مثل الحياة الدنيا ـ 3 ـ


الأحد/ديسمبر/2019
   

 

 

بقلم الأستاذ محمد إسماعيل عتوك

قال الله تعالى :﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾( الحديد : 20 )
أولاً- هذا مثل ثالث ضربه الله تعالى لعباده، يكشف لهم فيه عن وجه هذه الحياة الدنيا، ويبين لهم حقيقتها المزيفة بما يجعلها مُشاهَدة لأولي البصائر ؛ وذلك بعد أن أخبر سبحانه عنها بأنها : لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر، وتكاثر في الأموال والأولاد، فأعلم بذلك أنها أتفه من أن يتشبَّث بها الإنسان، وأن النفس البشرية لو علمت حقيقتها ومآلها ومصيرها، لأبغضتها، ولآثرت عليها الآخرة التي هي خير وأبقى ؛ فما الحياة الدنيا بالنسبة إلى الآخرة إلا عرض عاجل، وظل زائل، ومتاع فان.
ومناسبة هذا المثل لما قبله : أن الله تعالى بعد أن ذكر حال الفريقين في الآخرة : فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، وذكر ما وقع من الفريق الثاني من الكفر والتكذيب بسبب ميلهم إلى الدنيا، وإيثارهم لها على الآخرة، بين لهم سبحانه في هذا المثل أن الدنيا التي اطمأنوا إليها، وآثروها على الآخرة هي من محقرات الأمور التي لا يركن إليها العقلاء، فضلاً عن الاطمئنان بها، تزهيدًا فيها وتنفيرًا عن العكوف عليها، وترغيبًا في الآخرة.
ثانيًا- وقوله تعالى :﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾ تصوير لهذه الحياة الدنيا من بدايتها إلى نهايتها  بصورة هزيلة زهيدة، تهوِّن من حقيقتها، وتقلل من شأنها، وتدعو النفوس للترفُّع عنها ، واتخاذها مطيَّة للآخرة.
وافتتاح الكلام بقوله تعالى :﴿ اعْلَمُوا ﴾ يؤذن بأن ما سيُلقَى بعده من الكلام جدير بأن يتوجه الذهن إليه، وفيه حثٌّ للمخاطبين على التفكُّر والتأمُّل والتدبُّر، وتعريض بغفلتهم عن أمر مهمٍّ. وذلك من أساليب الكلام البليغ أن تفتتح بعض الجمل المشتملة على خبر، أو طلبِ فَهْمٍ، بهذه الصيغة الطلبية، لفتًا لذهن المخاطب ؛ كما في قوله تعالى :
﴿ وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾( البقرة : 260 )
﴿ اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾( المائدة : 98 )
﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾( الأنفال : 28 )
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾( المائدة : 49 )

وتأتي ﴿ أَنَّمَا ﴾ المفتوحة الهمزة بعد هذه الصيغة الطلبية، فتفيد معنى القصر كما تفيده ﴿ إِنَّمَا ﴾ المكسورة الهمزة. وقد أفادت هنا  قصر حقيقة الحياة الدنيا على ما تلاها من صفات أجريت عليها ؛ وهي كونها :﴿ لَعِبٌ ﴾، و﴿ َلَهْوٌ ﴾، و﴿ َزِينَةٌ ﴾، و﴿ تَفَاخُرٌ ﴾، و﴿ تَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾.
أما اللعب فهو الإقبال على الباطل، ويعبَّر به عن كل فعل لا يقصد به مقصدًا صحيحًا. وأما اللهو فهو الإعراض عن الحق، ويعبر به عن كل ما به استمتاع. وقيل : اللعب ما يشتغل به الإنسان، ولا يكون فيه ضرورة في الحال، ولا منفعة في المآل. ثم إن استعمله الإنسان، ولم يشغله عن غيره، ولم يثْنِه عن أشغاله المهمة فهو اللعب، وإن شغله عن مهماته فهو اللهو ؛ ولهذا جاز الجمع بينهما حيث وردا في القرآن. وقيل : كل اشتغال بما لا غنى به ولا منفعة فيه، فهو لعب ولهو ؛ كذلك هي الحياة الدنيا بخلاف الاشتغال بأعمال الآخرة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى :﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾( الأنعام : 32 ).
