وفي أنفسـكم أفــلا تبصــرون ـ الجهاز التنفسي

الدكتور منصور أبوشريعة العبادي

وفي أنفسـكم أفــلا تبصــرون ـ الجهاز التنفسي

إن الوظيفة الرئيسية للجهاز التنفسي هي توفير غاز الأوكسجين لكل خلية من خلايا الجسم ومن ثم تخليصها من غاز ثاني أكسيد الكربون الذي تنتجه هذه الخلايا. والأوكسجين عنصر ضروري لإنجاز عملية تحويل المواد الغذائية إلى طاقة تلزم لإجراء مختلف أنواع العمليات الحيوية التي تجري في داخل الخلايا، أو ما يسمى بالحرق أو الهدم، وينتج عن عملية التحويل هذه غاز ثاني أكسيد الكربون. وتقوم مكونات الجهاز التنفسي المختلفة بأخذ الأوكسجين من الجو، ومن ثم يتم إيصاله إلى خلايا الجسم من خلال الدم، والذي يعود محملا بثاني أكسيد الكربون فيقوم الجهاز التنفسي بسحبه من الدم وطرده إلى الجو. وبما أن الجسم لا يمكنه أن يخزن الأوكسجين في داخله فإنه من الضروري تزويده بهذه العنصر الهام بشكل متواصل؛ حيث أن انقطاع وصوله للجسم لمدة ثلاث دقائق في المتوسط يؤدي إلى موت الإنسان، بينما يمكن أن يعيش الإنسان بدون طعام لعدة أسابيع، وبدون ماء لعدة أيام. وإلى جانب هذه الوظيفة الرئيسية يقوم الجهاز التنفسي بوظيفتين ثانويتين: أولاهما استخدام الهواء الخارج من الرئتين لتوليد الأصوات من خلال مروره على الحبال الصوتية ومن ثم الفم والأنف. وثانيهما استخدام الهواء المستنشق المحمل بالمواد المتطايرة من مختلف المصادر للتعرف على روائحها من خلال مستقبلات الشم الموجودة في سقف الأنف.
وهذا ما يوفر له كمية هائلة من المعلومات: أولاً. عن تركيب الهواء في الجو من حيث الغازات التي يحتويها
، ونسبة كل منها. وثانياً. عن تركيب خلايا الجسم وما تجري فيه من عمليات حيوية وما تحتاجه وما تنتجه من غازات. وعلى هذا المصمم أن يحسب بدقة بالغة كمية الأكسجين التي يحتاجها الجسم في كل ثانية، وكذلك كمية ثاني أكسيد الكربون التي تنتجه الخلايا؛ وذلك ليحدد أبعاد مكونات جهاز التنفس الذي سيقوم بتصميمه، بحيث يتمكن من تزويد الجسم بكمية الأكسجين التي سبق وأن قام بحسابها، وكذلك الحال مع ثاني أكسيد الكربون.

 ولكي يتمكن هذا المصمم من حساب المساحة الداخلية لجدران الحويصلات الهوائية يلزمه معرفة الضغط الجزيئ للأكسجين وثاني أكسيد الكربون في الهواء الموجود في داخل الرئة وكذلك في الدم وذلك لكي يحدد معدل تبادل هذه الغازات بين الهواء والدم من خلال غشاء الخلايا المبطنة للحويصلات الهوائية. وعلى المصمم هذا أن يقوم بتصميم أغشية خاصة بسماكة بالغة الدقة لجدران الحويصلات والشعيرات الدموية المحيطة بها بحيث يمكن للأوكسجين وثاني أكسيد الكربون من اختراقها بسهولة وبمعدلات كافية. ولقد تمكن العلماء من قياس المساحة الداخلية لجدران الحويصلات الهوائية في الرئتين فوجودها تبلغ في المتوسط سبعين مترا مربعا، ولو طلب من هؤلاء العلماء حساب هذه المساحة نظريا فإني على يقين من أنهم سيواجهون كثيرا من الصعوبات بسبب كثرة العوامل التي حددت هذه المساحة. وإذا كان هذا هو الحال مع العلماء بما يملكون من عقول فكيف يمكن لإنسان عاقل أن يصدق أن تصميم الجهاز التنفسي بما فيه من تعقيد التركيب ومنتهى الكفاءة في الأداء قد تم بالصدفة! وسيكتشف القارئ وهو يقرأ عن مكونات الجهاز التنفسي أن في كل مكون من مكوناته معجزات بينات من حيث تصميم أجزاءه وكفاءتها العالية في القيام بالوظائف المنوطة بها، وسيتيقن أنها صممت من قبل خالق لا حدود لعلمه وقدرته، وهو القائل سبحانه: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } (سورة السجدة 7).
يتكون الجهاز التنفسي من ستة أجزاء رئيسية وهي: الأنف والفم والبلعوم والحنجرة والقصبة الهوائية والرئتين وذلك للقيام بوظائفه الثلاث التي ذكرناها آنفا. فالأنف هو أول محطة من محطات الجهاز التنفسي وهو ذو تركيب بديع، قد تم تصميمه بحيث يخدم الوظائف الثلاث للجهاز التنفسي. ويتكون الأنف (nose) في جزئه الظاهر أو الخارجي من فتحتين أو قناتين متجاورتين تسميان المنخاريين (nares) يوجد بينهما فاصل غضروفي يسمى الحاجز الأنفي أو الوتيرة (nasal septum) والذي يمتد حتى نهاية التجويف الأنفي.

anadolu yakası escort bayan

والمنخاران مبنيان من الأعلى من مادة غضروفية مرنة مكسوة بالجلد من الخارج والداخل مما يسهل من تحريك مقدمة أو أرنبة الأنف (nasal tip) وكذلك إغلاق الفتحتين من خلال الضغط على جوانب الأنف وذلك لإخراج المخاط أو لتجنب دخول الروائح الكريهة. إن وظيفة المنخارين هي إدخال الهواء إلى تجويف الأنف وكان يكفي لو ترك الأمر للصدفة أن يكونا مجرد فتحتين في منتصف الوجه وبدون بروز ولكن المصمم هو الله عز وجل الذي أكرم الإنسان بهذا الوجه الجميل من خلال هذا التصميم البديع للجزء البارز من الأنف، والذي يأتي بأشكال لا حصر لها؛ لإحداث هذا التنوع في أشكال وجوه البشر. وينفتح المنخاران على تجويفين واسعين في مقدمة الجمجمة يطلق عليهما التجويف الأنفي (nasal cavity) والذي يحده من الأسفل سقف الفم المكون من الحنك الصلب (hard palate) والحنك الطري (soft palate) ومن الأعلى عظام الجمجمة وعظمة الأنف ومن الخلف والجوانب عظام الجمجمة. ويبرز من الجدارين الجانبيين للتجويف الأنفي ثلاثة قواطع عظمية رقيقة تقع فوق بعضها البعض تسمى الحيود العظمية (nasal turbinate or conchæ) تعمل على تقسيمه إلى تجاويف ثانوية (meatuses) وقد صممت أشكال هذه القواطع بطريقة بديعة بحيث تخدم الوظائف المختلفة للجهاز التنفسي. ويبطن التجويف الأنفي غشاء مخاطي رقيق ومهدب تتخلله شبكة كثيفة من الشعيرات الدموية ويعمل هذا الغشاء على تسخين أو تبريد الهواء الداخل إلى الرئة وكذلك ترطيبه، بينما تقوم الأهداب بتحريك المخاط باتجاه البلعوم. وينمو على الجلد الداخلي لمقدمة الأنف أو المنخار شعر خفيف يعمل على اصطياد ذرات الغبار التي تدخل مع الهواء بينما يقوم السائل المخاطي الذي تفرزه بطانة التجويف الأنفي بامتصاص ذرات الغبار وإخراجها عند التمخط. وتنفتح القناتان الدمعيتان (tear ducts) أسفل الحيد السفلي (inferior turbinate) حيث تمتدان من الحويصلات الدمعية الموجود في مقلتي العينيين.

