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ).

وهذه العظمة في العطاء العلمي القرآني فمن كان يعلم من العباد أن شجرة الزيتون تعطي أصباغاً للآكلين .

حتى المفسرون عندما قالوا إن فيها ما ينتفع به من الدهن والأصباغ معتمدين على التفسير اللفظي ـ لم يكونوا يعلمون ما أوضحناه ونحن العلميين المتخصصين لم نكن نربط بين التركيب الكيميائي الحيوي لمنتجات شجرة الزيتون ولون البشرة لولا أن القرآن الكريم أنبأنا بذلك وفسر لنا ذلك ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه.

 

هل كان ابن عباس عالماً في الطب والكيمياء الحيوية وعلم النبات وأيضاً الكائنات الحية والإنسان حتى يقول هذا الكلام العلمي الأكيد ، ويوجز هذه العمليات العلمية في قوله رضي الله عنه( الم تر أن الرجل أبيض وأحمر وأسود ) .

ولقد فهمت أيضاً وبعد سنوات من الفهم العلمي السابق أن شجرة الزيتون عندما تنبت في بداية حياتها فإنها تستغل الدهن الموجود بالبذور والذي يحوله الجنين إلىمواد كربوهيدراتية خلال دورة جليكزوليت ( Glyxlate) المكتشفة سنة 1957م.

وفي هذه الدورة يعتمد الجنين في إنباته على الدهن المخزن الذي يتحول في الدورة إلىمواد كربوهيدراتية وخلات نشطة وهذا إعجاز آخر في الآية .

وحتى تكتمل الصورة في التفسير الأول نقول: أن الفارق بين الرجل الأوروبي الأبيض والرجل الأفريقي الأسود والرجل القمحي اللون هو فارق في كمية صبغ الميلانين في طبقات الجلد الملونة .

الرجل الأبيض والرجل القمحي عندما يتعرضا لأشعة الشمس مدة طويلة يسمر لون الجلد عندهما وتزداد كمية الميلانين في الجلد .

الأسوداد والسمرة نعمة من الله على عباده الذين يعيشون في البلاد الحارة المشمسة لأن اللون الأسود يحميهم من أشعة الشمس الضارة بهم ، وإذا غاب هذا اللون الأسود أصيبوا بسرطان الجلد.

قال تعالى :( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِين )[2].

فانظر كيف ربط الله سبحانه وتعالى بين خلق السموات والأرض واختلاف الألوان وذلك لأهمية هذا الاختلاف اللوني وعظمته التي تقارب عظمة خلق السموات والأرض ولذلك ربط الله سبحانه وتعالى بينهما في الآية .

والذي يتحكم علمياً في عملية تحويل الفنيل الانين الموجود بثمار الزيتون إلى التيروزين ثم الملانين في الجسم هو الأنزيمات هذه الأنزيمات تتحكم فيها العوامل الوراثية المسماة بالجينات التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الإنسان .

والذي يتحكم أيضاً في عملية تحويل الدهن إلى مواد غذائية أخرى في جنين بذور الزيتون هو الأنزيمات التي يتحكم فيها أيضاً العوامل الوراثية المسماة بالجينات في النبات والتي أودعها الخالق سبحانه وتعالى في النبات .

الرجل الأبهق : (عدو الشمس ـ الألبينو) عنده خلل وراثي يؤدي إلى غياب الأنزيمات المتحكمة في تكوين الميلانين في جسمه ، فيصبح أبيض الجلد والشعر والرموش ولا يقاوم أشعة الشمس .

وبذور الزيتون التي لا تعطي الأنزيمات المحللة والمحولة للدهن المخزن فيها فتحوله من دهن إلى خلات وتحوله إلى طاقة ، إذا غابت لسبب وراثي فإن البذور لا تنبت ولا يقاوم أشعة الشمس .

وبذور الزيتون التي تعطي الأنزيمات المحللة والمحولة للدهن المخزن فيها فتحوله من دهن إلى خلات وتحوله إلى طاقة إذا غابت لسبب وراثي فإن البذور لا تنبت ولا تخرج الأشجار .

فهل كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عالماً بعلوم الوراثة والخلية والكيمياء الحيوية ، والنبات ، والتحلل الكيميائي حتى يوجز هذه العمليات الحيوية والتي مسسناها مساً في هذا الموضوع في كلمات معجزة موجزة جامعة هي : ( تنبت بالدهن ، وصبغ للآكلين ) في قوله تعالى : (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ).

أم أنه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ، الذي لا تنتقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد ، والمعجزة الباقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

معجزة علم التداوي الرباني (الذاتي) في عالم الحيوان: Zoopharmacognosy

{ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)}(طه)
البداية الأولى لهذا العلم كانت عام ١٩٧٨ ولكن إستخدام هذا المصطلح المختصر لثلاثة كلمات يونانية: حيوان- دواء- معرفة ،، أي علم المعرفة الذاتية للحيوان لعلاج نفسه ذاتيًا ،، لأول مرة عام ١٩٩٣ ،،
*العجيب ان كل علماء الغرب الذين تكلموا في هذا العلم وأمثلته لم يجدوا المبرر العلمي له ، إذ كيف للحيوان الأعجمي معرفة ذلك ؟ فقط رصدوا الظاهرة،،
*لكن الإجابة عندنا في كتاب الله ؛ في الآية الكريمة التي تصدرت عملنا هذا،،
تفسير الآية: (قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي : أعطى كل شيء زوجه من جنسه ، ثم هداه إلى منكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه)، فما المانع أن يكون هداه لعلاجه كذلك ؟وكل ذلك في خريطته الجينية القابعة في نواة كل خلية حية له،،
الهدى قد يأتي بمعنى الأمر ..يعني الأمر باتباع والاهتداء بما تم إيداعه في الغريزة والفطرة(والشفرة الوراثية ).. فمادة الإرشاد والهداية فيها من مادة الإئتمار بأمر ما.
مثل الوصية في سورة آل عمران:{..وهدى وموعظة للمتقين }.. والوصية تنقسم إلى إفعل ولا تفعل..أمر ونهي..فالهدى للأمر والموعظة للنهي..كقول الله تعالى لنوح:{إني أعظك أن تكون من الجاهلين } يعني:إني أنهاك..
^^ وقد قال الرازي في تفسيرها:
( وأما الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي . وأما الموعظة فهي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين).
** إيداع وإعطاء كتاب الخريطة المستقبلية للكائنات في طرائق حياتهم ثم هدايتهم وإرشادهم لطرائق ذلك..
** الهدى قد يأتي بمعنى الأمر ..يعني الأمر باتباع والاهتداء بما تم إيداعه في الغريزة والفطرة(والشفرة الوراثية ).. فمادة الإرشاد والهداية فيها من مادة الإئتمار بأمر ما.
مثل الوصية في سورة آل عمران:{..وهدى وموعظة للمتقين }.. والوصية تنقسم إلى إفعل ولا تفعل..أمر ونهي..فالهدى للأمر والموعظة للنهي..كقول الله تعالى لنوح:{إني أعظك أن تكون من الجاهلين } يعني:إني أنهاك..
^^ وقد قال الرازي في تفسيرها:
( وأما الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي . وأما الموعظة فهي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين).
**أصل المسألة (في قوله : “ثم هدى “) هو الوحي ..
وقد أوحى ربنا بعد الأنبياء والملائكة إلى أم موسى وإلى الحواريين ثم إلى الكائنات مثل النحل ثم إلى الجمادات كالسماء .. بل ذكره الله لشياطين الإنس والجن، فأصل الوحي هو الكلام بخفي صوت
* إيداع وإعطاء كتاب الخريطة المستقبلية للكائنات في طرائق حياتهم ثم هدايتهم وإرشادهم لطرائق ذلك..
** الهدى قد يأتي بمعنى الأمر ..يعني الأمر باتباع والاهتداء بما تم إيداعه في الغريزة والفطرة(والشفرة الوراثية ).. فمادة الإرشاد والهداية فيها من مادة الإئتمار بأمر ما.
مثل الوصية في سورة آل عمران:{..وهدى وموعظة للمتقين }.. والوصية تنقسم إلى إفعل ولا تفعل..أمر ونهي..فالهدى للأمر والموعظة للنهي..كقول الله تعالى لنوح:{إني أعظك أن تكون من الجاهلين } يعني:إني أنهاك..
^^ وقد قال الرازي في تفسيرها:
( وأما الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي . وأما الموعظة فهي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين).
**أصل المسألة (في قوله : “ثم هدى “) هو الوحي ..
وقد أوحى ربنا بعد الأنبياء والملائكة إلى أم موسى وإلى الحواريين ثم إلى الكائنات مثل النحل ثم إلى الجمادات كالسماء .. بل ذكره الله لشياطين الإنس والجن، فأصل الوحي هو الكلام بخفي صوت،،
*ومن أجمل الكتب في هذا الباب ،، و

كتاب: Wild health.. للعالمة البيولوجية ،، Cindy Engel كتاب : How animals heal themselves? للعالمة البيولوجية
Caroline Ingraham

وكذلك كتابات وفيديوهات عالم البيولوجيا الأمريكي البروفيسور:
Michael Singer
ثم البروفيسور الأميركي جوب دي روود
**من أعجب أمثلة هذا:
١- استخدام النحل لمواد صمغية في بناء خلاياه ، وجد أنها تحميها من أمراض عدة وتخلصها من العديد من مسببات الأمراض pathogens
نجد ذلك في الوثائقي العلمي How honeybees self-medicate when they get sick
لمحطة BBC ,, إعداد عالم البيولوجيا الأمريكي Jaap de Roode


*نمل الخشب woodant يستفيد كذلك بالصمغيات للقضاء على الكائنات الدقيقة الضارة،،
*فمن علم هذا الكائن الدقيق مثل هذا؟
٢- تجميع عدة أنواع من الطيور لأعقاب السجائر لتكون ضمن مكونات أعشاشها!! وذلك لوجود النيكوتين الذي يطرد الطفيليات ،ولا شك ان هذه ممارسة جديدة لأن الإنسان في الماضي لم يعرف السجائر (قبل مائة عام)،،
Some of the adaptations to self-medication are recent. The widespread collecting of cigarette butts must be less than 100 years old because cigarettes aren’t much older. Other adaptations, however, are part of a long evolutionary process.
٣- مسيرة أنثى الفيل الحامل في كينيا لكيلومترات عدة للحصول على نبتة burkea Africana
تبين أنها مفيدة للوضع!!
٤- حين تلدغ بعض السحالي تلجأ لأكل جذور نباتات معينة تبين ان بها ترياق من سمه!!


٥- قرود الميمون في الحبشة تلجأ الى أوراق بعض النباتات التي تبين انها تهاجم الدودة الشريطية التي تسبب لها البلهارسيا ،،
٦- أنثى ذباب الفاكهة تضع بيضها في ثمار بها إيثانول (بها عفن) لألا تقربها الدبابير حين تفقس ،،
٧- حيوان المكاو (الأخضر والأحمر) وكذلك الببغاء وبعض القردة يأكلون الطين لقتل الباكتيريا والمساعدة في الهضم،،
*النماذج الخمس الأخيرة من مقال: Animals that self-medicate. Jewel Shurkin Science Writer
على موقع : National institute of health الأميركي ،،
٨- الفراشات الملكية Monarchy butterfly المصابة تضع بيضها على نباتات بها نسبة من السمية لتحسين النسل ، فإن قاومت المرض فهي جديرة بالإنضمام للسرب،،
Animals take medicine when they are sick: a few striking cases
نقلا عن موقع: ZMEscience
٩- دعك قردة الأورانج أوتان أطرافها بأوراق شجرة التنين Draceana ثم يتبين أنها مخففة لآلام العضلات ،، (موقع البيولوجي الأميركي: مايكل سينجر)،،


١٠- قردة كولوبوس الحمراء في زانزيبار تأكل الفحم المتبقي من البشر لآلام البطن وتحسين الهضم،، نقلا عن موقع د. مايكل سينجر،،
١١- دودة اية النمر Tiger moth caterpillar
تحك جسمها بنبتة بها عنصر حمضي PA وذلك تحسبًا لوضع الذباب بيضه عليه ليكون وجبة تؤكل حيه من صغاره حين يفقس البيض!!
(المصدر السابق)
*** وهكذا في أمثلة لا تعد ولا تحصى ،، فهل كان في هذه المخلوقات خاصةً الدقيقة منها علماء وباحثين لاستنباط هذه الطرق العلاجية ؟
• هل من الممكن ان يكون كل هذا وغيره أكثر محض صدفة؟
• لا ريب أنه أمر مكتوب في كتاب حياتها المضغوط في الشريط الوراثي داخل نواة كل خلية حية فيها،، وهي لا تملك الا اتباع دلالاته وتنفيذ الأمر المكتوب ،، {قال ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى}

الأسرار الخفية في أصغر الكائنات الحية ـ معجزة علمية

ظل هذا الكائن الدقيق والصغير يسرح ويمرح, ويتكاثر داخل خلايا الكائنات الحية دون أن يعرفه أحد أو يراه لآلاف السنين.

