واقع الحل الإسلامي للأزمة المالية العالمية


الأربعاء/ديسمبر/2019
   

بقلم: حسن الحسن.

-الرأسمالية الأخلاقية.

-البدائل الإسلامية.

-إشكاليات البدائل المقترحة.

-الحلّ الإسلامي المتكامل.

أحدثت الأزمة المالية العالمية صدمة نوعية في كافة الأوساط السياسية والاقتصادية والإعلامية حتى وصفت بأنها “التسونامي المالي للقرن الحالي” بحسب تصريح لمحافظ الاحتياطي الفدرالي الأميركي السابق ألن غريسبان وهو ما حدا بالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كذلك إلى إطلاق تصريحه “إنّ النظام العالمي كان على شفا الكارثة”.

لا عجب أن يدهش الجميع لهذه الأزمة، فقد أتت بينما كان النظام الاقتصادي العالمي يسير باتجاه تتويج الرأسمالية المعولمة بأبشع أشكالها وأشدها حدة سيدة مطلقة على العالم، مما يعتبر انتكاسة حقيقية للفكر الرأسمالي، وإخفاقاً ذريعاً في عولمته، لا سيّما مع غياب أي منافس له في الساحة الدولية (أي أنه يلعب لوحده ويخسر.

الأسوأ حقاً هو أنّ أرباب الرأسمالية، لا يدرون إن كانت قد وصلت الأزمة المالية إلى القاع أم لم تصل بعد، وهو ما أضعف قدرتهم على إيقاف تدهور الأوضاع المالية، فضلاً عن عجزهم عن اجتراح معجزة لمعالجة هذه الأزمة من جذورها، وهو ما دفع رئيس وزراء بريطانيا غوردون براون إلى القول “إنّ ما يتطلبه الموقف الآن هو مراجعة عالمية شاملة للنظام العالمي”.

كما أنّ الارتباك في معالجة الأزمة والقلق مما يمكن أن تؤول إليه الأمور كان جلياً في موقف كل من ألمانيا وفرنسا بشأن المقترحات الأميركية بهذا الشأن إبان قمة العشرين.

ورغم ادعاء التوافق بين الدول المجتمعة حول قرارات قمة لندن بصيغتها النهائية، إلا أنّ تلك القرارات نفسها هي بمثابة تغذية أسباب المشكلة بدلاً من إنهائها. كزيادة موارد صندوق النقد الدولي بواقع خمسمائة مليار دولار لمواجهة الأزمة، رغم إدراك الجميع سوء واقع هذه المؤسسة المالية وما تسببت به من تخريب لاقتصاديات دول كثيرة، لا سيما في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا.

الرأسمالية الأخلاقية

في خضم هذه الأزمة العاصفة، تحفز كثيرون إلى التعبير عن سخطهم من الرأسمالية المنفلتة التي لا ضابط لها، تلك التي تخضع بحسب معايير آدم سميث إلى قاعدة “دعه يعمل دعه يمر”، ذلك المفكر الغربي الذي يؤمن بالسوق كحلبة صراع حرة بلا أية قيود أو قواعد سوى حرية التجارة والتنافس في الأسواق، وهو ما يؤدي بحسب قرينه ليفي شتراوس إلى “بقاء الأقوى”.

لقد عكست هذه الأزمة فداحة الرأسمالية، وهو ما زاد عدد الأصوات المنادية برأسمالية أخلاقية، من ذلك ما قاله نيكولا ساركوزي “لقد حان الوقت لجعل الرأسمالية أخلاقية بتوجيهها إلى وظيفتها الصحيحة، وهي خدمة قوى التنمية الاقتصادية وقوى الإنتاج، والابتعاد تماماً عن القوى المضاربة”. ومن ذلك ما قاله الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا “إنّ الأسواق الناشئة التي قامت بكل ما يلزم لتبقى اقتصاداتها مستقرة، لا يمكن أن تصبح اليوم ضحية للكازينو الذي أداره الأميركيون بأنفسهم”.

يعدّ هذا التوجه نحو ابتداع أخلاق للرأسمالية إشارة واضحة بأنها بشعة لا تطاق إذا ما تركت على سليقتها، وبأنه لا بد من كبح جماحها كي لا يتكرر تسونامي الجائحة المالية على هذا النحو مرة أخرى. إلاّ أنّ أحداً لم يفدنا من أين يمكن استيفاء تلك الضوابط والمعايير الأخلاقية، أو من أين يمكن استعارتها لتجميل وجه الرأسمالية القبيح وإنقاذها من الانهيار.

البدائل الإسلامية

في خضم هذه المعمعة، تكاثر الحديث وفي أوساط مختلفة عن البدائل الإسلامية لمعالجة بعض أشكال الأزمة، أو بشكل أدق عن دمج بعض أشكال المعاملات ذات الصبغة الإسلامية في النظام الرأسمالي المعمول به عالمياً. وهو ما أدى ببعض متصدري العمل الإسلامي إلى اعتبار ذلك فرصة سانحة لتفعيل مفهوم “البنك الإسلامي” و”الصك الإسلامي” وعرضهما كنموذجين يوضحان مدى صلاحية أحكام الشريعة الإسلامية وقدرتها على الانخراط في النظام الاقتصادي المالي العالمي والتأثير فيه ايجابياً.