ويوجد على جوانب التجويف الأنفي أربعة أزواج من التجاويف محفورة داخل عظام الجمجمة تسمى الجيوب الأنفية (Sinuses) وهي مبطنة بغشاء مخاطي مهدب (ciliated mucous membrane). وتتصل الجيوب الأنفية بالتجويف الأنفي من خلال فتحات ضيقة يتم من خلالها إدخال الهواء إليها وإخراج الإفرازات المائية من بطانتها إلى الأنف حيث تعمل هذه الإفرازات على ترطيب الأنف. وأكبر هذه الجيوب هو الجيب الفكي (Maxillary Sinus) والذي يقع على الجانبين السفليين للتجويف الأنفي ويبلغ متوسط حجمه 15 سم مكعب، ومن ثم الجيب الجبهي (Frontal Sinuses) والذي يقع فوقه عند الجبهة ويبلغ متوسط حجمه 12 سم مكعب، ومن ثم الجيب الوتدي (Sphenoidal Sinuses) الذي يقع خلف التجويف الأنفي ويبلغ متوسط حجمه 8 سم مكعب، ومن ثم الجيب الغربالي (Ethmoidal Sinuses or Air Cells) الذي يقع على الجانبين العلويين، وهو مكون من عدد من التجاويف الصغيرة كما هو مبين في الصورة المرفقة. ولم يجزم العلماء بعد بالوظيفة الرئيسية التي صممت من أجلها هذه الجيوب فهم على خلاف فيما إذا كان الهدف منها التخفيف من ثقل عظام الجمجمة أم أنها تعمل كفجوات رنين (resonant cavities) لتحسين نوعية الصوت الذي يصدر من خلال الفم والأنف عند الكلام. ويوجد في سقف التجويف الأنفي رقعتان من طبقة مخاطية يحتوي كل منها على ما يقرب من خمسة ملايين مستقبل شمي (Olfactory receptors) تستخدم في حاسة الشم (Olfactory or smelling sense).
إن الوظيفة الرئيسية للتجويف الأنفي هو الحيلولة دون دخول الهواء من الجو مباشرة إلى الرئة حيث أن درجة حرارة الهواء في الجو تختلف كثيرا عن درجة الحرارة في داخل الرئة التي هي نفس درجة حرارة الجسم وقد يدمر الهواء البارد أو الساخن الخلايا الرقيقة والحساسة المبطنة للحويصلات الهوائية في الرئة. إن أول ما يدخل من الهواء إلى الرئة عند الشهيق هو الهواء الموجود في التجويف الأنفي والذي تساوي درجة حرارته درجة حرارة الجسم تقريبا حيث يتم تسخينه أو تبريده في الفترة ما بين الشهيق والزفير وذلك من خلال الغشاء المبطن لهذا التجويف والمليء بالشعيرات الدموية. وتلعب الحيود أو القواطع الأنفية دورا مهما في تمكين الأنف من القيام بوظائفه فهي أولا تزيد من المساحة الداخلية للتجويف الأنفي بحيث يتم تسخين او تبريد الهواء الموجود فيه وكذلك ترطيبه في وقت قصير وهو الوقت فيما بين الشهيق والزفير. وهي تعمل ثانيا على الحد من دخول الهواء مباشرة من الجو إلى الرئة وبذلك تمكن الجهاز التنفسي من سحب الهواء المكيف الموجود في التجويف الأنفي ويحل محله الهواء القادم من الجو مباشرة.

 أما الوظيفة الثالثة لهذه القواطع فهي بعثرة الهواء المستنشق لكي تمكنه من الوصول إلى مستقبلات الشم الموجودة في سقف التجويف. وكذلك تعمل هذه البعثرة للهواء المستنشق على تمرير جميع أجزائه على السطح المخاطي مرات عديدة لكي يتم تنقيته بشكل كامل من ذرات الغبار ولولا هذه الآلية لتعرضت الرئتين للتلف السريع بسبب تراكم الأوساخ فيها. أما الوظيفة الرابعة للقواطع فتتعلق بتحسين خصائص الصوت الذي يخرج من الفم وكذلك الأنف عند التكلم وذلك بالتعاون مع الجيوب الأنفية. إن البشر بما يملكون من عقول لا يمكنهم أن يفطنوا لكل هذه الوظائف التي يقوم بها التجويف الأنفي، ولولا أنهم درسوا تركيب هذا التجويف دراسات مستفيضة لما تنبهوا لها أبدا. فكيف يمكن لإنسان عاقل مهما بلغ مستوى تعليمه أن يصدق أن تصميم هذا التجويف الأنفي قد تم تصميمه وتصنيعه بالصدفة!
أما المحطة الثانية فهي البلعوم ( Pharynx ) أو الحلق (Throat) وكذلك الزور وهو أنبوب عضلي طوله 13 سم وتتصل به سبع فتحات وهي فتحة الفم الخلفية وفتحتا الأنف الخلفيتان وفتحتا قناتي أستاكيوس وفتحة الحنجرة. وينقسم البلعوم إلى ثلاثة أجزاء وهي الجزء البلعومي الأنفي (Nasopharynx) وهو مبطن بغشاء مهدب كاذب (Pseudosratified ciliated membrane) حيث تساعد هذه الأهداب في تحريك المخاط باتجاه الفم. وفي الجدار الجانبي لهذا الجزء تفتح قناتا أستاكيوس حيث يمر خلال هاتين القناتين كمية قليلة من الهواء إلى الأذن الوسطى للمحافظة على توازن ضغط الهواء على جانبي الطبلة الأذن.

