شبهة كثرة الأخطاء النحوية في القرآن الكريم

من كان يتصور أن تصل الجرأة بالأعاجم، أن يصفوا القرآن الكريم بأنه كتاب مليء بالأخطاء اللغوية ؟!

ورد في صفحة (أكذوبة الإعجاز العلمي) تحت عنوان ” أخطاء لغوية “: ” يرتكز  الأعجاز القرآني  بصورة رئيسية على فصاحته وبلاغته أي (لغته). ولقد وضعوا العرب(1)قبل الإسلام قواعد وأسسا للفصاحة والبلاغة والنطق، تعتبر هي المقياس الرئيسي في تمييز الكلام البليغ من غيره. وعلى هذه القواعد والأسس يجب أن تقاس النصوص.

الحال مع المسلمين مختلف تماما، لأنهم قلبوا القاعدة حين جعلوا القران هو القياس الذي يتحكم في صحة وخطاء[يقصد: خطأ!!]  قواعد اللغة كان يجب على المسلمين ان  يجعلوا  من هذه القواعد مقياسا يحكموا  به على القران وليس العكس كما هو حاصل وبالرغم من ذلك نجد في القرآن بعض الآيات التي لا تنسجم مع هذه القواعد(2)بل تخالفها الأمر الذي يدعونا إلى القول بأن القرآن ليس معجزاً لانه لم يسر على نهج القواعد العربية وأصولها “.

وعللت صفحة (تعليقات على الإسلام) سبب كثرة الأخطاء اللغوية في القرآن الكريم؛ لتحريف الحجاج بن يوسف الثقفي، لا سيما وأنه كان مدرساً للغة العربية.(3)

وقد ذكرت الأخطاء النحوية المزعومة في صفحة (أكذوبة الإعجاز العلمي) ونقلتها عنها حرفياً صفحة (هل القرآن معصوم ؟) تحت عنوان الجزء الخامس: أسئلة لغوية . كما أخذت صفحة (تعليقات على القرآن) بعضاً منها، وزادت القليل، ووضعتها تحت عنوان في القرآن أخطاء لغوية . وذكرت صفحة (قراءة نقدية للإسلام) قليلاً منها مبتدئة بعبارة:  وهناك كذلك أخطاء نحوية، في كثير من آيات القرآن .

أما صاحب صفحة (تساؤلات حول القرآن)، فقد أثار عدداً آخر من الشبهات المأخوذة عن سلفه، وبدوره قام صاحب صفحة (الإعجاز اللغوي في القرآن) بالتكرار الحرفي عنه !!

والأخطاء النحوية والصرفية، المدعاة على القرآن الكريم في مواقع الإنترنت غير الإسلامية، هي:

1. سورة البقرة:

أ. قوله تعالى: )مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ  نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ(17)(. جعل الضمير العائد على المفرد جمعاً.

الجواب: التقدير: (كالذي استوقد ناراً…) وحَّد (الذي) و(استوقد)؛ لأن المستوقد واحد من جماعة تولى الإيقاد لهم، فلما ذهب الضوء رجع عليهم جميعاً.

ومن روعة الإعجاز البياني في القرآن الكريم، أنه جمع الضمير في قوله )بِنُوْرِهِمْ(مع كونه بلصق الضمير المفرد في قوله )مَا حَوْلَهُ(مراعاة للحال المشبه وهي حال المنافقين ـ لا للحال المشبه بها وهي حال المستوقد الواحد ـ على وجه بديع في الرجوع إلى الغرض الأصلي.. فهذا إيجاز بديع. وكأنه قائل: ( فلما أضاءت ذهب الله بناره، فكذلك يذهب الله بنورهم ـ بصرهم ـ )، وهي أسلوب لا عهد للعرب بمثله، فهو من أساليب الإعجاز .(4)

ويجوز أن نقول: المقصود بالذي في الآية ليس الشخص، إنما هي تدل على الفريق. ولهذا يُقال: الفريق الذي فعل كذا، ولا يقال: الفريق الذين . 

ب. قوله تعالى: ).. قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي  الظَّالِمِينَ(124)(. كان يجب أن يرفع الفاعل.

الجواب: إعراب النص كاملا كما يلي:

قالَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح والفاعل ضمير مستتر تقديره هو ويرجع إلى رب العزة سبحانه.

لا: حرف نفي لا محل له من الإعراب.

