هل يمكن تصنيع الفيروس ؟

د. يوسف أبو بكر المدني  
الجمعة/سبتمبر/2021
   

في عضون اندلاع الفيروس التاجي المستجد في أقطار العالم تصاعد جدل واسع في هذا الصدد حتى اتهم البعض الصين بتصنيع وتطوير إحدى سلالات وباء متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الذي نشأ في الصين، وتصديره للعالم، فيما اتهم صينيون الولايات المتحدة بتصنيع الفيروس التاجي الجديد كالسلاح الحيوي.

ولكن الدراسة التي نشرتها مجلة “نيتشر” العلمية، وشارك فيها باحثون من جامعات أدنبرة وكولومبيا وسيدني وتولين، تدل أنها لم تجد أي دليل على أن الفيروس تم صنعه في مختبر بالهندسة الجينية. وقال كريستيان أندرسن، الأستاذ المساعد في علم المناعة والأحياء الدقيقة وأحد مؤلفي الورقة البحثية، إنه “من خلال مقارنة بيانات تسلسل الجينوم المتاحة لسلالات الفيروس التاجي المعروفة، يمكننا أن نجزم بأن سارس كوف2 (كورونا المستجد) نشأ من خلال الطبيعة”.

وتقول الدراسة إن العلماء الصينيين، وبعد وقت قصير من بدء انتشار الوباء، قاموا بتتبع تسلسل جينوم الفيروس وأتاحوا البيانات للباحثين في جميع أنحاء العالم. واستخدم الباحثون المشاركون في الدراسة من جامعات ومعاهد بحثية مختلفة البيانات لاستكشاف أصل ومنشأ الفيروس من خلال التركيز على سيناريوهات عديدة.

وبناء على تحليل النموذج الجيني للبروتين الخاص بفيروس كورونا المستجد، استنتج الباحثون أنه جاء نتيجة للتطور الطبيعي وليس نتاج هندسة وراثية أو معملية. ويلفت رئيس قسم الأوبئة في “ويلكوم ترست” ومقرها المملكة المتحدة الدكتور جوزي غولدنغ، إلى أن النتائج التي توصل إليها أندرسون وزملاؤه “ذات أهمية حاسمة في تقديم وجهة نظر مبنية على الأدلة ضد الشائعات التيتم تداولها حول أصل هذا الفيروس حتى أنها  تنهي أي تكهنات بشأن الهندسة الوراثية المتعمدة.

وهل يمكن تصنيع الفيروس في المختبر؟ ولكي نجد جوابا مقنعا لهذا السؤال علينا أن ندرس طبيعة الفيروس بتحليل البيانات المسجلة في الكتب العلمية.

نشأة الفيروس

فيروس كلمة لاتينية معناها السم، وهو عامل ممرض صغير لا يمكن التكاثر إلا في داخل الخلايا الحية الأخرى. وأن شكله صغير جدا حتى لا يمكن مشاهدته إلا بالمجهر الالكتروني. ويصيب جميع أنواع الكائنات الحية من الحيوانات والنباتات والبكتيريا والجراثيم العتيقة حتى أنها موجودة تقريبا في كل النظم الإيكولوجية على الأرض. على الرغم من أن هناك الاحتمال لوجود الملايين من الأنواع المختلفة لم يتم الوصف بالتفصيل إلى الآن إلا حوالي خمسة آلاف من الفيروسات. 

تتكون الفيروسات من جزأين أو ثلاثة؛ كل الفيروسات لها مورثات مكونة من الدنا والرنا الجزئيات الطويلة التي تحمل المعلومات الجينية كما لها غلاف بروتيني يحمي هذه الجينات، وبعضها محاطة بغلاف دهني يحيط بها عندما تكون خارج الخلية المضيفة. ومن العجيب أن الفيروس يعيد برمجية خليته المضيفة لإنتاج فيروسات جديدة لذا لا يوجد أي تأثير للمضادات الحيوية على الفيروسات. ولم يتم الحصول على الصور الأولى للفيروسات الا بعد اختراع المجهر الإلكتروني في عام 1931م.