 أما الجزء البلعومي الفمي (Oropharynix) فهو ممر مشترك للهواء والطعام ويوجد فيه زوجان من اللوز وهما لوزتا الحنك أو الفك (Palatine tonsil) ولوزتا اللسان (Lingual tonsil). ويتم فصل هذا الجزء عن التجويف الفمي من خلال اللهاة (Uvula) وهي نهاية الحنك الطري وذلك لتأمين مرور الهواء من خلاله أثناء مضغ الطعام. ويقوم الحنك الطري واللهاة كذلك بإغلاق الجزء البلعومي الأنفي أثناء بلع الطعام لكي لا يصل أي جزء منه إلى التجويف الأنفي. أما الجزء البلعومي الحنجري (Laryngopharynix) فهو الجزء الذي يتفرع فيه البلعوم إلى جزئين أحدهما بشكل مباشر إلى المرئ والآخر إلى الحنجرة (Larynx) من خلال بوابة يتم التحكم بفتحها وإغلاقها باستخدام لسان المزمار. إن الوظيفة الرئيسية للبلعوم هي استخدامه كممر مشترك للهواء القادم من الأنف الى القصبة الهوائية وكممر للغذاء القادم من الفم الى المرئ. ويقوم لسان المزمار (epiglottis) بإغلاق مجرى التنفس عند فتحة الحنجرة بشكل تلقائي عندما يقوم الإنسان ببلع الطعام فيحول دون دخوله إلى القصبة الهوائية. وتتجلى حكمة الخالق سبحانه وتعالى في تصميم هذا المجرى المشترك؛ حيث أنه يحقق غايتين بالغتي الأهمية: فالأولى استخدام الفم كبديل عن الأنف في عملية التنفس، فعندما يصاب الإنسان بالزكام قد تنغلق فتحتا الأنف كليا بسبب تراكم الإفرازات فيهما، وفي هذا الحال يقوم الفم مقام الأنف في إدخال الهواء إلى الرئتين.

أما الغاية الثانية فهي استخدام الهواء الذي يخرج من الرئتين في عملية إحداث الأصوات التي تصدرها الحبال الصوتية والتي تمر على مكونات الفم لتنتج الكلام.

 أما الوظيفة الثانوية للبلعوم فهي استخدامه كفجوة رنينية (Resonating chamber) تعمل على تقوية وترشيح بعض الترددات التي تولدها الحبال الصوتية مما يعمل على تحسين نوعية الصوت.
أما المحطة الثالثة في الجهاز التنفسي فهي الحنجرة (larynx) أو صندوق الصوت (voice box) وهي صندوق غضروفي يقع في مقدمة الرقبة على مستوى الفقرات العنقية الثالثة إلى السادسة. ويبلغ متوسط طولها في الرجال 44 ملليمتر وفي النساء 36 ملليمتر بينما يبلغ متوسط قطرها 30 ملليمتر. وبسبب وظائفها المتعددة فإن تركيبها الميكانيكي فيه شيء من التعقيد ولكنها مصممة بشكل بالغ الإتقان ولا زال العلماء يعملون على كشف أسرارها خاصة فيما يتعلق بوظيفتها الرئيسية وهي توليد الصوت.

والحنجرة مبنية من ستة أنواع من الغضاريف ثلاثة منها فردية بينما الثلاثة الأخرى زوجية أي أنها تحتوي على تسعة قطع من الغضاريف مختلفة الأشكال لكل منها وظيفته الخاصة. فالغضاريف الفردية هي أولا الغضروف الدرقي (thyroid cartilage) وهو أكبر الغضاريف حجما ويطلق عليه أيضا اسم تفاحة أدم (Adam’s apple). يتكون هذا الغضروف من لوحين مقوسين على شكل شبه منحرف ملتحمين عند المقدمة ومفتوحين في الخلف وهو يشكل النصف الأمامي من صندوق الحنجرة ويوجد في أعلاه وعند مقدمته ثلمة (notch). ويبرز من النهاية الخلفية لكل من اللوحين الدرقيين قرنان علويان يرتبطان بالعظم اللامي (Hyoid bone) من خلال عضلات تعمل على رفعه عند انقباضها أما السفليان فيلتحمان بسطح الغضروف الحلقي أو الخاتمي. وتبلغ الزاوية بين لوحي الغضروف الدرقي 90 درجة عند الرجال و 120 درجة عند النساء مما يجعله أكثر بروزا عند الرجال بينما لا يكاد يظهر هذا البروز عند النساء وذلك لأغراض جمالية.

 إن هذا الاختلاف في تصميم الحنجرة لدى الرجال والنساء رغم أن الوظيفة واحدة وذلك مراعاة للناحية الجمالية يفحم كل من يجحد بأن الله عز وجل هو الخالق فلا يمكن لأي عاقل أن يدعي أن ذلك قد تم بالصدفة بل لو وكل الأمر للبشر لتصميم الحنجرة لما أخذوا هذا الاختلاف بعين الاعتبار. أما الغضروف الفردي الثاني فهو الغضروف الحلقي أو الخاتمي (cricoid cartilage) ويقع تحت الغضروف الدرقي وهو على شكل الخاتم (ring) فهو عريض في الجهة الخلفية وشحيح في المقدمة. أما الغضروف الفردي الثالث فهو لسان المزمار (epiglottis) وهو على شكل ورقة النبات أو الملعقة، وقاعدته مثبتة في الجدار الأمامي للغضروف الدرقي تحت الثلمة مباشرة ويقوم لسان المزمار بإغلاق الحنجرة تماما عند بلع الطعام من خلال العضلات التي تتحكم بحركته.

أما الغضاريف الزوجية فهما الغضروفان الطرجهاريان (arytenoid cartilages) وهما غضروفان هرميا الشكل مثبتان على الحافة العليا للغضروف الحلقي من الناحية الخلفية وعليهما يتم تثبيت أحد طرفي الحبال الصوتية الحقيقية وكذلك الكاذبة. وهذان الغضروفان يمكن تحريكهما بعضلات خاصة موجودة في الجزء الخلفي من الحنجرة وذلك لفتح وإغلاق الأحبال الصوتية وكذلك شدهما وإرخاؤهما. أما الغضروفان القرنيان (corniculate cartilages) والغضروفان الأسفينيان (cuneiform cartilages) فهي غضاريف مثبتة فوق الغضروفين الطرجهارين لتكونا الحافة السفلى والجانبية لفتحة الحنجرة وعليهما يطبق غضروف لسان المزمار عند إغلاق الفتحة عند بلع الطعام.

ويوجد في منتصف تجويف الحنجرة زوجان من الأغشية يقعان فوق بعضهما البعض ويتكون كل غشاء من ثنيتين (folds) تبرزان من الجدار الداخلى للحنجرة وتكون الثنيتان فيما بينهما فتحة طولية تمتد من مقدمة الحنجرة إلى مؤخرتها ويتم التحكم بمقدار الفتحة بعضلات مربوطة بالغضاريف الطرجهارية. فالغشاء السفلي يسمى الحبال أو الأوتار الصوتية الحقيقية (true vocal folds) بينما يسمى الغشاء العلوي بالحبال الصوتية الزائفة (false vocal folds). ويتم تثبيت أحد أطراف هذه الأغشية على السطح الداخلي للغضروف الدرقي عند مقدمته بينما يتم تثبيت الطرف الآخر على الغضروفان الطرجهاريان بحيث يتم ربط كل ثنية بالغضروف الذي يقابلها. ويتم التحكم في مقدار اتساع الفتحتين من خلال تحريك عضلات مرتبطة بالغضروفين الطرجهاريين تقوم بابعادهما أو تقريبهما من بعضهما البعض وكذلك تعمل على شد أو إرخاء الحبال الصوتية وذلك لأغراض تغيير تردد النغمات التي تولدها.

