مخطوطات القرآن المكتوبة في القرن الهجري الأول تشهد بموثوقية نص القرآن العظيم


الجمعة/مايو/2022 السلسله : حفظ القرآن
   

د. منقذ بن محمود السقار

باحث في رابطة العالم الإسلامي

يعتقد المسلمون أن نص القرآن الكريم الذي بين أيديهم اليوم هو الذي أنزله الله على الرسول محمد – قبل أكثر من أربعة عشر قرنا، بلا زيادة أو نقصان، سالماً من التحريف والتبديل، كما أنهم يعتقدون أن ما سواه من الكتب السماوية قد اعتراها التحريف والتبديل والضياع، فلم يتكفل المولى سبحانه وتعالى بحفظ أي كتاب أنزله سوى القرآن العظيم: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون » الحجر: 9.
وفي هذه المقالة حرصنا على إبراز مظهر من مظاهر هذا الحفظ الإلهي للقرآن العظيم، مستفيدين من العلم الحديث الذي أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن نص القرآن الكريم المدون في مخطوطات مكتشفة للقرآن الكريم حتى الآن وهي مخطوطات القرن الهجري الأول هو ذاته نص القرآن الكريم الذي بين أيدينا اعتماداً على أدوات علوم المخطوطات ـ وهي علوم مهمة جداً نشأت في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي – فمنها في ما يهتم بالمواد والطرق المستخدمة في صناعة الكتب وتجليدها مثل علم الكوديكولوجيا، وعلم آثار الكتب، ومنها ما يهتم بدراسة المخطوطات كمحتوى مثل علم الباليوغرافيا، وعلم الفيلولوجيا.

وانطلاقا من حديثنا حول المخطوطات، فقد قدر العلامة الدكتور. محمد مصطفى الأعظمي في كتابه ( The History of the
Quranic Text, from Revelation to Compilation)

مخطوطات المصاحف في العالم بمائتين وخمسين ألف مخطوط، تنتمي إلى العصور الإسلامية قبل ظهور الطباعة وتتوزع في متاحف العالم ومكاتبه.
لقد شرع المسلمون في تلقي المصاحف التي كتبتها اللجنة المكلفة من الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتم توزيعها على الأمصار الإسلامية (الكوفي ، البصري، الشامي ) وسميت هذه المصاحف بالمصحف (الإمام أو المدني )، واستبقى عثمان رضى الله عليه واحداً منها عنده ، وقد كتبت جميعا على ورق (الكاغد)، إلا المصحف الذي خص به نفسه ، فقد قيل : إنه مكتوب على رق الغزال ، وبعث عثمان بن عفان رساله مع كل واحد من هذه المصاحف مقرنا يقرئ الناس كما في المصحف، فكان زيد بن ثابت يقرئ المصحف لأهل المدينة ، وعبد الله بن السائب يقرئ المصحف لأهل مكة، والمغيرة بن شهاب يقرئ المصحف لأهل الشام ، وأبو عبد الرحمن السلمي يقرئ المصحف لأهل الكوفة ، وعامر بن عبد القيس يقرئ المصحف لأهل البصرة (2) وسرعان ما تكاثر عدد المصاحف، ونشأت حرفة كتابة المصاحف، ثم تزيينها وتجليدها وتذهيبها. وأود في هذه العجالة إعطاء نبذة مختصرة عن أهم المخطوطات القرآنية المتوافرة اليوم:

أولاً مخطوطات صنعاء:

عثر في سقف الجامع الكبير في صنعاء، أثناء ترميمه في عام 1385هـ –1965م على ما يقارب الـ 4500 مخطوط، إضافة إلى 12000 رق تحوي ۸۰۰ مصحفا، من بينها مائة مصحف مزخرف، وترجع جميعا إلى القرون الهجرية الخمسة الأولى، وقد أعيدت إلى خزائنها، قبل أن يعاد استخراجها عام 1392هـ – 1972م.

وقد طلبت الحكومة اليمنية من الحكومة الألمانية مساعدتها بالعناية بالمخطوطات وترميمها، فأوفدت ألمانيا اثنين من أساتذة جامعة سارلاند الألمانية، وهما جيرد يوسف بوئن المتخصص بالخط والرسم العربي، وزميله غراف فون بوتمر المتخصص في تاريخ الفن الإسلامي، وبدأ العمل من عام ١٩٨٤م إلى عام 1997م، وقاما بترميم ما يقارب 15000 صفحة قرآنية، وأنهيا عملهما بتصوير( 35000) صورة من الوثائق التي اصطحباها معهما إلى ألمانيا لدراستها(3).

