فوائد دراسة الإعجاز والتفسير العلمي للقرآن الكريم

 
الثلاثاء/ديسمبر/2019
   

بقلم الدكتور كارم السيد غنيم

الأستاذ في كلية العلوم جامعة الأزهر

أمين عام جمعية الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

الدكتور أحمد أبو الوفا عبد الآخر

أستاذ في جامعة الأزهر

بداية، نذكر بالفرق بني التفسير العلمي والإعجاز العلمي قبل أن ندخل إلى بيان عن الفوائد والأهداف التي تتحقق منهما.

أما التفسير العلمي: فهو انتفاع المفسر بما ظهر في عصره من معلومات كونية في تفسير الآيات القرآنية.

وأما الإعجاز العلمي: فهو الحقيقة الكونية التي يؤول إليها معنى الآية القرآنية ويشاهد الناس مصداقها في الكون.

مما سبق نرى أنه لا فارق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي سوى في التعبير الذي يصاغ به تعريف كل منهما. فمن يقبل أحدهما فعليه إذن أن يقبل الثاني. وإن كان في التفسير العلمي تستخدم المعلومات الكونية، فإن في الإعجاز العلمي تجري مطابقة الحقيقة الكونية على الإشارة العلمية التي تشير إليها الآية القرآنية.

فوائد دراسة الإعجاز والتفسير العلمي للقرآن الكريم

1)    دراسة ظاهرة الإعجاز العلمي كحقيقة علمية وواقع ثقافي:

دون النظر إلى الفوائد الكثيرة التي تتحقق من دراسة الإعجاز العلمي وقبوله، فإن الداعي إلى المطالبة بذلك هو حتمية التعامل مع الإعجاز العلمي كظاهرة قرآنية وحقيقة عقلية ومن صفات القرآن، فكيف يتغافل المسلمون عن ذلك كله، وكيف لا ينظر العلماء إلى الإعجاز العلمي على أنه داخل في علوم القرآن، خاصة وأنهم مطالبون بالاهتمام بكل ما يخص القرآن الكريم، معجزة الإسلام الخالدة.؟!

وإذا كان بعض كبار علماء الغرب أمثال: بوكاي، ومور، وجارودي، وتاجاسن، حريصون على التعرف على الإعجاز العلمي وعلى دراسته من منطلق عقلاني، فهل يكون علماء الأمة الإسلامية أقل حرصاً ؟   وهل من المعقول أن ينكر بعضهم ذلك الوجود الثقافي والفكري للإعجاز العلمي وأن يتغافلوا عن حقيقته العقلية ؟

2)    تجديد بينة رسالة الإسلام وأسلوب الدعوة:

إذا كان المعاصرون لرسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد أدركوا وجه الإعجاز البياني للقرآن  وشاهدوا بأعينهم كثيراً من المعجزات الحسية عنه صلى الله عليه وسلم، فإن الله سبحانه وتعالى شاء أن يُرى العصور التي تسود فيها الثقافات العلمية والكونية وجهاً آخر من وجوه الإعجاز القرآني وهو “وجه الإعجاز العلمي” الذي يناسب فكر البشر في هذه العصور، وبذلك تتجدد بينة رسالة الإسلام، وتقوم عليهم حجة القرآن بما أدركوه فيه من الإعجاز المناسب لعقولهم، وأصبح كل الناس – على اختلاف لغاتهم وأجناسهم وأوطانهم – مدعوون للنظر في هذه البراهين، ومطالبون بالاقتناع بها، وبالتالي هم مطالبون بالإيمان بمعجزة القرآن. وبهذا تصبح تلك البراهين إلى جانب الأدلة المستمدة من عقيدة التوحيد في التشريعات والأخلاقيات والسلوكيات الإسلامية ألسنة الدعوة ومصابيح للهداية إلى دين الإسلام. أضف إلى ذلك ما يحدثه وجه الإعجاز العلمي من الثقة وزيادة اليقين لدى المسلمين الذي فتنوا في دينهم بالعلوم الكونية، التي هي عماد تقدم الحضارة المادية المعاصرة.

3)     التوسع في فهم القرآن الكريم:

لا شك أن استخدام المعلومات والمعارف العلمية في تفسير آيات القرآن الكريم سيجعل معاني الآيات، خاصة آيات القرآن الكونية أكثر وضوحاً، وربما أكثر صواباً من تلك التفاسير التي أكثرت من الاعتماد على الفهم المجازي وعلى صرف الآيات إلى أحداث يوم القيامة.

