صور من تسبيح الكائنات لله

د. محمد محمد السقا عيد  
الثلاثاء/أغسطس/2021
   

إن الإنسان بعظمته التي يعتقدها إنما هو جزء بسيط في هذا الكون الواسع , فالله جل شأنه قد خلق هذه الأرض و ما عليها من موجودات جامدة كانت أو حية و ما في باطن الأرض من كنوز مختلفة سخرت جميعها لخدمة هذا الإنسان و مساعدته في أداء رسالته السماوية , وهذه الأرض وما فيها هي أيضاً جزء بسيط مقارنة بباقي الموجودات و العوالم الأخرى التي نعلم بوجودها و إن كنا لا نعلم كنهها كعالم الجن و عالم الملائكة و عوالم أخرى لا نعلم عنها شيئاّ , كل هذه الموجودات على اختلافها تشترك جميعاً في أنها تسبح الله سبحانه و تعالى و تقدسه و هذا ما تنص عليه الآية الشريفة صراحة. يقول عز من قائل: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) الإسراء 44.
يتضح من قوله تعالى ” وإن من شئ” أن جميع المخلوقات و الموجودات و( الأشياء) تسبح الله فلا استثناء في الآية.
هذه آية عظيمة تخبرنا بأمر لا ندركه ولكنه موجود ونحن كمؤمنين نؤمن بكل ما جاء في كتاب الله، ولكن كيف نقنع من لا يؤمن بهذا الكتاب العظيم؟ لنقرأ:
إن الذي يتأمل هذه الآية يدرك أن كل المخلوقات تسبح بحمد ربها، الإنسان والشجر والنجوم و…، ولكن ما لفت انتباهي أن الله تعالى قال: (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) ولم يقل (ولكن لا تسمعون تسبيحهم)، إذن نحن يمكن أن نسمع تسبيح هذه المخلوقات ولكن لا نستطيع ترجمتها ولا نستطيع أن نفقهها، فالفقه يكون بعد السماع. وهذا ما يكتشفه العلماء اليوم!.
فقد لاحظ العلماء أن بعض النباتات تصدر ذبذبات صوتية في المجال الذي يسمعه الإنسان، أي ضمن ترددات من 20 إلى 20000 ذبذبة في الثانية، ولكن الإشارات الصوتية التي تطلقها هذه النباتات ضعيفة جداً ولا يمكن سماعها إلا بعد تقويتها وتكبيرها آلاف المرات.
فكل شيء في الوجود يتكلم ويصدر ترددات صوتية، فالنباتات والأشجار لها أصوات محددة وتتأثر بالأصوات أيضاً، وهذا ما تكشفه الأبحاث الجديدة في علم النبات.
ثم بدأ العلماء يلاحظون أن بعض النجوم تصدر أصواتاً مسموعة، فالنجم النيوتروني الذي سماه الله تعالى بالطارق يصدر صوتاً يشبه صوت المطرقة، والثقوب السوداء تصدر أصواتاً أيضاً، ومنذ فترة تمكن العلماء من تسجيل الصوت الذي أصدره الكون بعد ولادته!
ولكن من أكثر الاكتشافات غرابة أن الخلية الحية تصدر ترددات صوتية، وهذا ينطبق على جميع الخلايا، وكانت أوضح الترددات ما تصدره خلايا القلب!.
فقد اكتشف الدكتور Gimzewski أستاذ الكيمياء في جامعة كاليفورنيا وباستخدام كمبيوتر ذري أن كل خلية تصدر صوتاً محدداً يختلف عن الخلية الأخرى!