اللافت للنظر مقابلة بعض الأوساط الغربية الفاعلة تلك الدعوات بترحيب حار، حتى أخذت لندن وباريس تتنافسان على التحول إلى عواصم للتمويل الإسلامي بحسب ما صرح ممثلون عن كلا الحكومتين اللتين بدأتا تدعوان إلى إيجاد آليات لدمج صيغ المعاملات الإسلامية ضمن النظام المالي الرأسمالي المعمول به حالياً.

وهذا ما يثير العديد من الأسئلة حول النوايا المضمرة لتلك الأوساط، والتي تهدف من هذا الترحيب، على ما يبدو، إلى احتواء الطاقات والموارد والأموال الإسلامية المتوفرة بكثرة للمساهمة -ولو جزئياً- في إعادة التوازن إلى أسواق المال المضطربة.

إشكاليات البدائل المقترحة

ثمة إشكاليات كثيرة في ثنايا هذا الطرح، في مقدمتها لماذا يجب على الإسلام مدّ يد العون لانتشال الرأسمالية من الدرك الذي وصلت إليه. ومن ثمّ لماذا يستعمل الإسلام لترقيع الرأسمالية رغم كل التباين بينهما في الشكل والجوهر. وأخيراً هل يمكن دمج المعاملات الإسلامية في النظام الرأسمالي المعمول به دون الإخلال بالأحكام الشرعية ذات الصلة؟

لعلّ أسّ المشكلة في الطروحات المعروضة هو تقديم الحلول الإسلامية من ضمن النظام الرأسمالي لسد ثغراته ومساعدته على الصمود أمام الموجة العاتية التي تسببت بها الأزمة العالمية والتي كشفت خوار النظام الرأسمالي وأظهرت عوراته للملأ.

ولو أن ما يتم عرضه من حلول إسلامية هو بدائل جذرية لتوجهات النظام الرأسمالي ولو في بعض جوانبه (كالدعوة إلى إقامة نظام لنقد عالمي على أساس غطاء تام من الذهب والفضة بحسب أحكام الشريعة الإٍسلامية)، لأدركنا أن لأصحاب تلك الدعوات مبررات وجيهة، على اعتبار أنّ في ذلك عرضاً لبعض جوانب الإسلام المضيئة من غير تأويله أو تعديله بما يجعله قابلاً للاندماج في معترك معاملات النظام الرأسمالي.

ومن ثمّ فإنّ محاولات دمج الإسلام في الرأسمالية على النحو المطروح يؤكد أوهام الذين يشيرون إلى أن الإسلام مجرد أداة من أدوات الرأسمالية. تلك التي تدعمه عسكرياً ومالياً ومعنوياً حين يلزم، كما فعل الغرب الرأسمالي لطرد الشيوعيين من أفغانستان ولاستنزاف الاتحاد السوفيتي سابقاً، ثم تستعمله حين تريد ذريعة للهيمنة على العالم ومصادر الطاقة فيه كما فعلت أميركا زعيمة الرأسمالية في العالم تحت عنوان “الحرب على الإرهاب” وها هي الآن المؤسسات الرأسمالية تريد أن تقحم الإسلام أسواقها المالية كي تمتص ما تبقى من أموال المسلمين بعد أن نهبت خيراتهم على مدار عقود طويلة.

ثمة مشكلة أخرى في تسابق أصحاب “المبادرات الإسلامية” إلى تسويق قبول مقترحاتهم وكأنها انتصار للإسلام، غافلين عن كون العقلية الغربية الرأسمالية مرنة للغاية وتتعاطى ببراغماتية مع أي حل محتمل يُسهم في تجاوز ما يعترضها من مشاكل، لا بوصفه حلاً صحيحاً مطلقاً أو مقدساً أو تابعاً لأيديولوجية معينة، إنّما كونه يخدمها في تجاوز عثراتها. ولذلك لن يتوانى الرأسماليون البتة عن استبدال “المعاملات الإٍسلامية” بغيرها فور تجاوز الأزمة الاقتصادية واستنفاد حاجتهم لتلك النوعية من المعاملات.

بل إنّ الغرب قد لا يتوانى عن اعتماد الصبغة الإسلامية مؤقتاً لوضع مساحيق تجميل على وجه الرأسمالية البشع وتقديمها بالتالي كرأسمالية أخلاقية، وفي الوقت نفسه يحمل الإٍسلام عبء أي فشل يقع في هذا الإطار أو على الأقل يكون شريكاً فيه. كما تحمل عبء ما وقع من شركات “توظيف الأموال الإسلامية” سابقاً وكذلك “الحكومات الإسلامية” التي رفعت شعار الإسلام زيفاً بينما مارست نقيضه في الواقع، وبالتالي كانت تجارب مريرة، استعملها البعض للدلالة على عجز الإسلام وقصوره عن معالجة المشاكل الحادثة.