قال ابن عباس- رضي الله عنهما- :« هذه حياة الكافر ؛ لأنه يزجيها في غرور وباطل، وأما حياة المؤمن فتُطوَى على أعمال صالحة، فلا تكون لعبًا ولهوًا».
وأما الزينة فهي اسم لما يتزين به الإنسان من الملابس الفاخرة، وما يتخذه من المراكب البهية، والمنازل العالية، وغير ذلك ممَّا يفعله من أجل أن يكون في أعين الناس مهيبًا جميلاً. ومن هنا قيل : الزينة هي التحسين الذي هو خارج من ذات الشيء. ويقال : زانه كذا وزيَّنه، إذا أظهر حسنه.
قال تعالى :﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾. ثم عقَّب على ذلك بقوله :﴿ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾( آل عمران: 14 )، مشيرًا إلى أن ذلك كله ؛ إنما هو متاع الحياة الدنيا، وأن متاعها قليل سريع الانقضاء، مهما طالت مدته، وأن نعيم الآخرة هو النعيم الذي لا يفنى، ولا ينقضي.
وأما التفاخر فهو من الفخر. والفخر هو المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان ؛ كالمال والولد والجاه. وصيغ منه التفاخر على زنة : التفاعل ؛ لأن شأن الفخر أن يقع بين اثنين ؛ كما أنبأ به تقييده بقوله تعالى :﴿ بَيْنَكُمْ ﴾.  ومن صوره : التباهي، والعُجْب، وعنه ينشأ الحسد، وأغلبه يكون في طور الكهولة.
وأما التكاثر فهو من الكثرة. والكثرة، وخلافها القلة، يستعملان في الكمية المنفصلة ؛ كالأعداد. قال تعالى :﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ ﴾( البقرة : 249 ). وجيء به على زنة : التفاعل للدلالة على المبالغة في الفعل، بحيث ينزَّل منزلة من يغالب غيره، ويباريه في كثرة المال والولد، وغير ذلك. وقوله تعالى :﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾( التكاثر : 1 ) المراد به : الأموال والأولاد، وإليه الإشارة بقوله تعالى :﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾( الكهف :34 ). ومن بَدَهيِّة العقل أن كل ما كان سريع الانقضاء يقبُح بالعاقل أن يفتخر به، أو يفرح بسببه. وكيف لعاقل أن يفتخر بكثرة المال والولد، والله تعالى يقول، وقوله الحق :﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾( الكهف : 46 ).
هذه هي حقيقة الحياة الدنيا التي تكمُن وراء كل ما يبدو فيها من جِدٍّ حافل، واهتمام شاغل :﴿ لَعِبٌ ﴾، و﴿ َلَهْوٌ ﴾، و﴿ َزِينَةٌ ﴾، و﴿ تَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ ﴾، و﴿ تَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾. والحياة الدنيا- كما يقول سيد قطب- حين تقاس بمقاييسها هي، وتوزن بموازينها، تبدو في العين وفي الحِسِّ أمرًا عظيمًا هائلاً، ولكنها حين تقاس بمقاييس الوجود، وتوزَن بميزان الآخرة، تبدو شيئًا زهيدًا تافهًا، لا قيمة له.. وهي هنا في هذا التصوير تبدو لعبة أطفال بالقياس إلى ما في الآخرة
من جد تنتهي إليه مصائر أهلها بعد لعبة الحياة.