قد تكون الفيروسات موجودة منذ تطور الخلايا الحية الأولى فهي توجد حيث وجدت الحياة في الأرض، إلا أن أصلها غير واضح لأنها لم تترك حفريات، لذلك فالتقنيات الجزيئية كانت وسيلة مفيدة للغاية للتحقيق في كيفية نشوئها. هذه التقنيات تعتمد علىتوافر الدنا أو الرنا الفيروسي القديم، ولكن لسوء الحظ فإن معظم الفيروسات التي تم حفظها وتخزينها في المختبرات تعود لأقل من 90 عاما. هناك ثلاث فرضيات رئيسية تحاول تفسير نشأة الفيروسات:

الأول فرضية التقهقر وتنص على أنه ربما كانت الفيروسات خلايا صغيرة تتطفل على الخلايا الكبيرة. أي أن الفيروسات نشأت نتيجة تطور رجعي لكائنات دقيقة كانت تعيش معيشة حرة.

والثاني فرضية المنشأ الخلوي و تنص على أن بعض الفيروسات قد تطورت من أجزاء ناجية من الدنا أو الرنا لجينات وراثية لكائنات أكبر. 

والثالث فرضية التطور المشترك وتنص على أنه قد تكون الفيروسات تطورت من جزيئات معقدة من البروتين والأحماض النووية في نفس الوقت الذي ظهرت للمرة الأولى الخلايا على سطح الأرض واٍعتمدت على الحياة الخلوية لعدة ملايين من السنين.

هذه الفرضيات كلها تكهنات علمية لا توافق موافقة تامة لصفات جميع الفيروسات. لأن العلماء لم يتمكنوا أن يفسروا هذه الفرضيات بتفسير جامع مانع مقنع للعقول. كما أن هذه الفرضيات تدل على أن العلم الحديث لم يصل حتى الآن إلى معرفة بينة يقينية عن الفيروسات، فكيف يمكن العلم أن يطور الفيروس في المختبر في غياب المعلومات عن أصله ونشأته.

سر الحياة

على الرغم من كثرة أنواع الفيروسات وأخطارها لقد أثبت العلم الحديث أنها تمتلك مورثات جينية من الرنا والدنا أو أحدهما أو كلاهما مثل سائر الكائنات الحية. وإذا أنعمنا النظر إلى هذه المورثات نرى أنها تحتوي على مواد كيماوية مثل أحماض النووية والمواد البروتينية وما إليها من الكيماويات، هذه المواد الكيماوية وافرة في الطبيعة ولكن العلم الحديث لم يستطع حتى الآن أن يصنع خلية ذات حية بواسطتها، حتى أن العلماء عاجزون لتفسير ظاهرة الحياة الناتجة من الخليات. وأما القرآن الكريم يبين لنا أن الله تعالى هو الذي يمنح الحياة للخلية بقوله تعالىإِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ(سورة الأنعام 95).

يقول الله تعالى في هذه الآية أنه يخرج الحي من الميت أي يخلق الخلية الحية المعتبرة البنية الأصلية للحياة من المواد الكيماوية الميتة المحتويةفي الخلية، كما أنه يخرج الميت من الحي بتحويله إلى مواد كيماوية ميتة. ونستنبط من الآية ذلكم الله فأنى تؤفكون أنه لا يقدر أحد غيره لصنع المخلوقات الحية.

وعندما نسمع طرح التهمات في الصعيد الدولي حول انبثاق الفيروس التاجي كما قال ترامب أنه محفوظ في مختبر الصين، وحسب رأي بوتين أنه سلاح حيوي استخدمته الولايات المتحدة، كما افترى بعض الدول أنه مؤامرة ضد تطورهم،ناهيك عما  يتخبط العلم الحديث في الظلمات في صدد نشأة الفيروس،  يظهر أمامنا قول الله تعالى” هذا  خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (لقمان 11) ومن دون أدنى شك نمكن أن نقول أن الفيروس هو خلق الله ولم يتمكن للإنسان أن يخلق أدنى جزء من الكائنات الحية، فضلا عما يصنع الفيروس. ويلقي الضوء إلى هذه الحقيقة قوله تعلى أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (النمل 64). نرى أن الذين يدعون أن الفيروس مصنوع في المختبر أو يفترون بأنه سلاح حيوي لا يأتون بدليل علمي لدعواهم، هذا ما قال الله هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.