ومن الجدير بالذكر أن الفتحتين الموجودتين في الحبال الصوتية الحقيقية والكاذبة تفتحان وتغلقان معا وهما مفتوحتان بكامل اتساعهما في الوضع الطبيعي وذلك لتمرير هواء التنفس أما عند الكلام فإنه يتم إغلاقهما جزيئا لتوليد الصوت. إن وظيفة الحبال الصوتية الزائفة هو منع دخول الأجسام الغريبة إلى الرئتين إذا ما حصل بالخطأ أن تجاوزت هذه الأجسام بوابة الحماية الرئيسية وهي لسان المزمار حيث تبدأ الحنجرة بعملية السعال أو الكحة (cough) لإخراج الجسم الغريب. أما الحبال الصوتية الحقيقية فوظيفتها الرئيسية هو توليد الأصوات من خلال اهتزازها بفعل تيار الهواء الذي يمر عليها خارجا من الرئتين. ويتراوح طول الحبال الصوتية عند الرجال بين 17.5 و 25 ملليمتر وعند النساء بين 12.5 و 17.5 ملليمتر بينما يتراوح سمكها بين 2 و 3 ملليمتر. وعندما يمر الهواء الخارج من الرئتين بقوة كافية على الحبال الصوتية فإنها تبدأ بالاهتزاز منتجة نغمات صوتية (sound tones) بترددات محددة تتحدد بشكل رئيسي من طول الحبال الصوتية ومقدار شدهما وكذلك قوة تيار الهواء الذي يحركها. وبما أن تردد الصوت المتولد من الوتر يتناسب عكسيا مع طول الوتر فإن التردد ألأساسي (fundamental frequency) الذي يتولد في حنجرة الرجال يبلغ في المتوسط 125 هيرتز أو ذبذبة في الثانية بينما يبلغ 210 هيرتز عند النساء بسبب قصر حبالهن الصوتية ويبلغ عند الأطفال 300 هيرتز. وإلى جانب التردد الأساسي تولد الحبال الصوتية ترددات كثيرة تسمى المتناغمات (harmonics) لها قيم تساوي مضاعفات التردد الأساسي وتمتد حتى 20 ألف هيرتز. إن الصوت الذي يتولد من الحبال الصوتية يحتوي على ترددات كثيرة غير مرغوب فيها ولكن بمروره على تجاويف مجرى التنفس التي تعمل كفجوات رنين (Resonating chamber) فإنه يتم ترشيح كثير من هذه الترددات فيصبح الصوت أكثر نقاءا. ومن أهم هذه التجاويف تجويف البلعوم والفم والأنف والحنجرة والقصبة الهوائية والجيوب الأنفية وبسبب اختلاف أحجام هذه التجاويف فإنها تقوم بترشيح معظم الترددات غير المرغوب فيها على مدى الطيف الترددي للصوت.

أما المحطة الرابعة فهي القصبة الهوائية ( Trachea ) وهي أنبوبة أسطوانية الشكل يتراوح طولها بين 10 سم و 16 سم بينما يتراوح قطرها بين 2 سم و 3 سم وتقع أمام المريء مباشرة وتمتد من الحنجرة عند مستوى الفقرة الرقبية السادسة إلى مستوى الفقرة الصدرية الخامسة حيث تتفرع إلى الشعبتين الهوائيتين. ويتكون جدار القصبة الهوائية من حلقات غضروفية دائرية غير مكتملة من الجهة الخلفية على شكل حذوة الفرس يبلغ عددها 20 حلقة. ويوجد في الجزء المفتوح من الحلقة ألياف عضلية ملساء (fibroelastic ligaments) تربط نهايات الحلقة الغضروفية وتعمل على تضييق قطر الحلقة عند انقباضها. إن عدم اكتمال الحلقات الغضروفية في القصبة الهوائية يدل على أن مثل هذا التصميم البديع لا يمكن أن يصدر إلا عن خالق لا حدود لعلمه وقدرته يعلم سبحانه أن هذا الأنبوب الهوائي (wind pipe) عليه أن يقوم بمهام مختلفة تتطلب مواصفات قد تكون متضاربة.

فالمهمة الأولى والرئيسية هي تمرير الهواء إلى الرئتين وهي تتطلب أن يكون الأنبوب مفتوحا بشكل دائم، وأن يكون قطره أكبر ما يكون وهذا يتطلب تصنيع كامل جداره من مادة صلبة كالغضاريف مثلا. ولكن المهام الأخرى للقصبة تتطلب عكس ذلك فإخراج البلغم من الرئتين عند إصابتها بالالتهاب يتطلب أن يكون الأنبوب مرن وذي قطر صغير لكي يزيد من ضغط الهواء فيه عند السعال أو الكحة وكذلك عند العطاس (sneeze reflex sneezing) وذلك لكي يدفع البلغم بقوة إلى الخارج. وكذلك فإن توليد الصوت في الحنجرة يتطلب تيارا هوائيا قويا يعمل على اهتزاز الحبال الصوتية بقوة كافية، وهذا أيضا يتطلب أن يكون الأنبوب ضيق لرفع ضغط الهواء فيها. أما المهمة الرابعة والتي قد لا تخطر على البال فهي تسهيل حركة الطعام في المريء والذي يقع خلف القصبة الهوائية مباشرة أي أن جداريهما متلاصقين. ولكي تحقق القصبة كل هذه المتطلبات كان هذا التصميم البديع لها فهي مكونة كما أسلفنا من حلقات غضروفية تضمن أن تكون مفتوحة بشكل دائم ولكن هذا الحلقات غير مكتملة وقد تم استبدال الجزء المفقود من الغضروف بعضلات ملساء تعمل عند انقباضها على شد أطراف الحلقة فيضيق قطرها. إن تضيق قطر القصبة لا يحدث إلا عند الكلام أو السعال أو العطاس والذي يتم فقط في حالة إخراج الهواء من الرئتين أي الزفير بينما يكون قطرها أكبر ما يكون في حالة إدخال الهواء إلى الرئتين أي الشهيق. إن الجزء الخالي من المادة الغضروفية قد تم اختيار مكانه بحيث يكون هو الجزء الملامس للمريء، وهذا يتيح للمريء أن يتمدد عند بلع الطعام، ولو كان الجزء الغضروفي هو الملامس لما أمكن للمريء أن يتمدد، فسبحانه من خالق لطيف خبير. وقد يسأل سائل عن السبب في تصنيع القصبة الهوائية من حلقات غضروفية وليس من صفيحة غضروفية والجواب على ذلك أن القصبة الهوائية بوجود الحلقات الغضروفية يمكنها أن تتمدد وتتقلص في الاتجاه العامودي بسبب وجود عضلات ملساء بين هذه الحلقات. إن مثل هذا التمدد والتقلص للقصبة الهوائية ضروري جدا لتأدية بعض المهام كالسماح للحنجرة بالتحرك إلى الأعلى عند بلع الطعام لكي يتم إغلاق فتحتها بشكل محكم من قبل لسان المزمار.