وسيظل تفسير آيات القرآن الكريم كما هو، حسب النمط التقليدي، غير أنه سيضاف إليه التفسير العلمي – أي تفسير الآيات على ضوء المعلومات العلمية – وبهذا تتسع دائرة فهم القرآن الكريم كما تدرك الحكمة من بعض التعاليم والتشريعات الواردة بالقرآن الكريم، مما يضيف إلى القبول التعبدي لها قبولاً عقلياً، ولاشك أن القبولين معاً أدعى للالتزام عن قبول واحد.

والأمثلة على ما ذكرنا كثيرة، ويسهل الإلمام بها بمطالعة التفاسير التي أضافت في هوامشها تفسيراً علمياً لبعض الآيات، ومن أشهرها ( تفسير المنتخب ) الصادر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بجمهورية مصر العربية.

وسنكتفي بذكر ثلاثة أمثلة فيما يلي:

·يقول الله سبحانه وتعالى: ( إنما حرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير. ) [ سورة البقرة ]

وفيه أضاف التفسير العلمي ما يلي: ( سبق القرآن الكريم الطب الحديث بتحريم الميتة لأن ما يموت بشيخوخة أو مرض يكون موته بسبب مواد ضارة تلحق الأذى بمن يأكل لحوم هذه الحيوانات )

·يقول الله سبحانه وتعالى: ( هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً )  [ سورة يونس ]

وفيه يقول المفسّرون: ( الله الذي جعل الشمس تشع الضوء والقمر يرسل النور ) وأضاف التفسير العلمي: ( ما يصدر عن الشمس فهو ضياء وما يصدر عن القمر فهو نور هكذا جاء التعبير القرآني الدقيق. ذلك لأن الضوء نور ذاتي، ينبعث من جسم مشع له بفعل الحرارة النارية المتوقدة من الجرم السماوي كالشمس، أما النور فهو غير ذاتي، لأنه صدر عن جسم بارد معتم وقع عليه ضوء الشمس فانعكس منه على الأرض دون أن يحمل شيئاً من حرارة الضوء وذلك الجرم السماوي هو القمر )

·يقول الله سبحانه وتعالى: ( قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون ) [ سورة يوسف ]

قال المفسرون: ( تزرعون سبع سنين دائبين على العمل في الزراعة فما تحصدونه احفظوه في سنبله إلا ما تأكلونه )

وأضاف التفسير العلمي: ( ثبت علمياً أن ترك الحب في سنبله عند تخزينه وقاية له من التلف بالعوامل الجوية والآفات )

وبعد فهذا هو نمط التفسير العلمي وهذا منهجه، فهل هناك ما يدعو إلى الاعتراض عليه أو التشكيك فيه اللهم إلا سوء الفهم أو سوء القصد.

4)    الدوافع الإيمانية نحو البحث عن الحقائق الكونية:

إن تدبر آيات القرآن الكونية وإنعام النظر في الإعجاز العلمي للقرآن الكريم سوف ينشط المسلمين بدافع إيماني، ويرغبهم في الإقبال على البحث في الحقائق الكونية، ودراسة سنن الفطرة، وتسخير الاكتشافات فيما ينفع ولا يضر. وبهذا يصبح الإعجاز العلمي للقرآن الكريم من أهم العوامل الإيمانية التي تولد الرغبة لدى المسلمين في الإقدام على الدخول في مجالات البحوث والدراسات والاكتشافات الكونية.

المنهج الإيماني للدراسات الكونية

إنه يربط الدراسات الكونية بآيات القرآن الكريم وما بها من إشارات وحقائق علمية، يمكن وضع “المنهج الإيماني للدراسات الكونية” وبذلك يعيش المسلم على الدوام في محراب الإيمان بالله، ومحراب العلم والتجريب. فيزداد بالمعارف والاكتشافات يقيناً بالله سبحانه وتعالى وتعظيماً وطاعة له، فهو سبحانه القائل: ( إنما يخشى الله من عباده العلماء )[ سورة فاطر ]

ولبيان المقصود من المنهج الإيماني للدراسات الكونية نقدم ما يلي:

1)    آيات القرآن الكريم:

قال الله سبحانه وتعالى: ( الذي جعل لكم الأرض مهداً وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون) [ سورة الزخرف ]،

وقال سبحانه وتعالى: ( الذي جعل لكم الأرض مهداً وسلك لكم فيها سبلاً) [ سورة طه ]

وقال سبحانه وتعالى: ( والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً ) [ سورة نوح ]

. أي أن القرآن الكريم يعبر في جملة من الآيات عن مظاهر تضاريس القشرة الأرضية، وذلك في إشارات علمية عامة، وشاملة ومطلقة ودقيقة وصادقة، عرضنا منها تلك الآيات.

