من نبوءات التوراة : عيسى المسيح ومن بعده نبي الأميين عليهما أفضل الصلاة والسلام


الثلاثاء/سبتمبر/2020
   

د. محمد سعد باحث في تاريخ الحضارات والأديان

الأُمَّيون أو الأمميون نسبة إلى الأمم ويقصد بهم الأمم التي ليست من أهل الكتاب .. والقرآن يقسم الناس إلى صنفين: أهل كتاب وأميين لذلك يقول الله مخاطبا نبيه ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم) .. وهم الذين بعث فيهم ومنهم النبي صلى الله عليه وسلم (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) .. وهذه إحدى صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي يؤكد القرآن ذكرها في الكتب السابقة ( النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) .. والحق هو أن النبوءات عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة عديدة ومتنوعة وقد تم نشر كتب ومقالات عديدة بخصوصها لكن موضوع هذا المقال تحديدا هو صفة نبي الأميين أو النبي الأمي الذي سيبعثه الله بعد عيسى المسيح عليهما أفضل الصلاة والسلام .. والحديث هنا عن النص الذي ورد في سِفْر أشعياء أحد أسفار التوراة الفصل 41 والفصل 42 .. حيث بدأ النص في مخاطبة الله للأمم الغير إسرائيلية يطلب منهم المناظرة وأن يعملوا ما بوسعهم لإظهار حججهم وقوتهم وتحدث عن مَلِك أنهضه الله من المشرق ليحطم به الأمم والشعوب الغير مؤمنة ولتخليص شعب إسرائيل من الأسر وإعادتهم إلى أرضهم والملك المقصود هنا هو كورش ملك فارس: ( أنصتي إلي أيتها الجزائر ولتجدد القبائل قوة. ليقتربوا ثم يتكلموا. لنتقدم معا إلى المحاكمة. من أنهض من المشرق الذي يلاقيه النصر عند رجليه؟ دفع أمامه أمما وعلى ملوك سلطه. جعلهم كالتراب بسيفه، وكالقش المنذري بقوسه. طردهم. مر سالما في طريق لم يسلكه برجليه. من فعل وصنع داعيا الأجيال من البدء؟ أنا الرب الأول، ومع الآخرين أنا هو». نظرت الجزائر فخافت. أطراف الأرض ارتعدت. اقتربت وجاءت. كل واحد يساعد صاحبه ويقول لأخيه: «تشدد». فشدد النجار الصائغ. الصاقل بالمطرقة الضارب على السندان، قائلا عن الإلحام: «هو جيد». فمكنه بمسامير حتى لا يتقلقل ) .

ثم توجه الله بالخطاب إلى شعب إسرائيل وتحدث عن فضله وتأييده ونعمه عليهم واستجابته لهم:

( وأما أنت يا إسرائيل عبدي، يا يعقوب الذي اخترته، نسل إبراهيم خليلي، الذي أمسكته من أطراف الأرض، ومن أقطارها دعوته، وقلت لك: أنت عبدي. اخترتك ولم أرفضك. لا تخف لأني معك. لا تتلفت لأني إلهك. قد أيدتك وأعنتك وعضدتك بيمين بري. إنه سيخزى ويخجل جميع المغتاظين عليك. يكون كلا شيء مخاصموك ويبيدون. تفتش على منازعيك ولا تجدهم. يكون محاربوك كلا شيء وكالعدم. لأني أنا الرب إلهك الممسك بيمينك، القائل لك: لا تخف. أنا أعينك. «لا تخف يا دودة يعقوب، يا شرذمة إسرائيل. أنا أعينك، يقول الرب، وفاديك قدوس إسرائيل. هأنذا قد جعلتك نورجا محددا جديدا ذا أسنان. تدرس الجبال وتسحقها، وتجعل الآكام كالعصافة. تذريها فالريح تحملها والعاصف تبددها، وأنت تبتهج بالرب. بقدوس إسرائيل تفتخر. «البائسون والمساكين طالبون ماء ولا يوجد. لسانهم من العطش قد يبس. أنا الرب أستجيب لهم. أنا إله إسرائيل لا أتركهم. أفتح على الهضاب أنهارا، وفي وسط البقاع ينابيع. أجعل القفر أجمة ماء، والأرض اليابسة مفاجر مياه. أجعل في البرية الأرز والسنط والآس وشجرة الزيت. أضع في البادية السرو والسنديان والشربين معا. لكي ينظروا ويعرفوا ويتنبهوا ويتأملوا معا أن يد الرب فعلت هذا وقدوس إسرائيل أبدعه ) .