 أما المهمة الثانية فهي السماح للرئة بالتحرك إلى الأعلى عند العطاس والسعال لكي تقوم بدفع الهواء بقوة إلى الخارج. أما السبب الأخير فإن عملية تضييق القصبة الهوائية فيما لو صنعت من صفيحة غضروفية ستكون صعبة حتى لو كانت غير كاملة الاستدارة. ويبطن جدار القصبة الهوائية مادة طلائية مهدبة كاذبة (pseudostratified ciliated epithelium) تقوم بإفراز المواد المخاطية التي تساعد على ترطيب الهواء وتنقيته من الشوائب بينما تقوم الأهداب بالتذبذب من الأسفل إلى الأعلى لدفع الإفرازات المخاطية وإخراجها عن طريق الفم.
وتتفرع القصبة الهوائية عند نهايتها إلى فرعين كبيرين من الشعب الهوائية وهما الشعبتان الأوليتان اليمنى واليسرى (Right and left primary bronchus) حيث تدخل كل شعبة منهما إلى إحدى الرئتين فيما بينهما عند نهاية الثلث الأعلى تقريبا. وفي داخل الرئتين تتفرع كل شعبة من هاتين الشعبتين إلى شعب ثانوية (Secondary bronchus) وهي ثلاثة شعب في الرئة اليمنى تذهب لفصوصها الثلاث وشعبتين في الرئة اليسرى تذهب لفصيها الاثنين. وتتفرع الشعب الثانوية داخل كل فص من فصوص الرئة إلى فروع أصغر ثم أصغر لتكون ما يعرف بالشجيرة الشعيبية (Bronchial tree). ويشبه تركيب الشعب الهوائية الأولية والثانوية تركيب القصبة الهوائية إلا إن غضاريفها كاملة الإستدارة حيث أن مهمتها الوحيدة هو تمرير الهواء. وفي الفروع المتوسطة من الشجرة يتم استبدال الغضاريف بصفيحة غضروفية بينما تختفي هذه الصفائح تماما في الأفرع الصغيرة والتي تعرف بالشعيبات (Bronchioles) حيث تتكون جدران هذه الشعيبات من ألياف عضلية ملساء.
أما المحطة النهائية والرئيسية في الجهاز التنفسي فهما الرئتان (Lungs) واللتان تقعان في أعلى التجويف الصدري فوق الحجاب الحاجز ويفصل بينهما القلب والشعبتان الهوائيتان الأوليتان ويبلغ متوسط وزنهما معا كيلوجرام واحد. والرئة الواحدة لها شكل شبه مخروطي ترتكز قاعدتها على الحجاب الحاجز وتنقسم كل رئة إلى فصوص (Lobes) من خلال أخاديد تبدو واضحة على سطحها فالرئة اليمنى أكبر حجما من اليسرى وتتكون من ثلاثة فصوص بينما تتكون الرئة اليسرى من فصين فقط وذلك بسبب وجود قسم من القلب في نفس الحيز الذي تحتله الرئة اليسرى في القفص الصدري. ويتكون كل فص من هذه الفصوص من حجر صغيرة تعرف بالفصيصات (Lobules) ويغلف كل فصيص نسيج ضام مطاطي يحتوى على كثير من الأوعية الليمفاوية والأوردة والشرايين ولذا فإن الرئة تبدو كالإسفنجة. ويحيط بالرئتين داخل التجويف الصدري غشاء ليفي مصلي أملس يسمي الغشاء البلوري (pleura) يتكون من طبقتين تتألف كل طبقة منهما من صف واحد من الخلايا الطلائية وتلتصق الطبقة الداخلية أو الحشوية (visceral pleura) بالرئتين بينما تلتصق الطبقة الخارجية (parietal pleura) بالجدار الداخلي للقفص الصدري. ويوجد بين طبقتي الغشاء البلوري تجويفا يسمى التجويف الجنبي (Pleural cavity) والذي يحتوى على سائل مصلي (Serous fluids) يساعد على تكوين سطح انزلاقي للرئتين داخل القفص الصدري. وهذا الغشاء يحمي الرئتين من الاحتكاك بجدار القفص الصدري عند انتفاخهما في عملية التنفس وكذلك يخفف من أثر حركات نبض القلب علي الرئتين. أما الوظيفة الأهم للغشاء البلوري فهي العمل على تمدد الرئة مع تمدد القفص الصدري فعندما يتمدد القفص فإنه يسحب معه الطبقة الخارجية للغشاء فيبعده عن الطبقة الداخلية والذي يؤدي إلى هبوط الضغط في التجويف الجنبي مما يؤدي إلى تمدد الرئتين بسبب ارتفاع ضغط الهواء فيها عن الضغط في التجويف الجنبي.
إن أهم مكونات الرئة هي الشعيبات الهوائية والتي تتكون جدرانها من خلايا طلائية حرشوفية مسطحة الشكل بدلا من الخلايا العادية الكروية الشكل. وتبرز من جدران هذه الشعيبات تجاويف صغيرة كروية الشكل كالبالونات تسمى الأسناخ الرئوية أو الحويصلات الهوائية (Alveoli) وتتكون جدرانها من طبقة واحدة من نوعين من الخلايا. فالنوع الأول وهي الأكثر عددا فتسمى الخلايا الحرشوفية البسيطة (simple squamous epithelium) وهي خلايا مسطحة الشكل رقيقة الجدران ومن خلالها يتم تبادل الغازات مع الدم. أما النوع الثاني وهي الأقل عددا فهي أيضا خلايا حرشوفية مهمتها إفراز مواد لها توتر سطحي عالي (surfactant) تعمل على إبقاء هذه الحويصلات في حالة الانتفاخ وتعمل كذلك على تجديد ما يتلف من خلايا. ويبلغ عدد هذه الحويصلات في الرئتين 300 مليون حويصلة يتراوح قطر الواحدة منها بين 0,1 و 0,2 مم وتبلغ مساحة السطح الداخلى لجميع هذه الحويصلات ما يقرب من سبعين متر مربع وذلك لكي تتمكن الرئة من امتصاص الكمية اللازمة من الأوكسجين من الهواء وكذلك طرد ثاني أكسيد الكربون. وتكون الحويصلات الهوائية التي تشترك في شعبة هوائية واحدة ما يسمى بالكيس الحويصلي أو السنخي (Alveolar sac) وله شكل أشبه ما يكون بقطف العنب. ويحيط بكل حويصلة من هذه الحويصلات شبكة كثيفة من الشعيرات الدموية تعمل على عملية تبادل غازي الأوكسجين وثاني أكسيد الكربون بين الهواء الموجود في الحويصلات والدم الموجود في هذه الشعيرات وذلك عبر جدرانها المشتركة. ويوجد في الحيز الذي بين الحويصلات أنسجة ضامة غنية بألياف مرنة (elastic fibers) تعطي الرئتين الطبيعة المطاطية التي تتميز بها والتي تسهل من عملية انتفاخها. إن الشريان الرئوي القادم من القلب عليه أن يتفرع إلى ثلاثمائة مليون فرع يصل كل واحد منها إلى إحدى الحويصلات ثم يتفرع كل فرع منها إلى شبكة كثيقة من الشعيرات الدموية تغطي كامل سطح الحويصلة التي لا يتجاوز قطرها 0.2 مم. ومن ثم تبدأ هذه الشعيرات الدموية بالاتحاد من جديد وهي على سطح الحويصلة لتكون فرع وريدي ومن ثم تبدأ هذه الأفرع الوريدة التي يبلغ عددها أيضا 300 مليون فرع بالاتحاد التدريجي لتكون الوريد الرئوي الذاهب إلى القلب. إن تمديد هذه الشبكة الهائلة من الأوعية الدموية من حيث عددها وكذلك صغر أقطارها ومن حيث وصول كل فرع منها إلى هدفها المنشود وهي الحويصلات الهوائية عمل يعجز أن يقوم به البشر ولو اجتمعوا له
، ومن السخافة أن يدعي مدعي أن ذلك قد تم بالصدفة، بل إن من قام بهذا التصميم البديع خالق عليم قدير سبحانه وتعالى.