أحدث العديد من الأمراض الفتاكة للإنسان والحيوان والنبات والبكتيريا, ومع ذلك لم يمكن التعرف عليه, فإذا كان طول الخلية البكتيرية (1.5) ميكرومتر ( الميكرومتر واحد من ألف من الملمتر), فإن حجم هذا الكائن يعادل (60) نانومتر( النانومتر واحد على ألف من الميكرومتر ), فهو في داخل الخلية البكتيرية الدقيقة كالبذرة الصغيرة في داخل الثمرة الكبيرة, أي لو مثلنا حجم البكتيريا بالبرتقالة الكبيرة فإن حجم هذا الكائن بالنسبة لها كالبذرة الواحدة داخل البرتقالة, انه الكائن العجيب الذي ينفذ من مسام أدق المرشحات البكتيرية التي تحتجز البكتيريا من السوائل عند تعقيمها بالترشيح.

من عجائب هذا الكائن أنه لايعيش إلا في داخل خلايا الكائنات الحية, حيث يحيا ويتكاثر بصورة مهوله ومفزعة, أما خارج خلايا الكائنات الحية فهو كبللورة الملح أو السكرالميتة أو الماسة العجيبة, ولذلك هو ينتشر في الهواء والماء والأجساد بطريقة سريعة ومفزعة , فقد استطاع أحد أنواع هذا الكائن الحي القضاء على عشرين مليون شخص في شهرين فقط .

وهو الآن يحدث أخطر الأمراض العصرية, واحتار العلماء والباحثون في علاجه , ويعود السبب في ذلك إلى قلة العلم بخصائصه الحيوية , وسرعة تغييره لتركيبه التي تعود إلى بساطة تركيبه إذا ما قورن بالبكتيريا والفطر فخليته تتكون عادة من الجزء الداخلي النووي , والجزء الغلافي البروتيني, ولذلك يخرجه الباحثون من دائرة التركيب الخلوي المعهود.

ومن خصائص هذا الكائن الحي أنه إجباري التطفل, حيث يحتاج إلى الخلايا الحية لاتمام عملياته الحيوية , وذلك لغياب العضيات الخلوية اللازمة لاتمام العمليات الحيوية في الخلايا الحية , لهذا فهو انتهازي استعماري خطير , يحدث عملية تطهير عرقي حيوي للخلايا التي يستعمرها, حيث يسخر كل امكانات هذه الخلية لمنافعه الشخصية فتنشغل الخلية المستعمرة في تلبية طلبات هذا المستعمر الاستيطاني الخطير .

أحد هذه الكائنات يشبه مركبات الفضاء الحالية و له قاعدة بزوائد مماثلة لتلك الزوائد التي تهبط بها المركبات الفضائية على سطح القمر, وله وصلة عليا تحمل رأس مسدس الشكل وله مثقاب يثقب به جسم الخلية , التي يتطفل عليها, ويستخدم الزوائد للهبوط والالتصاق بالخلية , وعنده آلية يخترق بها جدر حصون عائله, ثم يصب جام غضبه ويدخل محتوياته الداخلية إلى جسم العائل وهنا تحدث عملية انتشار سريعة ورهيبة أشد من انتشار الغزاه في المستعمرة الضعيفة المنهارة, وتقوم تلك الجزيئات باستغلال خيرات الخلية ومحتوياتها الحيوية ومراكز صنع القرار فيها , ثم يصدر تعليمات خاطئة ومشددة تؤدي إلى تسخير محتويات الخلية المستعمرة لتكوين وحدات من الكائن الغازي, وهنا تنفذ محتويات الخلية المستعمرة , وبعد أن تصبح الخلية المستعمرة قاعاً صفصفا وتستهلك محتوياتها يفجر هذا الكائن جدار الخلية وينتشر في الخارج بالملايين في عملية غزو لمستعمرات خلوية أخرى , وهكذا يعيد هذا الكائن المسمى باللاقم البكتيري (Bacteriophage ) نفسه, ويعيد انتشاره, ويوسع مستعمراته.

رسمي يوضح شكل اللاقم البكتيري (Bacteriophage )

ويتكون هذا الكائن بأشكاله المختلفة من غلاف خارجي يسمى الكابسيد (Capside) يحيط بالمحتوي الجيني الداخلي (Nucleic acid ) المكون من DNA أو RNA والذي يحتوي الجينوم (Genome ) والذي يتكون من المواد الجينية ( الجينات Genes ) المتجمعة في الخيط الجيني RNA أو جزيء DNA في مجموعات قليلة إذا قورنت بالكائنات الحية الأخرى .

وتتميز هذه الكائنات بأنها متخصصة في طفيلاتها فالذي يتطفل على نبات معين لايعدي غيره , والذي يتطفل على حيوان معين لايعدوه إلى غيره , وهناك أنواع منها مشتركة بين الانسان والحيوان , والحيوان والحيوان , واخرى خاصة بالنبات أو البكتيريا.

عندما يُدخل هذا الكائن الوحدات الوراثية الخاصة به إلى داخل الخلية كما قلنا سابقاً فإنها تصنع لها وحدات مشابهة من محتويات الخلية ثم تصنع لها أغطية وأغلفة وتعيد دورة الحياة , ويتكاثر الكائن بتضاعف جزيئات DNA أو RNA والآن بكل تأكيد لقد عرفتم اسم هذا الكائن الخطير انه الفيروس الذي خفي عن البشرية سنين عديدة وعندما ظهر أربكها , وأحدث هرجاً ومرجاً عظيما في صفوف علمائها وعوامها.

ومن الفيروسات التي أجهدت الانسان وأرعبته وحيرته وردعته عن الزنا فيروس فقدان المناعة المكتسبة ( HIV ) أي Human immunodeficiency virous المسبب لمرض الأيدز ( AIDS ) الذي يهدم المناعة الجسدية فتهاجمه البكتيريا والفطريات الانتهازية , أي التي تنتهز فرصة ضعف جهاز المقاومة وتقضي على الجسم .

صورة مجهرية للاقمات البكتيرية bacteriophages

وهناك فيروسات الالتهاب الكبدي الوبائي والانفلونزا وجدري الطيور وغيرها.

وبهذا نكون قد تعرفنا سريعاً على بعض الأسرار الخفية في أصغر الكائنات الحية غير المرئية ( الفيروسات ) , تلك الكائنات التي أقسم الله بها وبغيرها من المخلوقات غير المرئية قال تعالى : (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ {38} وَمَا لَا تُبْصِرُونَ {39} إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) الحاقة (38 -40) والتي فصلنا القول عنها في موضوع ومالاتبصرون بين الدين والعلم الحديث في كتابنا آيات معجزات من القرآن الكريم وعالم النبات .

المعالجة بالكي في عهد الرسول

تحرق الكاويات الأنسجة حيث تفقدها ماءها وتفكك الخلايا العضوية المركبة لها.

والكاويات الفيزيائية النار، والمعادن المحماة فيها، كالحديد المحمى حتى درجة الأحمرار، والكاوي الحروريThermocautere ، والكاوي الكهربائي أو الغلفاني .

ومن الكاويات الكيميائية أو الأدوية الكاوية حمض الخل القابل للتبلر، وحمض الآزوت، وحمض الكروم، وحمض الصفصاف، وقلم نترات الفضة (حجر جهنم).

إن بحثي هذا لا يشمل الكيَّ بالأدوية الكاوية ولا بالأدوية المنفطة Vesicants كالثوم الذي استعمل مهروس لبَّه موضعياً في النقطة المراد كيّها، تمهيداً لتطبيق حمض الكيّ المشهور عند العامة، والذي يقر الطب بعض فوائده في بعض أنواع عرق النسا وبعض العصابات القطنية[1].

وأما الكيّ بالبرودة بواسطة حمض الفحم الثلجي، فهو طريقة حديثة نسبياً، تستخدم في الأمراض الجلدية، ولا تدخل في نطاق بحثي.

وإنما أعني الكيّ بالنار أو الحرارة، ولقد كان الأقدمون يجرون الكيّ بقضبان حديدية مجهزة بقبضة خشبية (أو غير مجهزة ) ومنتهية بأشكال مختلفة وبعد أن تحمى هذه القضبان على النار حتى تصير بلون أحمر مبيض أو أحمر قاتم، تكون بها النواحي المختلفة.

وتختلف تأثيرات الكيّ بالنسبة لنوع المكواة ودرجة حرارتها، فالمكواة التي تكون بلون أحمر مبيض يكون فعلها سريعاً، وعميقاً فلا تلتصق بالنسج التي تكويها، بل تقطعها بسرعة ولا تقطع النزف و الألم المحدث بها أخف من المكواة وهي في درجة الأحمرار القاتم، أما المكواة التي تكون بلون أحمر قاتم ففعلها أقل عمقاً، ويلتصق بالنسيج التي تكويها وتخثر الآحينات، وتقطع النزف ويكون الألم بها أشد[2].

وتختلف المكاوي في أشكال نهاياتها الكاوية وفي أحجامها بحسب مكان الكيّ والغاية منه، فمن رام الإطلاع على أشكال المياسم القديمة المستعملة إبّان حضارتنا، فهي مرسومة في باب الكي من كتاب( التصريف لمن عجز عن التأليف ) للزهراوي، ذلك الجراح العربي الإندلسي المشهور . وفي كتابه هذا فضل الكي بالنار على الكي بالأدوية المحرقة ( أي الكاوية ).

ولقد تطورت المكاوي في عصرنا، فاستنبطت المكواة الحرورية لـ باكلان [3] ولها نماذج مختلفة، ثم اخترعت المكواة الكهربائية [4]، وهذه أكثر تحكماً فيها وأسهل استعمالاً ولا سيما في الأماكن العميقة .

واستعمل الكي لمداواة بعض الآلام العصبية المختلفة في التهاب العصب الوركي والأعصاب الوربية فيستعمل لهذه الحالة الأخيرة الكي النقطي.

ولا يجوز استعمال الكي عند المصابين باستحالة العضلة القلبية وتصب الشرايين، لأن الكي يرفع الضغط الشرياني وكذلك لا يجوز استعماله عند الأشخاص المستعدين للغشي (الإغماء) .
هذا وإن الكي بالنار قد استعمل حتى يومنا هذا في باديتنا وريفنا، وإن قلّت حوادثه، إما صرفاً وإما متبوعاً بوضع شيء على الكيَّة لتأخير برئها بقصد استمرار سيلان اللنف منها، حتى يتخلص الجسم من أخلاطه السيئة ـ كما يظنون ـ وتتنبه في العضوية وسائل الدفاع كما يقصد ذلك من استعمال حمضه الكي .

ويجدر بنا في هذه المقدمة، أن نستعرض بعض المعلومات اللغوية عن الكي قبل الخوض في صلب الموضوع .

قال في القاموس المحيط : كواة يكويه كياً : أحرق جلده بحديدة ونحوها، وهي المكواة، والكية موضع الكي. والكاوياء ميسم . واكتوى استعمل الكي في بدنه، وتمدح بما ليس فيه . واستوى طلب الكي.

وقال : الوسم أثر الكي جمعه وسوم. وسمّه يسمِه وسماً وسمة فاتسم. والميسم بكسر الميم المكواة بما ليس فيه. واستكوى طلب الكي.

وقال : الوسم أثر الكي جمعه وسوم. وسمّه وسماً فاتسم . والميسم بكسر الميم المكواة جمعه مواسم ومياسم .

وفي المختار : يقال آخر الدواء الكي، ولا يقال آخر الداء الكي.

مغالات الأعراب في المداواة بالكي :

لقد أكثر العرب قبل الإسلام من استعمال الكي كواسطة علاجية، ولا سيما من قبل الأعراب سكان البادية، حيث تندر الأطباء والأدوية. ومن المتوقع عندما تفشل الأدوية المجربة أو يفقد الدواء الناجع، أن يسعى المريض هو أو ذووه للتخلص من مرضه، وأن يتقبلوا أي وسيلة، ولو كانت مشكوكة النتائج، ولو كانت مؤلمة كالكي بالنار، ويزيدهم تقبلاً للكي أنهم يرون ويسمعون عن بعض فوائده، ولو كانت بعض تلك الفوائد المشاهدة حادثة بطريقة المصادفة أو نتيجة الإيحاء الغيري أو الذاتي بالاعتقاد . ولهذا وردت الحكمة الشعبية العربية القائلة : (آخر الدواء الكي ) .

وبما أن الكي فيه ألم وشدة على مطبقيه، فقد جرت تلك الحكمة مجرى المثل عندما يبت في أمر ما، ويحسم بالشدة بعد أن جرب فيه الرفق واللين، فيقال لدى تطبيق الأمر الأشد : ( آخر الدواء الكي ّ)[5].

ولقد تخطيء العامة في تطبيق حكمة الكي حدود المعقولية، وغالوا في استعماله وتوسعوا فيه شعبياً، وأصبح الكي يجري بتوسع من قبل غير الأطباء والخبراء، ولمجرد رغبة المريض أو ذويه بذلك، أو وصف المتطيب الجاهل له، وأضحى الكي ينفذ وقاية من مرض أو لتوهم أنه يحسم العلة ويمنع تفاقمها، أو لاعتقاد أن الشفاء به يمنع النكس.

