الغريزة ونظرية التطور


الأثنين/ديسمبر/2019
   

الغريزة ونظرية التطور

بقلم الكاتب التركي هارون يحيى

كلمة الغريزة تستخدم من قبل دعاة نظرية التطور لتفسير قابلية الحيوان القيام بسلوك معين منذ الولادة. وكانت هناك تساؤلات عديدة تدور حول كيفية اكتساب الحيوانات لهذه الغريزة وعن كيفية ظهور أول سلوك غريزي لدى الحيوانات وكذلك عن كيفية انتقال هذه الغريزة كابراً عن كابر.

كل هذه التساؤلات باقية بدون رد أو جواب.

هناك اختصاصي في علم الجينات وأحد دعاة نظرية التطور ويدعى Gordon Taylor Rottary.

قد ذكر في كتابه "The great evolution Mysterسر التطور العظيم"اعترافاً يعجز النظرية عن الإجابة عن التساؤلات الخاصة بالغريزة كما يلي:

لو تساءلنا عن كيفية ظهور أول سلوك غريزي وعن كيفية توارث هذا السلوك الغريزي لما وجدنا أية إجابة (1).

bağcılar escort bayan

وهناك آخرون على شاكلة "Gordon Taylor""يؤمنون بنظرية التطور لا يودون الاعتراف بهذه الحقيقة وبدلاً من ذلك يحاولون التمسك بإجابة غامضة ولا تحمل أي معنى حقيقي. وبالنسبة لرأي هؤلاء فإن الغرائز تعتبر جينات موجودة لدى الحيوانات تظهر على شكل أنماط سلوكية، واستناداً إلى هذا التعريف يقوم نحل العسل ببناء الخلية على الشكل المنتظم المعروف بوحدات بنائية هندسية مسدسة وفق الغريزة الحيوانية، وبمعنى آخر يوجد جين خاص في أجسام كل أنواع نحل العسل يجعل هذه الأنواع تبني خلاياها غريزياً وفق الشكل المعروف.

وفي هذه الحالة يطرح الإنسان العاقل المفكر سؤاله المنطقي: لو كانت الكائنات الحية مبرمجة على أن تسلك هذا السلوك المعين فمن الذي برمج هذا السلوك؟ إذ لا يوجد أي برنامج مبرمج من تلقاء نفسه ولا بد من مبرمج ؟!

 

 

 

يدعي دعاة التطور أن الطبيعة الأم التي تتشكل من البحيرات والجبال والأشجارالخ لها القدرة على الخلق، ترى أي جزء من هذه الأجزاء لديه القدرة على إكساب القندس غريزة إنشاء مسكنه بهذه الصورة البارعة أو إكساب الحيوانات المختلفة أنماطها السلوكية المختلفة؟

ولم يجد دعاة نظرية التطور إجابة محددة عن هذا السؤال واستخدموا أسلوباً آخر للمناورة حيث يؤكدون على اكتساب الكائنات الحية لهذه الغريزة عن طريق الطبيعة الأم وكما نعلم فإن الطبيعة تتألف من الحجر والتراب والأشجار والنباتات..إلخ. ومن هذه العناصر تكون لها القدرة على إكساب الكائنات الحية هذا السلوك المبرمج؟ أي جزء من الطبيعة لديه القدرة والعقل على فعل ذلك؟ كل ما نراه في الطبيعة مخلوق ولا يمكن له أن يكون خالقاً، ولا يمكن للإنسان العاقل أن يقول وهو يرى لوحة زيتية جميلة ما أحلى الأصباغ التي رسمت هذه اللوحة، بلا شك يكون هذا الكلام غير منطقي. إذن فإن ادعاء كون المخلوق خالقاً للأشياء هو بلا شك ادعاء غير منطقي. وهنا تظهر لنا حقيقة واضحة وهي عدم اكتساب هذه الكائنات الحية غير العاقلة لهذه الميزات السلوكية المنطقية من تلقاء نفسها، فهذه الميزات مكتسبة بالولادة، إذن فإن هناك من خلقها بهذه الكيفية ويتميز صاحب هذا الإبداع بالعلم والعقل اللامتناهيين اللذين نرى أثرهما في الطبيعة.