تاريخ الوباء

على الرغم من أن الفيروس التاجي المعروف بكوفيد 19 مستجد في العالم إلا أن ثمت مضى كثير من الأوبئة في تاريخ الإنسان. وقد سجل في التاريخ ما فوق العشرين من الأوبئة الفتاكة التي قضت نهب الملايين. وأول ما سجل في التاريخ الوباء الذي حدث في الصين عام 3000 قبل الميلاد وأنه طمس مدينة صينية عريقة برمتها. وخلال هذه المدة الطويلة التي تمتد إلى خمسين قرون وقعت أوبئة عديدة، هذه الأوبئة أدت إلى لقاء حتف الملايين، ولكنها ليست من جراء الأسلحة الحيوية أو من الفيروسات المصنوعة في المختبر، لأن العالم لا يعرفون آنذاك الفيروسات والجراثيم بعدم التطور العلمي وفي غياب اختراع المجهر الضوئي أو المجهر الإلكتروني. لماذا تصطاد الأوبئة أرواح الأنام على مر العصور؟ وأن الأحاديث النبوية تزيل الستار عن هذه الألغاز. عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا الْوَبَاءَ رِجْزٌ أَهْلَكَ اللهُ بِهِ بَعْضَ الْأُمَمِ، وَقَدْ بَقِيَ فِي الْأَرْضِ مِنْهُ شَيْءٌ يَجِيءُ أَحْيَانًا، وَيَذْهَبُ أَحْيَانًا، فَإِذَا وَقَعَ وَأَنْتُمْ بِأَرْضٍ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَأْتُوهَا»( مسند أحمد، المعجم الكبير للطبراني)

هذا الحديث يبين لنا أنه حدث كثير من الأوبئة في الأمم السابقة المسجلة في التاريخ وغير المسجلة فيه، كما أن هذا الحديث ينبئنا عن وقوع الوباء في الأحيان وغيابه في بعض الأحيان.

وقد ورد في كتب الأحاديث تقريبا مائتي حديث حول موضوع الوباء و الطاعون كلها ترشد التوجيهات عند إصابة الوباء. ومجمل القول المذكور في الأحاديث إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا وَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَلَسْتُمْ بِهَا فَلَا تَدْخُلُوهَا. ولو سمع العالم هذا التوجيه لما انتشر الفيروس التاجي في مثل هذا المنوال الذي شاع خطره في عموم العالم. ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج  المريض أو المصاب بل حرم فرار كل من كان في البلد الذي فيه الوباء بدون تفرقة المصاب أو غير المصاب. ما أصدق توجيه النبي صلى الله عليه وسلم في صد عدوى الوباء الذي يعدو من المصاب إلى غيره دون أن يظهر فيه أي علامة للمرض.

وحسب الأحاديث النبوية الشريفة أن الوباء عذاب يبعث الله إلى من يشاء أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الطَّاعُونِ، فَقَالَ: «كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ، وَيَمْكُثُ فِيهِ لاَ يَخْرُجُ مِنَ البَلَدِ، صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ. ( البخاري). ونفهم من هذا الحديث أن الذي يمكث في البلد الذي فيه الوباء صابرا محتسبا له مثل أجر الشهيد.

لماذا يبعث الله مثل هذا العذاب إلى من يشاء من الناس، لهذا السؤال أيضا نجد الجواب من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ” يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ. ولو ألقينا النظر إلى أوضاع الصين وسائر الدول الأوربية الشائعة نرى أن الفاحشة ظاهرة معلنة في أقطارها بدون احتشام حتى تعرضوا لعذاب الله. ولا شك أن تعاليم الإسلام من القرآن الكريم والأحاديث النبوية يعطي لنا معرفة صحيحة عن أسباب وقوع الوباء، وسبل الاحتراز من انتشاره في الأقطار.

Dr. T K Yoosuf

Associate Professor

M U A College

Pulikkal- 673637

Kerala, INDIA

Phone: 0091 9349798262

Email: [email protected]

www.drtkyoosuf.info




مقالات ذات صلة