سرُّ الإعجاز الإلهي في النشأة الجنينية والخلق.. عِظة وعِبرة لكل إنسان


الجمعة/فبراير/2020
   

د. علي الصلابي مؤرخ وفقيه ومفكر سياسي

سرُّ الإعجاز الإلهي في النشأة الجنينية والخلق.. عِظة وعِبرة لكل إنسان
بيضة ملقحة في طور الانقسام

لقد خلق الله الإنسان خلقاً جمع بين المادة والروح، ولقد أثبتت بحوث العلماء التي تم إجراؤها على هذا المخلوق أنه مكون من جسم مادي وروح شفافة، جسم مشدود إلى الأرض وروح تتطلع إلى السماء، جسم له دوافعه وشهواته وروح تسمو به نحو الله، جسم له مطالب الحيوان، وروح لها أشواق الملائكة، ونفس لها طبيعة مزدوجة تحتوي على معنويات الخير والشر، والتقوى والفجور، وبذلك تطابقت بحوث العلماء مع ما جاء من آيات الله بالنسبة للخلق والتكوين.

   قال تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ” (المؤمنون، آية: 12 ـ 14)، تشير الآيات الكريمة إلى أطوار التكوين التي يمر فيها الإنسان حتى يصبح بشراً سوياً، ولقد أصبحت هذه الأطوار من أهم دراسات العلوم الطبية الحديثة، وكشفت هذه العلوم أسرار التعبير بهذه الألفاظ المخصوصة في هذه الأطوار، ومن هذه الآيات الكريمة نستطيع أن نحدد معالم أطوار الجنين الإنساني وهي: نطفة، علقة، مضغة مخلقة وغير مخلقة، عظام، لحم يكسو العظام، التسوية والتصوير والتعديل، نفخ الروح.

أولاً ـ مرحلة النطفة: النطفة تطلق على عدة معان، منها: القليل من الماء والذي يعدل قطرة، ويبدأ مصطلح النطفة من الحيوان المنوي والبيضة، وينتهي بطور الحرث “الانغراس”، وتمر النطفة خلال تكونها بالأطوار التالية: ‌أ- الماء الدافق: يخرج ماء الرجل متدفقاً ويشير إلى هذا التدفق قوله تعالى: “فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ” (الطارق، آية: 5 ـ 6).

 مما يلفت النظر إلى أن القرآن يسند التدفق للماء نفسه، مما يشير إلى أن للماء قوة دفق ذاتية، وقد أثبت العلم في العصر الحديث أن المنويات التي يحتويها ماء الرجل لا بد أن تكون حيوية متدفقة متحركة وهذا شرط للإخصاب، وقد أثبت العلم أيضاً أن ماء المرأة الذي يحمل البيضة يخرج متدفقاً إلى قناة الرحم “فالوب”، وأن البيضة لا بد أن تكون حيوية متدفقة متحركة حتى يتم الإخصاب.

  ‌ب- السلالة: سلالة في اللغة بمعان منها انتزاع الشيء وإخراجه في رفق، كما تعني أيضاً السمكة الطويلة، أما الماء المهين فالمراد هنا (أي: في طور السلالة)، ويشير القرآن الكريم إلى ذلك كله في قوله تعالى: ” ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ” (السجدة ، آية : 8).

 ويشير الحديث النبوي الشريف إلى أن الإخصاب لا يحدث من كل ماء الذكر، وفي ذلك يقول رسول الله: “ما من كل الماء يكون الولد”. وهكذا فإن الخلق من الماء يتم من خلال اختيار خاص، والوصف النبوي يحدد بكل دقة كل هذه المعاني التي كشف عنها العلم اليوم.

   ‌ج- النطفة الأمشاج: تأخذ البيضة الملقحة شكل قطرة، وهذا يتفق تماماً مع المعنى الأول للفظ نطفة أي: قطرة ومعنى “نطفة الأمشاج” أي: قطرة مختلطة من ماءين. وهذه النطفة الأمشاج بقوله تعالى: ” إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ” (الدهر ، آية : 2).