وفي شهر يناير عام 1999م كتب موظف أمريكي يعمل في مجال الإغاثة يدعى توبي لستر مقالاً بعنوان “ما القرآن” في مجلة “أتلانتيك مونثلي” المرموقة، زعم فيه هذا الكاتب الهاوي (غير المتخصص) وجود اختلاف بين المخطوطات الصنعانية والنص القرآني المتداول، وأن الباحثين الألمانيين لديهما ما يخفيانه، فتصدى له أولهما ؛ جيرد بوئن في رسالة بعث بها إلى القاضي إسماعيل الأكوع، أكد فيها تطابق المخطوطات الصنعانية مع النص القرآني المتداول عند المسلمين،

وكتب: «وأما الحقيقة فتفتخر اليمن بكنز فريد في العالم، وهو بقايا أقدم المصاحف في العالم .. هذه البقايا ترجع إلى القرن الأول للهجرة .. لا تختلف المصاحف الصنعانية عن غيرها الموجودة في متاحف العالم ودور كتبه إلا في تفاصيل لا تمس القرآن كنص مقروء، وإنما الاختلاف في الكتابة فقط، هذه الظاهرة معروفة حتى في القرآن المطبوع في القاهرة، حيث ورد كتابة (إبرهيم) على جانب [أي بدلاً من ] (ابرهم)، (قرآن ) على جانب (قرن ) » (4)انظر .كتاب-الله-في-إعجازه-يتجلى

وأما زميله في العمل الدكتور غراف بوتر، فقد أرسل إلى القاضي إسماعيل الأكوع يستنكر ما كتبه لستر، ويقول: «وإنني أعلن بكل وضوح أن دراستي للمخطوطات القرآنية البدائية في صنعاء لم تؤثر بأي حال من الأحوال، أو تدع مجالاً للشك في محتوى الوحي المدون في تلك المخطوطات .. وإنه لمن السخف بمكان أن يفترض أنه قد خالجني شعور بأن أخفي محتويات أبحاثي أو اتجاهاتي عن السلطات اليمنية المعنية »(5)
وأما الدكتور غريغور شولر مدير 1 معهد الأبحاث الشرقية في جامعة بازل الـسـويـسـريـة، فكتب إلى القاضي الأكوع ما نصه: «وقد أتيحت لي في حينه فرصة الاطلاع على المخطوطات النادرة الموجودة في المتحف .. في تلك الزيارة قارنت بين قطعة من مخطوطة القرآن الكريم الأقدم وبين طبعة حديثة للقرآن الكريم ، ولم أجد فيهما أي فارق في النص، وأقر بأن لجوني إلى نسخة حديثة كان فقط بهدف الاستعانة على قراءة الخط عن نص القرآن الكريم كما هو معروف اليوم، ولذا قررت أن أكتب إليكم مفندا ذلك الرأي الخاطئ اليوم لا تنتمي إلى قرأت ما يدعيه الباحث الأمريكي لي واحد. أثناء رحلته إلى لبنان، ولم أشأ أن أنتظر في الرد على ذلك إلى حين أعود إلى بازل في سويسرا ، لأن الادعاء أغضبني »(6).

 

وفي وقت لاحق تقدمت الطالبة رزان غسان حمدون لنيل درجة الماجستير من جامعة صنعاء ، فكان موضوع دراستها 150 صفحة من هذه المخطوطات، وتغطي ما يقرب من خمس القرآن الكريم، ونشرتها مقارنة بالنص القرآني المطبوع ، فلم يكن ثمة خلاف بينها وبين الرسم العثماني إلا ما يتعلق بقواعد الإملاء التي تطورت عبر العصور، ورسالتها وما تضمنته من لوحات صنعانية منشورة على الشبكة العنكبوتية.

مخطوطة صنعاء للمصحف المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله :

وهي واحدة من أهم مخطوطات صنعاء ، ونشرها الدكتور طيار التي قولاج عام 2011م عبر مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) بعنوان : (المصحف الشريف المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله : نسخة صنعاء)(2)، ويحتوي هذا المخطوط على ٨٤٪ من آيات القرآن، وقد كتب بالخط الكوفي على 275 ورقة ، ويراه الدكتور طيار من منسوخات القرن الهجري الأول، بينما رجح القاضي إسماعيل الأكوع والأستاذ محبي الدين سرين أنه كتب في القرن الهجري الثاني (6).