ثم توجه الله بالخطاب مرة أخرى إلى الأمم وإلى آلهتها الباطلة وطلب منهم أن يحضروا حججهم وأن يخبروا بالأمور المستقبلية ليبينوا صدقهم وتكلم مرة أخرى عن كورش ملك فارس الذي سلطه الله على الأمم والشعوب الغير مؤمنة :

( أحضروا حججكم، يقول ملك يعقوب. ليقدموها ويخبرونا بما سيعرض. ما هي الأوليات؟ أخبروا فنجعل عليها قلوبنا ونعرف آخرتها، أو أعلمونا المستقبلات. أخبروا بالآتيات فيما بعد فنعرف أنكم آلهة، وافعلوا خيرا أو شرا فنلتفت وننظر معا. ها أنتم من لا شيء، وعملكم من العدم. رجس هو الذي يختاركم. «قد أنهضته من الشمال فأتى. من مشرق الشمس يدعو باسمي. يأتي على الولاة كما على الملاط، وكخزاف يدوس الطين. من أخبر من البدء حتى نعرف، ومن قبل حتى نقول: هو صادق؟ لا مخبر ولا مسمع ولا سامع أقوالكم ) .

ثم أخبر الله أنه في الأول سوف يرسل مبشرا لأورشليم :

(أنا أولا قلت لصهيون: ها! ها هم. ولأورشليم جعلت مبشرا).

وفي الترجمة الإنجليزية النسخة العالمية الجديدة :

 New international version : I gave to Jerusalem a messenger of good news.

 رسول يأتي بالأخبار السارة

وفي ترجمة الملك جيمس :

 I will give to Jerusalem one that bringeth good tidings.

 رسول يأتي بالبشارات السارة

وهو إشارة إلى عيسى المسيح عليه السلام لأنه جاء بالإنجيل والإنجيل كلمة معربة من (اليونانية: εὐαγγέλιον، ايوانجيليون) وتعني البشارة السارة أو البشرى السارة .

ثم تحدث الله عن حال الأرض التي كادت تخلو من الصالحين وتكلم مرة أخرى عن الأمم وتكلم تحديدا عن أمة من عبدة الأصنام وعن عبده ومختاره الذي سيبعثه ليخرج الحق للأمم :

(ونظرت فليس إنسان، ومن هؤلاء فليس مشير حتى أسألهم فيردون كلمة .ها كلهم باطل، وأعمالهم عدم، ومسبوكاتهم ريح وخلاء. هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرت به نفسي. وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم. لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة خامدة لا يطفئ. إلى الأمان يخرج الحق.. لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته.. هكذا يقول الله الرب، خالق السماوات وناشرها، باسط الأرض ونتائجها، معطي الشعب عليها نسمة، والساكنين فيها روحا .. أنا الرب قد دعوتك بالبر، فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهدا للشعب ونورا للأمم، لتفتح عيون العمي، لتخرج من الحبس المأسورين، من بيت السجن الجالسين في الظلمة.. أنا الرب هذا اسمي، ومجدي لا أعطيه لآخر، ولا تسبيحي للمنحوتات).