ثالثًا- ولتصوير هذه الحقيقة في صورة محسوسة تقربها إلى العقول والأذهان ضرب الله تعالى لها هذا المثل العجيب على طريقة القرآن المبدعة، شبهها فيه سبحانه بمثل غيث أصاب أرضًا، فنبت عن ذلك الغيث نبات معجب أنيق، يعجب الكفار لنضارته، ثم يهيج، فيُرَى مُصفرًّا، ثم يتحطم، فتلعب به الريح، وتفرقه في جهات هبوبها، فيضمحل ويتلاشى :
﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ﴾
فالمشبه هو حقيقة الحياة الدنيا المعجبة، والمشبَّه به هو النبات المعجب الذي نبت عن الغيث، وقد اجتمعا في شدَّة الإعجاب، ثم في التغيير بالانقلاب. وفي ذلك الاحتقار للدنيا، والتحذير من الاغترار بها، والسكون إليها.
وكان حق كاف التشبيه أن تدخل على مثل النبات، فيقال : كَمَثَلِ نَبَاتِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ.. ؛ لأنه هو المشبه به في الحقيقة. والأصل في أداة التشبيه أن يليها المشبه به، ولكن قدِّم الغيث على النبات تصويرًا لهيئة النبات من مبادئها، وإظهارًا لمواقع الحسن فيها ؛ ولهذا كان تقديمه أولى.
والمتأمل في المشبه به يرى أنه في حقيقته تصوير لحياة الإنسان بصورة حياة النبات. فكما يمر النبات في حياته بأطوار الطفولة والشباب والشيخوخة ثم ينتهي إلى حطام، فكذلك يمر الإنسان بهذه الأطوار نفسها ثم ينتهي إلى فناء ؛ ولهذا جيء بلفظ مثل عقب كاف التشبيه :﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ ﴾. أي : كمثل نبات غيث. ومَثلُه هو المطابق له في تمام أحواله وصفاته. والمراد به هنا : الإنسان. والدارس لأطوار الخلق التي تبدأ بمرحلة الطفولة، وتنتهي بمرحلة الشيخوخة، يوقن تمامًا أن الحياة الدنيا هي بمثابة لحظة في تاريخ الإنسان الطويل، وأنها معْبَرٌ إلى الآخرة، وأن ﴿ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾. أي : هي الحياة التي لا أبدَ لها، ولا نهاية لأبدها ؛ ولهذا لما ذكر تعالى ما يؤول إليه أمر الدنيا من الفناء، ذكر ما هو ثابت دائم من أمر الآخرة من عذاب الله الشديد، ومن مغفرته ورضوانه الذي هو سبب النعيم، فقال سبحانه :﴿ وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ﴾ ؛ كأنه قيل : والحقيقة هاهنا، لا في الحياة الدنيا.

واختلف المفسرون في تأويل ﴿ الْكُفَّارَ ﴾، فقال بعضهم : هو من : كَفَر الحَبَّ. أي : ستره في الأرض بالتراب ؛ فهم الزُّرَّاعُ. وقيل : خُصُّوا بالذكر هنا ؛ لأنهم أهل البصر بالنبات والزراعة، فلا يعجبهم إلا المُعْجَبُ حقيقة الذي لا عيب له. فإذا أعجبهم- مع علمهم به- فهو في غاية ما يستحسن.
وقال آخرون : هو من الكُفْر بالله، وهو الصحيح ؛ لأنه لو أراد الله تعالى الزُّرَّاع، لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به ؛ كما ذكرهم في قوله :﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾( الفتح : 29 ). وجه تخصيصهم بالذكر أنهم أشدُّ تعظيمًا للحياة الدنيا، وإعجابًا بزينتها وحرثها، وأنهم لا يرَوْنَ سعادة إلا سعادتها، وأنها الحياة التي لا حياة بعدها، ﴿ وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾( الأنعام : 29 ). أما المؤمنون فإنهم إذا رأوا مُعْجَبًا، انتقل فكرهم إلى قدرة موجده عز وجل، فأعجبوا بها ؛ ولهذا قال أبو نواس في النرجس :
عيونٌ من لُجَيْـنٍ شاخِصاتٌ  ** على أَطُرَافِها ذَهَبٌ سَبيكُ
على قُضُبِِ الزَّبَرْجَدِ شاهداتٌ **  بأنَّ اللهَ ليسَ لُهُ شَريـكُ
والذين كفروا لا يتخطى فكرهم عمَّا أحسَّوا به، فيستغرقون به إعجابًا.