لقد توارث العامة، ولاسيما أهل البداوة، هذه المغالاة في استعمال الكي مع الأخطاء في الاستطباب والتطبيق عبر العهود والعصور الغابرة حتى يومنا هذا .

ولقد أشار إلى تلك المغالاة الجراح الزهراوي المتوفى سنة 500 هـ .

فقال في كتابه التصريف : ولايقع ببالكم يا بني ما توهمه العامة وجهالة الأطباء، أن الكي الذي يبرئ من مرض ما، لا يكون لذلك عودة أبداً وتجعلوه لزاماً، وليس الأمر كما ظنوا، وقال: وأما قول العامة أيضاً: إن الكي آخر الطب فهو قول صوبا، لا إلى ما يذهبون هم، لأنهم يعتقدون أن لا علاج ينفع بدواء ولا بغيره بعد وقوع الكي، والأمر بخلاف ذلك، وإنما معنى أن الكي آخر الطب، إنما هو أننا متى استعملنا ضروب العلاج فينجع [6]، فمن هنا هنا وقع أن الكي آخر الطب، لا إلى المعنى الذي ذهب إليه العامة وكثير من جهال الأطباء أ هـ .
وما زلنا معشر الأطباء، نرى في زماننا أناساً من القبائل البدوية وممن جاورهم من سكان الأرياف، قد أكتوى فلم يشف لوم يخفّ ألمه، بل ضم إليه ألماً جديداً، وشوه بالكي جمال أعضائه الخلقي. وإن منهم من أصيب بالكزاز، نتيجة تشغيله الكية بورقة قذرة قاصداً ما يبتغي من حمصة الكي .

موقف الرسول العربي من تلك المغالاة:

جاء الإسلام والمغالاة في استعمال الكي شائعة، يعرضون به أجسامهم لآلام النار وتشويهها فيما لا جدوى منه، وما جاء من رسول إلا وكانت له القيادتان الدينية والدنيوية، ومن مهام الدولة نشر مناهج الطب الوقائي، وتقنين ممارسة المهن الطبية، ومكافحة الشعوذة والدجل في الطب وفي غيره.

فأبى رسول الرحمة والإنسانية أن يعذبوا أنفسهم بأوهام لا تنفع، فنهاهم عن الكي وعن الأدوية الوهمية، ووضح لهم أن استعماله مشروط بموافقة للداء، أي بوجود استطباب له .

ورغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن تعيد أمته النظر في استعمال أدويتهم الشعبية، التي يمارسون تطبيقها دون استشارة طبيب، وأن يبعدوا عنها المغالات، وأن يقتصروا في تطبيقها على مجالات معينة حيث تفيد، فنبههم إلى أن الدواء، إنما يشفي بإذن الله تعالى، إذا وافق الداء، أي لابد من تشخيص ولابد من اختيار دواء ملائم يستعمل بمقدار وبطريقة موافقين، فقال عليه السلام : ” لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله عز وجل [7]

وأورد عليه السلام ذكر الأدوية الشعبية في زمانه، وهي الحجامة المدماة والكي والعسل، فاعترف بأنها لها فوائدها، ولكنه نبه إلى أن استعمالها طبياً، يجب أن يكون موافقاً للداء أي تابعاً لوجود استطباب، وكرر النهي عن الكي والرقى ـ وهي المعالجة الروحية بالقراءات ـ وذلك لشدة الشطط في استعمالها دون مبرر علمي .

1. روى البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن كان في شيء من أدويتكم، أو يكون في شيء من أدويتكم خير، ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لدغة بنار توافق الداء وما أحبّ أن أكتوي” قال الحافظ ابن حجر في شرحه (توافق الداء) : فيه إشارة إلى أن الكي إنما يشرع عندما يتعين طريقاً إلى إزالة الداء، وأنه لا ينبغي التجربة لذلك ولا استعماله إلا بعد التحقق أ هـ .

أقول : إن الضمير المستتر في كلمة توافق يجوز رجوعه إلى (لذعة بنار) أقرب مذكور ويجوز رجوعه إلى الثلاثة (شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار) .

وهذه الرواية للبخاري هي أدق تعبيراً من الروايات الأخرى التي رواها هو أو غيره في هذا الباب .

2. وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” الشفاء في ثلاثة : في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي “ قال ابن حجر : ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم الحصر في الثلاثة، فإن الشفاء قد يكون في غيرها أهـ .

أي لم يرد النبي عليه السلام الحصر الحقيقي، وإنما قصد حصراً نسبياً أو إضافياً يقصده المتكلم، ويستعمله في بيانه كأسلوب من أساليب البلاغة، لجذب الانتباه إلى ما يقصده ويتكلم عنه ويتعلق به غرضه من ذلك البيان[8].

3. وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : ” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي وكان يكره شرب الحميم “ [9] يعني الماء الحار.

4. وعن سعد الظفري (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكي، وقال : أكره شرب الحميم )[10].

5. وعن عمران بن حصين رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الكي )قال : فابتلينا فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا[11]. وفي رواية : (نهينا عن الكي ) .
قال الخطابي : قيل إنما نهي عمران خاصة عن الكي، لأنه كان به ناصور، وكان موضعه خطراً فنهاه عن كيه، فيشبه أن يكون النهي منصرفاً إلى الموضع المخوف منه والله أعلم [12] وبهذه المناسبة أذكر أن الزهراوي ذكر في كتابه (التصريف) معالجة بعض نواسير المقعدة بالكي مع احتمال عدم الاستفادة .

إن النهي عن الكي في الأحاديث السابقة، ليس على عمومه وإطلاقه، فقد وردت أحاديث نبوية سنراها تفيد استعمال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه للكي، فالنهي منصبّ على الاستعمال الشعبي المغالي في تطبيقاته، دون وجود استطباب، ولذا قال ابن حجر في فتح الباري: ويؤخذ من الجمع بين كراهته صلى الله عليه وسلم للكي وبين استعماله، أنهلا يترك مطلقاً ولا يستعمل مطلقاً، بل يستعمل هذا التفسير يحمل حديث المغيرة رفعه ” من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التواكل ” أهـ .

وفي التعقيب على عنوان عقدة البخاري بقوله : ( باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو) . قال ابن حجر : كأنه أراد أن الكي جائز للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لم يتعين [13] وأنه إذا جاز كان أعمّ من أن يباشر الشخص ذلك بنفسه أو بغيره لنفسه أو لغيره، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه في أول حديثي الباب، وفضل تركه من قوله عليه السلام : ” وما أحب أن أكتوي ” أ هـ .
وقال المازري [14] : وقوله عليه السلام : ” وأنا أنهى أمتي عن الكي “ وفي الحديث الآخر : ” وما أحب أن أكتوي ” إشارة إلى أن يؤخر العلاج به، حتى تدفع الضرورة إليه،ولا يوجد الشفاء إلا فيه، لما فيه من استعمال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي أ هـ .

هذا وإن الاكتواء من دون استطباب علمي يعد تعلقاً بالأوهام، والتعلق بالأوهام منافٍ للتوكل على الله تعالى، كما سنرى في الحديثين التاليين .

6. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من أكتوى أو أسترقى فقد برئ من التواكل “[15].

7. وروى الإمام مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : ” قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، قال : ومن هم يا رسول الله ؟ قال : هم الذي لا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون ” وفي رواية نحوه ، وزاد فيها: ” ولا يتطيّرون ” .

وفي رواية للبخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، في حديث طويل عن الذين يدخلون الجنة بغير حساب.. فقال : ” هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون ” .

ولدى مطالعتي هذا الحديث، خلال تجميعي لمعلومات عن مفهوم التوكل في الإسلام، قلت في نفسي إن رسولنا عليه السلام لم يقل : ( هم الذين لا يتداوون وعلى ربهم يتوكلون ) بل قال : ” هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون ) بل قال : ” هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون “، وقال في حديث آخر :” .. نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، أو قال دواء واحداً، قالوا : يا رسول الله وما هو ؟ قال : الهرم ” [16] .

وبما أن الأخذ بالأسباب اليقينية والعلمية لا يتنافى في الإسلام مع مفهوم التوكل، كما هو واضح لكل من له إلمام بتعاليم الإسلام، وبما أن الأعراب والعامة تجاوزوا في استعمالهم الكي والرقى حدود الطب والعلم، تمشياً مع الشائعات، كما يفعل الأعراب في معظم حوادث الكي، هو الذي تنافى مع التوكل. ثم وجدت أن الإمام الغزالي رحمة الله تعالى قد سبقني إلى هذا الذي تنافى مع التوكل (إحياء علوم الدين )، وذلك في بحثه القيم المستفيض عن التوكل، فقال تحت عنوان (الفن الرابع في السعي في إزالة الضرر كمداواة المرضى وأمثاله ) : أعلم أن الأسباب المزيلة للمرض، تنقسم إلى مقطوع به ومظنون وموهوم. والموهوم كالكي والرقية، أما المقطوع فليس من التوكل تركه، إذ به وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المتوكلين، وأقواها [17]الكي ويليه الرقية، والطيرة آخر درجاتها، والاعتماد عليها والاتكال إليها غاية التعمق في ملاحظة السبب. وأما الدرجة المتوسطة وهي المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطباء، ففعله ليس مناقضاً للتوكل بخلاف الموهوم، وتركه ليس محظوراً بخلاف المقطوع .

ويدل على أن التداوي غير مناقض للتوكل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله وأمره به .. أ هـ .

ثم أورد الإمام الغزالي شواهد حديثة على ذلك .

إن الكي الذي تكلم عنه الغزالي، هو الكي شاعت المغالاة فيه عند العامة، يستعملونه دون استطباب جازم أو وصف طبيب خبير، ولذا جعله مثالاً للأسباب الموهومة، التي يتنافى الأخذ بها مع التوكل. إن ذلك الكي المغالي فيه هو الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا الكي المنفذ بناء على وصفة طبيب واستطباب علمي كما أوضحت، وكما سيأتي بيانه من فعل الرسول وصحابته له لدى وجود استطباب.

قال ابن حجر في شرحه لحديث البخاري الوارد آنفاً في التوكل : والحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب، ابتاعاً لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفرة، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو أصحابه، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال للذي سأله : أعقل ناقتي أو أدعها ؟ قال : اعقلها وتوكل، فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل والله أعلم أ هـ .

التكميد مكان الكي :

لقد لاحظ محمد عليه السلام أن العرب يكثرون من استعمال الكي، ولا سيما في معالجة الآلام، ولا شك أنه يفيد في بعض أنواعها كما سنرى، وكما أشار إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ” إن كان في شيء شفاء ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار تصيب ألماً ولا أحب أن أكتوي[18].

فأشار إلى أن الكي بالنار الموافق والمصيب لنوع من الآلام هو دواء، ولكنه غير محبوب عنده.

وكما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي الذي يجري من دون استطباب صحيح، فإنه أشار إلى بديل عنه، والبديل واسطة علاجية فيزيائية مسكنة للألم تفيد في كثير من المجالات التي يستعمل فيها الكي عند قومه، ولكنه دون أن تضيف إلى المريض ألماً جديداً، كما يمكن استعمالها قبل الكي فلعلها تغني عنه.

تلك الواسطة هي التكميد العضو كما في مختار الصحاح تسخينه بخرق ونحوهاوكذا الكماد بالكسر.

وفي القاموس المحيط في الكمد .. والاسم الكماد ككتاب وهي أيضاً خرقة وسخة تسخن وتوضع على الموجوع يشتفي بها من الريح ووجع البطن كالكمادة، وتكميد العضو تسخينه بها.

1. فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مكان الكي التكميد .. “[19].

2. وعن عبد الله بن مسعود أن ناساً أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن صاحباً لنا اشتكى أفنكتوي؟ فسكت ساعة ثم قال : إن شئتم فاكووه، وإن شئتم فارضفوه “ [20] قال ابن الأثير في النهاية أي كمدوه بالرضف، والرضف الحجارة المحماة على النار واحدتها رضفة أ هـ .
أقول : ولا يزال الطب الشعبي حتى زماننا يعالج مغص البطن وبعض الآلام ولا سيما البرودة بالتكميد بخرقة مسخنة أو بحجرة أو فخارة مسخنة بعد لفها بخرقة، تحاشياً من حدوث حرق.

أما الطب في زماننا، فإنه يستعمل التكميد Fomentation لمكافحة الألم أو لغرض آخر، ويستعمل لذلك القماش المبلول بالماء الحار في حرارة محتملة، وقد يضاف إليه بعض الأدوية[21].

واقعات من المداواة بالكي في العهد النبوي :
لقد بينت أن الرسول عليه السلام اعترف بالكي كدواء عندما يوافق الداء، أي عندما يكون له استطباب علمي. ولقد سجلت كتب الأحاديث النبوية إضافة إلى ما أوردت اخباراً من معالجات بالكي جرت في العهد النبوي من قبل النبي صلى الله عليه وسلم ومن قبل صحابته الكرام. أما الاستطبابات الداعية إلى الكي في تلك الحوادث المروية فهي :

أ‌. قطع النزيف الدموي

ب‌. معالجة الألم الجنبي

ت‌. معالجة اللّقوة (أي شلل العصب الوجهي ) .

