شبهة حول العَمَد بين السماء والأرض

 إعداد عبد الرحيم الشريف

ماجستير في علوم القرآن والتفسير

قال الله تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} (سورة الحج 65)

نص الشبهة حرفياً :

ويمسك السماء أن تقع على الأرض الا بآذنة [الصواب: بإذنه] (الحج 65)، ونفهم من السماء هنا كافة الأجرام السمائية وليس البعض [الصواب: بعضاً] منها فقط.. ولو كانت الآية جاءت بكلمة القمر مثلا بدلا من السماء لكانت متوافقة مع علم الفلك. ويقدر علم الفلك الأجرام السمائية بـ 2000 بليون بليون نجم منها نجوم أكبر حجما من الشمس بآلاف الأضعاف. وذلك بالإضافة إلى بلايين البلايين من الأجرام الأخرى التابعة للنجوم. ومجموع حجم هذه النجوم لا يمكن لعقل بشري أن يتخيله.. فكيف يكون هناك مجرد احتمال أن تقع هذه الأجسام المتناهية الضخامة على سطح الأرض؟؟؟ وتقول الآية (الا باذن الله) أي أنه يمكن أن تقع فعلا على الأرض، إلا أن الله يمسكها أن تقع.. لكن طبقا لعلم الفلك هناك استحالة مطلقة في إمكانية أن تقع هذه الأجسام على الأرض.. وتصديق وقوعها على الأرض هو ضرب من الهذيان، والقاء علم الفلك وقوانينة واكتشافات علمائه في سلة المهملات… فلو تصورنا عملية وقوع النجوم على الأرض لتبين لنا أن وقوع نجمين اثنين فقط في حجم الشمس الهائل -علما بأنها نجم متوسط الحجم- يكفي لحصر جسم الأرض بينهما حصرا تاما ليمنعا بذلك 2000 بليون بليون نجم آخر بالسماء بالإضافة الى بلايين البلايين من الأجرام التابعة للنجوم من مجرد الاقتراب من سطح الأرض التي ما هي الا نقطة ضئيلة محصورة بين نجمين؛ مما يدل على أن كاتب القران لا يعلم أي شيء عن علم الفلك واثباته العلمي الذي لا يدع أي مجال لأي شك… ويجعل قوانين وحقائق الله التي وضعها في فلكة لا أهمية لها… تخيل مثلا ان قطر الأرض 1 سم لكانت الشمس بالمقارنة كرة قطرها 109 سم ونخلص من هذا ان هناك استحالة مادية مطلقة لأن تقع السماء على الأرض (وان الذي يمنعها هو الله الذي لم ياذن لها بذلك) (تقول الاية: ويمسك السماء أن تقع) بينما أن وقوعها لا ينفع أصلا“.

الرد على الشبهة:

السماء في اللغة هي كل ما علاك، ولهذا يقال للسقف البيت: سماء. (1)

أما عن إمساك الله جل جلاله للسماء أن تقع، فكل لغة فيها الحقيقة وفيها المجاز. والتعبير على المجاز. فإن السماء شبه سقف البيت، والمانع للسقف من السقوط على الحقيقة هو الأعمدة، وعلى المجاز هو الله جل جلاله؛ لأن كل شيء بقدرته. ولذلك نظير في كتابهم المقدس: ” بالكسل يهبط السقف “. و في ترجمة أخرى: ” من جراء الكسل ينهار السقف، وبتراخي اليدين يسقط البيت ” [سفر الجامعة 10/ 18]، يريد أن يقول: إن الكسل يؤدي إلى الفقر، والفقر يؤدي إلى خراب البيوت.

 وعبَّر عن الخراب بانهيار السقف، والسقف لا ينهار بالكسل، وإنما بهدّ الأعمدة التي تحمله. وفي سفر الرؤية 8/10: ” فسقط من السماء كوكب” كيف يسقط كوكب من السماء بغير إرادة الله؟ ونسبوا إلى المسيح قوله: إن العصفور لا يقع إلى الأرض إلا بإرادة الله: “أما يباع عصفوران بفَلْس واحد، ومع ذلك لا يقع واحد منهما إلى الأرض خفية عن أبيكم ” [متى 10: 29].