فليس هناك من هو أقدر على تسيير هذا الخلق وتنظيم هديه غير الله سبحانه وتعالى. لذا ذكر الله سبحانه معجزة العسل في كتابه العزيز كمثال على إلهامه الكائنات الحية لاتباع سلوك معين، أي أن الغريزة التي يرددها دعاة نظرية التطور أو كما يقولون: إن الحيوانات مبرمجة على أداء سلوك معين ما هي إلا إلهام إلهي لهذه الكائنات الحية، وهذه الحقيقة ذكرت في القرآن الكريم:  ]وَأَوحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ، ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُختَلِفٌ أَلوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ [[النحل : 68 69]

ودعاة نظرية التطور يغمضون أعينهم أمام هذه الحقيقة لإنكار الوجود الإلهي، وهم بالتأكيد قد رأوا ومازالوا يرون الأنماط السلوكية للحيوانات ومازالوا يبحثون عن تفسير لها ويعلمون يقيناً عدم قدرة نظرية التطور على تفسيرها تفسيراً منطقياً. وكثيراً ما نجد عبارات وجملاً مألوفة عند قراءتنا لمؤلفين من دعاة هذه النظرية ومن هذه العبارات: "لإنجاز هذا العمل لا بد من وجود عقل ذي مستوى عال ولكون الحيوانات لا تملك مثل هذا العقل فإن العلم يعجز عن الإجابة عن هذا السؤال".

ونورد المثال الآتي المتعلق بسلوك دودة القز على لسان أحد دعاة نظرية التطور المعروفين ويدعى « Haimar Von Dithfurthهيرمان فون ديثفورت »حيث يقول: إن فكرة اتخاذ الأوراق الثابتة المتعددة كوسيلة للتمويه فكرة باهرة، ترى من يكون صاحب هذه الفكرة؟ من صاحب هذه الفكرة الذكية التي تقلل من احتمال عثور الطير على الفريسة التي يبحث عنها؟ ولا بد للدودة أن تكون قد تعلمت بالوراثة من صاحب هذه الفكرة الذكيةكل هذه الظواهر لا بد أن تتوفر لدى إنسان ذكي للغاية يحاول أن يظل على قيد الحياة ولا بد لنا أن نقبل بهذه الحقيقة، علماً أن لدودة القز جهازاً عصبياً بسيطاً للغاية فضلاً عن بدائية سلوكها الحياتي، وتفتقر هذه الدودة إلى القدرة على قابلية تحديد هدف معين والتحرك باتجاه هذا الهدف.

ولكن كيف يتسنى لهذه الدودة أن تخترع هذه الوسيلة للدفاع عن نفسها وهي بهذا الضعف من التكوين؟. وعندما جابه علماء الطبيعة الأقدمون مثل هذه الظواهر لم يجدوا لها تفسيراً إلا بالمعجزة؛ أي تبنوا فكرة وجود قوة غير طبيعية خلاقة، أي أنهم آمنوا بوجود الله الذي يعطي مخلوقاته آليات معينة للدفاع عن النفس. وبالنسبة إلى هذه الطريقة في التفكير تعتبر بمثابة انتحار لعالم أو باحث في الطبيعة، ومن جانب آخر يقوم العلم الحديث بتفسير هذه الظواهر تفسيراً خالياً من أي معنى عبر التمسك بمفهوم الغريزة، لأنه على عكس ما يعتقده أغلبنا فإن تفسير السلوك بالغريزة يعني اكتساب الحيوان لهذه الأنماط السلوكية بالولادة، وهذا التفسير لا يقدم ولا يؤخر في تساؤلنا بل يعيق بحثنا عن إجابة محدودة وواضحة، ولا يمكن الحديث عن السلوك العقلاني لدودة القز التي تفتقد وجود مثل هذا العقل.