أ‌. الكي لقطع النزيف:

لقد استعمل الكي بالنار لقطع النزيف منذ القديم، واستعملت لذلك المكواة التي تكون بلون أحمر قاتم، ولا يزال يستعمل الكي لذلك الغرض في عصرنا الحديث، وإن تطورت الأدلة إلى استعمال المكواة الكهربائية .

ولقد ورد في السنة استعمال الكي لقطع النزيف في حادثتين: الأولى لقطع نزيف جرح حربي، والثانية لقطع الوريد المفصود.

أما الحادثة الأولى، فقد كانت في غزوة الخندق( أي الأحزاب عندما تراشق المؤمنون والكافرون بالنبال عبر الخندق، فأصاب سهم من سهام العدو سعد بن معاذ فقطع أكحله (أي عرقاً ف وسط ساعده ) فنزف، فأسعفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكوى مكان النزيف بنصل سهم محمى على النار بغية إيقاف النزيف، ثم أخلاه من أرض المعركة، إلى مستشفى عسكري أقيم لجرحى الحرب في خيمة ضربها عليه السلام في المدينة المنورة في مسجده الشريف، وجعل فيه الممرضتين الصحابيتين رفيدة الأنصارية أو الأسلمية (نسبة إلى قبيلتها أسلم) وكعيبة الأسلمية رضي الله عنهما.

روى الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : (رمى سعد بن معاذ في أكحله، فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بيده بمشقص [22]، ثم ورمت فحسمه الثانية ) .

وروى عن عائشة رضي الله عنها قالت : ” أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد خيمة يعوده من قريب”.

قال الخطابي : إنما كوى صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ ليرقأ الدم عن جرحه، وخاف عليه أن ينزف فيهلك، والكي يستعمل في هذا الباب، كما يكوى من تقطع يده أو رجله[23].

أما الحادثة الثانية فقد رواها الإمام مسلم أيضاً عن جابر، قال : (بعث رسول الله إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع منه عرقاً ثم كواه عليه ) . والكي في موضع الفصادة إنما هو لإيقاف النزيف بعد سيلان مقدار كاف من الدم .

ب‌. معالجة الألم الجنبي بالكي :

ينشأ الوجع المستقر في الصدر عن آفة في غشاء الجنب، أو في الرئة وقد ينشأ عن علة في الجلد أو العضلات والأعصاب الوربية، أو عظام القوصرة الصدرية.

وعلى ذلك فقد ينشأ ألم الجنب عن علة رثوية في العضلات، فيدعى (الوجع الجنبي Pleurodynie) أو عن ألم عصبي وربي Nevralgie Intercostale أو عن التهاب عظم.

ويغلب أن يكون الوجع الناخس Point de cost دليل علة في غشاء الجنب أو الرئة [24] وبحسب اختلاف السبب يختلف شكل الوجع الناخس.

يبدو الألم العصبي الوربي في غصن واحد أو عدة غصون قدامية من الأزواج الصدرية، وهو إما محيطي وإما جذري، ولكل منهما أسباب عديدة، ومن أسباب المحيطي آفات الجنب[25].

إن ذات الجنب في لغة العرب، كانت تطلق على كل ألم في الجنب، أي على كل علة صاحبت ألماً في الجنب، فإن معنى ذات الجنب صاحبة الجنب، أما بعد ترجمة الطب اليوناني، فإن أطباء العرب أضحوا يطلقونها على المراد عند اليونان، أي على التهاب غشاء الجنب Pleuresie وقد يسمون غيرها بذات الجنب غير الحقيقة[26].

صورة من كتاب شريف الدين سابونكو أوغلو (1385-1468م) وهو جراح عثماني أعيد طبعها عبر الجمعية التاريخية التركية.

وهاكم حادثة عن ذات الجنب في العهد النبوي، وعولجت بالكي :

روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ” .. كويت من ذات الجنب ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي، وشهدني أبو طلحة وأنس بن النضر وزيد ابن ثابت، وأبو طلحة كواني “[27].

وبما أن ذات الجنب في لغة العرب تشمل أنواعاً مختلفة من أمراض تسبب ألماً جنبياً، فعلينا أن نفكر بالأنواع التي تستفيد من الكي. ولدينا الاحتمالات التاليان:

الأول أن تكون الإصابة رثية عضلية في عضلات الصدر ناتجة عن البرد، الثاني أن تكون الإصابة ألماً عصبياً وربياً، ولهذا أسباب مختلفة. ولم ينقل لنا التاريخ ما يمكننا من تمييز المؤدي إلى ألم الجنب عند ذلك الصحابي .

أ‌. إذا كانت إصابة أنس رضي الله عنه جنبياً، أي رثية عضلية فإن التكميد والمحمرات والمراهم والطلاءات المسكنة كثيراً ما تغني عن الكي.

ولقد روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مكان الكي التكميد” ليبدأ به الطبيب والمريض قبل استعمال الكي فلعله يغني، وإضافة إلى ذلك قد أوصى عليه الصلاة والسلام في مناسبة أخرى، أن يطلى مكان الألم الجنبي بالقسط و الزيت .
روى الترمذي عن ميمون أبي عبد الله قال : سمعت زيد بن أرقم قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتداوى من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت [28] .

قال ابن طرخان: القسط البحري، وهو العود الهندي على ما جاء مفسراً في أحاديث أخرى، هو صنف من القسط إذا دق ناعماً وخلط بالزيت المسخن ودلك من مكان الريح المذكور أو لعق، كان موافقاً لذلك نافعاً أ هـ[29].

قال المرحوم الشيخ محمد أنور شاه الكشميري في كتابه (فيض الباري بشرح البخاري) :

القسط الهندي يحصل من كشمير والمراد (كست) والعود الهندي (أكر) وليس بمراد هنا، فلينتبه فإنه مضر.
لقد أختلف وتبدل المراد من القسط باختلاف الأقطار والحضارات عبر العصور[30] حتى أنه ليعسر علينا اليوم تحديد النوع المشار إليه في الحديث النبوي. ولكن يبقى الفهم بأن الطلاءات المسكنة، يمكن استعمالها في الوجع الجنبي البردي، وفي زماننا مراهم وبلاسم كثيرة لهذا الغرض.

ب‌. وإن كان الألم الجنبي عند ذلك الصحابي ألماً عصبياً وربياً فإن الطب الحديث ظل حتى أواسط القرن العشرين، يلجأ إلي الكي ولا سيما النقطي [31] في تسكين هذا الألم إذا لم تفند فيه الأدوية الأخرى.

ت‌. تكلم الأستاذ الدكتور حسني سبح في كتابه( موجز الأمراض العصبية) عن الألم العصبي الوربي، وقال في معالجته : يكافح السبب أولاً، ويعالج الألم العصبي معالجة بقية الآلام العصبية، وقد ينجع فيه الكي أو حقن الغول بحذاء الغصون الثاقبة.

ولقد أشار إلى استطباب الكي النقطي في معالجة الألم العصبي الوربي، كل من الأساتذة الدكتور عزة مريدن في كتابه (علم الأدوية) في بحث (الكاوي الحروري)، والدكتور نظمي القباني في كتابه (الجراحة الصغرى)في بحث (الكي بالنار) والدكتور مرشد الخاطر في كتابه (فن التمريض ) في بحث (الكي) .

ولكهم أساتذة في كلية الطب بجامعة دمشق درّسوا كتبهم تلك حتى ما بعد منتصف القرن العشرين .

ولا شك أن تقدم الطب الحديث ووسائل التشخيص التفريقي وعلم الأدوية وفن المداواة، ألغى كثيراً من استعمالات الكي في مداواة الألم .

ث‌. معالجة اللقوة بالكي :

اللقوة هي شلل العصب الوجهي Paralysie Faciale والبرد هو السبب الغالبة في إحداثها، فتنسب إليه حينئذ، وتعرف باللقوة الرثوية أو البردية.

وكان يعلل تأثير البرد بالتهاب العصب أو احتقانه وتورمه وانضغاطه في القناة العظيمة التي يخترقها، أعني قناة فاللوب حتى خروجه منها من الثقبة الإبرية الخشائية. وفي السنين الأخيرة علل حدوث اللقوة البردية، بتشنج الأوعية الدموية المغذية للعصب، ولذا أضحت الأدوية الموسعة للأوعية .

وأعتقد أن اللقوة التي استفادت من الكي في العصور الغابرة هي اللقوة الشائعة بالكي أي اللقوة البردية . وهاكم حادثتان وقعتا في عهد الرسول العربي وعولجتا بالكي، ونقلهما لنا التاريخ باختصار.

أخرج الإمام مالك في موطئه عن نافع مولى ابن عمر رحمه الله : ” أن ابن عمر أكتوى من اللقوة ورقي من العقرب”[32].

وعن أبي الزبير المكي قال : رأيت عبد الله بن عمر بن الخطاب وقد أكتوى في وجهه من اللقوة[33].

وروى ابن سعد في طبقاته باستناد صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن أبا طلحة أكتوى وكوى أنساً من اللقوة[34].

وبما أن الزميل الدكتور سلمان قطاية المتخصص بأمراض الأذن والأنف والحنجرة، له اهتمام خاص باللقوة وبالعمل الجراحي المناسب إذا اقتضى الأمر، وله اهتمام بتاريخ الطب العربي، فقد أخبرته عن الحادثة الأولى وسألته :

هل رأيت في مطالعاتك في الطب العربي ما يشير إلى مداواة اللقوة بالكي فأجاب: نعم في القانون لابن سينا، ولى تعليق على ذلك في مقالة نشرته، ثم أطلعني عليه . ثم نشر الزميل ذلك المقالة بعنوان: ” أمراض الأذن والأنف والحجنرة عند ابن سينا”[35].

فعلل الزميل أولاً فائدة محمرات الجلد التي وصفها ابن سينا في معالجة اللقوة، بأن سبب اللقوة هو تشنج الأوعية المروية للعصب فيسبب ذلك التشنج فقر دم موضعي ووذمة ، والعلاج هو الأدوية الموسعة للأوعية والأدوية المحمرة في اجتهادي ليست سوى ضرب من ضروب الأدوية الموسعة للأوعية أ هـ .

ثم علل الزميل فائدة الكي في معالجة اللقوة، كم وصفها ابن سينا، فقال : هذا ويشير (أي ابن سينا) إلى ضرورة ” كي العرق الذي خلف الأذن ” تلك المنطقة التي يخرج منها العصب الوجهي من الثقب الإبري الخشائي، وربما كان للكي تأثير موسع للأدوعية عن طريق المنعكسات. ومن يستغرب ذلك بعد أن برهن العلماء الصينيون عن فائدة الوخز بالإبر المسخنة أ هـ .
أوافق الدكتور قطاية على تعليله هذا، وأضيف تعليلاً آخر وهو إمكانية انطلاق مواد تتولد في الأنسجة المحترقة وما جاورها نتيجة للكي، لها فعل موسع وعائي أيضاً .

ويحتاج إثبات ذلك أو نفيه إلى دراسات عليا، وتجارب من قبل المتخصصين في مراكز الأبحاث العلمية .

ثم إني استعرت الزميل الكريم كتاب ( التصريف لمن عجز عن التأليف) فوجدت أن الزهراوي يشير في اللقوة بإجراء الكي في ثلاث نقاط، توافق غصون شعب العصب الوجهي المعصبة لعضلات القحف والعضلة المدارية الجفنية ولعضلات الشفتين . وإليكم نص عبارته :

قال رحمه الله تعالى : اللقوة التي تعالج بالكي إنما تكون من النوع الذي يحدث من البلغم [36] على ما ذكرت في تقاسيم الأمراض، ويجتنب كي النوع الذي يحدث من جفوف وتشنج العصب. متى عالجت هذا النوع من اللقوة بالارياجات والسعوطات والغراغر فلم ينجع علاجك، فينبغي أن تكوي العليل ثلاث كيات : واحدة عند أصل الأذن، والثانية أسفل قليلاً من صدغه، والثالثة عند مجتمع الشفتين. واجعل كيّك من ضد الجهة المريضة،لأن الاسترخاء إنما يحدث في الجهة التي تظهر صحيحة. وصورة الكي أن تكويه كية بإزاء طرف الأذن الأعلى تحت قرن الرأس قليلاً، وأخرى في الصدغ ويكون طولها على قدر الإبهام، تنزل بالكي يدك حتى تحرق قدر نصف ثخن الجلد، وهذه صورة المكواة وهي نوع من السكينة التي تقدمت صورتها إلا أنها ألطف قليلاً كما ترى .

ورسم جراحنا العربي المكواة ثم قال : وينبغي أن يكون السكين فيه فضل غلظ قليلاً، ثم تعالج الموضع بما تقدم ذكره حتى يبرأ إن شاء الله تعالى أ هـ .

ولقد ذكر سابقاً في بحث كي الشقيقة أن تشرّب قطنة من ماء الملح وتوضع على الكية وتترك ثلاثة أيام، ثم تحمل القطنة بالسمن ثم تعالج بالمراهم إلى أين بيرأ .