رابعًا- تأمل بعد ذلك قوله تعالى :﴿ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ﴾  كيف اختار سبحانه الفعل ﴿ يَهِيجُ ﴾ للتعبير عن حال النبات، بعد بلوغه مرحلة النضوج والإعجاب.. إنه يثور ؛ كما يثور الرجل من شدة الغضب، فتراه مصفر الوجه. أو كما يثور الثور الهائج، فترى الزبد يخرج من فمه، ثم يهدأ ويسكن ؛ كذلك حال النبات ﴿ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ﴾. أي : يثور، فتراه مصفرًّا ؛ وكأنه  يعلن بذلك عن اقتراب أجله، ثم يكون بعد ذلك حطامًا تلعب به الريح، وتفرقه في جهات هبوبها.
والهَيَجَانُ هو الاضطراب والثوران، ومنه سميت الحرب بالهيجاء ؛ لأن فيها يضطرب المقاتلون، ويثور بعضهم على بعض. وفي حديث عليٍّ رضوان الله عليه :« لا يهيج على التقوى زرع قوم ». أراد : من عمل عملاً صالحًا، لا يفسد عمله، ولا يبطل ؛ كما يهيج الزرع، فيهلك.
والحُطَامُ هو المتكسِّرُ من النبات وغيره، وهو صيغة مبالغة من الحَطْم. أي : الكَسْر. يقال : حَطيم وحُطَام بمعنى : محْطوم، أو متحَطَّم ؛ كعجيب وعُجَاب، بمعنى : معجَب ومتعجَّب منه. ونظيره : الهشيم. والفرق بينهما : أن الهشيم يختص بما هو رطب جاف. أما الحُطَام فيختص بما هو صلب يابسٌ كالزجاج، والحطمة من أسماء النار ؛ لأنها تحطم ما يلقى فيها حطمًا. وعن بعض العرب : قد تحطَّمت الأرض يبسًا، فأنشَبُوا فيها المخالب، وهي المناجل. أي : تكسَّرت زروع الأرض، وتفتتت لفرط يبسها، فجزُّوها. وقد ثبت للعلماء أن الزرع يحتوي في سوقه وورقه على نسب كبيرة من الزجاج ؛ ولهذا نراه يتكسر حين يصفرُّ ويَيْبَس ؛ كما يتكسر الزجاج الصلب. ومن هنا نجد القرآن الكريم يستعمل لفظ الحطم للزرع اليابس المتكسر.. وكذلك استعمل القرآن الحطم
للنمل، في قول النملة محذِّرة رعيتها :﴿ يَا أَيُّهَا ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾( النمل : 18 )، فقد أثبت العلم أن جسم النملة يحتوي على نسبة كبيرة من الزجاج، وأنه مغلف بغلاف صلب جدًّا قابلٍ للتحطم ؛ كالزرع اليابس، وكالزجاج الصلب ؛ وذلك يشكل إعجازًا علميًّا من إعجاز القرآن إلى جانب إعجازه البياني الذي يسمو فوق كل بيان !
وعَطْفُ كلٍّ من جملة ﴿ يَهِيجُ ﴾، و﴿ يَكُونُ حُطَامًا ﴾ بثُمَّ  لإفادة التراخي الرتبي ؛ إذ أن وصول النبات إلى درجة من الهَيَجَان، وبلوغ منتهاه، لا يتأتى إلا بعد زمن طويل من بدء زراعته، وهو أعظم دلالة على التَّهُيُّؤِ للزوال، ثم الهلاك. وهذا هو الأهم في مقام التزهيد في الحياة الدنيا الفانية، والإعجاب بها.
