كلوا وأشربوا ولا تسرفوا

﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ 7الأعراف:31-33.
لمَحَات بَيَانِيَّة وعِلْمِيَّة:
قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ الأعراف:31و32,

وفي الحديث الشريف: (ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بدَّ فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) رواه الإمام أحمد والترمذي.
وفي قوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ), وقوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)؛ تعريض بالرهبانية في العبادة والغلو في الزهد والانقطاع عن الحياة, وفيه توجيه نحو السعي على الرزق, وجاء التوجيه: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) ناهيا عن الإسراف؛ فالمضمون إذن هو الاعتدال, والقاعدة أن كل فضيلة دعي إليها الإسلام مصلحة دينًا ودنيَا؛ وكل رزيلة مضرة, فتعين أن الإسراف في الطعام مضرة.
وطلب الغذاء إشباع لغريزة مهمتها الحفاظ على صحة البدن, والتمتع بالطعام مباح؛ على أن تقوية البدن والحفاظ على صحته في القرآن الكريم ليس غرضًا في حد ذاته وإنما لأداء أمانة المخلوق لخالقه وللحفاظ على صحة العبادة, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ البقرة: 168, وإذا كان إشباع الغرائز هو الغرض؛ فلا فارق إذن بين إنسان وُهِبَ عقلا وعرف واجبه وحيوان لا يدرك لوجوده غرض, قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ محمد:12, ودين الإِسلام ليس دين رهبانية وفي الحديث الشريف: (إن الله لم يبعثني بالرهبانية)؛ وإنما الإِسلام عبادة وعمل، ولا يقطع العابد عن الحياة، ولا يمنع عن طيب الطعام والكساء, وإنما يدعو إلى الاعتدال وينهى عن التقتير وعن التباهي والإسراف.

ومن عواقب النهم على جهاز الهضم: التخمة وعسر الهضم وتوسع المعدة, والوجبة الكبيرة مقدمة للشعور بألم الذبحة الصدرية عند المصابين بأمراض الأوعية القلبية بسبب نقص تروية القلب بالدماء وتوجيهها نحو الأمعاء عقب الوجبات, وتناول الدهون بكثرة يعرض للإصابة بتصلب الشرايين Arteriosclerosis, وتناول اللحوم بكثرة يعرض ذوي الاستعداد الوراثي للإصابة بداء الملوك أو النقرس Gout, والسمنة Obesity تحد من نشاط الفرد وتقلل من إنتاجه, وهي مقدمة للإصابة بجملة أمراض عديدة؛ منها داء البول السكري Diabetes Mellitus وارتفاع ضغط الدم Hypertension, وجلطات القلب والمخ وهي حالات قد تؤدي للموت, والسمنة أو البدانة تؤدي إلى خلل في التمثيل الغذائي Metabolism واضطراب الغدد الصماء نتيجة لتراكم الشحوم, ولم يعد مجهولا أن للبدانة عواقب وخيمة على جسم الإنسان حتى أن إحدى شركات التأمين الأمريكية تقرر وفقا للإحصائيات أنه كلما طال حزام البطن كلما كان العمر قصيرا نتيجة الإصابة بالأمراض, ومرض البول السكري يصيب الشخص البدين أكثر من العادي, ونتيجة للبدانة تحل الدهون محل بعض خلايا عضلة القلب مما يؤثر بصورة مباشرة على وظيفته, وهكذا قد تؤدي السمنة لأمراض القلب وسكري النمط الثاني وصعوبات التنفس أثناء النوم؛ وبعض حالات السرطان، وتعد السمنة سبباً رئيسياً للموت المبكر على مستوى العالم أجمع، وهي تشهد شيوعاً أو انتشاراً متزايداً بين فئات الراشدين والأطفال، وتعتبر السمنة واحدةً من أكثر مشكلات الصحة العامة في القرن الحادي والعشرين خطورة.