والمسبوكات هي الأصنام المصنوعة والأمم هنا ترجمة لكلمة gentiles وفي النص العبري جوييم גוים ويقصد بها الأمم الغير كتابية أو الأميين كما ذكرنا .. ومعنى وضعت روحي عليه أي روح الوحي والتأييد من الله وذلك مثل ما ورد في الكتاب المقدس : وكان روح الله مع عزريا بن عوديد .. يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء إذا وضع الله روحه عليهم .. وفي القرآن الكريم : قل نزله روح القدس من ربك بالحق .. ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده .. رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده .. وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان .. وتحدث عن أخلاق ذلك النبي وعن أنه لا يرفع صوته في الأسواق وعن رحمته بالضعيف (لا يصيح ولا يسمع في الشارع صوته قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خادمة لا يطفيء) وهذه كلها من صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي وردت في كتب الحديث والسيرة (لم يكن بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق .. يحمل الكَل ويقري الضيف وينصف المظلوم) .. وتحدث النص عن العمل والسعي والإصرار والجهد العظيم الذي بذله ذلك النبي في نشر الحق واستقراره في الأرض (لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته) والجزائر جمع جزيرة ويقول قاموس الكتاب المقدس أنها تعني الأماكن المطلة على بحار وأنها تطلق عموما على القرى والبلدان .. وتحدث الله عن حفظه وتأييده لذلك النبي حتى يخرج الناس من الظلمات إلى النور لأن الله لا يقبل أن يُشْرَك معه شخص أو أصنام منحوتة (هكذا يقول الله الرب … قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفظك … لتخرج من الحبس الجالسين في الظلمة .. أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر ولا تسبيحي للمنحوتات)

ثم يخبر الله عز وجل أنه يحدثنا عن أمر عظيم سيحدث في المستقبل وعن أدق خصائص الرسالة الإسلامية : (هوذا الأوليات قد أتت، والحديثات أنا مخبر بها. قبل أن تنبت أعلمكم بها .. غنوا للرب أغنية جديدة، تسبيحه من أقصى الأرض. أيها المنحدرون في البحر وملؤه والجزائر وسكانها، لترفع البرية ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار. لتترنم سكان سالع. من رؤوس الجبال ليهتفوا. ليعطوا الرب مجدا ويخبروا بتسبيحه في الجزائر.. الرب كالجبار يخرج. كرجل حروب ينهض غيرته. يهتف ويصرخ ويقوى على أعدائه.. قد صمت منذ الدهر. سكت. تجلدت. كالوالدة أصيح. أنفخ وأنخر معا.. أخرب الجبال والآكام وأجفف كل عشبها، وأجعل الأنهار يبسا وأنشف الآجام، وأسير العمي في طريق لم يعرفوها. في مسالك لم يدروها أمشيهم. أجعل الظلمة أمامهم نورا، والمعوجات مستقيمة. هذه الأمور أفعلها ولا أتركهم).

كما نلاحظ يخبر النص مكان الرسالة أنه من أقصى الأرض ولم يقل في أقصى الأرض أو إلى أقصى الأرض ولكن حدد أنها من أقصى الأرض.. ولأن هذا النص قد نزل على أحد أنبياء بني إسرائيل فإن أقصى الأرض يقصد به الجزيرة العربية لأن جزيرة العرب بالنسبة لفلسطين تعتبر أقصى الأرض وكذلك فلسطين بالنسبة لجزيرة العرب تعتبر أقصى الأرض ولذلك يطلق العرب على مسجد القدس في فلسطين المسجد الأقصى وفي القرآن (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) والمسيح عليه السلام أطلق على جنوب الجزيرة العربية في الإنجيل أقصى الأرض وذلك عندما تحدث عن ملكة سبأ (ملكة التيمن أتت من أقصى الأرض لتسمع حكمة سليمان) وخطاب النص (أيها المنحدرون في البحر وملئه والجزائر وسكانها) موافق تماما لوصف منطقة الحجاز التي تحاذي البحر الأحمر والتي انتشرت فيها وانطلقت منها دعوة التوحيد وتحدث النص عن رفع الصحراء صوتها والتهليل من رؤوس الجبال(لترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا) ورفع الصحراء صوتها بالأذان والتكبير والهتاف من رؤوس الجبال كل ذلك من الخصائص المعروفة للدعوة الإسلامية وقيدار كما نعلم أحد أبناء إسماعيل ويقول عنه قاموس الكتاب المقدس أنه جد لأشهر القبائل العربية وأنه يأتي في الكتاب المقدس للتعبير عن العرب عموما كما ذكرنا وسالع يقول عنها قاموس الكتاب المقدس أنه جبل قريب من البتراء شمال غرب الجزيرة العربية ويقول أن سالع معناها العام هو الصخرة هذا ما يقوله الكتاب المقدس عن سالع .. كما أن سالع أو سلع إسم لجبل شمال المدينة المنورة ولازال يحمل نفس الإسم لم يتغير وهو الذي أقام النبي صلى الله عليه وسلم خيمته عليه في غزوة الخندق ومذكور في العديد من قصائد الشعر الجاهلي وسلع في اللغة العربية مفرد سلوع وهي الشقوق والطُرُق في الجبال وهو معنى قريب مما ورد في قاموس الكتاب المقدس أن سالع يعني الصخرة لذلك نجد نفس الفقرة في بعض الترجمات مثل ترجمة الملك جيمس :