أما جملة ﴿ فَتراهُ مُصْفَرًّا ﴾ فظاهر عطفها بالفاء يشير إلى أن اصفرار النبات مقارن لهيجانه، ومترتب عليه. والمعنى المراد خلاف ذلك ؛ لأن هيجان النبات يعني اصفراره، وأخذه في اليبس، خلافًا لما عليه الجمهور من أن ﴿ يَهِيجُ ﴾ معناه : ييبس، أو يجفُّ. ولو كان المعنى على ما قالوا، لوجب أن يقال : ثم يهيج، فيصفَرُّ، ولكن جاء التعبير القرآني هكذا :﴿ فَتراهُ مُصْفَرًّا ﴾، فدلَّ على أن المترتب على هيجان النبات هو رؤيته مُصفرًّا، لا اصفراره.. فتأمل !
وببلوغ النبات هذه المرحلة من اليَبَس والتكسُّر ينتهي شريط الحياة كلها.. ينتهي بهذه الصورة المتحركة المأخوذة من مشاهدات البشر المألوفة.. ينتهي بمشهد الحطام..! هذه هي حقيقة الحياة الدنيا في سرعة انقلابها على المعجبين بها، وإدبارها عنهم.. إنها كمثل هذا النبات الذي يثور بعد بلوغه مرحلة النضج والإعجاب، فيُرَى مصفرًّا معلنًا عن اقتراب أجله، ثم ينتهي إلى يبَس، فيضمحل ويتلاشى ؛ وكأنه لم يكن. فأما الآخرة فلها شأن غير هذا الشأن، شأن يستحق أن يحسب حسابه، وينظر إليه، ويستعد له. فإذا انقلبت الدنيا، وكانت الآخرة، استحالت إلى عذاب شديد لمن انهمك فيها، ومغفرة من الله ورضوان لمن طلب بها الآخرة :﴿ وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ﴾. فهي لا تنتهي في لمحة كما تنتهي الحياة الدنيا التي تشبه في حقيقتها مَثَلَ ذلك النبات المعجب الذي يبلغ أجله، ثم ينتهي إلى حطام.. إنها حساب وجزاء، ودوام، يستحق الاهتمام. وفي ذلك تنفير من الانهماك في الدنيا، والعكوف عليها، وتزهيد فيها، وإشارة إلى فخامة شأن الآخرة، وعِظَم شأنها، ترغيبًا في تحصيل نعيمها المقيم، فهي الحياة التي لا تنتهي في لمحة كما تنتهي الحياة الدنيا، ولا تنتهي إلى حطام كما ينتهى ذلك النبات.

وقدم سبحانه ذكر العذاب على المغفرة والرضوان في قوله تعالى :﴿ وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ﴾ ؛ لأنه من نتائج الانهماك فيما فصَّل من حقيقة الحياة الدنيا وأحوالها.. وفي مقابلة العذاب الشديد بالمغفرة والرضوان إشارة إلى غلبة الرحمة، وأنه من باب :« لن يغلب عسر يسرين ». وفي ترك وصف العذاب بكونه من الله تعالى، مع وصف المغفرة والرضوان بأنهما من الله تعالى إشارةٌ إلى غلبتمها أيضًا، ورَمْزٌ إلى أن الخير هو المقصود بالقصد الأولى. أما تنكير العذاب، والمغفرة، والرضوان فلإفادة معنى التعظيم.