زيادة الوزن سبب لامراض منها أرتفاع ضغط الدم

ووفق موسوعة ويكيبيديا العالمية: السمنة Obesity حالة طبية تتراكم فيها الدهون الزائدة بالجسم فتؤثر سلبًا على الصحة؛ مؤديةً بذلك إلى انخفاض نتيجة المشاكل الصحيةٍ, وفق التعريفات التي نشرتها منظمة الصحة العالمية عام 2000, وهي تختلف قليلا وفق أجناس الشعوب، وتشخص الحالة بقياس الخصر أو مؤشر كتلة الجسم, وهو عبارة عن الوزن بالكيلوغرامات مقسومًا على مربع طول الجسم بالأمتار: {الوزن كجم\ مربع الطول متر}.


وتشخص الحالة وفق تجاوز مؤشر النسبة الطبيعية نقصًا أو زيادةً؛ أقل من 15: نقص حاد جدا, من 15 إلى 16: نقص حاد, من 16 إلى 18.5: نقص في الوزن, من 18.5 إلى 25: وزن طبيعي, من 25 إلى 30: زيادة في الوزن, من 30 إلى 35: سمنة خفيفة, من 35 إلى 40: سمنة متوسطة, أكثر من 40: سمنة مفرطة, ويعتبر الشخص سمينًا إذا كان مؤشر كتلة الجسم أكثر من 30 كجم/ متر مربع, وحينئذٍ يكون أكثر عرضة للأمراض.
وتنتُج السمنة من سعراتٍ حراريةٍ زائدةٍ نتيجة قابلية جينية وبطء عمليات الأيض Metabolism بحيث يزداد الوزن مع أن كمية الأكل قليلة, وقلةٍ في النشاط البدني, واضطرابات الغدد الصماء, وبعض الأمراض النفسية, وقد حددت دراسة أُجريت عام 2006 عواملٍ أخرى أسهمت في زيادة معدلات السمنة؛ مثل: النوم غير الكافي، وملوثاتٍ بيئيةٍ تؤثر على التمثيل الغذائي للدهون، وتناقص معدلات التدخين لأن التدخين يقلل الشهية، والاستخدام المتزايد للأدوية التي يمكن أن تتسبب في زيادة الوزن (مثل مضادات الذهان)، والحمل في عمر متأخر قد يؤدي إلى قابلية الإصابة بالسمنة عند الأطفال المولودين، والتزاوج المختلط الذي يؤدي إلى تركيز متزايد للعوامل الوراثية المؤدية للسمنة, كما توصلت بعض الدراسات الإحصائية إلى أن 80% من ذرية أي أبوين يعانيان من السمنة جاءت مصابةً بالسمنة، ومن ناحيةٍ أخرى فإن أقل من 10% من ذرية أي أبوين يتمتعان بالوزن الطبيعي جاءت مصابة بالسمنة.