تتم عملية التنفس من خلال توسيع وتضييق القفص الصدري (Thoracic cage‏) وليس من خلال حركة ذاتية للرئتين فهما لا تحتويان على عضلات خاصة لإحداث مثل هذه الحركة. ويتكون القفص الصدري من اثني عشر زوج من زوائد عظمية تسمى الضلوع (ribs) تربطها ببعضها عضلات الضلوع أو العضلات الوربية (Intercostal muscles) وهو مخروطي الشكل له فتحتان العلوية منهما ضيقة وتمر منها القصبة الهوائية والمريء والأوعية الدموية والأعصاب. أما الفتحة السفلية فهي واسعة وهي مغلقة بالكامل بعضلات الحجاب الحاجز (Diaphragm) الذي يفصل التجويف الصدري عن التجويف البطني. وتتم عملية التنفس بشكل متواصل ودوري من خلال عمليتين متعاقبتين وهما عملية الشهيق (Inspiration) وفيها تنقبض عضلات الحجاب الحاجز وعضلات الضلوع فيهبط الحجاب الحاجز إلى الأسفل وترتفع الضلوع إلى الأعلى فيتسع بذلك تجويف القفص الصدري مما يجعل الهواء يدخل إلى الرئتين نتيجة انخفاض ضغط الهواء داخلهما وهي عملية تحتاج لبذل كمية من الطاقة. أما في عملية الزفير (Expiration) فإن عضلات الضلوع والحجاب الحاجز تنبسط وتعود لوضعها الطبيعي فيقل بذلك حجم التجويف الصدري فيضغط على الرئتين مما يؤدي إلى طرد الهواء للخارج وهي عملية سلبية تتم بدون بذل أي جهد عضلي ولا تحتاج للطاقة. وتبلغ السعة القصوى للرئتين 6000 مم أي ستة لترات من الهواء وتسمى هذه السعة الكلية للرئة (Total lung capacity) أما كمية الهواء الموجودة في الرئة في الوضع الطبيعي فهي ثلاثة لترات تقريبا. ويبلغ حجم الهواء الذي يدخل الرئتين ويخرج منها في كل دورة وذلك في وضع الراحة ما يقرب من 500 مم ويسمى هذا الحجم بالحجم الموجي أو المدي (Tidal volume) ولكن من الممكن زيادة هذا الحجم إلى ما يقرب من 2500 مم أي لتران ونصف من الهواء وذلك عند القيام بشهيق عميق بعد شهيق اعتيادي ويسمى هذا الحجم بالحجم الشهيقي الإحتياطي (Inspiration reserve volume). ويمكن طرد كمية من الهواء بعملية زفيرية قوية بعد عملية زفيرية اعتيادية بمقدار 1500مم ويعرف هذا بالحجم الزفيري الإحتياطي (Exspiratory reserve volume).