وأخيراً في أواخر عام 1976 فوجئت برسالة أتتني من الجمهورية العربية اليمنية من مستشفى الشهيد العلفي في الحديدة من اليمن الشمالية. كتبها أحد زبائني المصاب من سنين عديدة بربو قصبي، فقصّ لي أنه دخل هذا المستشفى بنوبة ربوية، فأجريت له عملية زرع الغدة تحت المخ (يعني الغدة النخامية ) لأرنب ذبح حديثاً، وذلك تحت الجلد بين الثديين بتخدير موضعي وعلى سريره فتحسن، ثم قال : لفت انتباهي معالجة الشلل من المواطنين في الحديدة من هذا الجهاز، وحبذ في رسالته استعمال هذا الجهاز الصيني في قطرنا وبلدتنا .

مما سبق يتبين لنا أن معالجة الجروح النازفة والألم الجنبي واللقوة البردية بالكي، لها وقائع في عهد الرسول العربي، أي قبل ترجمة الطب اليوناني والفارسي والهندي وقبل إشارة ابن سينا والزهراوي وغيرهما إلى تلك المعالجة.

وهذا يدل على أن للعرب طباً في جاهليتهم وبعد الإسلام قبل عصر الترجمة، وأن انشغال المسلمين السابقين بالجهاد واهتمامهم برواية تعاليم الدين الجديد، زهَّدتهم في نقل الكثير من أخبار الطب، ولعلي بإذن الله أستطيع أن أجمع باقات من تلك الأخبار أقدمها في مناسبات أخرى ف سلسلة أبحاثي عن الطب النبوي والطب في عهد الرسول العربي .

القديم النافع يطور ولا يهمل بالكلية:

كثر وشاع استعمال الكي في العصور القديمة والمتوسطة، لضعف وسائل التشخيص التفريقي وقلة الأدوية النوعية، ولا يعني وصفه بالقديم، أن ذكراه أمر تاريخي بحت. فلقد أوضحت في واقعات جرت في العهد النبوي تمت فيها المعالجة بالكي، وبقي استطباب الكي في بعضها حتى اليوم، وإن تطورت الآلة الكاوية من حديد محمى بالنار إلى مكواة حرورية، ثم إلى مكواة كهربائية يسهل استعمالها، ويمكن استخدامها في كي الأماكن العميقة أو الدقيقة من الجسم .

وأحب أن أذكر أمثلة أخرى من أستطباب الكي القديمة الباقية حتى عصرنا هذا، ولكن الآلة الكاوية تطورت وأصبحت الفن في استعمالها أرقى .

1. لقد استعمل الكي قديماً في مداواة الجروح السامة المختلفة الناجمة عن عض الكلاب الكلبة والأفاعي السامة، بقصد تخريب مكان الإصابة بالنار فيتلف فيه العامل الممرض أو السام لسم الأفعى ، ولم يكتشف فيه اللقاح الباستوري المضاد للكلب، ولم يجهز فيه مراكز لمعاجلة الكلب ومكافحته. ولا يزال الكي وسيلة إسعاف أولية في ذلك، ولا سيما عندما يكون المصاب في مكان ناءٍ عن المراكز الصحية .

2. واستعمل الكي لتخريب الأنسجة المريضة واستئصال بعض الأورام، كالأورام الباسورية والثآليل والتنبيتات والأورام الحليمية [37] وغيرها . حتى إن الزهراوي ذكر معالجة الثآليل بكيها بمكواة تشبه الميل تدخل في نفس التؤلول مرة أو مرتين . أما في عصرنا الحديث فقد حل الكاوي الحروري محل الكي بالميل الحديدين ثم حل الكاوي الكهربائي الدقيق محل السابقين في معالجة الثآليل[38].

3. ولقد أشرت إلى أن العلماء الصينين طوروا طريقتهم في المعالجة بالوخز بالإبر السخنة بواسطة حشائش تربط في عقبها ثم تحرق، واليت يعود تاريخ استعمالها إلى آلاف من السنين خلت، طوروها إلى جهاز كهربائي يستعمل فيه التيار لستخين الإبر الذهبية وهزها بلطف.

يلتزم الأطباء الصينيون التقليديون منهم بالنقاط المحددة في الكتابات القديمة، بينما يحاول الأطباء الشباب وبينهم عدد كبير من درسوا في الجامعات الغربية ـ تطبيق وتجربة هذه الوسيلة في نقاط جديدة ، وقد استعاضوا منذ عدة سنوات عن تحريك الإبر باليد بوصلها بتيار كهربي، وقد لا حظوا أن ا لنتائج أصبحت أفضل مما كانت عليه[39].

فيجدر بكل أمة أن تستفيد من تراثها العلمي، فتعيد النظر فيه وفي الطرق الشعبية المبنية عليه، ثم تطور النافع منه لصالح الإنسانية وصالح نموها وإثبات شخصيتها ودعم اقتصادها. فكم من جواهر ثمينة في تراثنا أهملناها ونحن في جو من عواطف الشغف بكل جديد،وكم أضرت أدوية جديدة تحمسّ العالم، ثم تبين له بعد سنين أن لها آثاراً مسرطنة أومشوهة للجنين أو ضارة بأحد أعضاء أو أجهزة الجسم، فالعلم لا يفرق بين قديم وجديد وله وزيران هما التجارب والاستنتاج الفكري للعالم الخبير النزيه.

مصدر المقال هو بحث قدمه الدكتور محمود ناظم النسيمي في المؤتمر السنوي الثاني للجمعية السورية لتاريخ العلوم المنعقد بجامعة حلب 6 ـ 7 نيسان 1977.

مصادر البحث :

1. صحيح الإمام البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (194 ـ 256هـ ) .

2. صحيح الإمام مسلم لأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري (206 ـ 261) هـ .

3. سنن الترمذي لأبي عيسى محمد الترمذي (209 ـ 279) هـ

4. جامع الأصول في أحاديث الرسول لأبي السعادات المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري (544 ـ 606) هـ .

5. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لنور الدين الهيثمي (735ـ 807) هـ

6. فتح الباري بشرح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني (773ـ 853)هـ

7. الأحكام النبوية في الصناعة الطبية لأبي الحسين علي الكحال (650ـ 720) هـ

8. التصريف لمن عجز عن التأليف للجراح العربي الأندلسي أبي القاسم خلف بن عباس الزهراوي المتوفى سنة 500 هـ 1013 م .

9. مباحث في الجراحة الصغرى للأستاذ الدكتور نظمي القباني .

10. علم الأدوية للأستاذ الدكتور عزة مريدن

11. موجز الأمراض العصبية للأستاذ الدكتور حسني سبح

12. فن التمريض للأستاذ الدكتور مرشد خاطر

13. المجلة الطبية العربية التي تصدرها نقابة الأطباء في الجمهورية العربية السورية .

[1] علم الأدوية للأستاذ عزة مريدن .

[2] مباحث في الجراحة الصغرى (لسنة 1950ـ 1951) للأستاذ نظمي القباني .

[3] والقاعد التي تستند إليها هذه المكواة هي أن البلاتين متى أحمر بعد تسخينه يبقى متألقاً إذا لامس مزيج من الهواء وأبخرة بعض الأجسام الملتهبة كالبنزين .

[4] وتتركب هذه المكواة من خليط من البلاتين معقوف كالعروة يسخن لدرجة الاحمرار بإمرار تيار كهربائي منه.

[5] قال ابن حجر في الفتح : كانت العرب تقول في أمثالها : ( آخر الدواء الكي )، وينسب أهل الأخبار المثل المذكور إلى لقمان بن عاد وفي نسبتهم هذه دلالة على قدم هذه المعالجة عند العرب.

[6] أقول : ولعل : العبارة في الأصل (فقد ينجع ) لا الجزم بالفائدة .

[7] رواه الإمام أحمد والإمام مسلم عن جابر رضي الله عنه .

[8] . إن تقسيم الحصر إلى حقيقي وإضافي (أو نسبي ) بحث أصولي ولقد أشار إليه الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني المتوفى سنة 1369 هـ في كتابه مناهل العرفان في علوم القرآن عند شرحه لقول أنس رضي الله عنه : ( لم يجمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم سوى أربعة ..) .

[9] وتمام الحديث ” وكان إذا اكتحل اكتحل وتراً، وإذا استجمر استجمر وتراً ” رواه الإمام أحمد والطبراني ورجاله الصحيح خلال ابن لهيعة وحديث حسن كما في مجمع الزوائد للهثمي ـ كتاب الطب ـ باب ما جاء في الكي .

[10] رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح كما في مجمع الزوائد.

[11] رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح . كما أخرجه أبو داود وابن ماجه وفي رواية للترمذي (نهينا عن الكي ) وقال : هذا حديث صحيح .

[12] كما في الأحكام النبوية في الصناعة الطبية . والخطابي : محدث فقيه لغوي توفي سنة 388هـ أهم كتبه شرح سنن أبي داود

[13] أي لدى عدم وجود دواء آخر ينوب مقامه .

[14] كما في الأحكام النبوية في الصناعة الطبية في شرحه الحديث الثالث عشر من الجزء الأول. المازري : إمام في الحديث والأصول والفقه المالكي من كتبه شرح على صحيح مسلم (453ـ 539).

[15] رواه الترمذي عن عفان بن المغيرة بن شعبة عن أبيه المغيرة . وقال هذا الحديث حسن صحيح وأخرجه ابن ماجة أيضاً في الطب ـ باب الكي .

[16] رواه الترمذي عن أسامة بن شريك وقال : هذا حديث حسن صحيح . كما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة .

[17] أي أقوى الأسباب الموهومة

[18] رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير والأوسط عن معاوية بن خديج رضي الله عنه مرفوعاً في مجمع الزوائد . وقال الهيثمي ورجاله أحمد رجال الصحيح خلا سويد بن قيس وهو ثقة .

[19] وتتمة الحديث ” .. ومكان العلاقة السعوط، ومكان النفخ اللدود ” قال الهيثمي في مجمع الزوائد : رواه أحمد ورجال الصحيح إلا أن إبراهيم لم يسمع من عائشة أ هـ . قال الأستاذ محمد عوامة أستاذ مصطلح الحديث في مدرسة التعليم الشرعي بحلب : إبراهيم هو النخعي وعدم سماعه من عائشة لا يضر، فإن مراسيله صحيحة عند أهل الحديث.

[20] قال الهيثمي : رواه الطبراني ورجال ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه أ هـ . قال الأستاذ عوامة : لقد اختلفت في سماع أبي عبيدة من أبيه عبد الله بن مسعود ولكن البخاري نقل في (كتابه الكنى ) ما يفيد سماعه من أبيه .

[21] انظر (فن التمريض) للأستاذ الدكتور مرشد الخاطر.

[22] المشقص بكسر الميم : سهم له نصل طويلة، وقيل عريض، وقيل هو النصل نفسه . الأكحل : عرق في وسط الساعد يكثر فصده.

[23] كما في الأحكام النبوية في الصناعة الطبية .

[24] انظر كتاب موجز مبحث الأعراض والتشخيص للأستاذ الدكتور حسني سبح .

[25] انظر موجز الأمراض العصبية للأستاذ الدكتور حسني سبح .

[26] انظر الأحكام النبوية

[27] أخرجه البخاري معلقاً في الطب ـ باب ذات الجنب . أبو طلحة هو زيد بن سهل زوج أم سليم والدة أنس بن مالك .و أنس بن النضر هو عم أنس بن مالك .

[28] وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث ميمون عن زيد بن أرقم. وقد روى عن ميمون غير واحد من أهل العلم هذا الحديث أ هـ . كما أخرج ابن ماجة في الطب ـ باب دواء ذات الجنب . وقال الأستاذ عبد القادر الأرناؤوط في تعليقه على جامع الأصول : وفي

[29] الأحكام النبوية .

[30] كما يفهم من الكلام الطويل الذي تلكم به الدكتور أحمد بن حسن بن علي الرشيد عن القسط في كتابه عمدة المحتاج في علمي الأدوية والعلاج . والدكتور الرشيدي كما في الأعلام طبيب مصري كان من طلاب الأزهر . أرسلته الحكومة إلى باريس .. أنصرف إلى التطبيب والتصنيف .. توفي 1282 هـ 1865م .

[31] الكي النقطي أو المنقط : هو أن يكوى الجلد بالمكواة الحرورية كياً سطحياً نقطة فنقطة، على أن تترك بينها أقسام سليمة، ثم يذر على الناحية مسحوق النشا أو الطلق . وفي الألم العصبي الوربي تكون النقط واقعة على مسير العصب المتألم، ولا سيما عند تفرعه وخروجه إلى السطح أي قرب الفقار وفي الورب نفسه وقرب القص أهـ . عن كتاب فن التمريض . وتقع النقطة الجانبية الموافقة للغصن الثاقب الجانبي في منتصف الورب بقرب الخط الإبطي .

[32] الموطأ 2/944 في العين ـ باب تعالج المريض وإسناده صيحح كما في تعليق الأستاذ عبد القادر الأرناؤوط على جامع الأصول .

[33] الأحكام النبوية : وأبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدروس المكي اشتهر بالرواية عن جابر بن عبد الله الصحابي المشهور ، فهو تابعي توفي سنة 126هـ .