ويمكن تعريف السّعر الحراري بأنه كميّة الطاقة الناتجة عن كِمّية معينةٍ من الطعام؛ فكلما حصلت على كمّية أكبر من السْعرات الحرارية عما تحتاجُه فإنَّ الكمية الزَّائدة تتحول إلى دهون، وتخزن على هيئة شحوم بالجسم, أما إذا أكلت كمّية من الغذاء تحتوي على سُعَرَات أقل مما تَحَتاجه فإن الجسم يُحوّل جزءًا من دهنه إى طاقة, فمثلاً عندما تأكل 3,500 سعر حراري زيادة عما تحتاجه، فسوف يتحول هذا إلى 0,5 كجم دهن سواء أكان ذلك خلال أيام أم أسابيع, وبالعكس لو أكلت كمية تقل عن 3,500 سعر حراري عما تحتاجه؛ فإن الجسم يَفْقد 0,5 كجم من الدهن المخزون.
وفي نهايات التسعينات من القرن العشرين كان الأوروبيون يتناولون نحو 3394 سعراً حرارياً للفرد الواحد؛ وفي المناطق النامية بآسيا بلغ المتوسط 2648 سعراً حرارياً للفرد، وبلغ في إفريقيا 2176 للفرد, وفي عام 1996 حققت الولايات المتحدة أكبر معدل استهلاكٍ وصل إلى 3654 سعراً حرارياً للفرد, وتزايد عام 2003 حتى وصل إلى 3754, وفي المقابل؛ تزايدت معدلات السمنة من سنة 1971 إلى سنة 2000 في الولايات المتحدة من 14.5% إلى 30.9%.
ويتمثل العلاج الأول للسمنة في إتباع حميةٍ غذائيةٍ وممارسة التمارين الرياضية, ولتدعيم مثل تلك الأنشطة؛ أو في حالة فشل هذا العلاج؛ فربما يكون من الممكن تعاطي أدوية التخسيس لتقليل الشهية أو لمنع امتصاص الدهون, إلا أنه في الحالات المتقدمة قد يتم إجراء جراحةٍ بإزالة جزء من المعدة أو يتم وضع بالون داخل المعدة للتقليل من حجمها أو تقليل طول الأمعاء؛ مما يؤدي إلى شبع مبكر, وخفض القدرة على امتصاص المواد الغذائية من الطعام, ويمكن تقسيم الحميات الغذائية الهادفة إلى إنقاص الوزن إلى أربع فئات هي: حمية منخفضة الدهون، حمية منخفضة الكربوهيدرات، حمية منخفضة السعرات الحرارية، وحمية منخفضة السعرات الحرارية جداً, وقد توصلت دراسة إلى أنه لا يوجد اختلاف بين ثلاثةٍ من أنواع الحمية الرئيسية (منخفض السعرات، منخفض الكربوهيدرات، ومنخفض الدهون)، حيث أحدثت هذه الأنواع الثلاثة نقصاً في الوزن بين 2 و4 كيلوجرامات في جميع الدراسات, في حين تؤدي الحميات الغذائية المنخفضة جداً في السعرات الحرارية إلى خسارةٍ في الوزن تتراوح بين 1.5 و2.5 كيلوجرامات في المتوسط، لكنها تعرض الجسم للجوع الشديد، وقد تصاحبها أعراض جانبية ضارة، مثل تقلص كتلة العضلات، وزيادة مخاطر الإصابة بالنقرس, واختلال توازن الأملاح بالجسم, ومن ثم فلا يوصَى باستخدام هذا النوع من الحميات الغذائية بشكل عام, وإن كان ولابد فينبغي أن تتم المراقبة عن كثب والمتابعة لهؤلاء الأفراد الذين يقومون بممارسة هذا النوع من الحميات الغذائية من قِبَل طبيبٍ مختص تحسبا للمضاعفات.
وخلاصة القول إذن أن الإفراط في تناول الطعام هو الطريق الأساسي إلى السمنة والتأثر بعواقبها الوخيمة, وفي كلمات قليلة أوجز القرآن الكريم القاعدة الصحية في الغذاء التي ينادي بها الطب الحديث: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا)؛ ففي الإفراط في الطعام إذن مضرة, وقد حملت الأخبار تفسير تلك المضرة داعية للاعتدال عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام, ففي الحديث الشريف: (ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بدَّ فاعلاً، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) رواه الإمام أحمد والترمذي, وعن عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنهم أجمعين): (إياكم والبطنة في الطعام فإنها مفسدة للجسم مورثة للسقم), فمضمون التوجيه إذن أن الشره آفة تسوق الأمراض وتؤذي الجسم, ويكفي بعض ما يحصيه الطب الحديث من عواقب السمنة, وقد يتجه البعض لاستخدام العقاقير لإنقاص الوزن لكنها قد تسبب آثار جانبية مضرة, والسبيل الأمثل للوقاية هو ما سبق وقرره القرآن الكريم داعيًا لنفس القاعدة الصحية التي ينادي بها الطب الحديث: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا)!.