رسم يوضح شكل الخلايا العصبية في الدماغ

حتى الشريط الوراثي داخل خلايا أجسامنا – خلايا الدم – الخلايا العصبية في الدماغ… جميعها يصدر ذبذبات صوتية محددة، وكأنه يسبح الله ليل نهار ولذلك من الممكن أن يتأثر بالتسبيح!.
ولذلك فان التسبيح لله تعالى يمكن أن يؤثر في نظام عمل هذا الشريط الوراثي الذي يتحكم بحياتنا وأمراضنا، أي يمكن أن يؤثر التسبيح عليه فيكون وسيلة للشفاء من الأمراض المستعصية، والله تعالى أعلم.
الدلافين والصراصير والطيور والنحل وغيرها من الكائنات الحية جميعها تصدر أصواتاً، ثم اكتشف العلماء أن الفيروسات تصدر ترددات صوتيه، حتى إنهم يحاولون ابتكار طريقة جديدة للكشف المبكر عن الأمراض بتتبع أصوات الجراثيم والفيروسات في الجسم.
وقد يتطور العلم فيكتشف أن الذرة تصدر ترددات صوتية، فيكون بذلك كل شيء يسبح لله كما أخبر بذلك القرآن، ويكون هذا من الأدلة العلمية على صدق هذا الكتاب وسبقه العلمي. بل إن العلماء اليوم يعتقدون أن كل شيء في الوجود له صوته المحدد والخاص به، ويقولون:
“إن قوة غريبة موجودة في كل مكان تسيطر وتؤثر على كل شيء نراه أو نشعر به”
أليست هذه القوة هي قوة الله تعالى خالق الوجود؟ لماذا لا تكون هذه الأصوات هي أصوات تسبيح وخضوع لله تعالى وتعظيم وشكر لنعمه عزّ وجلّ؟
إن جميع ما في الوجود من خلق الله سبحانه وتعالي‏‏ بدءا بالملائكة المطهرين وانتهاء بكل من الجمادات والظواهر الكونية مرورا بكل من مؤمني الإنس والجن وبغيرهم من الأحياء ومنها جميع الحيوانات والنباتات وكل موجود من غير ذلك‏ .
روي الإمام البخاري عن ابن مسعود‏‏ رضي الله عنه‏‏ قوله‏:‏ كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل .
وفي حديث أبي ذر‏‏ رضي الله عنه‏‏ أن رسول الله‏‏ صلي الله عليه وسلم‏ أخذ في يده حصيات فسمع لهن تسبيح كطنين النحل، وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان‏… رضي الله عنهم وعنا أجمعين‏.

أنواع التسبيح:
ينقسم تسبيح المخلوقات لخالقها إلي تسبيح فطري‏(‏ تسخيري‏)‏ للخلق غير المكلف وتسبيح اختياري‏(‏ إرادي‏)‏ للمكلفين من خلق الله، ويمكن إيجاز ذلك فيما يلي‏:‏
أولا‏:‏ التسبيح الفطري‏(‏ التسخيري‏)‏ للملائكة‏:‏
تسبيح الملائكة هو من أمور الغيب التي يعجز الإنسان عن إدراكها ولا سبيل له إلي معرفتها إلا عن طريق وحي السماء.
فإذا تحدث القرآن الكريم عن تسبيح الملائكة‏-‏ فلابد للمسلم من الإيمان بذلك وإن لم يستطع إدراكه بحسه المحدود وبقدراته المحدودة‏.‏
ثانيا‏:‏ التسبيح الإرادي الاختياري للمكلفين من عقلاء الأحياء من الإنس والجن‏:‏
يقول تعالي‏‏ في محكم كتابه‏: ‏وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏*‏‏الذاريات‏56‏
فتسبيح العقلاء المكلفين من الجن والإنس هو تسبيح إرادي اختياري يقوم به الصالحون منهم ويحرمه الكفار والمشركون من العصاة المغضوب عليهم ومن الضالين‏.‏ وهذا التسبيح يشمل ذكر الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي كـل حال بأسمائه الحسني وصفاته العليا وبكل نعت يليق بجلاله ويثبت له من صفات الكمال المطلق ما أثبته‏الله تعالي‏ لذاته العلية وينـزهه عن كل وصف لا يليق بمقام الألوهية‏(‏ من مثل ادعاء الشريك أو الشبيه أو المنازع أو الصاحبة أو الولد‏).‏
ثالثا‏:‏ التسبيح الفطري التسخيري للأحياء غير المكلفين‏:‏
منذ فترة قصيرة أدرك المتخصصون في علم سلوك الحيوان أن للعديد من المخلوقات من مثل القردة العليا وغيرها من الحيوانات الأرضية وأسود البحر والدلافين والحيتان وغيرها من الحيوانات البحرية والطيور من مثل الحمام والببغاوات والهداهد والغربان والحشرات من مثل ممالك النحل والنمل كل هذه المخلوقات لها قدرات متفاوتة علي التعبير بلغات خاصة بكل منها وعلي إدراك الذات والغير وعلي اكتساب المعارف المختلفة‏.‏
و قد سبق القرآن الكريم بأربعة عشر قرنا أو يزيد بالتأكيد علي أن كل خلق من خلق الله له قدر من الإدراك الخاص به والذي يعينه علي النطق بالكلام والشعور والإحساس وعلي التفاهم مع أقرانه وعلي معرفة خالقه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ وعلي الخضوع له‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بالطاعة والعبادة والذكر والتسبيح تسبيحا فطريا تسخيريا لا إرادة له فيه ولكنه يدركه ويعيه‏.‏
وأن هذا الإدراك الفطري يعين كل مخلوق أيضا علي التمييز بين العابدين الصالحين والعاصين المقصرين من الخلق المكلفين فيتعاطف مع صالحي المكلفين ويتنافر مع عصاتهم المقصرين، وإلا فمن علم هدهد سليمان أن عبادة قوم سبأ للشمس كفر بالله‏(‏ تعالي‏)‏ وانحطاط عن مقام التكريم الذي من الله‏(‏ تعالي‏)‏ به علي بني آدم وأن السجود لا يجوز إلا لله رب العالمين فيقول‏:‏‏*‏ ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون‏*‏ الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم‏*(‏ النمل‏:25‏ و‏26)‏.
كذلك من عرف نملة صغيرة بشخصية نبي الله سليمان‏(‏ عليه السلام‏)‏ ومن علم سليمان لغة النمل غير الله الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ ؟.