2)    آراء أصحاب الفضيلة المفسرين:

عن الآية الأولى يقول المفسرون: ( الله الذي ربط الأرض وجعلها لكم كالفراش تستقرون عليها وتقومون وتنامون وجعل لكم فيها طرقاً تسلكونها في أسفاركم ) وعن الآية الثالثة يقول المفسرون: ( مهدنا الأرض لتستقروا عليها )، وعن الآية الخامسة يقول المفسرون: ( والله جعل لكم الأرض نسيجه ممتدة ممهدة لكم، تنقلبون عليها كما ينقلب الرجل على بساطه. وشبه الله الأرض كالبساط في امتداده واستقرار الناس عليها )

· قشرة الأرض هي الجزء الرقيق منها والذي مهده الخالق الأعظم سبحانه وتعالى ليكون صالحاً للحياة، وهي الجزء الخارجي البارد نسبياً، والذي يختلف عن الجزء الداخلي للأرض. والاصطلاح في معناه العام يرادف الغلاف الصخري ” الذي هو في الواقع عبارة عن طبقة رقيقة مفككة تعرف ( بالتربة ) وكتلة من الصخور الصلبة، أو ما يعرف بالجبال ترصع هذه القشرة هنا وهناك وتنغرس في القشرة الصخرية أسفل التربة.

ويبرز وجه القشرة الأرضية من خلال الغلاف المائي في هيئة قارات، ويغطي معظم سطح القارات ( أي اليابس ) غشاء هش رقيق يسمى التربة ويختلف في سمكه من مكان إلى آخر، ولم تكن قشرة الأرض في بادئ تكوين الأرض في الماضي السحيق بهذا التمهيد الذي أشارت إليه الآيات القرآنية – فضلاً من الله على الإنسان وغيره من المخلوقات التي تعيش على الأرض- وإنما كان مسطحاً وعراً متضرّساً في ضراوة وقسوة. ولكن الخالق سبحانه وتعالى سخر عوامل التعرية لقشط القشرة الأرضية، وتسويتها وقد وصلت إلى ما وصلت إلهي من وجود طبقة رقيقة وناعمة عن طريق ما يعرف بالتجوية ( weathering ). وهذه العوامل التي سخرها الخالق الأعظم سبحانه وتعالى للتخفيف من وعورة سطح القشرة وتمهيده وبسطه تظل تعمل حتى تصل إلى ما يسمى. ( النقطة الحرجة ) لقانون التوازن الذي وضعه الله سبحانه وتعالى وعندما تصل عوامل التعرية إلى هذا الحد تتوقف.

وهناك عوامل تسمى ( حركات القشرة ) تنشط لتعيد التوازن وذلك بخفض المناطق التي ارتفعت وثقل وزنها بملايين الأطنان من المواد الأرضية التي نقلتها عوامل النقل والترسيب المختلفة. عندئذ يصدر الأمر الإلهي لعوامل التعرية بالبدأ في إجراء دورة أخرى لإعادة تشكيل سطح الأرض ” جيومورفولجيا”. وهكذا تتحرك العوامل المختلفة في الوقت المناسب بإذن خالقها سبحانه وتعالى لتظل الأرض مهداً وفراشاً وبساطاً، كما أشارت الآيات القرآنية.

· ومن أهم أشكال الفراش القشري للأرض:

السهول: وهي كل أرض مستوية نسبياً، تخترقها الأنهار فيما يسمى السهول الفيضية. وقد شهدت السهول الفيضية استقرار الإنسان منذ فجر التاريخ على ضفاف الأنهار والسهول قليلة الارتفاع، بحيث لا تزيد عن 1550 قدماً فوق سطح البحر.

الهضاب: جمع هضبة وهي الأرض العالية نسبياً المستديرة المنبسطة أو شبه المنبسطة، وقد تجري فيها الأنهار وهي صالحة للحياة عليها

الوديان: الجزيء المنخفض من الأرض تحف به المرتفعات من الجانبين، وهي أرض منبسطة تصلح للحياة عليها.