[34] الطبقات الكبرى لابن سعد في ترجمة أبي طلحة ” زوج أم أنس رضي الله عنه ” .

[35] في المجلة الطبية العربية التي تصدرها نقابة الأطباء في الجمهورية العربية السورية العدد /51/ حزيران 1976م .

[36] يقابل هذا النوع اللقوة البردية في الطب الحديث.

[37] هي الأورام السليمة التي تنشأ من الطبقة الملبيغية .

[38] أشار إلى معالجة الثآليل بالميسم الكهربائي كتاب أمراض الجلد للأستاذ الدكتور حنين سياج وكتاب الأمراض الجراحية للأستاذ الدكتور منير شورى والأستاذ الدكتور مرشد خاطر.

[39] المجلة الطبية العربية العدد السادس والأربعون كانون الأول 1973 ـ البحث العلمي ووخز الإبر.

الرياضات المسنونة وأثراها في صحة الفرد والمجتمع

الرياضة في الإسلام تهدف إلى القوة

إن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والقيام بمهمة الخلافة في الأرض تحتاج إلى جهد وطاقات جسدية، حتى يتم أداؤها على الوجه الأكمل(1) .

لذا حضت التربية النبوية الكريمة على بناء الفرد المسلم على أساس من القوة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ” رواه مسلم .

ومن أجل بناء الأمة القوية، امتدح الله جل جلاه، الملك صاحب الجسد القوي، القادر على تحمل الشدائد، وجعل موهبته من العلم والقوة سبباً لترشيحه للملك قال تعالى: (َ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ).

كما وصف الله سبحانه وتعالى كرام أنبيائه بقوله عنهم : ( أولو العزم من الرسل) . ولما رأت ابنة شعيب مظاهر القوة عند سيدنا موسى عليه السلام قالت لأبيها، كما جاء في سياق القصة في القرآن الكريم : (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين) .

وهكذا نرى كيف ربط الإسلام (3) قوة الإيمان بالاهتمام بقوة الأبدان، والغاية من القوة (4) أن تكون الأمة المحمدية مرهوبة الجانب، منيعة محمية عزيزة كريمة. وهذا أمرٌ من الله سبحانه وتعالى لقادة الأمة الإسلامية في قوله تعالى : (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ).والرياضة في الإسلام موجهة نحو غاية، تهدف إلى القوة، وهي في نظر الشارع وسيلة لتحقيق الصحة والقوة البدنية لأفراد الأمة، وهي مرغوبة بحق عندما تؤدي إلى هذه النتائج على أن تستر فيها العورات وتحترم فيها أوقات الصلاة.

وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا إلى ممارسة رياضة معينة كالرمي والسباحة وركوب الخيل، تهدف جميعاً إلى تحقيق الهدف الذي أشرنا إليه.

وقد تبنى الإسلام حتى في صلب عباداته(2) ما يشجع على تحقيق أفضل مزاولة للتربية البدنية :

فنحن إذا تمعنا في حركات الصلاة (2) نجد أنها تضمنت تحريك عضلات الجسم ومفاصله، وهي حركات تعتبر من أنسب الرياضات للصغار والكبار، للنساء والرجال، لدرجة أنه لا يستطيع أي خبير من خبراء التدريب الرياضي أن يضع لنا تمريناً واحداً يناسب جميع الأفراد والأجناس والأعمار ويحرك كل أعضاء الجسم في فترة قصيرة، كما تفعل الصلاة (5) وأكدت الدراسات الطبية(4) أن حركات الصلاة من أنفع ما يفيد الذين أجريت لهم عمليات انضغاط الفقرات (الديسك)وتجعلهم يعودون سريعاً إلى أعمالهم .

ونرى في أعمال الحج أيضاً (6) رياضية بدنية عظيمة خلاف ما تحمله من رياضة روحية فأعمال الحج تتوافق مع ما يحتويه نظام الكشافة بحذافيره، ففي رحلة الحج مشي وهرولة وطواف وسعي، وسكنى خيام وتحلل من اللباس الضاغط إلى لباس الإحرام، مما يجعل الحج رحلة رياضية بحق، فهي وإن كانت في أسِّ تشريعها رحلة تسمو بالحاج إلى الأفق الأعلى، فهي في برنامجها رحلة تدريب بدنية تقوي الجسم وتعزز الصحة.

ونحن نجد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وفي تربيته لأصحابه،بل في صميم التشريع الإسلامي سبق واضح على التربية البدنية الحديثة (3)، والتي أصبحت تمارس اليوم في جميع الدول الراقية كجزء من حياة البشر، كما دخلت فروع الطب، وغدت تمارس وقاية وعلاجاً تحت اسم ” الطب الرياضي ” .

والطب الرياضي (2) أحد التخصصات الحديثة جداً وهو يبحث في الخصائص الغريزية لكل لاعب، وأثر التدريبات البدنية على أجهزته المختلفة للتقدم في فن التدريب واختيار أفضل أنواع الرياضات التي تناسب إمكانيات الفرد الجسمية، وفي أساليب الطب الطبيعي لعلاج الأمراض.

ورغم أن الطب الرياضي لم يكن معروفاً قبل الإسلام، فإن اختصاصي العلاج الطبيعي، مختار سالم (2)، يعتبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع اللبنة الأولى لبناء ” النسلان ” وهو الجري الخفيف، فتحسنت صحتهم وكفاءتهم الحركية واستطاعوا المشي لمسافات طويلة دون تعب.

ويرى مختار سالم (2) أن الطبيب المسلم علي بن العباس الذي ظهر مؤلفه ” الصناعة الطبية ” في أواخر القرن الرابع الهجري، هو أول مؤلف في الطب الرياضي، فقد أوضح في كتابه أن للرياضة البدنية أهمية كبرى في حفظ الصحة، وأن أعظمها منفعة قبل الطعام لأنها تقوي أعضاء الجسم وتحلل الفضول التي تبقى في الأعضاء .

وكما كانت الرياضة أقوى، كان الهضم أجود وأسرع. كما يوصي بعد ممارسة الرياضة بعد الطعام مباشرة، أي عندما يكون الطعام في المعدة لئلا ينحدر إلى الأمعاء قبل أن يهضم ” .

كما أكد علماء الطب الرياضي اليوم أهمية عنصر القوة التي دعا إليها نبي الرحمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والتي يعتبرونها من أهم العناصر الأساسية في اللياقة البدنية الشاملة والتخصصية من أجل إحراز المزيد من التقدم ومن الانتصارات الرياضية المختلفة. وسنفصل في بحثنا هذا، كل ما ورد في الهدي النبوي من رياضات مسنونة مع أهميتها الصحية وفوائدها للبدن .

رياضة المشي

وصف الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كان قوي الاحتمال والجلد، يسير مندفعاً إلى الأمام، سريع الخطو في مشيته (2) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : “ ما رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكأنما تطوى له الأرض، وكنا إذا مشينا نجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث .. وفي رواية … وإنا لنجهد أنفسنا ولا يبدو عليه الجهد [1].. ” ومن حديث طويل يصف فيه النبي صلى الله عليه وسلم يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ” كان إذا تمشى تقلع كأنما يمشي في صبب “[2] والتقلع : الارتفاع عن الأرض.

ويروى عن عائشة رضي الله عنها أنها رأت جماعة من الناس يسيرون الهوينى في تراخ وفتور فحسبت أن بهم مرضاً، فسالت عنهم فقيل لها : يا أم المؤمنين، ما بهم من مرض ولكنهم نساك زهاد، فقالت : ” والله ما أنتم بأكثر نسكاً ولا زهداً من عمر وكان إذا مشى أسرع وإذا تكلم أسمع وإذا ضرب أوجع” .

لقد كان المشي وسيلة التنقل المعهودة لنبي البشر (3) ولكن لما كثرت وسائط النقل وأصبح الناس لا يمارسون ” المشي” إلا لحاجاتهم الضرورية، كثرت الأمراض الناشئة عن قلة الحركة، وأصبحت رياضة المشي اليوم من أهم وأنفع الرياضات للوقاية والعلاج.

ويصف د. أحمد شوكت الشطي (7) رياضة المشي بأنها انتقال الجسم بخطوات متتابعة مع بقاء أحد القدمين ملتصقة بالأرض. وتنفع الأشخاص الذين تضطرهم أعمالهم إلى أعمال الفكر جالسين، دون أعمال الجسم والحركة. ورياضة المشي تعيد إليهم قواهم وشهيتهم للطعام. والمشي يحرك ثلثي عضلات البطن بلطف واعتدال ويزيد تثبيت مولد الحموضة فيها. فبالصعود تتحرك عضلات البطن، وتنشط بالنزول العضلات الموسعة للصدر ويحسن أن تتحرك الأذرع أثناء السير بحركة تعاكس حركة الأرجل وإن تعاكس الاتجاه بين الأطراف يعدل تبدل مراكز ثقل الجسم .

وينقص بالمشي وزن الجسم بسبب تنشط المفرزات والمفرغات وتبخر الماء من سطوح الرئتين. وعلى الماشي في فترة استراحته أن يتحاشى الأماكن الرطبة والمعرضة لجريان الهواء وأن يقوم ببعض الحركات قبل أن يجلس. ويزيد السير في الجبال والمنحدرات نشاط الجاهزين الدوراني والتنفسي أكثر مما يزيده المشي في السهول، كما أن الترويض بالمشي في الهواء المطلق يجعل الوجه مشرقاً ويعدل القامة ويحسن المظهر .

ويرى خبير العلاج الطبي مختار سالم أن رياضة المشي تهيء الإنسان لتدرج عنف الجهد الذي يبذله في الرياضات لكبار السن والتي تزيد القدرة على استهلاك الأوكسجين، والذي يقل مع تقد السن، ويزيد المشي من درجة الكفاءة البدنية ويقلل نسبة كولسترول الدم، والإصابة بأمراض الدم والكلية.

وتزداد مع سرعة المشي ضربات القلب فتقويها، وتنظم نشاط الدوران الدموية وترفع نسبة الخضاب وعدد الكريات الحمراء في الدم. وفي إحصائية في بريطانيا(2) أكدت أن عدد المصابين بأمراض القلب بين موزعي البريد الذين يمشون كثيراً بحكم مهنتهم، هي أقل بكثير من عدد المصابين بين موظفي البريد الجالسين خلف مكاتبهم. لذا فإن رياضة المشي تعتبر بمثابة برنامج تأهيل لمرضى القلب الذين يشعرون بالتعب لأدنى جهد، وأكدت أبحاث الطب الرياضي أن المشي ” عنصر أساسي” في برنامج العلاج الطبي والتأهيل لمرضى القلب.

رياضة الجري[ الركض أو العدو ]

روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : ” قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه [ أي إلى مكة ] فقال المشركون : يقدم عليكم وقد وهنتهم حمىّ يثرب. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم “ والرمل هو الهرولة مع تقارب الخطى، وكان هذا في عمرة القضاء حيث أخلى المشركون مكة وخرجوا إلى الجبال يراقبون المسلمين، ظانين أن حمىّ يثرب وهنتهم، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ليعلم المشركون أن المسلمين في أوج قوتهم ولياقتهم البدنية. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للمسلمين ” رحم الله امراءاً يريهم اليوم من نفسه قوه ” ومن ثم أصبح الرمل في الطواف سنة للرجال ثانية.

وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسابقون على الأقدام ويتبارون في ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم يقرهم (3) كما سابق النبي صلى الله عليه زوجته عائشة كما تروي لنا رضي الله عنها : ” أنها كانت على سفر فقال لأصحابه تقدموا، ثم قال تعالى أسابقك فسابقته على رجلي، فلما كان بعد خرجت معه في سفر، فقال لأصحابه تقدموا، ثم قال تعالي أسابقك، ونسيت الذي كان وقد حملت اللحم، فقلت يا رسول الله كيف أسابقك وأنا على هذه الحال، فقال لنفعلن، فسابقته فسبقني، فقال : هذه بتلك السبقة “[3] وفي رواية أخرى قالت : سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته فلبث حتى أرهقني اللحم فسابقني فسبقني فقال : هذه بتلك “[4] .

وعن عبد الله بن الحارث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف عبد الله وعبيد الله وكثيراً ما يقول : من سبق فله كذا. فيستبقون على ظهره وصدره فيقلبهم ويلزمهم ” .

والجري هو الرياضة الطبيعية بعد المشي. والفرق بين المشي السريع والجري، أن خطوة الجري فيها لحظة طيران يكون فيها القدمان في الهواء.

وقد أثبتت الدراسات الطبية (2) أن رياضة الجري تزيد نسبة الكريات الحمراء والبيضاء والخضاب وخاصة بعد الجري لمسافات طويلة. وإن المواظبة على الجري تؤدي إلى خفض نسبة الدهون والكولسترول في الدم وإلى تقوية عضلة القلب وانتظام ضرباته، وإلى تحسن القدرة التنفسية وزيادة التهوية الرؤية. كما تفيد في إزالة حالات القلق والتوتر النفسي وتجعل النوم طبيعياً وعميقاً، مما يعطي البدن الراحة الكبرى.