 مكن للعلم اليوم أن يوضح ذلك المعنى الذي استدل عليه المفسرون من النص القرآني، فكلمة أمشاج من الناحية العلمية دقيقة تماماً، وهي صفة جمع تصف كلمة نطفة المفردة التي هي عبارة عن كائن واحد يتكون من أخلاط متعددة تحمل صفات الأسلاف والأحفاد لكل جنين، وتواصل هذه المرحلة نموها وتحتفظ بشكل النطفة، ولكنها تنقسم إلى خلايا أصغر تدعى قسيمات جرثومية، بعد أربعة أيام تتكون كتلة كروية من الخلايا تعرف التوتية بعد خمسة أيام من الإخصاب، تسمى النطفة كيس الجرثومة مع انتشار خلايا التوتية، خلال هذه الفترة ينطبق مصطلح “نطفة أمشاج”، وتبدأ نتائج تكوينها بالظهور، وهي: الخلق: وهو البداية الحقيقية لوجود الكائن الإنساني، ومن ثم التقدير (البرمجة الجينية)، وقد أشار القرآن إلى هاتين العمليتين المتعاقبتين ((الخلق والتقدير)) في أول مراحل النطفة الأمشاج في قوله تعالى: ” قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ” (عبس ، آية : 17 ـ 19)، ومن ثم تحديد الجنس، ويتضمن التقدير الذي يحدث في النطفة الأمشاج تحديد الذكورة والأنوثة، وإلى هذا تشير الآية الكريمة: ” وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى” (النجم ، آية : 45 ـ 46).

bolu escort bayan

مراحل تخلق النطفة من تلقيح البويضة الى مرحلة الحرث او الانغراس

 د- الحرث: تبقى النطفة إلى ما قبل طور الحرث (الانغراس) متحركة وتظل كذلك حين تصير أمشاجاً وبعد ذلك، وبالتصاقها بالرحم تبدأ مرحلة الاستقرار التي أشار إليها الحديث النبوي: “يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين يوما”، وفي نهاية مرحلة النطفة الأمشاج ينغرس كيس الجرثومة في بطانة الرحم بما يشبه انغراس البذرة في التربة في عملية حرث الأرض وإلى هذه العملية تشير الآية الكريمة: ” نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ” (البقرة، آية: 222)، وبهذا الانغراس يبدأ طور الحرث ويكون عمر النطفة حينئذ ستة أيام.   وتنغرس النطفة “كيس الجرثومة” في بطانة الرحم بواسطة خلايا تنشأ منها تتعلق بها في جدار الرحم، والتي ستكون في النهاية المشيمة، كما تنغرس البذرة في التربة.

 ــ ويستخدم علماء الأجنة الآن مصطلح (انغراس) في وصف هذا الحدث، وهو يشبه كثيراً في معناه كلمة الحرث في العربية. ــ طور الحرث هو آخر طور في مرحلة النطفة، وبنهايته ينتقل الحمل من شكل النطفة، ويتعلق بجدار الرحم ليبدأ مرحلة جديدة وذلك في اليوم الخامس عشر.  

 وفي العصر الذي ذكر فيه القرآن هذه المعلومات عن المرحلة الأولى للتخلق البشري، كان علماء التشريح من غير المسلمين يعتقدون أن الإنسان يتخلق من دم المحيض وظل هذا الاعتقاد رائجاً حتى اختراع المجهر في القرن السابع عشر وما تلاه من الاكتشافات للحيوان المنوي والبيضة، كما ظلت أفكار خاطئة أخرى سائدة حتى القرن الثامن عشر، حيث عرف أن كلاً من الحيوان المنوي والبيضة ضروريان للحمل، وهكذا فإنه بعد قرون عديدة تمكن العلم البشري من الوصول إلى ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية قبل 1400 عام.