للنمل لغة مثله مثل البشر

ولغات كل نوع من أنواع الحيوانات يعلمها الله‏‏ تعالي‏ لمن يشاء من عباده كما فهمها لعبده ونبيه سليمان‏ عليه السلام‏ معجزة خاصة به وخارقة تخالف مألوف البشر‏.‏
وفي التأكيد علي هذا الإدراك الفطري عند جميع المخلوقات يقول المصطفي ‏صلي الله عليه وسلم‏:’‏ إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتي النملة في جحرها وحتي الحوت ليصلون علي معلم الناس الخير‏’.(‏ الترمذي‏).‏
وفي حديث رواه الإمام أحمد عن جابر‏(‏ رضي الله عنهما‏)‏ أن رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ قال‏:…‏ إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس‏.‏
وفي سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو أنه قال‏:‏ نهي رسول الله‏ صلي الله عليه وسلم‏‏ عن قتل الضفدع وقال‏:’‏ نقيقها تسبيح‏’.‏
رابعا‏:‏ تسبيح أجساد الكائنات الحية هو صورة من صور التسبيح الفطري التسخيري للجمادات‏:‏
من أعجب الاكتشافات العلمية الحديثة أن الأحماض الأمينية‏(‏ وهي اللبنات الأساسية لتكوين الجزء البروتيني الذي تنبني منه أجساد الكائنات الحية‏)‏ لها القدرة علي ترتيب ذراتها ترتيبا يمينيا أو يساريا وأنها في جميع أجساد الكائنات الحية تترتب ترتيبا يساريا‏، ولكن الكائن الحي إذا مات فإن الأحماض الأمينية في بقايا جسده تعيد ترتيب ذراتها ترتيبا يمينيا بمعدلات ثابتة تمكن الدارسين من تقدير لحظة وفاة الكائن الحي بتقدير نسبة الترتيب اليميني إلي اليساري في جزيئات الأحماض الأمينية المكونة لأية فضلة عضوية متبقية عنه‏(‏ من مثل قطعة من الجلد أو الشعر أو العظم أو الصوف أو الخشب أو غير ذلك‏)‏ وتسمي هذه الظاهرة باسم ظاهرة إعادة ترتيب ذرات الأحماض الأمينية ترتيبا يمينيا ‏(RacimizationoftheAminoAcids).‏
ويعجب العلماء للسر الخفي الذي يمكن تلك الذرات المتبقية عن الجسد الميت من إعادة ترتيب أوضاعها في داخل كل جزئ من جزيئات الحمض الأميني بمعدلات ثابتة لا تتوقف ولا تتخلف‏، مما يشهد بأن المادة التي يصفها الإنسان بأنها صماء جامدة لا إحساس لها ولا شعور ولا إدراك هي في الحقيقة مليئة بالأسرار التي لا يعلمها إلا الله‏‏ تعالي‏.‏
-كذلك من المكتشفات العلمية المذهلة أن تنبني أجساد كل الكائنات الحية من عشرين حمضا أمينيا فقط وأن جميع ذرات هذه الأحماض الأمينية تترتب ترتيبا يساريا في جزيئاتها التي ينبني منها أكثر من مائتي ألف جزئ بروتيني مختلف تترتب أيضا ترتيبا يساريا في داخل هذه الجزيئات البروتينية العملاقة‏(‏ المبلمرات‏)‏ وكل ذلك يعيد ترتيب ذرات مكوناته من الأحماض الأمينية ترتيبا يمينيا بمعدلات ثابتة بعد وفاة الكائن الحي الذي كان يحملها في جسده‏.‏
خامسا‏:‏ تسبيح الذرات والجزيئات والعناصر والمركبات في صخور الأرض وجبالها‏:‏