أما حقيقة الإمساك في الآية الكريمة، فقد بينها الدكتور زغلول النجار بقوله:

“إن أقرب أجرام السماء إلينا هو القمر، الذي يبعد عنا في المتوسط بمسافة ‏(383942‏ كيلومترا‏ً)، وتقدر كتلته بنحو سبعين مليون مليون مليون طن‏، ويدور في مدار حول الأرض يقدر طوله بنحو‏2.4‏ مليون كيلومتر بسرعة متوسطة تقدر بنحو كيلومتر واحد في الثانية‏، وهي نفس سرعة دورانه حول محوره‏؛‏ ولذلك يُرى منه وجه واحد لأهل الأرض‏.‏

ومدار القمر حول الأرض، وكذلك مدار الأرض حول الشمس بيضاوي الشكل‏ (أي أنه على شكل قطع ناقص‏)، ومن قوانين الحركة في المدار البيضاوي -أو مدار القطع الناقص-‏ أن السرعة المحيطية فيه تخضع لقانون تكافؤ المساحات مع الزمن‏. وهذا القانون يقتضي باختلاف مقدار السرعة على طول المحيط‏، فتزداد نسبياً بالاقتراب النسبي من الأرض‏، وتزداد بزيادتها قوة الطرد المركزي‏ على القمر فتدفعه بعيداً عن الأرض‏، وإلا اصطدم القمر بالأرض فدمرها ودمرته‏.

 وتقل السرعة المحيطية للقمر كلما بعد نسبياً عن الأرض‏، فتقل القوة الطاردة المركزية على القمر لئلا يخرج عن نطاق جاذبية الأرض‏، فينطلق إلى فسحة السماء أو تبتلعه الشمس‏، وأعلى مقدار لسرعة سبح القمر في مداره حول الأرض يقدر بما قيمته‏3888‏ كيلومتراً في الساعة‏.‏ وأقل مقدار لتك السرعة يقدر بنحو‏3483‏ كيلومتراً في الساعة‏، وهذا يجعل السرعة المتوسطة لسبح القمر في مداره حول الأرض تقدر بنحو‏3675‏ كيلومتراً في الساعة‏.‏

ونفس القانون -قانون الجري في القطع الناقص-‏ ينطبق على سبح الأرض حول الشمس‏، وسبح باقي أجرام السماء كل في مداره حول الجرم الأكبر‏، أو التجمع الأكبر‏.‏

ويؤكد علماء الفلك أن أبعد كواكب مجموعتنا الشمسية يبعد عن الشمس بمسافة متوسطة تقدر بنحو ستة آلاف مليون كيلومتر‏، وأن مجرتنا تحوي قرابة تريليون نجم‏.‏

كذلك يحصي علماء الفلك أن بالجزء المدرك من الكون أكثر من مائتي بليون مجرة تتفاوت في أشكالها‏، وأحجامها‏، وكتلها‏، وسرعة دوران كل منها حول محورها‏، وسرعة جريها في مدارها‏، وسرعة تباعدها عنا وعن بعضها‏، كما تتباين في أعداد نجومها‏، وفي مراحل تطور تلك النجوم؛ فمن المجرات: البيضاوي، والحلزوني‏، وغير ذلك من الأشكال‏، ومنها المجرات العملاقة التي يصل قطر الواحدة منها إلى ‏(750‏ ألف سنة ضوئية‏)، وتصل كتلتها إلى تريليون مرة قدر كتلة الشمس‏، ومنها المجرات القزمة التي لا يكاد يتعدى طول قطرها ‏(3.200‏ سنة ضوئية‏)، ولا تكاد كتلتها تتعدى مليون مرة قدر كتلة الشمس‏.‏ وتقدر كتلة مجرتنا‏ (سكة التبانة أو درب اللبانة أو الطريق اللبني‏)‏ بنحو ‏(230‏ بليون‏)‏ مرة قدر كتلة شمسنا‏ (المقدرة بنحو ألفي مليون مليون مليون مليون طن‏).‏