خامسًا- وقوله تعالى بعد هذا الترهيب والترغيب :﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ تقرير للمثل وتأكيد له. أي : هي متاعٌ  لمن أقبل عليها، واطمأن بها، وركن إليها، ولم يجعلها ذريعة للآخرة، ومطيَّة لنعيمها. وهذا المَتاع ليس له حقيقة ذاتية ؛ لأنه يستمد قوامه من الغُرور الخادع ; كما أنه يُلهِي ويُنسِي، فينتهي بأهله إلى غرور خادع.. وهي- كما قال سيد قطب- حقيقة لا يقصد القرآن بها العزلة عن حياة الأرض ، ولا إهمال عمارتها وخلافتها التي ناطَها الله تعالى بهذا الكائن البشري، حين قال للملائكة :﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَليفَةً ﴾ بعد نفخ الروح فيه ؛ وإنما يقصد بها تصحيح المقاييس الشعورية، والقيم النفسية ، والاستعلاء على غرور المتاع الزائل، وجاذبيته المقيَّدة بالأرض.. والحياة الدنيا تكون تافهة لا قيمة لها ولا وزن حين لا يكون وراءها غاية أكرم وأبقى.. حين تعاش لذاتها مقطوعة عن منهج الله تعالى فيها. ذلك المنهج الذي يجعلها مزرعة الآخرة ؛ ويجعل إحسان الخلافة فيها هو الذي يستحق وراثة الدار الباقية. وهذا هو الذي تشير إليه الفقرة الثانية في هذه الآية الكريمة :﴿ إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ﴾ (محمد : 36 ). فالإيمان والتقوى في الحياة الدنيا هو الذي يخرجها عن أن تكون لعبًا ولهوًا، ويطبعها بطابع الجِّد، ويرفعها عن مستوى المتاع الحيواني إلى مستوى الخلافة الراشدة، المتصلة بالملأ الأعلى. ويومئذ لن يكون ما يبذله المؤمن المتقي من عرض هذه الحياة الدنيا ضائعًا، ولا مقطوعًا ؛ فعنه ينشأ الأجر الأوفى، في الدار الأبقى !
وفي المستدرك على الصحيحين عن سعد بن طارق، عن أبيه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« نعمت الدار الدنيا لمن تزوَّد منها لآخرته، وبئست لمن صدَّته عن آخرته، وقصرت به عن رضا ربه. فإذا قال العبد : قبَّح الله الدنيا، قالت الدنيا : قبَّح الله أعصانا لربه ».
وروي عن سعيد بن جبير- رضي الله عنه- أنه قال :« الدنيا متاع الغرور إن ألهتك عن طلب الآخرة. فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله تعالى وطلب الآخرة، فنعم المتاع، ونعم الوسيلة ».
سادسًا- بقي أن نشير إلى أن علماء النحو والبلاغة والتفسير مجمعون على أن التشبيه في هذا التمثيل هو تشبيه بين مثل، ومثل : الأول هو مثل الحياة الدنيا. والثاني هو مثل غيث أعجب الكفار نباته. وتقدير الكلام على قولهم : اعلموا أنما مَثَلُ الحياة الدنيا كمثل غيث أعجب الكفار نباته، بإضافة لفظ ﴿ مَثَل ﴾  في طرف المشبه، وبذلك يتطابق آخر الكلام مع أوله، ولا دليل لهم على ذلك سوى وجوده في طرف المشبه به.
ولكن ظاهر الكلام يقتضي أن يكون المشبه هو الحياة الدنيا نفسها، لا مثلها ؛ ولهذا لم يؤت بلفظ ﴿ مَثَل ﴾ في طرف المشبه، خلافًا لما جاء في المثل الأول والثاني ؛ وهما قوله تعالى :
﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ  ﴾( يونس : 24 )
﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴾( الكهف : 45 )

فالمشبه في هذين المثلين هو:﴿ مَثَل الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾، والمشبه به هو :﴿ مَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴾ ؛ وهو تشبيه بين وجودين : الأول ذهني، والثاني خارجي.
وأما المشبه في هذا المثل الذي نحن بصدده فهو :﴿ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ نفسها، لا مثلها. والمشبه به هو :﴿ مَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ﴾ ؛ وهو تشبيه بين وجودين : الأول خارجي، والثاني ذهني.