وعن هذا المصحف يقول الدكتور طيار: « اطلعت على ٨٤٪ من أوراق المصحف الموجودة ويتمعن ودقة من بدايتها إلى نهايتها؛ حرفا حرفا ، وكلمة كلمة ، وآية آية ، وقايست هذا المصحف مع مصاحف أخرى قديمة ومتداولة في أيامنا هذه، ولم أجد أي فرق بينه وبين تلك المصاحف التي قد يعتريها وجود 9
سهو الكتاب ، مثل : مصاحف طوب قابي ومصحف طشقند ومصحف الآثار التركية الإسلامية بإسطنبول ومصحف القاهرة، والتي وجدت فيها سهو الكاتب يصل إلى 15 سهوا. [إضافة إلى سقوط كلمة من (آتنا) من قوله ( ربنا آتنا في الدنيا ) فإن ] مصحف صنعاء وجد فيه سهوان فقط: الأول : في كلمة واصبرة في سورة الطور آية (48)، تبدل فيها حرف الواو بحرف الفاء، فجاءت على شكل (فاصبر)، والثاني: قوله تعالى: «فمالون منها ) في سورة الواقعة ، على شكل (فمالون منه) ، فتبدل الضمير فقط ، وهذه ليست أخطاء، لكنها سهو بسيط ووجدت أن كاتب المصحف يتميز بالدقة الشديدة والانضباط والممارسة.. وفي اعتقادي أن هذا المصحف من أقدم المصاحف الموجودة في العالم كله، وأظنه كتب في العصر الأول للإسلام … فهذا المصحف منسوب إلى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله ، وجميع آياته وكلماته توافق المصاحف المنسوبة إلى سيدنا عثمان بن عفان رضی الله ۱۰۰٪ بغض النظر عن الاختلافات الإملائية البسيطة كحرف الجر (على) المكتوب ] بهذا الشكل في مصاحف سيدنا عثمان ، بينما جاء في هذا المصحف بحرف الألف (علا)»(7)

ثانياً: مصحف مسجد الحسين بالقاهرة:

وهو المصحف المحفوظ في القاهرة في 1807 ورقة من جلد الغزال، وتنقصه أربعة أوراق فقط، ويرى الأستاذ صلاح الدين المنجد ،

المتخصص في مخطوطات المصاحف القديمة في كتابه “دراسات في تاريخ الخط العربي” أنه مكتوب في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، ويوافقه الدكتور طيار قولاج، ويراه أقدم من مصحفي طوب قابي ومصحف متحف الأثار التركية تيام في إسطنبول .

ولا يخلو المصحف من أخطاء إملائية، منها أن ناسخه كتب: (صطفاك ) بدلاً من ( اصطفاك )، وكتب: ( ولم يمسني)، بدلا من ( ولم يمسسني ) ، وكتب: (اعبدووا)، بدلاً من ( اعبدوا ) في آخر سورة الحجر (8)

وقد نشره طيار قولاج مطبوعا في عام 1430هـ – 2009م بعنوان: المصحف الشريف المنسوب الى عثمان بن عفان رضي الله عنه : نسخة المشهد الحسيني بالقاهرة.

ثالثاً: مصحف طوب قابي:

وهو المصحف المنسوب إلى الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله ، المحفوظ في متحف طوب قابي سراي في اسطنبول، وهو مصحف شبه كامل يتكون من 408 لوحة ، ضاعت منه ورقتان فقط ورقتان(6.11)، وتظهران في المخطوط بخط مغاير. وقـد كـتـب على غلافه: (هـذا المـصـحـف كـتـب بيـد عثمان الشريفة)، وهو ما يتشكك فيه الدكتور طيار بقوله: «وليته كان كذلك»، وينقل عن الأساتذة :فهمي أدهم قرطاي ومحبي الدين سرين وأكمل الدين إحسان أوغلو أنهم يرون أنه مكتوب في أواخر القرن الأول أو النصف الأول من القرن الثاني . ولا يخلو هذا المصحف من الأخطاء الإملائية القليلة جدا ، والتي سببها سهو الكاتب: كتكرار كلمة (كلوا كلوا) مرتين في قوله: وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا )، وكذلك كتب الناسخ: (إذ) بدلاً من قوله : ( إذا ) ، في قول الله تعالى: { وإذا قلتم فاعدلوا ) ، وكتب: (وولا) بدلاً من (ولا) في قوله: (ولا يستطيعون لهم نصرا ) ، وكتب: (إني أأخـاف)، بدلاً من: «إني أخاف )، وأسقط

اللام حين كتب: (أولوا الأبب )، بدلاً من : ( أولوا الألباب ) (9).