وتتجمع المجرات في وحدات تضم العشرات منها تعرف باسم المجموعات المحلية‏، وتتجمع تلك في وحدات أكبر تضم المئات إلى عشرات الآلاف من المجرات، وتعرف باسم التجمعات المجرية‏، وتلتقي هذه في تجمعات أكبر تعرف باسم المجموعات المحلية العظمى التي تلتقي بدورها في التجمعات المجرية العظمى‏، ثم تجمعات التجمعات المجرية العظمى‏، إلى نهاية لا يعلمها إلا الله‏.‏

وفي كل الأحوال يدور الصغير حول الكبير في مدار بيضاوي على هيئة قطع ناقص‏، تحكمه في ذلك قوانين الحركة في مثل هذا المدار‏.‏

والتجمع المجري الأعظم الذي تنتمي إليه مجرتنا يضم مائة من التجمعات المجرية ينتظمها قرص يبلغ قطره مائة مليون من السنين الضوئية وسمكه عشر ذلك‏ (وهي نفس أبعاد مجرتنا مضروبا في ألف‏).‏

وفي أيامنا هذه تدرس السماء الدنيا في شرائح تقدر أبعادها بنحو ‏(150‏ مليون ×100 مليون × 15 ‏مليون من السنين الضوئية‏)، ووصل أضخمها إلى‏250‏ مليون سنة ضوئية في الطول‏، وقد أطلق عليه اسم الحائط العظيم‏.‏ وهذه الأعداد المذهلة مما قد علمنا من أجرام الجزء المدرك من السماء الدنيا لاتمثل إلا نحو‏10%‏ من مجموع كتلة ذلك الجزء المدرك‏، وهي ممسوكة بشدة إلى بعضها‏، وإلا لزالت‏، وانهارت.

وبهذا يكون تفسير الآية الكريمة.

وقد تمكنت العلوم المكتسبة من التعرف على عدد من القوى التي تمسك بأجرام السماء على النحو التالي‏:‏

(1)‏ قوة الجاذبية‏:‏ وهي أضعف القوى المعروفة على المدى القصير ـ‏ ولكن نظراً لطبيعتها التراكمية، فإنها تتزايد باستمرار على المسافات الطويلة، حتى تصبح القوة الرابطة لكل أجزاء السماوات والأرض بإرادة الخالق العظيم، حيث تمسك بمختلف أجرام السماء الدنيا على الأقل‏، وتجمعاتها من الكواكب وأقمارها‏، والنجوم وتوابعها‏، وتجمعاتها على كل المستويات إلى نهاية لا يعلمها إلا الله‏، ولولا هذا الرباط المحكم الذي أوجده الخالق سبحانه لانفرط عقد الكون‏.‏

ويفترض وجود قوة الجاذبية على هيئة جسيمات خاصة في داخل الذرة لم تكتشف بعد واقترح لها اسم الجسيم الجاذب‏، أو الجرافيتون الذي يعتقد بأنه يتحرك بسرعة الضوء‏، ليربط بين مختلف أجزاء الكون حسب قانون محكم دقيق تزداد فيه قوة الجاذبية بزيادة الكتلة للجرمين المتجاذبين‏، وتتناقص بزيادة المسافة الفاصلة بينهما، وقد لعبت الجاذبية دورا مهما في تكثيف الدخان الكوني الذي نشأ عن واقعة الانفجار العظيم،‏ على هيئة كل صور المادة الموجودة في السماء الدنيا‏ -على أقل تقدير- كما لعبت ولا تزال تلعب دورا مهما في إمساك الأرض بغلافيها الغازي والمائي‏، وبكل صور الحياة والهيئات الصخرية من فوقها‏.‏

‏(2)‏ القوة النووية الشديدة‏:‏ وهي القوة التي تقوم بربط الجسيمات الأولية للمادة في داخل نواة الذرة‏، والتي تعمل على التحام نوى الذرات الخفيفة مع بعضها لتكون سلاسل من نوى الذرات الأثقل في عمليات الاندماج النووي؛ وهي أشد أنواع القوي المعروفة لنا على الأبعاد المتناهية الصغر‏، ولكنها تضعف باستمرار عبر المسافات الطويلة‏، وعلى ذلك فدورها يكاد يكون محصوراً في داخل نوى الذرات‏، وبين تلك النوى ومثيلاتها‏.‏ وتحمل هذه القوة على جسيمات تسمي باسم القوة اللاحمة أو الجليون‏.‏

