تأملات علمية في سورة الطارق (ح1)


الأثنين/أغسطس/2020
   

صالح شيخو الهسنياني
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ. النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾
هذا قسم إلهي حيث أقسم الله تعالى بالسماء وهو كل ما علا، والطارق ولما كان لفظ الطارق في اللغة يشمل كل طارق آت بليل، لأن الطارق بالليل يدق. وأراد طارقاً معيينا فخم من شأنه بالاستفهام عنه الدال على تعظيمه فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ أي وما الذي أعلمك يا محمد ما حقيقة هذا النجم؟ ثم بينه بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ وكل نجم هو ثاقب لظلام الليل البهيم بضوئه وبصوت الطرق، وسُمي النجم طارقاً لأنه إِنما يظهر بالليل ويختفي بالنهار عن أعين الناس.
التفسير العلمي:
النجم الطارق والثاقب
هناك آراء وتفسيرات عدة حول تفسير الطارق والنجم الثاقب علميا، منها :
أولا- الطارق والنجم الثاقب نجم نيتروني :
في عام (1967م) رصد العلماء موجات راديوية كهرومغناطيسية من خلال بعض التلسكوبات الراديوية، لقد التقطت إشعاعات لنجوم مجهولة، وبعدما قام العلماء بدراسة هذه النجوم دراسة دقيقة على مدى أكثر من ثلاثين عاماً وجدوا بأن هذه النجوم أكبر من الشمس بعدة أضعاف. وتتشكل نتيجة انفجار النجوم، فعندما ينفجر هذا النجم ويتهاوى على نفسه فإن مادته تتحول إلى نيوترونات.
وقد قدر عدد النجوم النيوترونية في مجرتنا بمائة ألف نجم ومن الطبيعي أن تحتوي مليارات المجرات الأخرى على مئات الآلاف من النجوم النيوترونية الطارقة الثاقبة فالسماء إذن تمتلئ بها.
ما هو الطارق؟
الطارق هو جرم سماوي له صفتان وهما النجم والثاقب، ولو قارنا بين تلك الخواص وأي جرم سماوي لوجدنا أن النجم النيوتروني يستوفي هذه الخواص نجم وطارق وثاقب، له نبضات وطرقات منتظمة؛ فالطارق يصدر طرقات منتظمة متقطعة تشابه تماما تلك التي ينقلها لنا اللاسلكي والتي كان مصدرها النجم النيوتروني.
النجم النيوتروني له أعلى كثافة معروفة للمادة إذ إن جاذبيته تعادل (200) مليار مرة جاذبية الأرض، وهذه النجوم النيترونية المنكمشة ثقيلة جداً حتى إننا لو أخذنا كمية بحجم “مكعب سكر” سوف يزن (100) مليون طن، يعدل وزنها خمسين ألف بليون (مليار) من الأطنان، فإذا وضعت هذه الكرة على الأرض ثقبتها، ووصلت إلى طرفها الآخر.
يبدأ هذا النجم بالدوران حول نفسه بشكل هائل، فيدور مئات الدورات في الثانية وله نبضات سريعة لسرعة دورانه وسرعة طاقته مما يولد حوله مجالاً كهرومغناطيسياً قوياً جداً، هذا المجال يولد أيضاً صوتاً يشبه صوت المطرقة، لذلك فإن العلماء وجدوا أن أفضل تسمية لهذه النجوم هي المطارق العملاقة، حتى إنهم يطلقون عليها في أبحاثهم هذا الاسم، ولكن لماذا؟
لأنهم وجدوا أن هذه النجوم تصدر أصواتاً تشبه تماماً صوت المطرقة، ولكن هنالك بعض العلماء تساءلوا: كيف يمكن أن يكون الصوت حقيقياً، ونحن نعلم أن الصوت لا ينتشر في الفراغ، فهذه النجوم بعيدة عنا جداً وتفصلنا عنها سنوات ضوئية فكيف يصلنا هذا الصوت مع العلم أن الصوت يحتاج لوسط لكي يسير فيه، لأن الصوت لا ينتشر في الفراغ.