رابعاً: مصحف تیام (متحف الآثار التركية والإسلامية ) في اسطنبول :
وهـو أحـد المصاحف التي تنسب إلى عثمان بن عفان رضي الله ويتكون هذا المصحف من 439 لوحة مكتوبة على جلد الغزال، وهو شبه كامل، فقط سقطت منه ثلاثة أوراق فقط، وخلا من 14 ورقة أخرى نقصت، فأعاد كتابتها شخص آخر يدعى داود بن علي الكيلاني في عام ٨٤١هـ – 1438م،

ويرى الأستاذ صلاح الدين المنجد أنه مكتوب في أحد القرنين الهجريين الآ المصحف من الأخطاء الإملائية، ويرجح الدكتور طيار قولاج أنه مكتوب في النصف الثاني من القرن الهجري الأول أو النصف الأول من القرن الهجري الثاني (10) وقد نشره الدكتور طيار مطبوعا عام 1428هــ 2007م .

خامساً: مخطوطة جامعة توبنجين الألمانية:

ويبلغ عدد لوحاتها 78 لوحة، وحصلت عليها جامعة توبنجين الألمانية (niversität Tübingen) في عام 1277هــ 1860م من مكتبة القنصل البروسي يوهان شتاين ، ونشرتها في عام 1436ه أن أجرت عليها دراسـات، وأخضعتها للتحليل الكربوني ، تبين أنها تعود إلى ما بين عامي 649 و675م، أي ب بعد وفاة النبي ﷺ عام (632م) بسبع وعشرين سنة وفق التقدير الأقدم،

أي في أول سنة من خلافة عثمان بن عفان رضی الله ، وأما التقدير الأبعد، فيجعلها في زمن معاوية بن أبي سفيان رض الله (11) .

وتتطابق مخطوطات توبنجين مع القراءات القرآنية العشرة المشهورة إلا في مواضع ثمانية فقط، أخطأ فيها الناسخ، فقد كتب: (ذا الرحمة)، بدلاً من : « ذو الرحمة ) ، و (المرجومين ) بدلاً من: * المخرجين ) ، و (مما يقولون) بدلاً من: (مما يعملون)، و (المسخرين) بدلاً من: «المسحرين )، وكتب: (فهم مفلحون) بدلاً من: «فهم مسلمون )، و(يؤفكون ) بدلاً من الوفكون ) ، و (تروا .. لتسكنوا) بدلاً من: « يروا ليسكنوا ) ، و ( نقول للملائكة ) بدلاً من : « يقول للملائكة ).

سادساً : مخطوط سمرقند:

ليس لهذا المخطوط مزية تفضله على عشرات المصاحف التي سبقته، وتعود إلى القرن الهجري الأول (الصنعانية وغيرها ) ؛ إلا أنه حاز اهتمام المستشرقين لما توهموه من أقدميته المطلقة، ، بسبب ظهوره المبكر في مطلع القرن العشرين ، وفي وقت لم تكن قد ظهرت فيه بعض تلك المصاحف، فادعي حينذاك أنه المصحف الذي مات عثمان رضي الله وهو يقرأ فيه.
ففي عام 1905م نشـر المستشرق الروسي بيساريف صورة لمصحف سمرقند، ويقدر الدكتور طيار قولاج العدد الأصلي لأوراق هذا المصحف بـ 950 ورقة، وقد ضاع معظمها ، فلم يتبق منه إلا 353 ورقة فقط(٤) ، وهي محفوظة اليوم في طشقند.

ويشير التحليل الكربوني للمخطوط إلى أنه مكتوب في القرن الثاني الهجري، ولا صحة للادعاء بأنه مصحف عثمان بن عفان رضي الله فقد ادعي مثله في عدد من المصاحف التي لطخت صفحاتها بالدماء طمعا في استجلاب التقدير لها، من غير أن يقوم على عثمانيتها دليل مما يعرف به أهل الفن بتاريخ المخطوطات القرآنية ( الخط، الإعجام ، الزخرفة ، التخميس، التعشير، الفواصل ). وهذه المخطوطة كثيرة الأخطاء والسهو، لذلك فقد عمد ناسخها إلى تصحيحها في الهامش أو بوضع علامات استدراك في وسطها، وجميع هذه الأخطاء نساخية، لا تتعلق بإرادة الناسخ إحداث معنى معين ، بل وقعت سهوا منه ونسيانا، ومن ذلك كتبه: (تقولون على الله لغير الحق)، بدلاً من قوله: «تقولون على الله غير الحق 》
و (گوها ) ، بدلاً من (كرها ) ، و(ولله ما في السموات وما في الأرض مين) وإلى ترجع ) بدلاً من قوله : ( ولله ما في السموات وما في الأرض وإلى الله ترجع ) ، وقوله : (هذا ناقة الله ) بدلاً من قوله : ( هذه ناقة الله ) .