ينالُ: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

عهد: فاعل مرفوع  وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وهو مضاف.

الياء: ضمير متصل مبني على السكون، في محل جر مضاف إليه.

الظالمين: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم.(5)

العهد هو الذي ينال الظالمين، والعهدُ صادر عن الله جل جلاله.

فلا ينالُ الظالمَ عهدُهُ.(6)

ج. قوله تعالى: )لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا  وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(177)(. 

أولاً )الْبِرَّ(: أتى باسم بالمصدر بدلاً من اسم الفاعل (البَارَّ) عطفاً على (آمن).

الجواب: كلمة )آمَنَ(فعل ماضٍ وليس اسم فاعل كما زعم، إنما اسم الفاعل (مؤمن) وهذا دليل جهله ببدهيات اللغة.

البر: اسم جامع لمعاني الخير.. والتقدير (ولكنَّ البرَ بِرُ مَنْ آمن) فحذف المضاف، ويجوز أن يُحذَف ما عُلم من مضاف أو مضاف إليه. فإن كان المحذوف المضاف، فالغالب أن يخلفه في إعرابه المضاف إليه.(7)

ثانياً: )وَالصَّابِرِينَ(: نصَبَ المعطوف على المرفوع (الأصح: وَالصَّابِروْنَ).

الجواب: )المُوْفُوْن(معطوفة على: )مَنْ(، لأن ) مَنْ(هنا اسم موصول يفيد الجمع في محل رفع، كأنه قال: (لكن البر المؤمنون الموفون).(8)

و)الصَّابِرِيْنَ(نصب على المدح، (تقديره: وأخص الصابرين) فالعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح أو المذموم.

وتغاير أسلوب الكلام بالنصب بعد الرفع رغم العطف؛ للفت انتباه السامع، فهو من البلاغة المحمودة.

2. سورة النساء: قوله تعالى: )لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ  مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا(162)(. نصَبَ المعطوف على المرفوع.

الجواب: )وَالمُقِيْمِيْنَ(منصوب على المدح، أي أخصُّ وأعني: المقيمين الصلاة.(9) (مثل )الصَّابِرِيْن(في سورة البقرة).

وهذا يُسمّى القطع، والقطع يكون في: الصفات أو العطف ـ إذا كان من باب الصفات ـ.. والقطع يكون للأمر المهم، كما في قوله تعالى )أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ  وَرَسُولُهُ ([التوبة: 3] عطف على اسم.

أما القطع في الصفات يكون مع المرفوع للمنصوب، ومع المنصوب للمرفوع، ومع المجرور للمرفوع. والآية ـ موضع الشبهة ـ هي من القطع يقطع من الصفات؛ لأهمية المقطوع، والمقطوع يكون مفعولاً به، بمعنى: أخُصُّ ـ أو أمدح ـ ويسمى مقطوعاً على المدح أو الذم. وفي الآية السابقة كلمة: )المُقِيْمِيْن(مقطوعة وهي تعني: أخص ـ أو أمدح ـ المقيمين الصلاة.

وكأننا نسلّط الضوء على المقطوع، فالكلمة التي نريد أن نركّز عليها أو نسلّط عليها الضوء نقطعها.

أما لماذا جاءت )الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ(بالقطع، و)الْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ(معطوفة على الراسخون في العلم؟

لأن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة عبادتان ظاهرتان في الآية وردتا بين عقيدة (والمؤمنون يؤمنون، والمؤمنون بالله واليوم والآخر). وإقامة الصلاة هي الأمثل والأولى؛ فركّز عليها.(10)

3. سورة المائدة:

أ. قوله تعالى: )وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ..(38)(. الصواب: يديهما.

الجواب: كل شيء يوجد من خلق الإنسان وكان جزءاً منه، إذا أضيف إلى اثنين، جُمع. تقول: هشمت رؤوسهما، وأشبعت بطونهما.(11)

ب: قوله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى  مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(69)(. رَفعَ المعطوف على اسم إن.