وخلاصة القول (2) فإن المشي والجري الهادئ المتزن لمسافات ولفترات مناسبة كل يوم أو كل يومين يحسن القدرة التنفسية ويقوي عضلة القلب للكهول والجري للشباب من دونهم (7) وعلى كل فليس الإسراف في العدو محموداً .

الرماية

تؤكد السيرة النبوية (2) اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الرياضة وكان يختار لقيادة سرايا المجاهدين أمهر الرماة، وقد أكدت اللجنة الأولمبية الدولية بعد قرون أهمية الرياضة فأدخلتها ضمن برنامج مسابقاتها لأول مرة في الدول الأولمبية الخامسة عام 1904.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :علموا أبناءكم السباحة والرماية

عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : ” مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون (أي يتسابقون في الرمي)، فقال : ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً وأنا مع بني فلان، قال : فأمسك أحد الطرفين بأيديهم. فقال صلى الله عليه وسلم: ما لكم لا ترمون، قالوا كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارموا وأنا معكم كلكم ” رواه البخاري .

وعن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إن الله عز وجل ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة : صانعه يحتسب في عمله الخير، والرامي ومنبله، وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا، كل لهو باطل، وليس من اللهو إلا ثلاث : تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ” وفي رواية ” وكل ما يلهو به المسلم باطل إلا رميه بقوسه ونبله ” وفي رواية ما يلهو به المسلم باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق “[5] .

وعن عقبة بن عامر أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى : (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) ثم قال : (ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي ) رواه مسلم .

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” عليكم بالرمي فإنه خير لعبكم ” .

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” من علم الرمي ثم تركه فليس منا ” وفي رواية ” فقد عصى ” رواه مسلم وفي رواية ” من ترك الرمي بعد ما علمه رغبة منه فإنها نعمة كفرها أو جحدها ” [6].

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” علموا أبناءكم السباحة والرماية “[7] .

إن كثرة ما ورد من أحاديث نبوية حول الرمي تدل على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الرياضة وضرورة إتقانها (3) .

ومن عظيم أهميتها في نظر الشارع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هجرها بعد تعلمها وعنف من فعل ذلك. ولعل الصيد والقنص من أهم أشكال ممارستها في حياة الشباب(7) .

ولقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجرون المسابقات فيما بينهم في لعبة الرمي، ولقد اشتهر منهم كثيرون كان في طليعتهم حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم وعدي بن حاتم وغيرهم .

ومن أهمية الرمي في التربية الإسلامية أن جعل تعلمه عبادة يثاب عليها صاحبها ويدخل بها الجنة (3)، وحتى صانع السهم له حظه الكبير من الثواب.

ويعتبر علم الصحة أن الرماية رياضة نافعة (7) تنبه أعضاء البدن وتوطد الاعتماد على النفس، وأنها تقوي الإرادة وتورث الشجاعة، وهي تتطلب توافقاً دقيقاً بين عمل المجموعات العضلية والجهاز العصبي المركزي في عملية التوفيق بين زمن هذه الحركات، وهذا يحصل بالمران وكثرة التدريب مما يفهمنا سبب حرص النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته أصحابه للتدريب المستمر على رياضة الرمي .

وإذا كان الشرع الحنيف قد رغب في ممارسة الرمي، فإنه في الوقت ذاته قد منع ممارسته على حيوانات حية تتخذ هدفاً للتدريب لقوله النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً ” رواه مسلم . ولا يخفى ما في هذا الهدي النبوي العظيم من رفق بالحيوان قبل أن ينادي به أدعياءه في الغرب بأكثر من عشرة قرون.

ألا ما أعظم هذا الدين وأروعه في تنظيم حياة الإنسان، ونهيه له أن يبددها فيما لا طائل وراءه فالوقت ثمين لأنه هو الحياة. وحتى فيما يخصصه المسلم من وقته في لهو مباح أو تسلية مشروعة، فيجب أن تكون فيما ينعكس عليه خيراً سواء في قوته، أو من أجل قوة الأمة وكرامتها ومنعتها و إن حديث : ” لا لهو إلا في ثلاث : تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ” ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنهن من الحق، تعبير رائع لوصفه اللهو الذي ينعكس أيجابياً في حياة المسلم فيما يجلب له القوة ويحقق العفة للرجل والمرأة على حد سواء (4) .

اللعب بالحراب وفن المبارزة

اشتهر العرب منذ جاهليتهم (2) بفن المبارزة واللعب بالسيوف، وقد اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أن استقر في المدينة بتدريب أبناء المسلمين على إجادة استخدام السيوف للدفاع عن دين الحق، واللعب بالرماح من اللهو المباح (3) حيث سمح النبي صلى الله عليه وسلم للأحباش أن يلعبوا بحرابهم في مسجده صلى الله عليه وسلم .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ” بينما الحبشة يلعبون عند النبي صلى الله عليه وسلم بحرابهم دخل عمر فأهوى بالحصى فحصبهم بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعهم يا عمر ” رواه البخاري وقد صح في رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سمح للسيدة عائشة رضي الله عنهما أن تنظر إلى لعبهم وهي مختبئة خلفه صلى الله عليه وسلم .

ويرى مختار سالم (2) أن رياضة المبارزة تحتاج إلى مزيد من الشجاعة والثقة بالنفس والمهارة والدقة في الأداء، والذكاء مع القدرة على التفكير وسرعة البديهة طوال فترة المبارزة، ومن تأثيراتها الغريزية أنها تؤدي إلى زيادة تنمية درجة التوافق وسرعة الاستجابة الحركية، وإلى تقوية عضلات الساقين والساعدين وتدريب عضلات الجذع وتقويها للاحتفاظ بأوضاع الجسم القويمة .

ركوب الخيل

يرتبط معنى الفروسية (2) في كل لغات العالم بالشجاعة والشهامة والثقة بالنفس، وتعرف الفروسية بأنها القدرة على ركوب وترويض الجواد والتحكم في حركاته والقدرة على التجانس معه في وحدة متناسقة من الحركات.

وقد شجع الإسلام هذه الرياضة وثمنها غالياً ورفع من شأنها (3) لارتباطها بالجهاد في سبيل الله وفي إعداد القوة والمنعة للدفاع عن الأمة والوطن. قال تعالى :( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)

ولعظيم شأن الخيل في شريعتنا الغراء فقد أقسم الله سبحانه وتعالى بها في كتابه العزيز فقال : (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا {1} فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا {2} فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا {3} فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا {4} فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا {5} إِنَّ الْإِنسَانَلِرَبِّهِ لَكَنُود).

وعن جابر بن عبد الله بن عمير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو ولعب إلا أن يكون أربعة: ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الغرضين، وتعليم الرجل السباحة “[8] والمشي بين الغرضين أي الهدفين، هدف السهم المرمي.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنها ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضمر الخيل يسابق بها “[9] .

وعنه أيضاً قال : ” سابق النبي صلى الله عليه وسلم بين الخيل التي ضمرت فأرسلها من الحيفاء وكان أمدها ثنية الوداع، فقلت لموسى: وكم بين ذلك؟ قال : ستة أميال أو سبعة، وسابق بين الخيل التي لم تضمر فأرسلها من ثنية الوداع وكان أمدها مسجد بني زريق، فقلت فكم بين ذلك؟ قال : ميل أو نحوه . وكان ابن عمر ممن سابق فيها “ رواه البخاري .

وعن عبد الله بن عمر وعروة بن الجعد رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ” رواه البخاري ومسلم .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة ” رواه البخاري والنسائي.

إن ركوب الخيل وسباقاتها من الرياضات الهامة جداً في بناء الأمة وقوة أفرادها، ونظراً لحصولها في الهواء الطلق وحصول البدن على كمية وافرة من الأوكسجين فهي تنشط التنفس والدورة الدموية وتؤدي إلى زيادة وافرة من الأوكسجين فهي تنشط التنفس والدورة الدموية وتؤدي إلى زيادة معتدلة في ضربات القلب، كما تعمل هذه الرياضة على زيادة الانتباه وتحسن القدرة على ضبط حركات البدن والحفاظ على توازنه (3)، وهي تنشط الجهاز العصبي (2) وقد أظهرت دراسة ألمانية فوائد الفروسية في علاج أمراض الظهر والمفاصل وعيوب القوام .

وقد كان أبقراط (2) أول من عالج العديد من الأمراض المزمنة بمزاولة ركوب الخيل والتي تنشط معظم أجهزة البدن الداخلية بانتقال حركة الجواد إلى راكبه، وبشكل خاص فإن حركات الاهتزاز الدائمة تضغط الكبد بين الأحشاء وعضلات البطن ضغطاً ليناً متتابعاً كمساج لطيف يؤدي إلى تنشيط الإفراز الصفراوي ووظائف الكبد ويحسن الدورة الدموية في هذا الجزء من البدن .

والإسلام شجع على مزاولة هذه الرياضة فامتدح النبي صلى الله عليه وسلم الخيل وجعل الخير معقوداً في نواصيها، وجعل تربيتها والاهتمام بها مما يثاب عليه المسلم ويزيد في حسناته يوم القيامة .

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم نظم سباقات الخيل وأشرف عليها بنفسه صلوات الله عليه، وكان ينعم على الفائزين بالجوائز التي تليق بهذه الرياضة .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : ” أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وجعل بينها سبقاً وجعل فيها محللاً وقال لا سبق إلا في حافر أو نصل “[10] .

وفي معرض الحديث عن سباق الخيل، فنحن مع د. الكيلاني (4) في أن ما يجري من رهان في سباقات الخيل العالمية اليوم هو مخالف للشرع الإسلامي ومناقض لمبادئه. فالنبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وراهن، لكن ضمن قواعد الشريعة الغراء. فالرهان على من يربح، وإنما يكون الرهان من طرف ثالث، كأن يكون الإمام أو من يقوم مقامه، يدفع للفائز كجائزة تشجيعية .

المصارعة

المصارعة من الرياضات التي مارسها الإنسان منذ القديم (2). وقد أجاد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرياضة وقد ثبت ما روي عنه أنه صارع أعرابياً يدعى ” ركانة ” كان مشهوراً بقوته وكان قد تحدى النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات .

وعن فوائد المصارعة الصحية يرى مختار سالم أنها رياضة تؤدي إلى زيادة تنمية عناصر القوة والسرعة والتحمل والرشاقة، كما أن الأداء الناجح لحركاتها يعمل على تنمية الكفاءة الوظيفية للمستقبلات الحسية، وتتكيف العضلات أثناء التدريب على العمل في ظروف إنتاج الطاقة لا هوائياً، إذ أنه لا يمكن سداد جميع احتياجات البدن من الأوكسجين أثناء المصارعة والذي تزداد الحاجة إليه بالعمل العضلي الثابت الذي تتكرر فيه عملية كتم النفس فيتكون عند المتدرب ما يسمى بالدين الأوكسجيني .

وتزداد سرعة كريات الدم الحمراء والخضاب أثناء التدريب والمباريات ويرتفع أيضاً سكر الدم وحامض اللبن الذي يصل تركيزه في الدم إلى أكثر من 13ملغ %.

السباحة

عن بكر بن عبد الله بن الربيع الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” علموا أولادكم السباحة والرمي ونعم اللهو المؤمنة في بيتها المغزل “[11] ورواه ابن عمر بلفظ ” علموا أبناءكم السباحة والرمي “[12] .

وعن جابر بن عبد الله وجابر بن عمير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل شيء ليس من ذكر الله لهو ولعب إلا أن يكون أربعة : ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الغرضين، وتعلم الرجل السباحة [13].

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” خير لهو المؤمن السباحة وخير لهو المرأة الغزل “[14] .

السباحة رياضة طبيعية (7) تعتبر الأكثر نفعاً للجسم من غيرها من الرياضات. إنها تقوي جميع أعضاء الجسم، تنمي العضلات وتكسبها مرونة إذ تشركها جميعاً في العمل دفعة واحدة وتزيد بذلك من قوة العمل العضلي.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(خير لهو المؤمن السباحة وخير لهو المرأة الغزل)

وهي رياضة خلقية تنمي الإرادة والشجاعة والصبر والثبات وتقوي ملكة الاعتماد على النفس.

وبسبب ضغط الماء على الصدر والجذع أثناء السباحة يزداد عمق التهوية الرئوية (2) ويحتل السباحون بذلك مكانة عالية في اختيار السعة الحيوية والتي تزداد عندهم لأكثر من 30% من السعة المفترضة، كما تزداد سرعة التنفس . وإن الوضع الأفقي للجسم أثناء السباحة يخلص الجسم من تأثير الجاذبية الأرضية ويسهل عمل القلب، فيزداد حجم الدم الذي يدفعه في الدقيقة فيقوي القلب وينشط الدوران .

وتؤكد أبحاث الطب الرياضي أن السباحة تساعد العضلات الضعيفة على الحركة عندما يطفو البدن فوق الماء تعمل مقاومة الماء للحركة نوعاً معتدلاً من تمرينات المقاومة تؤدي لاستعادة البدن لحيويته عقب حالات الضعف العام وفي فترات النقاهة من المرض أو بعد العلميات الجراحية .