وعند القيام بمجهود شاق كالعمل أو الرياضة فإن كمية الهواء المستنشق قد تصل إلى 4500 مم وتسمى هذه بالسعة الحيوية (Vital capacity). أما كمية الهواء الذي يتبقى في الحويصلات الهوائية بعد أعمق زفير والتي تساوي 1500 مم فيسمى الحجم المتبقي (Residual volume). وبما أن الهواء المستنشق لا يصل بكامله الى الحويصلات الهوائية بل يتبقى ما مقداره 150 مم في المجاري التنفسية لا يشترك في تزويد الدم بالأكسجين ويسمى هذا بالحيز الميت (dead space).
إن سرعة أو معدل التنفس تتحدد بناءا على كمية الأوكسجين الذي تحتاجه خلايا الجسم لإجراء عملياتها الحيوية المختلفة وكذلك على كمية ثاني أكسيد الكربون التي تنتجها. ويتراوح معدل التنفس عند الإنسان البالغ في حالة الراحة بين 12 و 18 مرة في الدقيقة ويزداد هذا الرقم إلى الضعف عند قيام الجسم ببذل مجهود ما كالعمل أو الرياضة. ويزداد معدل التنفس مع زيادة كثافة عمليات الأيض أو التمثيل الغذائي (Metabolism) فالأجسام الكبيرة تحتاج لمعدل تنفس أعلى من الأجسام الصغيرة. ويزداد كذلك مع المجهود العضلي او الحركي الذي يبذله الجسم فمعدل التنفس يزداد عند الركض أو العمل بشكل كبير عن المعدل الطبيعي فقد يصل إلى ثلاثين مرة في الدقيقة. ويرتبط معدل التنفس مع عمر الكائن الحي فالأطفال لهم معدل تنفس أعلى كثيرا من البالغين وذلك لزيادة معدل التكاثر الخلوي في الأطفال مقارنة بالبالغين وهو أعلى ما يكون عند الرضع حيث يبدأ بمعدل 50 مرة في الدقيقة ثم يبدأ بالتناقص مع زيادة عمر الطفل. ويلعب الموقع الجغرافي وطبيعة المناخ دورا مهما في تحديد معدل التنفس لدى الإنسان فنسبة الأوكسجين في الهواء تقل مع الارتفاع عن مستوى سطح البحر ومع زيادة الحرارة والرطوبة النسبية في الجو. ويتم التحكم بمعدل التنفس بطريقة لإرادية ولكن يمكن للإنسان أن يتدخل إراديا بهذا المعدل لفترات زمنية محدودة ولهذا فإنه يوجد في الدماغ أكثر من مركز للتعامل مع عملية التنفس. فمركز التحكم الرئيسي (Breathing control center) موجود في النخاع المستطيل (Medulla oblongata) ويقوم هذا المركز بتوليد النبضات العصبية الرتيبة التي تحكم معدل التنفس (medullary rhythmicity area). ويوجد في منطقة الجسر (pons) مركزان للتحكم أحدهما للتحكم في عملية الشهيق (apneustic area) والآخر للتحكم في عملية الزفير (pneumotaxic area). ويتلقى هذان المركزان إشارات عصبية من مستقبلات حسية كيميائية (chemoreceptors) موجودة حول الشريان التاجي والشريان السباتي تعمل على قياس مستوى تركيز الأوكسجين وثاني اكسيد الكربون الخارج من القلب وكذلك تركيز حامض الكربونيك في الدم. ثم يقوم هذان المركزان بمعالجة هذه الإشارات العصبية ويقومان بإرسال إشارات عصبية إلى مركز التحكم الرئيسي في النخاع المستطيل لزيادة أو تقليل معدل وعمق التنفس فيقوم بدوره بإرسال إشارات تحكم عصبية إلى الحجاب الحاجز وكذلك عضلات الضلوع لزيادة معدلات انبساطها وانقباضها. وإلى جانب المستقبلات الحسية الكيميائية يوجد مستقبلات حسية ميكانيكية (proprioreceptor or stretch receptor) موجودة في عضلات الصدر والحجاب وفي بعض عضلات الجسم تقوم بإرسال إشاراتها للمساعدة في ضبط معدل وعمق التنفس. ففي حالة الحركة فإن المستقبلات الحركية الموجودة في العضلات هي المسؤلة عن معدل وعمق التنفس، ولا ينتظر مركز تحكم التنفس الإشارات القادمة من المستقبلات الكيميائية حيث أنها تأتي متأخرة عندما تحس بنقص الأكسجين. ويوجد مستقبلات حسية أخرى موزعة في مختلف أنحاء الجسم تعمل على ضبط التنفس عند التغوط والألم وارتفاع درجة الحرارة والإثارات العاطفية والخوف وغير ذلك. ويتم إرسال النبضات التي تتحكم بعضلات التنفس من خلال العصب الرئوي (phrenic nerve) الذي يخرج من الحبل الشوكي من بين الفقرات العنقية الثانية والرابعة. وعلى الرغم من أن عملية التنفس تتم بشكل لا إرادي إلا أن الإنسان بإمكانه أن يتحكم لفترات محددة بمعدل التنفس وكذلك عمق النفس حيث يمكنه حبس نفسه لقترة زمنية قصيرة أو أخذ نفس عميق وذلك لأغراض مختلفة: كالغوص في الماء
، أو منع دخول الروائح الكريهة، أو شم الروائح الزكية أو غير ذلك. إن التحكم الإرادي في عملية التنفس يتم من خلال مراكز موجودة في القشرة الدماغية حيث تقوم بإرسال إشارات إلى مركز التحكم الرئيسي للتنفس في النخاع المستطيل، وذلك لوقف عملية التنفس الطبيعية واستبدالها بنمط جديد يتم فيه التحكم بعضلات التنفس تحت سيطرة هذه الإشارات. ويلزم التحكم الإرادي في التنفس لأغراض كثيرة كوقف التنفس لفترات قصيرة أو لزيادة معدله أو عمقه، أو في توليد الكلام أو الضحك أو السعال.
يتم نقل الأوكسجين من الرئتين إلى خلايا الجسم ونقل ثاني أكسيد الكربون من خلايا الجسم إلى الرئتين من خلال دورتين دمويتين تحدثان في الجهاز الدوري: وهما الدورة الدموية الكبرى، والدورة الدموية الصغرى.

 ففي الدورة الدموية الكبرى يخرج الدم المؤكسد من البطين الأيسر إلى جميع أعضاء الجسم ثم يعود دما غير مؤكسد إلى الأذين الأيمن. أما في الدورة الدموية الصغرى فيخرج الدم غير المؤكسد من البطين الأيمن إلى الرئتين ثم يعود دما مؤكسدا إلى الأذين الأيسر. ويتم تبادل غازي الأكسجين وثاني أكسيد الكربون بين الهواء الموجود في الحويصلات الهوائية والدم الموجود في الشعيرات الدموية المحيطة بها وكذلك بين السائل ما بين الخلوي والدم الموجود في الشعيرات الدموية الممتدة بين خلايا الجسم من خلال الانتشار البسيط.
أما عملية نقل الأكسجين من الرئتين إلى خلايا الجسم ونقل ثاني أكسيد الكربون من خلايا الجسم إلى الرئتين فتتم بواسطة بروتين الهيموجلوبين (Hemoglobin) الموجود في خلايا الدم الحمراء (red blood cells) والذي يشكل 97 بالمائة من وزنها الجاف. إن السر الأعظم في عملية النقل هذه تكمن في قدرة الهيموجلوبين على الإتحاد بالأكسجين أو ثاني أكسيد الكربون تحت ظروف معينة والإنفكاك عنهما تحت ظروف أخرى. ويتكون جزيئ الهيموجلوبين من مجموعتين هما:  مجموعة الهيمو (heme group)
، وهو جزيئ صغير نسبيا يحتوي على ذرة حديد واحدة، ومجموعة البروتين وهي سلاسل طويلة من الأحماض الأمينية تلتف حول بعضها البعض وحول جزيئ الهيمو لتعطي الهيموجلوبين شكله المميز وخصائصه الكيميائية الفريدة. يمكن لجزيئ الهيموجلوبين الواحد أن يحمل أربع جزيئات من الأكسجين، أي أن الجرام الواحد من الهيموجلوبين يمكنه حمل 1.34 مللي ليتر وهذا يزيد بسبعين ضعف كمية الأوكسجين التي يمكن أن تحملها بلازما الدم فيما لو تم نقله من خلال الذوبان فيها. ولولا هذه الطريقة الفريدة في نقل الأكسجين باستخدام الهيموجلوبين للزم زيادة كمية الدم التي تمر على الرئتين إلى سبعين ضعف الكمية الحالية وهذا يتطلب رفع معدل دقات القلب إلى سبعين ضعف معدله الطبيعي إذا ما أبقينا على نفس الحجم للقلب. فهل يمكن لإنسان عاقل أن يعتقد أن هذه الطريقة قد حدثت بالصدفة وأن تصميم جزيئ الهيموجلوبين قد تم بالصدفة رغم أن كثير من العلماء قد أفنوا أعمارهم وهم يدرسون تركيبه وطريقة عمله ولا زالت بعض أسراره مجهولة.