ومما يجدر بالذكر أن للمستشرق بيسارف دور كبير في ظهور هذه الأخطاء، فقد حاول تحبير الحروف المطموسة في المخطوطة، فتسبب تحبيره في كثير من الأخطاء، وقد قام من بعده المستشرقان ماندلسون وجيفري بدراسة هذه المخطوطة، وأصـدرا في عام 1942م مقالهما The Orthography of the) (Samarqand Quran Codex وقررا أن أخطاء التحبير والتنقيط الذي قام به بيسارف لم تكن بسوء نية، بل بجهل منه. وقد يكون قولهم صحيحا، لكنه على كل حال أضاف إلى أخطاء ناسخ المخطوط المزيد من الأخطاء.

وقبل أن أمسك قلمي عن سرد المزيد عن المخطوطات القرآنية في القرون الأولى الهجرية، أود أن أنقل للقارئ ما يأسى عليه كل طالب حق، فقد ذكر العلامة محمد حميد الله الحيدر أبادي، وهو واحد من أكابر علماء الهند والعالم الإسلامي في القرن العشرين في مقال نشرته مجلة الأمة القطرية الصادرة في شهر رمضان عام 1402هـ أن جامعة ميونيخ أسست معهدا للبحوث القرآنية قام عليه كبار القساوسة ، واستمروا ثلاثة أجيال في جمع مخطوطات القرآن الكريم، وقد أخبره شخصياً بريتزل Pretzl المدير الثالث للمعهد في عام 1933م في لقاء جمعهما في باريس بأنهم جمعوا حتى ذلك الوقت 43000 صورة من مخطوطات القرآن، وأن العمل جار عليها. وقبيل الحرب العالمية الثانية نشر المعهد تقريراً مؤقتاً جاء فيه أنهم وجدوا في مخطوطات الكتاب المقدس مائتي ألف اختلاف، بينما «لم نجد إلى الآن أي اختلاف في الرواية سوى بعض أخطاء الكتابة » ، فالاختلافات في المخطوطات القرآنية لا تتكرر في عدة مخطوطات ، بل تتعلق بمخطوطة واحدة ، لأنها تقع بسبب سهوا الكاتب وقد دمر المعهد ومكتبته في الحرب العالمية الثانية قبل أن ينشر

تقريره النهائي(13).

وأنهي هذه الجولة بنقل بعض شهادات المستشرقين المنصفين سلامة وموثوقية النص القرآني :

وأبدأ بقول المستشرق البريطاني وأستاذ الدراسات العربية في جامعة دبلن (ستانلي لين بول) (Stanley Lane Poole): «إنه لميزة عظيمة للقرآن أنه لا شك في أصالته .. فكل كلمة نقرؤها اليوم بإمكاننا أن نقطع أنها لم تغير على مدى قرابة ثلاثة عشر قرنا » وأثني بشهادة مؤرخ كاثوليكي (بوسورث سميث Bosworth Smith) : «نحن نملك كتابا متميزا في أصله وحفظه ، وفي تفرق مواده، غير أنه لم يستطع أي أحد أن يقدم مبررات شك جدية في

موثوقيته» (14) ويقول الكولونيل البريطاني رونالد بودلي (R. V. Bodley) «وليس هناك أدنى شك في أن القرآن الذي يقرأ اليوم هو نفس المصحف الذي نسخ من مصحف حفصة »(15).

وحتى لا أطيل على القارئ أختم بما قاله المستشرق الفرنسي (ديمومبين) (Demombynes) عن أصالة القرآن الكريم: «لا يوجد أي سبب جدي للقول بتحريفه » (16)
الهوامش
(۱) انظر : المقنع في رسم مصاحف الأمصار، لأبي عمرو الداني ، ص (١٩)، وقيل أيضاً أنه

كانت سبعًا، إذ زادت بعض الروايات المصحف المكي واليمني والبحريني.