‏(3)‏ القوة الذرية الضعيفة‏:وتحمل على جسيمات تسمي باسم اليوزونات، وهي إما سالبة أو عديمة الشحنة‏، وتربط الإليكترونات الدائرة في فلك النواة‏، وهي لضعفها تؤدي إلى تفكك تلك الجسيمات الأولية للمادة كما يحدث في تحلل العناصر المشعة‏.‏

(4)‏ القوة الكهرومغناطيسية‏:وتحمل على هيئة فوتونات الطاقة أو ما يعرف باسم الكم الضوئي‏، وهذه الفوتونات تنطلق بسرعة الضوء لتؤثر على جميع الجسيمات التي تحمل شحنات كهربائية‏، ومن ثم فهي تؤدي إلى تكون الإشعاع الكهرومغناطيسي، وتؤثر في جميع التفاعلات الكيميائية‏.‏

وكما تم توحيد قوتي الكهرباء والمغناطيسية في قوة واحدة‏، يحاول العلماء جمع هذه القوة مع القوة الذرية الضعيفة‏، فيما يعرف باسم القوة الكهربائية الضعيفة؛ لأنه لا يمكن فصل هاتين القوتين في درجات الحرارة العليا‏.‏ وفي نظريات التوحيد الكبرى يحاول عدد من العلماء جمع القوة الكهربائية الضعيفة مع القوة النووية الشديدة في قوة كبري واحدة‏، بل ضم تلك القوة الكبرى مع قوة الجاذبية فيما يسمي باسم الجاذبية العظمى التي تربط كل صور المادة في الكون اليوم‏، والتي يعتقد أنها كانت القوة الوحيدة السائدة في درجات الجرارة العليا عند بدء خلق الكون‏، ثم تمايزت إلى القوى الأربع المعروفة لنا اليوم، والتي تعتبر وجوها أربعة لتلك القوة الكونية الواحدة التي تشهد لله‏ سبحانه بالوحدانية المطلقة فوق كل خلقه‏، ومن هنا ظهرت نظرية الخيوط فائقة الدقة؛ التي تفترض تكون اللبنات الأساسية للمادة من خيوط فائقة الدقة تلتف حول ذواتها، فتبدو كما لو كانت نقاطا متناهية الضآلة في الحجم، مشابهة بذلك شريط الحمض النووي في داخل نواة الخلية الحية الذي يتكدس على ذاته في حيز لا يزيد على الواحد من مليون من الملليمتر المكعب، ولكنه إذا فرد يبلغ طوله قرابة المترين‏، يضمان‏18.6‏ بليون قاعدة كيميائية، في ترتيب غاية في الإحكام وغاية في الإتقان‏، وتقترح نظرية الخيوط فائقة الدقة‏ وجود مادة خفية تتعامل مع المادة الظاهرة بواسطة قوة الجاذبية‏.‏

وهنا تتضح روعة النص القرآني المعجز الذي نحن بصدده‏، والنصوص الأخرى المشابهة له في التعبير عن العديد من الحقائق العلمية التي لم يصل إليها إدراك الإنسان إلا بعد مجاهدة استغرقت آلاف العلماء‏، وعشرات العقود حتى وصلوا إلى إدراك شيء منها في السنوات المتأخرة من القرن العشرين‏”.‏ أ.هـ

عبّر القرآن الكريم عن قوى التجاذب بين الشمس والأرض -التي لولاها لخرجت الأرض عن مساراتها وانحرفت داخل غياهب الكون فتنخفض حرارتها وتنعدم الحياة عليها- بالعَمَد غير المرئية.


(1) انظر: لسان العرب، ابن منظور 14/398. وفيه: “كل ما علا وارتفع يُقال له: سما يسمو”.


الوسوم:


مقالات ذات صلة