 

 

 

هناك تفسير وحيد لظاهرة رعاية الكائنات الحية غير العاقلة لصغارها بهذه الشفقة والحنان وذودها عنها، وهو انقياد للإلهام الإلهي ومثال على ذلك هذا الطائر الغطاس الذي يرعى صغيره بوحي إلهام إلهي.

ومرة أخرى نعود إلى الحديث حول السلوك المعين للحيوانات فإن هناك ما يفرض نفسه أمام أعيننا وهو الترتيب العقلاني لهذه الأنماط السلوكية، ولو لم يكن هذا السلوك المعين مثل تحديد الهدف أو التحسب للمستقبل أو توقع ما يمكن أن يقدم عليه أي حيوان آخر وحساب رد الفعل اللازم إبداءه تجاهه كعلامة على وجود عقل مدبر ومفكر، فإذن ما هو تفسير هذا السلوك؟ (2)

هذا الكلام يقوله هذا المتبني لنظرية التطور وهو يحلل أو يحاول أن يصل إلى تحليل منطقي لسلوك دودة القز، هذا السلوك العقلاني المدروس، لا نجد في مثل هذه الكتب والإصدارات إلا أسئلة بدون ردود واضحة، أو تناقضات فكرية لا تؤدي إلا إلى طريق مسدود. حتى صاحب النظرية تشارلز داروين نفسه قد اعترف بهذه الحقيقة فذكر أن سلوك الحيوانات وغرائزها تشكل تهديداً واضحاً لصحة نظريته وذكر ذلك في كتابه "أصل الأنواع" عدة مرات وبصورة واضحة لا لبس فيها: "أغلب الغرائز تمتاز بتأثير بالغ وتثير درجة كبيرة من الحيرة، وكيفية نشوئها وتطورها ربما تبدو لقارئ نظريتي كافية لهدم نظريتي من الأساس" (3).

أما نجل تشارلز داروين المدعوفرانسيس داروين فقد قام بتحليل وشرح رسائل أبيه في كتاب أسماه "الحياة ورسائل تشارلز داروين =The Life And Letters Of Darwin "وذكر مدى الصعوبات التي واجهها داروين في تفسيره للغرائز قائلاً في الكتاب (يعني أصل الأنواع) وفي الباب الثالث منه يتحدث في القسم الأول عن العادات الحيوانية والغرائز والاختلاف الحاصل فيها. والسبب في إدخال هذا الموضوع في بداية الباب تشريد فكر القراء عن إمكانية رفضهم لفكرة تطور الغرائز بالانتخاب الطبيعي، ويعتبر باب الغرائز من أصعب المواضيع التي احتواها كتاب "أصل الأنواع" (4).

لا يمكن للغرائز أن تتطور

إن دعاة نظرية التطور يجادلون بكون أغلب سلوك الحيوانات نتيجة للغريزة، ولكن كما أسلفنا القول في سابقاً لا يستطيعون إيراد تفسير مقبول عن كيفية نشوء الغرائز ولا عن كيفية ظهور الغريزة لأول مرة ولا عن كيفية اكتساب الحيوانات لها، ولو حوصر أحدهم بالأسئلة لتعلق بالادعاء التالي:"تكتسب الحيوانات أنماطاً سلوكية عن طريق التجربة ويتم انتقاء الأقوى بواسطة الانتخاب الطبيعي. وفي مرحلة لاحقة يتم توارث هذه الأنماط السلوكية الناجحة عبر الأجيال المتعاقبة".

وهناك أخطاء منطقية لا يمكن أن يقبلها العقل في هذا الادعاء، دعونا نتفحص هذه الأخطاء بالتسلسل:

1-الأخطاء الكامنة في المقولة:اختيار السلوكيات المفيدة عبر الانتخاب الطبيعي:

إن الانتخاب الطبيعي يعتبر الحجر الأساس لنظرية "تشارلز داروين" الخاصة بالتطور. والانتخاب الطبيعي يعني اختيار أي تغيير مفيد وصالح للكائن الحي (قد يكون هذا التغيير هيكلياً أو سلوكياً) واختيار ذلك الكائن الحي لتوريث ذلك التغيير للأجيال اللاحقة.