الجواب: الصابئون هم أبعد المذكورين عن الإيمان. رفع كلمة الصابئون، للدلالة على أنهم أبعد المذكورين في الضلال ولأنهم أقلّ منزلة ـ الكلمة غير خاضعة للتوكيد بـ (إن) ـ وكأن اليهود والنصارى لأنهم أهل كتاب عطفهم على اسم إنّ (التي تفيد التوكيد). وكلمة الصابئون تُعرب على أنها مبتدأ. وقد تكون اعتراضية وخبرها محذوف بمعنى (والصابئون كذلك)، أما كلمة النصارى فهي معطوفة على ما قبلها.(12)

للمزيد من التفصيل، انظر المنتدى

الهوامش:

——————-

 

) سبحان الله العظيم، إن لله عز وجل لآيات فيمن يحاول الطعن  في كتابه المعجز !! انظر إلى لغة من شمر عن يديه، متباهياً باكتشاف أخطاء لغوية في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل ؟!

2) لم يسمِّ واحداً من واضعي قواعد النحو الجاهليين، وهل عاش أبو الأسود الدؤلي وسيبويه والخليل.. قبل نزول القرآن الكريم؟!

3) هذا من أعاجيبهم، فالأصل أن يكون علمه باللغة العربية عاصماً من الأخطاء المزعومة !! بل قال أبو عمرو بن العلاء: ” ما رأيت أفصح منه [أي:الحجاج] ومن الحسن البصري “. انظر: البداية والنهاية، ابن كثير 9/119. ومن يتتبع خطبه يتبين له ذلك.

كما تجب الإشارة إلى أن مهنة تعليم الصبيان كانت في زمن الحجاج، حكراً على سادة القوم، وعلمائهم، ودليل عز وجاه ومركز علمي واجتماعي لا يناله كل أحد.. فلم تكن حرفة يُعتاش بها كزماننا. انظر: مقدمة ابن خلدون، ص29.

4) انظر: الجامع لأحكام القرن، القرطبي 1/212. والتحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور 1/308. وذكر القرطبي أن لفظ (الذي) يستعمل للمفرد والجمع، وذكر البيت التالي:  

وأن الذي حانت بفلج دماؤهم        هم القوم كل القوم يا أم خالد

ونسبه ابن منظور للأشهب بن رميلة. انظر: لسان العرب 15/246 (لذا). وذكره شاهداً على أن العرب قد تستعمل:(الذي) للجمع.

5) انظر: إعراب القرآن وبيانه، محيي الدين درويش 1/168. والجدول في إعراب القرآن، محمود صافي 1/254.

6) تأويلات أهل السنة، أبو منصور الماتريدي، تحقيق: فاطمة الخمي 1/89.

7) انظر بَسْط هذه المسألة في: أوضح المسالك لابن هشام 3/149-150.

8) هذا قول الفراء والأخفش انظر تفسير القرطبي 2/240، وذكر الباقلاني في كتابه الانتصار للقرآن 2/554 وجوهاً أخرى. بينما أشار الآلوسي في روح المعاني إلى المعنى البلاغي فقال: ” ولما أن في إقامة الصلاة على وجهها انتصاباً بين يدي الحق جل جلاله، وانقطاعاً عن السوى، وتوجهاً إلى المولى: كسى المقيمين حلة النصب؛ ليهون عليهم النصب وقطعهم عن التبعية.. ثم وصفهم بكونهم (مؤمنين) بالمبدأ والمعاد؛ تحقيقاً لحيازتهم الإيمان بقطريه، وإحاطتهم به من طرفيه، وتعريضاً بأن من عداهم من أهل الكتاب “.

9) هذا للتعظيم (تعظيم شأن الصلاة) انظر الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/14 وذكر شواهد عليه من شعر العرب. وذكر الباقلاني في الانتصار للقرآن 2/555 وجوهاً أخرى في إعراب (المقيمين).

10) نقلاً عن موقع لمسات بيانية، للدكتور فاضل السامرائي على الرابط التالي:

 http://www.islamiyyat.com/lamsat.htm 

11) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 6/174.

12) انظر: الانتصار للقرآن، الباقلاني 2/556. وانظر تفصيل ذلك في موقع لمسات بيانيه، للدكتور فاضل السامرائي. وتكثر مواقع الإنترنت التنصيرية من الإشارة إلى قوله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ  مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ( [البقرة: 62] للدلالة على التناقض مع لفظ (الصابئون) في آية الأعراف، وأيضاً تقديم الصابئين على النصارى، زاعمين أن خلطاً وتصحيفاً وقع على يد زيد بن ثابت رضي الله عنه أثناء جمع القرآن الكريم

 

 

 


الوسوم:


مقالات ذات صلة