قُطُوف تَفْسِيرِيَّة
قال الماوردي: “{وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} يعني ما أحله الله لكم, ويحتمل أن يكون هذا أمر بالتوسع في الأعياد, {وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسُرِفِينَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لا تسرفوا في التحريم؛ قاله السدي, والثاني: معناه لا تأكلوا حراماً فإنه إسراف, قاله ابن زيد, والثالث: لا تسرفوا في أكل ما زاد على الشبع فإنه مضر, وقد جاء في الحديث: (أَصْلُ كُلِّ دَاءٍ البردة)؛ يعني التخمة, ويحتمل تأويلاً رابعاً: لا تسرفوا في الإنفاق, وقوله: {إِنَّهُ لاَ يحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} يحتمل وجهين؛ أحدهما: لا يحب أفعالهم في السرف, والثاني: لا يحبهم في أنفسهم لأجل السرف”.
وقال ابن جزي: “(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) الأمر فيهما للإباحة، لأن بعض العرب كانوا يحرمون أشياء من المآكل, (وَلا تُسْرِفُوا) أي لا تكثروا من الأكل فوق الحاجة، وقال الأطباء: إن الطب كله مجموع في هذه الآية، وقيل: لا تسرفوا بأكل الحرام: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ 7الأعراف:32, إنكار لتحريمها هو ما شرعه الله لعباده من الملابس والمآكل، وكان بعض العرب إذا حجوا يجرّدون الثياب ويطوفون عراة، ويحرّمون الشحم واللبن، فنزل ذلك ردّا عليهم”.
وقال محمد رشيد رضا: “فَمَنْ جَعَلَ شَهْوَةَ بَطْنِهِ أَكْبَرَ هَمِّهِ فَهُوَ مِنَ الْمُسْرِفِينَ، وَمَنْ بَالَغَ فِي الشِّبَعِ وَعَرَّضَ مَعِدَتَهُ وَأَمْعَاءَهُ لِلتُّخَمِ فَهُوَ مِنَ الْمُسْرِفِينَ، وَمَنْ أَنْفَقَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِهِ، وَعَرَّضَ نَفْسَهُ لِذُلِّ الدَّيْنِ أَوْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، فَهُوَ مِنَ الْمُسْرِفِينَ
وقال المراغي: “من جعل شهوة بطنه أكبر همه كان من المسرفين، ومن بالغ فى الشبع وعرّض معدته وأمعاءه للتّخمة كان من المسرفين، ومن أنفق في ذلك أكثر من طاقته وعرّض نفسه لذل الدين أو أكل أموال الناس بالباطل فهو من المسرفين والله يقول (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ), والخلاصة أن هدى القرآن في الطيبات هو ما تقتضيه الفطرة السليمة المعتدلة من التمتع بها مع الاعتدال والتزام الحلال, والاعتدال هو الصراط المستقيم الذي يقل سالكه، فكثير من الناس يحيدون عنه ويميلون في التمتع إلى جانب الإفراط والإسراف، ويكونون كالأنعام بل أضل لأنهم يجنون على أنفسهم حتى قال بعض الحكماء إن أكثر الناس يحفرون قبورهم بأسنانهم, وقليلون منهم ينحرفون إلى جانب التفريط والتقتير إما اضطرارا لبؤسهم وعدمهم وإما اختيارا كالزهاد والمتقشفين, وسبيل الاعتدال سبيل شاقة على النفوس، عسرة على سالكها، كلها تدل على فضيلة العقل ورجحانه”, “(وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) أي كلوا مما رزقكم الله من غير إسراف في الأكل كما قال في آية أخرى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ), وقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ), والاعتداء والإسراف: مجاوزة الحد، والحد الذي ينهى الله عن تجاوزه إما شرعى كتجاوز الحلال من الطعام والشراب وما يتعلق بهما إلى الحرام، وإما فطرى طبعي وهو تجاوز حد الشبع إلى البطنة الضارة”.




مقالات ذات صلة