11 Let the wilderness and the cities thereof lift up their voice, the villages that Kedar doth inhabit: let the inhabitants of the rock sing, let them shout from the top of the mountains.

لترفع الصحراء ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار لتترنم سكان الصخور من رؤوس الجبال ويهتفوا

وتحدث أيضا عن واحدة من أهم خصائص الدعوة الإسلامية وهي نصر الله للمؤمنين والفتوحات والغضب الإلهي على الشعوب التي سارت في طرق الشرك والإثم وكرهت نور الحق والتوحيد وتأييده لهؤلاء الذين كانوا عُميا في الجاهلية فأنعم عليهم بالإيمان وأخرجهم من الظلمات إلى النور ويسر لهم السير في طرق ومسالك لا يعرفوها ودخول بلاد جديدة عليهم (الرب كالجبار يخرج كرجل حروب يصيح ويهتف ويقوى على أعدائه أخرب الجبال والاكام وأجعل الأنهار يبسا وأنشف الاجام وأسير العمي في طرق لم يعرفوها ومسالك لم يدروها أمشيهم أجعل الظلمة أمامهم نورا والمعوجات مستقيمة هذه الأمور أفعلها ولا أتركهم)

ثم تحدث الله عن الخزي الذي لحق بالمشركين عبدة الأصنام :

(قد ارتدوا إلى الوراء. يخزى خزيا المتكلون على المنحوتات، القائلون للمسبوكات: أنتن آلهتنا!).

تالله ما أجمله من تصوير فني بليغ ومشهد ختامي رائع يصور الخزي الذي حل بالمشركين عبدة الأصنام (يَخْزَى خزيا المتكلون على المنحوتات القائلون للمسبوكات أنتن آلهتنا)

هذا المشهد الختامي الرائع مكتوب هكذا في الترجمة العالمية الجديدة NIV

But those who trust in idols, who say to images, `You are our gods,’ will be turned back in utter shame

أما هؤلاء الذين يتوكلون على الأوثان الذين يقولون للأصنام أنتم آلهتنا سوف يتراجعون في خزي مطلق

ومكتوب هكذا في ترجمة الملك جيمس

 17 They shall be turned back, they shall be greatly ashamed, that trust in graven images, that say to the molten images, Ye are our gods.

سوف يتراجعون سوف يخزون خزيا عظيما هؤلاء الذين يتوكلون على الأصنام المنحوتة الذين يقولون للأصنام المسبوكة أنتن آلهتنا

وهذا وصف دقيق جدا لما حل بصناديد الكفر وعبدة الأصنام من الخزي ووصف دقيق جدا للأصنام التي كانت تُعبد من دون الله كما ورد وصفها في كتب السِيَر وكتب التاريخ ومثال ذلك ما ورد في كتاب المفصل في تاريخ العرب لجواد علي :

لا أحسب أن منصفا يحترم عقله ويؤمن بالبحث المجرد يستطيع أن ينكر صحة ما جاء في هذا النص ذلك لأنه يصف ما حدث وصفا دقيقا لا لبس فيه رغم أن تاريخه يرجع إلى القرن السابع قبل الميلاد .

هدانا الله جميعا إلى الحق بإذنه ووفقنا لما يحبه ويرضاه .




مقالات ذات صلة