ثانياً: مرحلة العلقة: وهي الطور الثاني الذي تنتقل إليه النطفة، ويبدأ العلوق منذ اليوم السابع “منذ التلقيح” عندما تتلصق الكرة الجرثومية بجدار الرحم وهناك جملة تعلقات في هذه المرحلة: تعلق أولي بواسطة الخملات الدقيقة، ثم تعلق ثانٍ بواسطة الخلايا الآكلة، ثم تعلق ثالث بواسطة الخملات المشيمية، ثم تعلق رابع يربط بين الجنين الحقيقي وبين الغشاء المشيمي بواسطة المعلاق، ولا شك: أن أهم ما يميز هذه المرحلة هو هذا التعلق، وإن وصف العلقة، العالقة بجدار الرحم والمحاطة بالدم المتجمد “المتخثر” هو أدق وصف لهذه المرحلة.

صورة لجنين في الاسبوع السابع

وتستغرق هذه المرحلة أسبوعين تقريباً ينمو خلالها القرص الجنيني إلى لوح كمثري الشكل، وفي نهاية هذه الرحلة تنكشف الطبقة المتوسطة القريبة من محور الجنين لتشكل الكتل البدنية، ويبدأ ظهور أول كتلة بدنية في اليوم العشرين أو الواحد والعشرين منذ التلقيح، وعندئذ تكون العلقة قد تحولت إلى مضغة، وفي هذه المرحلة نجد أن الكرة الجرثومية التي كانت قبيل العلوق لا تزيد عن (1,2) نصف مليمتر قد أصبحت بعد العلوق بأسبوع واحد فقط مليمتراً ونصف، وفي نهاية الأسبوع الثالث، منذ التلقيح، يصبح طول اللوح الجنيني ملميترين ونصف.

 ولاكتها ثم قذفتها هو أصدق وصف وأدق لهذه المرحلة.

 ثالثاً: مرحلة العظام واللحم: وهي مرحلة تستغرق الأسبوع الخامس والسادس، والسابع، وفي الأسبوع السادس تكون هذه الهياكل الغضروفية لعظام الأطراف العلوية يسبق الطرف السفلي ببضعة أيام، وأول علامة على وجود عضلات الأطراف تظهر في هذا الأسبوع، ومعنى هذا أن العظام تسبق العضلات، ثم تكسو العضلات العظام وصدق الله العظيم حيث يقول: ” فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا”. 

  رابعاً: ثم أنشأناه خلقاً آخر: وهو التصوير والتسوية والتعديل ثم نفخ الروح لقوله تعالى: “ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء” (آل عمران ، آية : 6).

 ويقول عز من قائل: ” يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ” (الانفطار       ، آية : 6 ـ 8).

   إن عملية التسوية والتعديل عملية مستمرة في بناء جسم الإنسان منذ أن كان جنيناً إلى أن يصبح شيخاً هرماً، ولكن هذه التسوية والتعديل أبرز ما تكون في الجنين، ولا يمكن أن تتم التسوية والتعديل إلا بعد وضع الأسس، والأسس لجميع الأعضاء توضع في الفترة ما بين الأسبوع الرابع والثامن، ولهذا تعتبر هذه الفترة هي الفترة الحرجة التي تكونت فيها الجينات أشد ما تكون قابلة للتغيير، ولذا فإن تأثير الأدوية والعقاقير أو الأشعة أو الحميات تكون في أوج تأثيرها على الجنين في هذه الفترة.

مصدر المقال : موقع منبر الجزيرة

 المراجع :

 ابن قيم الجوزية، التبيان في أقسام القرآن، المكتبة العصرية، بيروت، صيدا، 2005م، ص. ص 244 ـ 256. سليمان القرعاوي، التفسير العلمي المعاصر، دار الحضارة للنشر والتوزيع، 2004م، ص 241. علي محمَّد الصَّلابي، المعجزة الخالدة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، براهين ساطعة وأدلة قاطعة، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 2013م، ص. ص 197 – 202. مصطفى مسلم، مباحث في إعجاز القرآن، دار القلم، دمشق، الطبعة الثالثة، 2005 م، ص. ص 233 -238. نايف منير فارس، الإعجاز العلمي، دار ابن حزم، 2006م، 1 / 649 -655.


الوسوم:


مقالات ذات صلة