وإن قوة دفع الماء إلى الأعلى تساعد على عملية الطفو التي تسمح لأجزاء الجسم المصابة بأنواع معتدلة من الشلل والضمور العضلي من الأداء الحركي، ومما يحسن المدى الحركي للمفاصل التي قد أصابها التصلب نتيجة فترات طويلة من الراحة أو استعمال الجبائر، هذا علاوة على التأثير النفسي الحسن للسباحة وقدرتها على جعل المصاب متكيفاً مع العجز البدني .

ويرى د. الشطي (7) أن المتمرنين على السباحة منذ صغرهم لا أثر فيهم للتشوهات والأوضاع المعيبة، لذا اعتبرت أبحاث الطب الرياضي السباحة أحد الوسائل العلاجية الهامة لتصحيح بعض العاهات الجسمانية لا سيما انحناء الظهر وتقوس الأرجل.

والسباحة تدرب وتقوي الجملة العصبية، وتعمل على تنظيم حرارة البدن أكثر من أي رياضة أخرى، وتعود الإنسان على تحمل البرد. وبما أنها تمارس في الماء فإن الحرارة الناجمة عن العمل العضلي تتعدل بالماء فلا ينتج عن الإفراط عند مزاولة هذه الرياضة ما ينشأ عن الإفراط في مزاولة غيرها من الرياضات (7) .

وللتشمس أهمية في هذه الرياضة (7) فمن الثابت أن لأشعة الشمس تأثيراً منبهاً للأعصاب الودية عن طريق الجلد، كما أن سطح الجلد يمتص الأشعة ويدخرها ويولد منها قدرة كبيرة ومواد تنفع الجسم كالفيتامين د.

وتأثير الأعصاب الودية بأشعة الشمس يتبعه تأثر كامل العضوية نتيجة تنشط الجملة الودية التي تبنه الألياف العضلية وتزيد نشاط الغدد الصماء بما فيها الغدة النخامية.

إلا أن الإفراط في التشمس له محاذيره وآثاره السلبية والتي يتجنبها الإنسان بالتزام الأعتدال والتدرج بالتعرض للشمس بحيث لا يزيد في اليوم الأول عن خمس دقائق ثم يزداد بالتدريج، وأن يتجنب التعرض للشمس في ساعات الظهيرة الشديدة الحر وإلا تعرض لحروق ومتاعب هو بغنى عنها وخاصة إمكانية ظهور سرطانات الجلد وغيرها من الأذيات المهلكة.

مراجع البحث :

د.نضال عيسى : ” الطب الوقائي في الإسلام ” دار المكتبي ـ دمشق 1997.

مختار سالم: ” الطب الإسلامي بين العقيدة والإبداع ” مؤسسة المعارف بيروت 1998.

د. غياث الأحمد : ” الطب النبوي في ضوء العلم الحديث ” دار المعاجم  دمشق .

د. عبد الرزاق الكيلاني : ” الحقائق الطبية في الإسلام ” دار القلم، دمشق.

د. محمد نزار الدقر : ” روائع الطب الإسلامي (2) : العبادات في الإسلام وآثارها في صحة الفرد والمجتمع ” دار المعاجم دمشق.

د. حامد الغوابي : ” بين الطب والإسلام ” دار الكتاب العربي ، القاهرة 1967

د. أحمد شوكت الشطي : ” نظرات في الولد وحبه وحقوقه ” مجلة حضارة الإسلام المجلد 20 ع8/9(1977) والمجلد 15 ع 5 (1974) دمشق .

ابن الأثير الجزري : جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

هوامش الآيات والأحاديث:

[1] رواه الترمذي وابن حبان وهو حديث حسن ( الأرناؤوط) .

[2] رواه الترمذي وحسنه.

[3] صححه الألباني في آداب الزفاف.

[4] رواه الإمام أحمد وأبو داود .

[5] رواه أبو داود وابن ماجة وروى الترمذي نحوه وقال حسن صحيح .

[6] صحيح الطبراني وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير

[7] أخرجه البيهقي : ضعيف لكن له شواهد كثيرة تقويه [ المناوي : فيض القدير ] .

[8] أخرجه الطبراني في الكبير والبيهقي والنسائي، رجاله رجال الصحيح خلا عبد الوهاب بن بخيت وهو ثقة (مجمع الزوائد للهيثمي ) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير.

[9] أخرجه أبو داود بسند صحيح (الأرناؤط جامع الأصول ) .

[10] أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال : في الصحيح بعضه، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

[11] أخرجه السيوطي في الجامع الصغير وحسنه وابن مندة في المعرفة

[12] أخرجه البيهقي وضعفه السيوطي وقال المناوي : ضعيف لكن له شواهد كثيرة تقويه .

[13] سبق تخريجه وصححه الهيثمي في مجمع الزوائد

[14] السيوطي في الجامع الصغير [حديث ضعيف].

من آيات الرحمن في نوم الطير والحيتان

النوم آية من آيات الله، قال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ ﴿٢٣ الروم﴾}

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ﴿٤٧ الفرقان﴾

*لماذا ينام الناس وسائر الكائنات فبدلًا من النوم يستمرون في نشاط ويقظة حتى يموتون وهو ما قد يعد نومًا نهائيًا ؟ وهل للنوم أنواع ؟ ولماذا تتباين مدة وهيئات وطبيعة نوم كل كائن ؟
ولماذا ذكرت الآية الكريمة الأولى نومي الليل والنهار ولم تقتصر على نوم الليل للإنسان ؟
*فيما يخص السؤال الأول يجب ذكر أن كل الكائنات الحية تنام أو على الأقل تمر بما هو أشبه بالنوم وذلك بدءًا من الكائنات وحيدة الخلايا!! (لها مراحل نشاط وخمول مرتبطة بدورة ليل ونهار أقرب ما تكون للنوم) مرورًا بالديدان فالحشرات والأسماك بأنواعها والزواحف باختلاف أحجامها ثم الطيور والرئيسات فالإنسان آخر وسيد الكائنات، بل إن للنباتات آلية توقيت داخلية خاصةً بها!!.
*نجيب عن السؤال الأول بشكلٍ معكوس ، ما ضرر قلة النوم (لا انعدامه ) على الإنسان ؟

أجمل الردود نجدها عند مدير مركز علوم النوم البشري في جامعة هارفارد الاميركية ماثيو ووكر في كتابه الماتع:”لماذا ننام ، اكتشف طاقة النوم والأحلام “(مستخلصًا من فصل الكتاب المذكور ):

١_ إصابة الأوعية الدموية بالهشاشة والإنسداد مما يتسبب في الأمراض القلبية.
٢_ يخل بتوازن الإنسولين ودورة الجلوكوز مما يتسبب في اضطراب عميق في مستويات السكر في الدم.
٣_ تضطرب نسبة الكائنات الدقيقة المفيدة في الأمعاء مما يؤثر في الهضم وجهازه.
٤_ يرتفع ضغط الدم.
٥_ الإصابة بالاعتلالات النفسية الكبرى كالإكتئاب والقلق والنزوع الى الانتحار !!.
٦_ عدم معالجة وحفظ المعلومات التي حصلناها في نهارنا ونشاطنا وحفظ المهم منها ومحو غير المهم.

• ثم يقول حرفيًا: أضرار ليلة واحدة من النوم السئ أكبر بكثير من الأضرار الناجمة عن فترة مماثلة من الإنقطاع عن الأكل أو النشاط الجسدي!!
• * وأما عن ذكر الآية الكريمة لليل والنهار مع النوم فمعجز من وجهين:
• أولًا الإشارة الى ان النوم أصلًا دورة مرتبطة بتعاقب الليل والنهار لكل الكائنات وهو ما أشار اليه البروفيسور سالف الذكر.
• ثانيًا نبهنا العلم الحديث الى أهمية النوم على فترتين ؛ بعدم إهمال نوم القيلولة بالنهار و الذي يسميه العلماء إغفاءة الطاقة.
• وأما عن الآية الكريمة الثانية:

• فتصف النوم بشكل معجز ، وذلك بوصفه بالسبات ، والسبات لغةً يعني أمرين ؛

كتابه “لماذا ننام اثيو ووكر 

• أولًا التمدد ومنها يقال سبتت المرأة شعرها أي مدته ، وثانيًا الإنقطاع عن الأشغال ومنه سبت اليهود ، والإثنان حاصلان ،فمع حركة ونشاط الإنسان (وهو المعني في الآية ينثني ويتمدد ، وأما حين ينام فيتمدد ويستطيل وكذلك يتوقف عن النشاط ،،
• *وأما عن حكمة إختلاف طبيعة ومدة نوم كل كائن :
• فتتباين بشدة حسب الاحتياج بشكلٍ معجز،،

• أولًا بالنسبة للمدة:
• أطول مدة هي للخفافيش (البني تحديدًا)؛ تسع عشرة ساعة ، وإن لم نذكر معها الدواب التي تبيت ساكنة بالشهور كالدببة والضفادع في شهور البرد ، والجربوع في شهور الصيف ،بل منها ما يسكن سنوات كالحلزون ،،
• تعقبه الأسود والنمور حوالي خمس عشرة ساعة ، ولعل الحكمة ألا يطول وقت يقظة هذه المفترسات فتكثر الخطورة منها ، بينما أقلها الزرافة نصف ساعة فقط في اليوم كله على فترات كل منها خمس دقائق! ففرائسها كثر ورصدها أسهل .

• وأما أقرب الكائنات في النوم للإنسان ،، (ويعد إنسان الغاب الأقرب للإنسان في النوم، حيث إنه مثل جميع “القردة العليا” ينام لفترة واحدة طويلة خلال اليوم. ويقوم إنسان الغاب مثل الشمبانزي والغوريلا ببناء منصات مخصصة للنوم في الأشجار بعيدًأ عن الحيوانات والحشرات وهي تشبه إلى حد ما غرف النوم التي يخصصها الإنسان لنفسه في مسكنه.

وينام إنسان الغاب لمدة 8 ساعات يوميًا مثل الإنسان بينما ينام الخفاش (البني تحديدًا)؛ تسع عشرة ساعة

يبلغ عدد ساعات نوم الغوريلا 12 ساعة.

وكشفت دراسة حديثة (2015) عن أن إنسان الغاب ينام بشكل افضل من أبناء عمومته من الشمبانزي والغوريلا، بل أشارت الدراسة إلى أن قدرات القردة المعرفية والعقلية تتحسن في اليوم التالي للنوم الأطول والأعمق. )[غرائب النوم في المملكة الحيوانية، مجلة ناشيونال جيوغرافيك عدد مايو ٢٠٢١]
• * وأما العجب العجاب ففي نوم الطير والحيتان:
• فالطيور المهاجرة تنام خلال طيرانها ثواني معدودة! جعلها الله كافية لها وإلا سقطت أو تعرضت لافتراس المفترسات ،، بل من الطيور من يظل يقظا مدة مائتي يوما! ألا وهو العصفور الدوري Alpine swift ،، ومن ينام لا تطول فترة نومه عن عشرة ثواني ، وتكون بنصف دماغ مع عين واحدة مفتوحة جهة نصف الدماغ اليقظ ، وهو ما يعرف ب(Usws)  أختصار ل (Unihemispheric slow wave sleep).

 (How do Whales and Dolphins Sleep Without Drowning?،،   Scientific American magazine )

 

How Do Killer Whales Sleep?   (Sciencing.com)

 

 (How Do Birds Sleep During Migration?,ScienceABC)

• (كيف تنام الطيور أثناء هجرتها ؟ ،،
• وحين يصلون لوجهتهم او ينزلون لمحطات راحة ينامون نصف اليوم تقريبًا وكأنهم يعوضون ما مضى ،،
• نفس منهاج حماة السرب يمارسه بعض أنواع البط في البرك حيث ينام من بداخله مغمض العينين بينما ينام حراس الأطراف بطريقة نصف الدماغ usws
بل هناك منظومة حماية أخرى عجيبة تتبعها الطيور المهاجرة وهي أن ينام معظم أفراده نوما كاملًا بنصفي الدماغ ، بينما يظل الطائرين على طرفي السرب يناما فقط بنصف الدماغ ،، وذلك لحماية السرب ،،


*ثدييات الماء تتبع نفس منهج نوم usws بنصف الدماغ ، مع تباين كل نوع ، فحيتان العنبر تغفو منتصبة وذيلها لأسفل مع حركة رأسية بسيطة وصعود من وقت لآخر للتنفس فليس لديها خياشيم ،، والحوت القاتل يغفو أفقيًا وقد يفعلها على كتلة جليد فوق سطح الماء ، في حالة وضع الأنثى لمولود فقد لا يناما حتى يرجعا لمجموعتهما مما يستغرق أياما وذلك خوفا من المفترسات للوليد ،،
بينما يظل القرش متحركًا لأنه يتنفس بخياشيم تحتاج لتدفق الماء فيسبح ببطئ ، buccal pumping
وإن اكتشف أخيرا أنواعًا منه تستخدم استراتيجية مختلفةً لا تعتمد على تدفق المياه ،

القائمة البريدية

إشترك في قائمنا البريدية ليصلك كل ما هو جديد من المقالات