وبذلك نكون قد تعرفنا جغرافيا على قشرة الأرض، وهي الجزء الرقيق منها الذي مهده الله سبحانه وتعالى ليكون صالحاً للحياة، وجعله مهداً وبساطاً وفراشاً للإنسان. ونكون قد قدمنا لدراسته بالمنظور الإيماني، وربطنا الدراسة بآيات القرآن الكونية. وهذا هو ما يعرف “بالمنهج الإيماني للدراسات الكونية ” ويمكن اتباعه في شتى العلوم، وفي الدراسات الكونية المختلفة.

البحث والتطبيق

تحمل الآيات الكونية القرآنية إشارات وحقائق علمية، وقد أمكن مطابقة كشوف كونية على ما جاء بعضها. لهذا فقد أصبح من المفيد التوجه بالنظر فيها وبالبحث والدراسة واستكشاف ما بها من حقائق علمية، وهذا هو ما نقصده من قولنا ” الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في مجال التطبيق “ فكما أن المسلمين مطالبون أيضاً بدراسة الأمور الشرعية الواردة بالقرآن الكريم والعلم بها، فهم مطالبون أيضاً بدراسة الأمور الشرعية الواردة بالقرآن الكريم والعلم بها، فهم مطالبون أيضاً بالبحث عما في القرآن من إشارات علمية ودراستها – ضمن مطالبتهم بتدبره والتعمق في فهم آياته – كما قال سبحانه وتعالى: ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبروا آياته وليتذكّر أولوا الألباب ) [ سورة ص ] ونحن ندعو علماء الأمة الإسلامية، بل بكل علماء العالم المتخصصين في العلوم الكونية، إلى الاهتمام بذلك الأمر.

وبهذا التحرك العلمي لا يقف المفسرون للقرآن تفسيراً علمياً عند مرحلة استخدام المعارف الكونية التي سبق الكشف عنها، بل إنهم يبادرون – علماء اللغة العربية والمفسرون وعلماء الكونيات – إلى تدبر آيات القرآن الكونية واستخراج ما بها من معارف علمية، سواء بالدراسات النظرية، أم بالبحوث التجريبية وبذلك تتحقق أمور ثلاثة:

( الأول ) أن يصبح القرآن الكريم مصدراً لمعرفة علوم الفطرة ( العلوم الكونية )

( الثاني ) أن لا يظل فهم آيات القرآن الكونية على الدوام تابعاً للمعارف الكونية التي يتم التوصل إليها من خارج القرآن.

( الثالث ) أن يصبح الإعجاز العلمي أكثر إشراقاً وأكثر واقعية، ويخرج عن المرحلة النظرية والمعنوية إلى المرحلة العملية والحسية.

وعندما أقول ذلك لا أقصد كافة المعارف الكونية، ولكن أقصد ما يكفي لأن يكون شاهداً برهاناً على واقعية الإعجاز العلمي. وسيظل علماء المسلمين – مع غيرهم من العلماء – متجهين إلى الكون المحسوس لاستخراج سنن الفطرة والحقائق الكونية والمعطيات العلمية، غير أن القرآن الكريم سوف يصبح – بفضل إعجازه العلمي – مصدر إلهام للعلماء في التوصل إلى معطيات وحقائق كونية، وعن ذلك يقول عالم الكيمياء الشهير المرحوم الأستاذ: الدكتور / محمد أحمد الغمراوي – رائد الدراسات المنهجية للإعجاز العلمي: ( إن على علماء الفطرة من المسلمين أن يهتدوا في بحوثهم الكونية بما أنزل الله في كتابه من آيات كونية. لكن النظر في الآيات الكونية ابتغاء الاهتداء إلى ما أودع الله فيها من أسرار الفطرة  أو الطبيعة كما يسمونها – يحتاج من الاحتياط في البحث عن أسرار الفطرة في الكون المنظور. وأهل القرآن من علماء الفطرة ينبغي أن يسترشدوا في بحوثهم بما يتعلق بها مما أنزل الله في كتابه العزيز، فهو نور بأيديهم لا بأيدي غير المؤمنين به، ومن التضييع إغفاله وإهمال فرص الاهتداء به.

ولبيان معنى الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في مجال التطبيق، نقدم الأمثلة التالية:

المثال الأول: وموضوعه إنكار صوت الحمير:

يقول سبحانه وتعالى: ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) [ سورة لقمان ]

هذه الآية الكريمة هي مفتاح الدراسة التي توجه عناية العلماء والباحثين إليها.