أما خلية الدم الحمراء التي تحتوي على 270 مليون جزيئ هيموجلوبين فإن في تصميم شكلها ما يؤكد على أن الذي صممها عليم خبير سبحانه وتعالى فقد تم اختيار الشكل بحيث يكون له أكبر مساحة سطح ممكنة وبأقل حجم لكي يتسنى وضع أكبر عدد ممكن من جزيئات الهيموجلوبين عليه لكي تمسك بأكبر عدد ممكن من جزيئات الأكسجين. وخلية الدم الحمراء لا تحتوي على نواة وهي على شكل قرص بسطحين مقعرين (biconcave disks) أي على شكل الكعكة ويبلغ قطرها 7,5 ميكرومتر وسمكها الخارجي عند أطرافها 2 ميكرومتر ومساحتها 136 ميكرومتر مربع . ويحتوي الملليمتر المكعب الواحد من الدم خمسة ملايين خلية دم حمراء في المتوسط ويبلغ مجموع ما يحتويه الدم في جسم الإنسان من خلايا الدم الحمراء ما متوسطه 25 تريليون. إن متوسط عمر خلية الدم الحمراء يبلغ في المتوسط ثلاثة أشهر ولذا فإنه يلزم إنتاج خلايا جديدة لتعويض ما يموت منها وتتم عملية إنتاج هذه الخلايا في نخاع العظام حيث ينتج منها ما متوسطه مليوني خلية في الثانية الواحدة.
إن عملية تبادل غازي الأكسجين وثاني أكسيد الكربون في الحويصلات الهوائية وفي خلايا الجسم تتم من خلال الإنتشار البسيط (Simple Diffusion ) واعتمادا على القدرة العجيبة للهيموجلوبين على الاتحاد مع أحد هاذين الغازين تحت ظروف محددة. ففي الدم غير المؤكسد الوارد إلى الرئتين من القلب يبلغ الضغط الجزييئ للأكسجين (PO2) حوالي 40 مم زئبق
، وضغط ثاني اكسيد الكربون PCO2) 54) مم زئبق بينما يبلغ ضغط الأكسجين في الحويصلات الهوائية 100 مم زئبق وثاني اكسيد الكربون 40 مم زئبق. وبما أن ضغط الأكسجين في الحويصلات الهوائية أعلى منه في الدم فإنه سينتقل منها إلى الدم بينما ينتقل ثاني أكسيد الكربون من الدم إلى الحويصلات الهوائية بسبب ارتفاع تركيزه في الدم. وهنا تبدأ الخاصية العجيبة للهيموجلوبين في العمل وهي أنه يتحد مع أكثر الغازين تركيزا فيقوم بالإنفكاك عن ثاني أكسيد الكربون الذي جلبه معه من خلايا الجسم ومن ثم الاتحاد مع الأكسجين ليكون مركب الأكسيهيموقلوبين (Oxyhaemoglobin) الذي سيحمله من الرئتين إلى خلايا الجسم فيعود الدم مؤكسدا إلى القلب ومن ثم إلى خلايا الجسم. وعند وصول الدم إلى خلايا الجسم فإن الحال سينعكس فثاني أكسيد الكربون الناتج من عمليات الأيض في الخلايا يكون أعلى تركيزا من الأكسجين الذي تمتصه الخلايا لعمليات الأكسدة فيبدأ  الهيموجلوبين بالإنفكاك عن الأكسجين والاتحاد مع ثاني أكسيد الكربون ليكون مركب الكربينوهيموقلوبين (HbCO2) ليحمله الدم غير المؤكسد إلى القلب ومن ثم إلى الرئتين.
وإلى جانب عمليتي الشهيق والزفير التي يقوم بها الجهاز التنفسي لغرض التنفس فإنه يوجد عمليات أخرى قد يحدثها هذا الجهاز كالسعال والعطاس والتثاؤب وذلك لأغراض غير التنفس. فالسعال أو الكحة ((Cough)) عملية يتم تحريضها بمنبهات ميكانيكية أو كيميائية تتعرض لها المجاري الهوائية وذلك لتخليصها من الإفرازات الموجودة فيها
، أو أية أجسام غريبة أخرى يمكن أن تدخلها. ويسبق السعال شهيق عميق يتلوه انغلاق للسان المزمار ومع رجوع الحجاب الحاجز والضلوع لوضعها الطبيعي يحدث ارتفاع سريع في الضغط داخل القفص الصدري. وعندما ينفتح لسان المزمار بشكل مفاجئ ينجم عنه تدفق سـريع للهواء من الرئتين إلى الخارج حاملا معه الإفرازات المخاطية والأجسام الغريبة. أما العطاس فهو عملية تقوم خلالها الرئتين بشهيق عميق تسحب خلاله كمية كبيرة من الهواء ثم تخرجه فجأة من الأنف والفم وبقوة شديدة خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز الثانية الواحدة، حيث تصل سرعة الهواء الخارج ما يقرب من 200 كلم في الساعة. ويقوم الجسم بهذه الحركة بطريقة لا إرادية للتخلص من الجراثيم والمواد المتطايرة التي تعمل على تهيج مجرى التنفس، حيث يوجد في الجدار المبطن لمجرى التنفس نهايات عصبية تستجيب لمثل هذه المؤثرات. إن عملية العطس تحتاج إلى طاقة كبيرة جدا أكبر من تلك التي يحتاجها السعال مما يؤدي إلى توقف جميع وظائف الجسم عن العمل بما فيها القلب خلال أجزاء الثانية التي تحدث خلالها. إن كبت عملية العطاس بعد بدئها قد تكون لها عواقب ضارة بجسم الإنسان فالطاقة التي يستجمعها الجسم لإجراءعملية العطس إن لم تفرغ فيها فسيتم تفريغها في مكان أو أكثر في الجسم مما قد يحدث ضررا فيها. ولذلك فقد علمنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن نقول: الحمد لله بعد حدوث عملية العطاس؛ لأنها أولا قد تمت بنجاح، وأخرجت المواد الضارة من الجهاز التنفسي، ولأنها ثانيا لم تحدث ضررا بالجسم فيما لو لم تتم، ولأنه ثالثا أعاد لنا الحياة بعد أن توقف القلب وبقية أعضاء الجسم عن العمل خلال فترة العطاس. أما التثاؤب فهو عملية لإرادية يتم خلالها إدخال كمية كبيرة من الهواء إلى الرئتين من خلال الفم حيث يتم فتح الفم وكذلك البلعوم إلى أقصى درجة لمدة قد تصل لستة ثواني ومن ثم يقوم بإخراجه. ويقوم الإنسان بالتثاؤب في أحوال مختلفة كاقتراب موعد النوم والنعاس وعند الاستيقاظ وعند الشعور بالضجر أو القلق أو الجوع أو التعب. ولا زال العلماء يجهلون الهدف الحيوي الرئيسي من عملية التثاؤب فبعضهم يعتقد أنها كردة فعل لنقص الأكسجين وزيادة ثاني أكسيد الكربون في الجسم. بينما يقول آخرون أنها تقوم بفتح قناة أوستاكيوس لتزويد الأذن الوسطى بالهواء، وكذلك طرد الهواء الفاسد من الرئتين وغير ذلك من الأسباب. إن فتح الفم بكامل سعته لمدة ستة ثواني قد يترتب عليه بعض المخاطر كدخول بعض الحشرات الصغيرة أو الأجسام الطائرة إلى جانب أنه عمل غير لائق أمام الأخرين. ولهذا علمنا رسولنا الكريم بعض آداب التثاؤب: ففي صحيح البخاري روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله. وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليردن ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان)).

المراجع:
1- القرآن الكريم.
2- مواقع متفرقة على الإنترنت.

للتواصل مع الكاتب:

[email protected]

لمزيد من المقالات للكاتب:
http://mansourabbadi.maktoobblog.com/


الوسوم:


مقالات ذات صلة