(٢) انظر : مناهل العرفان، للزرقاني (٣٩٦/١-٣٩٧).

(۳) انظر : الله في إعجازه يتجلى، د غسان حمدون ، ص (52، 112- 113، ومواضع أخرى ). (4) الرسالة نشر صورتها الدكتور غسان حمدون في كتابه : الله في إعجازه يتجلى، ص
(4) الرسالة نشر صورتها الدكتور غسان حمدون في كتابه : الله في إعجازه يتجلى، ص

(5) ومن منشورات الدكتور طيار الأخيرة المصحف الشريف «نسخة المكتبة الوطنية

الفرنسية »، إرسيكا 2015م.

(6) ويمكن للقارئ الاطلاع عليه أو تحميله من هذه الصفحة:

ما

(http://ia600209.us.archive.org/30/items/muthman/ms.pdf)
(7) انظر المقابلة الصحفية التي أجرتها معه صحيفة 26 سبتمبر اليمنية إبان زيارته إلى

صنعاء، والاستدراك المدرج من محاضرته التي سيشار إليها لاحقا.

(8) انظر محاضرة الدكتور طيار قولاج في أكاديمية برلين براندنبرغ للعلوم الإنسانية في 13/ 12/ 2013م، وقد ألقاها باللغة التركية، وترجم نصها إلى العربية معتز حسن، ونشرته مدونة الدراسات القرآنية، والمحاضرة الأصلية منشورة في موقع يوتيوب. (۳) انظر المحاضرة السابقة للدكتور طيار قولاج.

(9) انظر محاضرة الدكتور طيار قولاج في أكاديمية برلين براندنبرغ للعلوم الإنسانية.

(10) وقد نشرتها الجامعة في موقعها، انظر :

https://uni-tuebingen.de/universitaet/aktuelles-und-publikationen/newsfullview-aktuell/article/raritaet-entdeckt-koranhandschrift-stammt-aus-der-fruehzeit-des-islam/

https://www.rtf1.de/news.php?id=9763

(11) انظر التقرير الذي نشرته الجامعة عن المخطوطة في موقعها :

/https://www.uni-tuebingen.de/aktuelles/pressemitteilungen newsfullview-pressemitteilungen/article/raritaet-entdeckt koranhandschrift-stammt-aus-der-fruehzeit-des-islam.html.

(12) يمكن تحميل صور هذه المخطوطة من منتدى أهل التفسير، في الرابط التالي:

لهرت
http://www.tafsir.net/Bookstorge/OldHolyQuran.part1.rar
https://vb.tafsir.net/forum/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85/%D9%85%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D9%88%D8%AB-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%B7%D8%A7%D8%AA/%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB%D8%A7%D9%8B-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86%D9%8A%D8%A9/13618-%D8%B7%D9%84%D8%A8-%D9%85%D8%B5%D8%AD%D9%81-%D8%B7%D8%B4%D9%82%D9%86%D8%AF

(13) انظر : الميزان في مقارنة الأديان ، محمد عزت الطهطاوي ، ص (410 – 411)، وانظر: Bilal Philips, Usool at-Tafseer, Sharjah: Dar al-Fatah, 1997, p.157 (http://idb.ub.uni-tuebingen.de/diglit/MaVI1650001//thumbs?sid=54f 9b0db2c67c7810daf63ce59b2fa53#current_page).

() (http://www.islamic-awareness.org/Quran/Text/Mss)
(14) انظر محاضرة الدكتور طيار قولاج في أكاديمية برلين براندنبرغ للعلوم الإنسانية.

(15 ) انظر : رسم المصحف (دراسة لغوية ) ، غانم قدوري الحمد، في مواضع كثيرة من كتابه .

Edward William Lane and Stanley Lane Poole, Selections from (16)

p.c ,۱۸۷۹ ,the Kur-an, London: Trubner

Bosworth Smirh, Mohammed and Mohammedanism, New (17)

41.p,1875 ,York: Harper & Brothers

(18) الرسول ( حياة محمد). ) ، رونالد بودلي، ص (٢٨٣).

2.p.AVO ,York: Harper & Brothers

(19) الرسول (حياة محمد)، رونالد بودلي، ص (٢٨٣).

Institutions (V) Gaudefroy-Demombynes, Les

Maurice

r.p, Musulmanes, Paris: E. Flammarion


الوسوم:


مقالات ذات صلة