أقوال المفسرين: ( إن أوحش الأصوات صوت الحمير )، وقال قتادة: أقبح الأصوات صوت الحمير، أوله زفير وآخره شهيق،

وقال مجاهد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير.

وروى النسائي عند تفسير الآية عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطاناً)

المطلوب هو:

1- إجراء دراسات صوتية ( لصوت الحمير) عند النهيق، على ضوء المعارف الحديثة في علم الصوتيات، وباستخدام أجهزة القياس وغيرها من الأجهزة التي يحتاجها البحث، وذلك بغرض التعرف على جوانب القبح في صوت الحمير من وجهة نظر العلم التجريبي. وذلك بالمقابلة مع أصوات بعض الحيوانات التي تفوق صوت الحمير في القوة والرعب كزئير الأسد مثلاً.

2- إجراء الدراسات الفسيولوجية على الإنسان للتعرف على التغيرات الجسدية التي تحصل له.

3- إجراء دراسات استقصائية عن إنكار صوت الحمير من منطلق الأحاديث النبوية التي تدعو الإنسان إلى الاستعاذة من الشيطان عند نهيق الحمار، وهي أحاديث كثيرة وصحيحة. ويحتاج الأمر إلى إجراء دراسات فسيولوجية على الحمار في حالة النهيق، وقد يكشف ذلك عن حدوث تغيرات في صوت الحمير عند النهيق

·والبحث في ظاهرة نهيق الحمار وإنكار صوتها ليس من قبيل الترف العلمي وتبديد الجهود البحثية، وليس لمجرد الرغبة والحماس لتأكيد الإعجاز العلمي للقرآن والسنة وهو التعرف على سنن الفطرة من خلال دراسة الظواهر الكونية، بصرف النظر عن حجم الظاهرة الكونية والشيء المتعلق بها. وشاهدنا على ذلك سقوط الثمار من على الأشجار التي لفتت نظر العالم الشهير نيوتن أثناء مشاهدته لسقوط تفاحة من أعلى الشجرة، ونظره إلى ذلك كظاهرة حركية فأخذ الموضوع على محمل الجد، وأخضعه للدراسات التي كشفت في النهاية عن أسرار وسنن كونية وقوانين عن الجاذبية قادت إلى فوائد عظيمة

وقد تؤدي دراسة صوت نهيق الحمر، على ضوء الآية الكريمة والأحاديث النبوية، إلى إحراز معلومات ومعارف تفيد في الطب، وفي علم الصوتيات، وفي أمور ( ميتافيزيقية )، هي غيبية ولكنها تعايشنا وتحيط بها، ألا وهي ( الشياطين ).

المثال الثاني: وموضوعه: الأسباب الصحيّة لتحريم زواج الأخوات من الرضاعة:

يقول سبحانه وتعالى: ( حرّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) [ سورة النساء ]

تنفرد شريعة الإسلام بتحريم الزواج بالأخت من الرضاعة. ومع التسليم والقبول والاقتناع بالأحكام الشرعية الواردة بالقرآن والسنة النبوية، حيث أنها جاءت لخير البشرية من لدن الله سبحانه وتعالى الخالق العليم الخبير، فقد يكون من المفيد محاولة التعرف على بعض جوانب الحكمة فيها. والموضوع الذي نحن بصدده – هو تحريم الزواج بين الإخوة – لا يخلو من حكم طبية يجب البحث عنها ونشرها والإعلان عنها، حتى يكون غير المسلمين على علم بها فيفعلوا كما يفعل المسلمون، فمادام هناك تحريم فلابد أن يحدث الضرر من ارتكاب الفعل، وهذا ما يجب التحذير منه. ومع أن البحوث الطبية الأولية أثبتت صحة ذلك، إلا أن الأمر يحتاج مزيد من البحث والدراسة للتوصل إلى المعارف الطبية المؤكدة، والمهمة تقع في المقام الأول على عاتق علماء الطب بالأمة الإسلامية. * والمطلوب هو:

إجراء الدراسات والبحوث على أعلى المستويات العلمية والتي توفر لها الإمكانات المعملية المتقدمة على أن تتصف بالاستقصاء والإحصاء ويشار كفيها أكثر من مركز للبحوث الطبية على المستوى العالمي على أن يكون الدور الأكبر لمراكز البحوث بالوطن الإسلامي. ولعل ذلك العلم يكون بداية إلى الاهتمام بالتعرف على الحكمة والعلة الأمور والنواهي الشرعية المتعلقة بالأمور الطبية حتى يحكن التوصل إلى اكتشافات ومعطيات علمية تفيد كافة البشر.