الحلّ الإسلامي المتكامل

إنّ سلوك طريق أسلمة الرأسمالية أو بعبارة أدق “رأسملة الإسلام” يقطع الطريق أمام حل جذري للمشكلة الاقتصادية القائمة بحسب أحكام الإسلام وتصوراته الشاملة للحياة الإنسانية. تلك التي تتعامل مع الإنسان بوصفه فرداً وجزءاً من جماعة، وتابعاً لدولة بشكل متواز. وهو ما يتعارض مع النظام الرأسمالي القائم على الفردية أصلاً وفصلاً، وما الدولة والمجتمع فيه إلا عبارة عن هوامش تحوم حول الفرد. وفي هذا تكمن أهمية عرض الإٍسلام ككل وتطبيقه كوحدة واحدة لترابط أحكامه في بيئته الخاصة به.

كما أننا نجد أنّ الإسلام قد قام بتنظيم الجانب الاقتصادي للفرد والمجتمع والدولة على نحو فريد حقاً، مراعياً طبيعة تكوين كل منهم ومنظماً العلاقة فيما بينهم، ومركزاً على كيفية توزيع الثروة سواء من حيث اكتساب المال أو عبر تحديد أوجه إنفاقه. وهو ما يختلف جذرياً عما عليه الحال في النظام الرأسمالي الذي يحصر جل اهتمامه في الإنتاج، مع أنها مسألة بديهية يقوم بها الناس بشكل تلقائي.

ومن هنا جاءت مجموعة كبيرة من الأحكام الشرعية تفصل كيفية التعاطي مع امتلاك الثروة وتوزيعها بين مختلف شرائح المجتمع ومكوناته، وهو ما يمكن تلخيص خطوطه العريضة من كتابي النظام الاقتصادي في الإسلام للشيخ القاضي تقي الدين النبهاني وكتاب الأموال في دولة الخلافة للشيخ عبد القديم زلوم على النحو التالي:

1. يقسم الإسلام أنواع الملكيات إلى ثلاثة أقسام:

أ- ملكية عامة لا يجوز للأفراد ولا للدولة الهيمنة عليها أو امتلاكها، ويجب توزيع دخلها على الأمة بعد خصم التكاليف، كشأن مناجم المعادن وآبار البترول.

ب- ملكية الدولة كالفيء والخراج وأموال من لا وارث له، وتتصرف فيها الدولة لسد نفقاتها وتمويل مشاريعها.

ج- ملكية خاصة تتعلق بالأفراد من حيث ممارسة الزراعة والصناعة والتجارة وتأسيس الشركات في غير موضوع الملكية العامة أو ملكية الدولة.

2. يفرض الإسلام العمل على القادر لتوفير الحاجات المعيشية لنفسه ولمن يعول، وبإناطة تحقيق ذلك بالدولة في حال العجز وعدم وجود من تجب نفقته عليه. كما تضمن الدولة تمكين الأفراد من إشباع حاجاتهم الضرورية وتكفل لهم إشباع حاجياتهم الكمالية بحسب إمكانياتهم ضمن مجتمع معين له طراز خاص من العيش.

3. يوجب الإسلام فرض غطاء كلي من الذهب والفضة على النقد (الأموال المتداولة). كما يحرم الإسلام حصر الأموال في يد فئة محدودة، وكذلك يحظر كنزها، ويوجب تداولها بين الناس لكي تصل إلى كافة شرائح المجتمع وحتى يحظى كل من أفراده بنصيبه منها.

4 يفرض الإسلام نموذجاً محدداً من الشركات (المضاربة، المفاوضة، الأبدان، الوجوه) مانعاً الجهالة بين الشركاء (كما هو الحال في الشركات المساهمة)، محرماً على التاجر بيع ما لا يملك.

5. يحظر الإسلام الربا، ويحرم الاحتكار والمضاربات. ويخضع الجميع في هذا الإطار لرقابة مؤسسات الدولة عبر ولاية الحسبة والقضاء والمظالم والدواوين المختلفة ذات العلاقة.

وخلاصة القول هي أنّ الأزمة الاقتصادية العالمية ترجع إلى مشكلة أصيلة تكمن في نظرة الرأسمالية للاقتصاد ومن قبل للإنسان نفسه، ولذلك فإنّ إيقاف دورة الأزمات الناتجة عن الرأسمالية لن يتحقق ما لم يتم تغييرها بشكل جذري وكامل. كما أن عرض الإسلام بشكل مجتزأ وتفعيل بعض الأحكام الشرعية بعد تعديلها لإقحامها في الاقتصاد الرأسمالي لن يزيد الأمر إلا سوءاً وسيلحق الضرر البالغ بالمفهوم السائد عن كون أن الإسلام هو الحل.

مقالات لها صلة :

المصدر: نقلا عن موقع الجزيرة نت


الوسوم:


مقالات ذات صلة