وهناك نقطة مهمة في هذا الادعاء يجب ألا نغفل عنها وهي: كون الطبيعة حسب ادعاء داروين تعتبر المحك لتمييز المفيد من الضار وهي القوة المؤثرة والعاقلة في الوجود ولكن لا يوجد في الطبيعة من يميز بين الضار والمفيد كقوة مؤثرة حيث لا يوجد بين الحيوانات أو غير الحيوانات ذاك الذي يملك قرار ذلك أو القابلية على اتخاذ هذا القرار، فقط من خلق الطبيعة وما تحتويه وخلق كل شيء يملك العقل والمنطق والقدرة على تمييز الضار من المفيد.

في الحقيقة يعترف داروين نفسه باستحالة اكتساب السلوكيات المفيدة عن طريق الانتخاب الطبيعي إلا أنه يعود ويدافع عن وجهة نظره التي هي محض خيال واستمر في الدفاع عن رأيه على الرغم من كونه هذراً وغير منطقي حيث يقول: «في النهاية يمكن اعتبار أنّ الغرائز التي تجعل زغلول الحمام يطرد إخوانه غير الأشقاء من العش، وتجعل مملكة النحل مقسمة إلى خدم وملكة ليست غرائز موهوبة أو مخلوقة بل تفاصيل حية وصغيرة لدستور عام لعالم الأحياء وهذه التفاصيل الصغيرة تتولى مهمة التكثير والتغيير عبر انتقاء الأصلح من الأضعف. ولكن هذا الاعتبار لا يبدو لي منطقياً ولكنه قريب إلى الأفكار التي تدور في مخيلتي » (5).

ويعترف داعية آخر لنظرية التطور وهذه المرة في تركيا وهو البروفيسور جمال يلدرم بأن عاطفة الأمومة لدى الأم لا يمكن تفسيرها بواسطة الانتخاب الطبيعي ويقول بهذا الصدد:

"هل توجد إمكانية لتفسير عاطفة الأمومة تجاه الأبناء بواسطة نظام أعمى يفتقر إلى مشاعر روحية مثل نظام الانتخاب الطبيعي؟وبلا شك فشل علماء الأحياء ومنهم مؤيدو داروين في إيراد جواب مقنع لهذا السؤال. وهنالك صفات معنوية لدى الكائنات الحية غير العاقلة وبما أنها لا تستطيع أن تكتسب هذه الصفات بإرادتها فإذن يجب أن يكون هناك من منحها هذه الصفات، وحيث إن الطبيعة وقانون الانتخاب الطبيعي عاجزان عن إكساب الأحياء هذه الطبيعة المعنوية بسبب كونهما يفتقدان للصفات المعنوية فإنّ الحقيقة الساطعة كالشمس تتمثل بوجود كافة الأحياء تحت العناية الإلهية وتدبيره المحكم، ولهذه الأسباب المتقدمة نستطيع أن نشاهد في الطبيعة أنماطاً سلوكية لبعض الحيوانات تثير الحيرة والاستغراب وتجعلنا نتساءل: كيف تسنى لهذا الحيوان الاهتداء إلى هذا السلوك؟ وكيف يستطيع هذا الحيوان أو ذاك التفكير بهذه الطريقة؟

2ـ الأخطاء الخاصة بتوارث السلوكيات المفيدة والمنتخبة عبر الانتخاب الطبيعي:

الخطوة الثانية لمؤيدي داروين هي ادعاؤهم بأن السلوكيات المفيدة والمنتخبة عبر الانتخاب الطبيعي يتم توارثها عبر الأجيال وهذا الادعاء ضعيف وهش للغاية من مختلف الوجوه. قبل كل شيء فإن أي سلوك جديد يكتسبه الحيوان عن طريق التجربة لا يمكن توريثه لجيل لاحق بأي حال من الأحوال لأن التجربة المكتسبة تخص ذاك الجيل وحده ولا يمكن إدخال هذه التجربة السلوكية الجديدة المكتسبة في البناء الجيني للحيوان إطلاقاً.