المثال الثالث: وموضوعه: توليد الطاقة من المادة الخضراء بالشجر والمعروفة باسم اليخضور ( الكلوروفيل ):

يقول الله سبحانه وتعالى: ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون ) [ سورة يس ]

يقول المفسرون: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر – بعد جفافه ويبسه – ناراً وهناك قول آخر: هو الذي أخرج لكم من الشجر الأخضر الرطب ناراً محرقة بإيقادكم لهذا الشجر، فهو قادر على إخراج الضد من الضد. وفي قول آخر: وعندما ينظر المتخصصون في العلوم الكونية في الآية الكريمة ويتدبرونها من منظر الفطرة والسنن الكونية، فإنهم يقفون عند كلمة ( الأخضر ) لمحاولة فهمها علمياً، لا فهم يعتبرونها مجرد كلمة وصفية، أو – كما فهم المفسرون – أنها جاءت بالآية لبيان طبيعة الشجر قبل الاحتراق والكشف عن قدرة الله سبحانه وتعالى في تحويل الشجر الأخضر الرطب إلى وقود، إنهم يفهمون كلمة ( الأخضر ) فهماً علمياً يجعل الآية القرآنية ذات مدلول عميق، فهم يرون فيها إشارة علمية إلى تلك المادة الخضراء ( اليخضور ) التي هي أهم مكونات النبات وبواسطتها يتم تكوين كافة المواد الموجودة بالنباتات – وعلى رأسها المواد السكرية والدهنية البروتينية، وكذلك بناء الكيان الخشبي بالأشجار.

وهي التي تتسبب في تحويل الطاقة الخارجية الواردة من الفضاء الجوي عن طريق الشمس إلى طاقة كامنة داخل المواد النباتية، وفي الأخشاب حيث يتحول إلى طاقة حرارية تخرج في صورة النار عند الاحتراق. وكما قلنا، فإن الكلوروفيل ( اليخضور ) يقوم باقتناص الطاقة الخارجة وتحويلها إلى طاقة كامنة في سائر النباتات ولذلك فإنه يسمى ( صائد أو قانص الطاقة Energy  hunter). فانظر أخي القارئ الفطن كيف أن حكمة ورود لفظة الأخضر في الآية القرآنية جاءت بإشارة علمية واضحة إلى المادة الخضراء ( اليخضور ) وفي النص القرآني: ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً ) [ سورة يس ] إشارة أخرى إلى دور هذه المادة في توليد النار، وبمعنى آخر في تكوين الطاقة التي تنتج منها النار وحرارتها.

والمطلوب هو:

قيام أهل الاختصاص بالانتقال من مرحلة الدراسات التي تتعلق بدور ( اليخضور ) في النبات، إلى مرحلة التطبيق، وذلك بالبحث في استخدام هذه المادة في توليد الطاقة خارج النبات. وهذا من باب الاستطراد العلمي، انطلاقاً من التوسع في مفهوم النص القرآني

( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون ) [ سورة يس ]

المثال الرابع: وموضوعه “هندسة الري بالوابل والطل”:

يقول سبحانه وتعالى: ( كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل ) [ سورة البقرة ]

يقول أهل اللغة: ( الوابل ) المطر الكثيف – ( الطل ) المطر القليل.

وبالآية الكريمة إشارة تتعلق بهندسة المياه والري. ويمكن للعلماء المتخصصين أن ينطلقوا في بحوثهم من هذه الآية الكريمة، وأن يدرسوا بأساليب الري بالوابل والطل، ويبحثوا في تعميم وتنفيذ شبكة ري تعتمد فكرتها على الري بهذه المصادر الطبيعية.

المثال الخامس: وموضوعه مصدر الحديد الموجود بالأرض:

يقول سبحانه وتعالى: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس) [ سورة الحديد ]

مفتاح الإشارة العلمية القرآنية هو كلمة أنزلنا وهي تفيد أن الحديد لم يكن موجوداً بالأرض ولكنه نزل إليها – في بداية تكوينها – من أعلى.