ولكي نؤكد صدق هذه الأبحاث فإن العلماء سجلوا هذه الأصوات وعرضوها من مواقعهم العلمية، وهي أصوات حقيقية سجلتها الأجهزة، مع أن الصوت لا ينتشر في الفراغ إلا أن الأجهزة تستطيع تسجيله بتقنيات خاصة، بعد تحليل الأشعة الراديوية الصادرة عن النجم. ولذلك فإن الله تبارك وتعالى سمى هذا النجم (الطارق) وهنا أحب أن أشير إلى أن العلماء يسمونها النجوم النابضة، وهذه التسمية غير دقيقة لأن العلماء ظنوا في بداية الأمر أن هذه النجوم تشبه نبضات القلب، ولكن بعد ذلك تبين لهم أن التسمية الأدق هي تسمية مطرقة أو مطارق، فأسموها المطارق العملاقة، وبالفعل فإن الصوت الذي تصدره هذه النجوم يشبه تماماً صوت المطرقة.
هناك تلسكوبات لاسلكية تلقت ومضات لاسلكية من هذه النجوم وعلى درجة كبيرة من الدقة، فالإشارات تصل على صورة متقطعة: (بيب.. بيب.. بيب)، وتستمر كل إشارة منها كسورًا من الثانية وتتكرر كل ثانية أو أكثر (نبضات نوبية)، وكأن هذا النجم يطرق باب الفضاء، حيث يتزايد تواتر النبضات النوبية في شبابه، ويقل تواترها في شيخوخته، ونعرف من خلال تواتر النبضات التي تأتي عن طريق التلسكوبات اللاسلكية عمر هذا النجم، فنجم يطرق، ونجم يثقب، ولو قارنا بين تلك الخواص وأي جرم سماوي لوجدنا أن النجم النيوتروني يستوفي هذه الخواص نجم وطارق وثاقب له نبضات وطرقات منتظمة، فالطارق يصدر طرقات منتظمة متقطعة (تك. تك. تك) تشابه تمامًا تلك البيبات التي نقلها لنا اللاسلكي، والتي كان مصدرها النجم النيوتروني، فمن رحمة الله علينا الصوت لا ينتشر في الفراغ ولذلك نحن لا نسمع صوت هذه النجوم وهذا لأن صوتها لو وصلنا لصم آذاننا على الفور!! ولكن العلماء بعدما حللوا الأمواج الراديوية ودرسوا آلية عمل هذه النجوم وجدوا أنها تصدر هذه الأصوات، وتوصل العلماء أيضا إلى أن النجم النيوتروني عقب مولده له نبضات سريعة لسرعة دورانه وسرعة طاقته، وأن النجم النيوتروني العجوز له إشارات بطيئة على فترات أطول، وذلك عندما تقل طاقته وتنقص سرعة دورانه، وهذا شيء من أحدث البحوث الفلكية.
ما هو الثاقب؟
بعد دراسة طويلة لهذه المخلوقات الكونية وجد العلماء أن هذه النجوم تصدر موجات أسموها موجات جاذبية تشبه موجات الجاذبية الأرضية، ولكن أقوى بملايين المرات، هذه الموجات موجات يصدرها هذا النجم النيوتروني، ويقول عنها العلماء بالحرف الواحد (إنها تثقب وتخترق أي شيء تصادفه) حتى إن الكرة الأرضية تُخترق بالكامل من قبل هذه الموجات التي تبثها النجوم النيوترونية أو المطارق الكونية.