ويقول Gordon Rtaylorمبدياً رأيه المناهض لرأي أولئك الذين يدعون توارث الأنماط السلوكية عبر الأجيال المتعاقبة بما يلي: "يدعي علماء الأحياء أن هناك إمكانية لتوارث الأنماط السلوكية عبر الأجيال المتعاقبة ويمكن مشاهدة هذه الظاهرة في الطبيعة فمثلاً Dobzhanskyيدعي أن جميع وظائف جسم الكائن الحي ما هي إلا نتاج التوارث الناتج بتأثير العناصر والعوامل المتوفرة في المحيط الخارجي، وفي هذه الحالة يكون الأمر مقبولاً بصورته النهائية بالنسبة لجميع أنواع الأنماط السلوكية، ولكن هذا غير صحيح أبداً ويعتبر أمراً محزناً أن يكون هذا رأي عالم له مكانته مثل Dobzhanskyويمكن القول: إنّ هنالك بعض الأنماط السلوكية لبعض الأحياء يتم توارثها عبر الأجيال اللاحقة ولكن لا يمكن تعميم الأمر على جميع الأنماط السلوكية".

والحقيقة الظاهرة للعيان عدم وجود أي دليل علمي يمكن بواسطته إثبات توارث بعض الأنماط السلوكية بواسطة الخريطة الجينية للكائن الحي والمعروف أن الجينات مسؤولة فقط عن بناء البروتينات حيث يتم بناؤها أكثر من إفراز بعض الهرمونات لتتم السيطرة على سلوك الكائن الحي (بصورة عامة) وعلى سبيل المثال أن يكون الحيوان نشيطاً أو بالعكس خاملاً أو أن يكون الوليد أكثر ارتباطاً بأمه، ولكن لا يوجد أي دليل يثبت توارث السلوك الخاص الذي يجعل الحيوان يبني عشه بالترتيب والتزامن والانتظام المعروف.

ولو كان الأمر كذلك فإذن ما هي الوحدات الوراثية المسؤولة عن عملية التوريث؟ لأن هناك فرضيات تثبت وجودها، ولم يستطع أحد الإجابة عن هذا السؤال (6).

وكما أفاد به Gordon Rtaylor فإن الادعاء بكون الأنماط قابلة للتوارث أمر غير مقبول علمياً، فبناء الطيور لأعشاشها وإنشاء القندس للسدود وإفراز عاملات نحل العسل للشمع يقتضي وجود نوع من الأنماط السلوكية المعقدة كالتصميم والتخطيط للمستقبل وهذه لا يمكن توارثها عبر الأجيال وهناك مثال آخر يفرض نفسه بشدة وهو المتعلق بسلوك العاملات القاصرات في مملكة النمل.

فهذه العاملات لها سلوك خاص تتميز به يقتضي منها أن تكون على دراية تامة بالحساب وذات خبرة واسعة، ولكن هذه الأنماط السلوكية لعاملات النمل لا يمكن أن تكتسب بالتوارث لسبب وحيد كونها قاصرات ولا  يمكن لها التكاثر لذا فلا تستطيع توريث هذه الأنماط السلوكية لأجيال لاحقة، وما دام الأمر كذلك يجب توجيه السؤال الآتي لدعاة نظرية التطور: كيف تسنى لأول نملة عاملة قاصرة أن تورث هذه الأنماط السلوكية لأجيال لاحقة من العاملات القاصرات وهي بالتأكيد لا تستطيع التكاثر؟ وما تزال هذه العاملات سواء أكانت نملاً أو نحلاً أو أي حيوان آخر تعمل منذ ملايين السنين بهذا السلوك الذي يعكس مدى العقلانية والقابلية والتكافل والانتظام وتوزيع الأدوار بدقة إضافة إلى روح التضحية إلا أن هذه المخلوقات لم تستطع البتة أن تورث هذه الأنماط السلوكية منذ خلقت لأول مرة.