وتجري الدراسات لمعرفة مصدر الحديد الذي يوجد بالأرض وبخاصة في باطنها حيث يوجد بكميات ضخمة، وتشير الدراسات الأولية أن الحديد لم يكن بالأرض بهذه الكميات الضخمة، لأنها ليست من الكواكب التي تكوّن الحديد.

كما أنه لم يأتها من الشمس القريبة إليها لنفس التعليل السابق، وتتجه الأبحاث نحو الاحتمال بأن الحديد ربما سقط على شكل نيازك حديدية ضخمة جاءت من النجوم التي تقوم بتكوين الحديد، ( كالنجوم المستعرة ) التي يوجد بها الحديد بكميات ضخمة، وبهذا تكون الدراسات عن مصادر الحديد بالأرض تتجه لتتطابق مع اللفظ ( أنزلنا ) الذي جاء بالآية.

وفي مجال بحوث الإعجاز العلمي التطبيقية، فإن الأمر يتطلب من العلماء المتخصصين بالعلوم الإسلامية المشاركة في تلك الأبحاث للتوصل إلى حقائق علمية تطابق الإشارة القرآنية، وفي ذلك بيان وتوثيق للإعجاز العلمي في القرآن الكريم يأخذ الأسلوب التجريبي طريقاً له.

وبعد، فهذه أمثلة قليلة تبين كيف يمكن الاستفادة من الإشارات العلمية لآيات القرآن وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم كمصادر إلهام وانطلاق إلى رحاب البحث والاكتشاف للأمور الكونية وسنن الفطرة.

وليس من الضروري أن تكون الدراسات في أمور كونية مجهولة لم يسبق اكتشافها بل يمكن أن تكون في أمور كونية لم يستكمل بحثها ، كما هو في المثال الخامس، وهو البحث عن مصدر الحديد الموجود بالأرض وبهذا المفهوم يتحرك التطبيق العلمي، انطلاقاً من الإشارات الكونية بالقرآن الكريم في اتجاهين:

1)    اتجاه نحو المجهول من الأمور الكونية

2)    واتجاه نحو المعلوم من الأمور الكونية التي في حاجة إلى الاستقصار البحثي والمزيد من الدراسات لمزيد من الإيضاح العلمي. ونقول لعلماء الأمة الإسلامية الذين يقومون بدراساتهم وأبحاثهم انطلاقاً من الإشارات العلمية بالقرآن والسنة النبوية: إن لكم أجران عند الله سبحانه وتعالى، أجر على جهودكم العلمية في خدمة البشر بما تتوصلون إليه من معارف واكتشافات فيها النفع والخير لبني الإنسان، وأجر على خدمتكم وعنايتكم بالقرآن الكريم بالتأكيد على إعجاز القرآن الكريم وصدقه.

الأهداف

يؤدي الإعجاز العلمي للقرآن والسنة إلى تحقيق أهداف سامية والفوائد والأهداف هما جناحا المصلحة التي يدركها المسلمون من الإعجاز العلمي وباختصار نذكر الأهداف فيما يلي:

1- المحافظة على استمرارية معجزة القرآن الكريم بما يضمن دوام الحجة على كل الناس في كل العصور، وذلك من خلال الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.

2- أن تزداد آيات القرآن الكريم الكونية وضوحاً على مر الزمان، وأن يكمل منها ما هو مجهول، وذلك من خلال الكشوف الكونية والمعارف العلمية.

3- أن يظل القرآن الكريم في قلب الثقافة الإنسانية ومهيمناً على منهاج الحياة بما يعطيه من المعطيات العلمية المتجددة.

4- إضافة دراسات جديدة إلى علوم القرآن تختص بالإعجاز العلمي فيه.

5- استكشاف بعض جوانب الحكمة في الأوامر والنواهي التي وردت بالقرآن الكريم والسنة النبوية.

6- تحقيق دفعة حضارية من خلال منهج البحث العلمي في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، وإقامة حضارية إسلامية خالية من السلبيات التي تتعارض مع فطرة الإنسان ومصلحته الحقيقية.

7- تصحيح الأخطاء التي صاحبته نظرة الإنسان المادية إلى ذاته، والاهتمام بدراسة أمراض الحضارة المادية المترتبة على مخالفة الفطرة والخروج عن طاعة الله.

 

يمكن إرسال التعليقات حول المقالة إلى فضيلة الدكتور كارم السيد غنيم

[email protected]

مقالات لها علاقة:

 


الوسوم:


مقالات ذات صلة