ولذلك فإن الله تبارك وتعالى عندما سماها بالنجم الثاقب، فإن هذه التسمية دقيقة جداً علمياً، ويستخدمها العلماء اليوم، ويقولون إنها تخترق أي شيء، حتى إن هذه النجوم تصدر أيضاً أشعة كونية من مادة اسمها (النيوترينو) وهي جسيمات صغيرة جداً لا شحنة لها، تبثها هذه النجوم وتصل إلى الأرض وتخترق الغلاف الجوي، وتخترق أجسامنا، وتخترق الأرض بالكامل، حتى إنهم نزلوا إلى أعماق البحار فوجدوا آثاراً لهذه الجسيمات الصغيرة (نيوتريونو) ونزلوا إلى أعمق نقطة على سطح اليابسة ووجدوا آثاراً لهذه الجسيمات الدقيقة، ولذلك فإن كل شيء تبثه هذه النجوم يعتبر ثاقباً وخارقاً لأي شيء. ويقول العلماء اليوم: إن هذه النجوم النيوترونية أو الثاقبة تُصدر هذه الموجات وتصدر هذه الطرقات بدقة مذهلة، حتى إنهم يعتبرونها من أدق الساعات الكونية على الإطلاق، يعني هذه النجوم أدق من أي ساعة على الأرض، فهي تصدر هذه الطرقات بصورة شديدة الانتظام، ولا تخطئ في عملها أبداً .
ثانيا- نجم طارق ثاقب ضرب الأرض:
يقول العميد الركن المتقاعد الدكتور محمد فرشوخ: ” بعد أبحاث وبيانات معمقة وتحليلات مستفيضة استغرقت عشرين عاماً، قام بها علماء في مختلف المجالات كعلم الحفريات والكيمياء الجيولوجية والمناخ والجيوفيزياء والترسبات، و (41) خبيرا دوليا من (33) مؤسسة مشاركة، أجمع هؤلاء على الاستنتاجات التالية التي نشرتها المجلة الأكاديمية للعلوم يوم الجمعة في الخامس من آذار سنة (2010م).
نتائج الأبحاث: تبين أن تقعّر حفرة “تشك شيلوب” في خليج “يوكاتان” المكسيكي، ناجم عن ضربة خطيرة جداً، صدمت الأرض، نفذها نيزك مشتعل وصلت منه إلى سطح الأرض كتلة قطرها (10 كلم) يقدر وزنها باثنين تريليون طن، أحدثت انفجاراً بقوة (100 مليون ميغاطن) أي تبلغ مليار ضعف قنبلة هيروشيما ، وتزيد على أقوى تفجير نووي نفذ في العالم بمليوني مرة، وأقوى من أقوى ثورة بركانية عرفها تاريخ الأرض.
وبمقدار ما كان هذا الطارق المرعب يقترب من الأرض كانت سرعته تتضاعف بفعل جاذبية الأرض حتى بلغت سرعته (60-70 ) ألف كلم بالساعة. فاجتاز المحيط الأطلسي من جنوبه إلى المكسيك في أربعة دقائق، إلى أن ضرب الأرض بسرعة تزيد على أسرع قذيفة معروفة في العالم بعشرين ضعفاً، محدثاً حفرة دائرية قطرها (180 كلم) محاطة بصدع يصل قطره إلى (300 كلم)، وقد ظهرت بعض آثاره على السواحل الغربية للقارة الأوروبية، وتزداد هذه الآثار كلما اقتربت من الحفرة التي بلغ عمقها أكثر من عشرة آلاف متراً.
﴿الطَّارِقُ﴾: لو طرق السماء وبقي فيها لما سمي بالطارق: (سمي النجم طارقاً لاختصاصه بالليل وكل قاصد في الليل طارق وأصل الطرق الدق ومنه المطرقة وقاصد الليل طارق لاحتياجه في وصوله إلى الدق). إنه إذاً متعدٍ على نطاق غيره حتى يسمى “طارق”، لم ينتقل من فضاء إلى فضاء بل غريب طرق الأرض، والنبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول: (أعوذ بك من طوارق الليل والنهار إلّا طارقا يطرق بخير يا رحمن) . وهو الطارق جاء معرفاً بـــــ (أل) التعريف لتفرده ولم يأت نكرة. فــــــ “الطارق” هو الوحيد الذي طرق الأرض بهذا العنف وبهذا التأثير الكوني الخطير. وهو بلا شك قادم من الفضاء الخارجي” .




مقالات ذات صلة