ولا يمكننا القول بأن هذه المخلوقات قد بذلت جهداً في اكتساب هذه الأنماط السلوكية لأنها تبدأ في اتباع هذا السلوك منذ اللحظات الأولى لوجودها على وجه الأرض بأكمل صورة. ولا تصادف في أي طور من أطوار حياتها أية مرحلة للتعليم وجميع سلوكها مكتسب بالفطرة، وهذا الأمر جائز مع جميع الكائنات الحية. إذن فمن الذي علم الكائنات الحية تلك الأنماط السلوكية؟ وهو السؤال نفسه الذي طرحه داروين قبل 150 سنة ولم يستطع دعاة نظرية التطور الإجابة عنه، وهناك تناقض عبر عنه داروين نفسه قائلاً:

"إنه لخطأ كبير أن نتحدث عن فرضية اكتساب الأنماط السلوكية الغريزية بالتطبع وتوريثها إلى أجيال لاحقة، لأنّه كما نعلم هناك غرائز محيرة للغاية كتلك التي عند النمل أو النحل ولا يمكن البتة اكتسابها بالتطبع".

فلو افترضنا أن النملة العاملة أو أية حشرة أخرى قد اكتسبت جميع صفاتها المتميزة عبر الانتخاب الطبيعي وبالتدرج، أي افترضنا أنها عملية انتخاب للصفات الصالحة ثم يتمّ توريثها بعد ذلك إلى أجيال لاحقة وبصورة متعاقبة وفي كل مرة يتم انتخاب صفات مفيدة تورث إلى جيل لاحق وهكذا، لو افترضنا ذلك لأصبحت فرضيتنا مستحيلة لسبب وحيد هو عدم تشابه النملة العاملة مع أبويها إلى حد كبير إضافة إلى كونها عقيمة، ولهذا فهي لا تستطيع توريث الصفات والأنماط السلوكية الجديدة المكتسبة إلى الأجيال اللاحقة. وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن تفسير هذه الحالة بواسطة الانتخاب الطبيعي (7).

ويعبر جمال يلدرم أحد المؤمنين بنظرية التطور عن التناقض الذي وقع فيه المتبنّون لهذه النظرية: «ولنأخذ على سبيل المثال الحشرات التي تعيش على شكل مجتمعات مثل النمل والنحل، فهذه الحشرات عقيمة وليست لديها أية إمكانية لتوريث أية صفات حيوية جديدة تنقلها إلى أجيال لاحقة إلا أنها تبدي تكيفاً مدهشاً مع ظروف المحيط الذي توجد فيه وعلى أعلى المستويات».(8)

ويتضح مما تقدم من اعترافات العلماء وأقوالهم استحالة تفسير الأنماط السلوكية المحيرة لهذه الكائنات الحية بواسطة نظرية التطور لأن هذه الأنماط السلوكية لم تكتسب عبر الانتخاب الطبيعي ولا يمكن توريثها إلى أجيال لاحقة.

سقوط فكرة تطور الغرائز بتطور الأحياء

تدعي نظرية التطور أن الكائنات قد نشأت عن بعضها البعض عبر التطور. ووفقاً لهذه النظرية تكون الزواحف قد نشأت من الأسماك والطيور من الزواحفولكن يجب ألا ننسى أن النوع الواحد يختلف تماماً من حيث السلوك حيث تختلف السمكة عن الزواحف اختلافاً كلياً. ويدور السؤال التالي: هل تعرض سلوك الكائن الحي إلى تطور كما تعرض بناؤه الحيوي البيولوجي إلى تطور؟