الجبال وصخورها والمعادن المكونة لتلك الصخور والجزيئات والذرات المكونة لتلك المعادن واللبنات الأولية المكونة لتلك الذرات كلها يسبح الله‏‏ تعالي‏ بلغته وأسلوبه وطريقته الخاصة به‏.‏ وقد أمكن الاستماع إلي أصوات ذبذبات اللبنات الأولية للمادة في الذرة‏.‏
وقد ورد ذكر تسبيح الجبال في القرآن الكريم ضمنيا مع تسبيح كل شئ ومع تسبيح ما في السماوات والأرض كما ورد محددا في آيتين كريمتين‏(‏ سورة الأنبياء آية79 ‏)‏، (سورة ص آية ‏18)‏.
وجاءت الإشارة إلي خشوع الجبل إذا أنزل عليه القرآن الكريم في‏(‏ سورة الحشر آية ‏21)‏ وإلي سجود الجبال لله ‏تعالي مع بقية أجزاء الكون ومع كثير من الناس‏(‏ سورة الحج آية ‏18)‏.
وأشار القرآن الكريم إلي ترديد الجبال لتسبيح نبي الله داود‏(‏ علي نبينا وعليه من الله السلام‏)‏ كما جاء في ثلاث من الآيات هي علي التوالي‏:(‏ الأنبياء‏ آية79 ‏، ص‏ آية18 ‏، سبأ‏ آية10).‏
فالجبال ليست كتلا هامدة كما يظن البعض ولكنها تتحرك جانبيا بالتضاغط والتثني والطي، كما تتحرك رأسيا بالتصدع والرفع من أسفل إلي أعلي بواسطة مختلف قوي الأرض الداخلية وبفعل عوامل التعرية.
تتمة هامة:
من رحمة الله بعباده أن أصوات الجمادات تبلغ من الضعف والخفوت ما يجعلها محجوبة عن آذان الخلق إلا بكرامة من الله‏ تعالي‏ وفضل منه أو باستخدام تقنيات متقدمة للغاية وشتان ما بين الوسيلتين.
حقا إنها رحمة من الله تعالي‏ أن حجب عنا تلك الأصوات وإلا لأصبحت الحياة جحيما لا يطاق إذا تكاثرت الأصوات من حولنا وتداخلت دون توقف أو انقطاع ولتعطلت قدرات الإنسان عن العمل أو التفكر أو التدبر أو العبادة أو النوم أو الراحة والاستجمام بل لفقد الإنسان عقله إذا استمع إلي جميع ما في الوجود من حوله وهو يتكلم في وقت واحد‏:‏ الجبل والحجر والنبت والشجرة والمدر والوبر، ومختلف الحيوانات والنباتات والطعام واللباس، والمـداس والتراب والغبار والهواء والماء والقمر والكواكب والشمس والنجوم، وغير ذلك من صور الخلق إلي حركة الكون في مجموعه‏.‏
مسك الختام
أخي القارئ! إن كل شيء في هذا الكون يسبح الله ليلاً ونهاراً لا يمل ولا يفتر، فهذا الفيروس الذي لا يُرى يسبّح الله، وكذلك أصوات الحيوانات التي نسمعها إنما هي تسبيح لله و مواعظ تخاطب بها ابن أدم لو عقلها. وحين تحمل بين يديك قطعة من الخشب أو الصخر قد تظنها جامدة صلبة ولكنها في الحقيقة تمتلئ بالحركة والنشاط (على مستوى الذرة) تسبح الله. فلماذا تنسى ذكر الله والتسبيح؟ لماذا لا يكون كل كلامك تسبيحاً لله تعالى ؟ ألسنا نحن أحق بالتسبيح من هذه المخلوقات؟ نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المسبِّحين…
مصادر يمكن الرجوع إليها
– صور من تسبيح الكائنات لله – للدكتور‏‏ زغـلول النجـار.
-موقع الكحيل للإعجاز العلمي.
– موقع الدكتور زغـلول النجـار.




مقالات ذات صلة