وهذا هو أحد أوجه الفرق بين هذا المثل، وبين المثلين السابقين ؛ إذ يتوقف على مراعاته صحة المعنى. ومما يبين لك هذا الفرق أن الله تعالى وصف الحياة الدنيا في آخر هذا التمثيل بأنها ﴿ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾، على سبيل الحصر، فقال جلَّ شأنه :﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾. أي : الحياة الدنيا انتفاعٌ باطلٌ فان يخدع صاحبه، حتى يظن أنه  لا دار سواه، ولا معاد وراءه ؛ ولهذا كانت الدنيا حقيرة بالنسبة إلى الدار الآخرة. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى :﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِيْ الآخِرَةِ إِلَّا مَتَاع ﴾( الرعد : 26 ).
ولفظ المتاع في اللغة قد يطلق ويراد به الحياة الدنيا نفسها ؛ كما في الآية السابقة.. وقد يطلق ويراد به زينة الحياة الدنيا وما فيها من نعيم ؛ كما في قوله تعالى :﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾( آل عمران : 14 ).. ومن هنا ينبغي أن نفرق بين المتاع الذي يراد به الحياة الدنيا نفسها، وبين المتاع الذي يراد به زينة الحياة الدنيا ونعيمها. تأمَّل- إن شئت- قول الله  تعالى :﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾( غافر : 38 )، فسترى أن المراد بالمتاع – هنا- هو الحياة الدنيا ذاتها ؛ ولهذا قوبلت بالدار الآخرة التي هي دار القرار.
ولما كانت الحياة الدنيا ذاتها متاعًا، وكان ما فيها من زينة ونعيم متاعًا أيضًا، عبَّر الله تعالى عن الأول بأنه ﴿ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾، بضم الغين، وعبَّر عن الثاني بأنه ﴿ الْغَرُورُ ﴾، بفتح الغين. والفرق بينهما : أن الأول هو الباطل الذي يعجب صاحبه، وأن الثاني هو الذي يغرُّ صاحبه، وكل شيء يغُرُّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، حتى يعصي الله تعالى، ويترك ما أمره به سبحانه، فهو غَرورٌ، بفتح الغين.
وأصل الغَرور من : غرَّ فلانٌ فلانًا، إذا أصاب غُرَّته. أي : أصاب غفلته، ونال منه ما يريد. والمراد به : الخداع، والأخذ على غرة. ولهذا حذَّر الله تعالى من العُجْب بالدنيا ذاتها، ومن الاغترار بزينتها ونعيمها، فقال جلَّ شأنه :﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾( لقمان : 33 ). أي : لا تغرنكم الدنيا. فإن كان لكم حظ فيها ينقص من دينكم، فلا تؤثروا ذلك الحظ، ولا يغرنكم بالله الغَرور. قال الفراء :« يريد به  زينة الأشياء في الدنيا. وقيل : المراد به : الشيطان يغر الناس بالوعد الكاذب والتمنية ».
ولما أراد الله تعالى أن يحذر عباده من الاغترار بمتاع الدنيا الفاني، ضرب لهم المثل الأول والثاني، شبه فيهما ذلك المتاع  في إقباله وإدباره  بنبات الأرض في هلاكه وبواره، فقال سبحانه في المثل الأول :
﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ.. ﴾. وقال في المثل الثاني :
﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ.. ﴾
فأتى بلفظ ﴿ مَثَل ﴾ في طرف المشبه، دون المشبه به. ومَثَلُ الحياة الدنيا في إقبالها وإدبارها هو متاعُها الزائل ونعيمها المنقضي.