وهذا التساؤل يعتبر أحد التناقضات والمآزق الفكرية التي وقع فيها دعاة نظرية التطور فداروين وضع إصبعه على هذا التناقض وتوصل إلى استحالة اكتساب الغرائز بالانتخاب الطبيعي وتغيرها بالتطور حيث تساءل قائلاً: هل من الممكن اكتساب الغرائز بالانتخاب الطبيعي وتطويرها وتغييرها فيما بعد؟ ماذا يمكننا القول أمام بناء نحل العسل لخليته بهذا الشكل الهندسي الذي سبق اختصاصيي الرياضيات بزمن سحيق؟ ماذا يمكننا القول أمام هذه الغريزة؟ (9).ويمكن إيراد الأمثلة المختلفة على هذا التناقض من كافة أنواع الحيوانات كالأسماك والزواحف والطيور. فالأسماك لها صفات خاصة بها من حيث التكاثر والصيد والدفاع عن النفس فضلاً عن إنشاء منازلها بطريقتها الخاصة، وهذه الصفات الخاصة في حالة تتلاءم تماماً مع الوسط المائي الذي تعيش فيه. وهناك بعض الأنواع من الأسماك تقوم بلصق بيضها تحت الأحجار الموجودة في قاع البحر وبعد لصقها لبيضها تقوم برفرفة زعانفها فوقها لتتيح أكبر كمية من الأوكسجين اللازمة لتنفس الأجنة الموجودة داخل البيض. أمّا الطيور فتضع بيضها في أعشاش ذات بناء خاص تبنيها لهذا الغرض وترقد على بيضها مدة زمنية محددة لازمة لفقس البيض.

أما التماسيح والتي تعتبر حيوانات برية فتملك سلوكاً معاكساً تماماً فتقوم بدفن بيضها تحت الرمال مدة شهرين كاملين لازمة لفقسها، وهناك بعض الأسماك تقوم بوضع بيضها داخل الأحجار الموجودة في قاع البحر ومن جانب آخر هناك بعض الحيوانات البرية تقوم ببناء مساكنها على أطراف الأشجار العليا باستخدام الأغصان وقشور الأشجار، أما الطيور فتنشئ أعشاشها باستخدام الأعشاب والنباتات البرية أما اللبان التي يدعون أنها نشأت من الزواحف فتختلف من حيث التكاثر اختلافاً كليّاً عن باقي الكائنات الحية. فبينما تكون باقي الحيوانات تتكاثر بالبيض تتكاثر اللبان بأن تحمل أجنتها داخل بطونها أشهراً عديدة وبعد أن تضع جنينها تقوم بتغذيته باللبن الذي يفرزه جسمها.

وهناك أسلوب للصيد مختلف لكلّ نوع من أنواع الأحياء، فبينما يبقى بعضها كامناً للصيد فترة طويلة يكون بعض منها متخفياً بلون المكان الموجود فيه والبعض الآخر يعتمد على السرعة والمباغتة. وكما يتضح هناك اختلاف كبير وشاسع بين الحيوانات البرية والحيوانات المائية وكلّ نوع يتميز باختلاف واضح حسب الوسط الذي يعيش فيه.

من هذا العرض نستنتج أن التغيير في الغرائز يجب أن يكون مصاحباً للتطور الحاصل في الأحياء. على سبيل المثال أن تصبح السمكة التي تضع بيضها تحت أحجار قاع البحر وترفرف بزعانفها رعاية لها حيواناً بريّاً تقوده غريزته المتطورة إلى بناء أعشاش خاصة على أطراف الأشجار ويرقد على البيض مدة معينة من أجل تفقيسها. وهذا الأمر محال طبعاً، والاستحالة الأخرى في هذا الموضوع يمكن توضيحها بفرض عدم استطاعة الكائن الحي العيش نتيجة عدم ملاءمة سلوكه غير المتطور لبنيته المتطورة نتيجة تغير الوسط الذي يعيش فيه حيث لا تستطيع السمكة التي تتقن التّخفي في البحر العيش إلا بعد إيجادها وسيلة جديدة للدفاع، وبالإضافة إلى ضيق الوقت لتحقيق ذلك لأنه يجب أن تقوم بتغيير سلوكها وطريقة حياتها وبناء جسمها بصورة مستمرة وإلا فإنها معرضة للهلاك وانقراض نسلها.