ولما أراد الله تعالى أن يحذر عباده من الإعجاب بالدنيا ذاتها، وأن يحقرها في عيون المعجبين بها، ضرب لهم هذا المثل الذي شبه فيه الدنيا على أنها متاع زائل يعجب أصحابه بمثل نبات غيث يعجب الكفار، ثم يهيج، فيُرَى مصفرًّا، ثم يكون حطامًا، فقال سبحانه :
﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ﴾
فأتى بلفظ ﴿ مَثَل ﴾ في طرف المشبه به، دون المشبه. ومَثَلُ النبات في مروره بطور الطفولة، ثم الشباب، ثم الشيخوخة- كما ذكرنا آنفًا- هو الإنسان الذي يمر بهذه المراحل نفسها.
وكون الدنيا ذاتها متاع الغرور يعني : أنها في حقيقتها :﴿ لَعِبٌ، وَلَهْوٌ، وَزِينَةٌ، وَتَفَاخُرٌ  بَيْنَكُمْ، وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ ﴾. وكونها كذلك يعني : أنها تافهة حقيرة. ولتفاهتها وحقارتها لم تشبه بالنبات ذاته ؛ وإنما شبهت بحالة من حالاته، وهي كونه معجبًا لفئة مخصوصة، هي فئة الكفار ؛ وذلك أبلغ في ذمِّها وتحقيرها وازدرائها وتصغير أمرها. وهذا ما أكده الله تعالى بقوله :﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾( العنكبوت : 64 )، فأشار سبحانه وتعالى إليها بقوله :﴿ هذه الحياة الدنيا ﴾ إشارة تحقير.
وكيف لا تكون كذلك، وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة ؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء ».
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :« ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليمِّ، فلينظرْ بمَ يرجع ».
وعن المستورد بن شداد، قال : كنت مع الرَّكْب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، على السَّخْلة الميتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« أترون هذه هانت على أهلها، حتى ألقوها ؟ قالوا : من هوانها ألقوها يا رسول الله ! قال : فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها ».. إلى غير ذلك من الأحاديث التي تؤكد على ذمِّ هذه الحياة الدنيا، وتحقيرها، وهوانها على الله تعالى ؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« مالي، وللدنيا ؟ إنما مثلي، ومثل الدنيا ؛ كراكبٍ قالَ في ظل شجرة في يوم صائف، ثم راح وتركها ». أي : استظل في ظل شجرة في يوم شديد الحر.
وفي المستدرك على الصحيحين، من حديث أبي بكر، قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته يدفع عن نفسه شيئًا، ولم أرَ معه أحدًا، فقلت : يا رسول الله ! ما الذي تدفع عن نفسك ؟ قال :« هذه الدنيا، مُثِّلت لي، فقلت لها : إليكِ عنِّي، ثم رجعَت، فقالَت : إن أفلتَّ منِّي، فلن ينفلت منِّي مَنْ بعدك ».. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يقول :« الدنيا خضرة حلوة، فاتقوها ».
ويُعلم مما تقدَّم أن الحياة الدنيا التي ذمَّها الله تعالى، وذمَّها رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ إنما هي التي تلهي عن ذكر الله تعالى، ولا تُتَّخَذُ مطيَّة للآخرة ؛ لأن الدنيا في الحقيقة جُعِلَت مبنى للآخرة، ومزرعة لها، ومنها زاد الجنة، ومنها اكتسبت النفوس الإيمان ومعرفة الله تعالى، ومحبته وذكره ؛ ابتغاءَ مرضاته. وخيرُ عيش ناله أهل الجنة في الجنة ؛ إنما كان بما زرعوه في الحياة الدنيا من أعمال البر والإحسان، فإن لم تكن كذلك، فهي مذمومة ملعونة ؛ كما جاء في الحديث الذي رواه التِّرمِذِيُّ عن أبي هريرة، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :« الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه، وعالم، أو متعلم ».

 ونختم بقول الشاعر أبي الفرج الساوي :
هي الدنيا تقول بملء فيها **  حَذارِ حَذارِ من بطشي وفتكي
فلا يغرُرْكُمُ مني ابتسـام **  فقولي مضحك والفعل مبكـي


الوسوم:


مقالات ذات صلة