ومن الواضح أنه لا يوجد حيوان غير عاقل يمتلك القابلية لاتخاذ مثل هذا القرار السريع والاستراتيجي الذي يتطلب قوى عقلية. إذن فكيف يتم تفسير سلوك الحيوانات الملائم لبناء أجسامها وشروط الوسط الذي تعيش فيه؟ وأدلى داروين بدلوه في هذا الخصوص في معرض رده على النقد الموجه لكتابه "أصل الأنواع" قائلاً: كان هناك اعتراض على فكرة أصل الأنواع مفاده أنه يجب أن يكون التغيير الحاصل في بناء الكائن الحي متزامناً مع التغيير في غرائزه فضلاً عن كونهما متلائمين مع بعضهما لأن أي تباين يحدث بينهما يعني الموت المحتم/(10).

يتضح مما تقدم أنه لا يمكن تفسير سلوك الحيوان بواسطة التطور عبر الزمن أو بالمصادفة أو بتأثير الطبيعة الأم. إذن فكيف اكتسبت الكائنات الحية تلك الصفات والخصائص التي تتيح لها مواصلة حياتها؟ والجواب عن السؤال في غاية الدقة والوضوح؛ فالإنسان المطلع على طريقة معيشة الأحياء يستطيع أن يرى استحالة تشكل هذه الأنماط السلوكية من تلقاء ذاتها أو بواسطة سلسلة من المصادفات. ومصدر هذه الأنماط السلوكية لا يوجد في أجسامها ولا في المحيط الذي تعيش فيه. إذن فهناك قوة لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة تقوم بإدارة سلوك هذه الكائنات الحية. تهيئ مظاهر الحياة وأسرار البقاء هي الله سبحانه وتعالى والذي وسعت رحمته كل شيء. والنتيجة: إنّ الكائنات الحية تتحرك بواسطة إلهام إلهي.

كما ذكرنا في الصفحات السابقة واجه دعاة نظرية التطور إشكالات كبيرة تتعلق بتفسير سلوك الحيوانات في حين أنّ الحقيقة واضحة جلية وهي عدم استطاعة الكائن الحي غير العاقل أن يقوم بتمييز الفروق الواضحة أو أن يقوم بالربط بين الوقائع أو اتخاذ قرار صحيح، فضلاً عن عدم قدرته على التخطيط لعدة مراحل مقبلة إلى جانب أشياء أخرى تتطلب عقلاً وتفكيراً وإدراكاً. ويقول دعاة التطور إنّ هذه الكائنات الحية مبرمجة على أداء هذه الأعمال، إذن من هو الذي وضع هذا البرنامج؟ وما هي القوة التي تجعل نحل العسل يفرز الشمع الخاص لبناء الخلية؟ والجواب واضح ودقيق، وهو استحالة تولد هذه الأنماط السلوكية من تلقاء نفسها أو محض الصدفة بل الواضح أن هناك قوة تحكم هذه الطبيعة وتديرها ولها تأثير مباشر على تلك الكائنات. وصاحب هذه القوة بلا شك هو الله الخلاق العليم. ونظرية تعجز عن أن تفسر كيفية خلق الكائن الحي لا بد لها أن تقف عاجزة أمام تفسير سلوكه ومصدره. لذا فإجراء الأبحاث حوله له أهمية قصوى بلا شك لأن هذه الأبحاث تثبت أنه لا يوجد كائن حيّ يعيش جزافاً أو دون ضابط، فالله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يقوم بخلق الكائن الحي من العدم ويدبر أموره ويراقبه في كل حين وينظم له سلوكه بقدرته، ربّ السماوات والأرض وما بينهما، وهذه الحقيقة وردت في القرآن الحكيم.  ]إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [. [هود: 56].

روح التضحية لدى الكائنات الحية تفنّد ادعاء داروين بأن البقاء للأقوى

مثلما أسلفنا القول في الصفحات السابقة فإن الأمر حسب ادعاء داروين يعتمد على قانون الانتخاب الطبيعي، أي أنّ الكائنات الحية التي تستطيع أن تتكيف مع شروط الوسط الذي تعيش فيه تستطيع مواصلة حياتها والحفاظ على نسلها، وأمّا الكائنات الضعيفة التي لا تستطيع التكيف مع تلك الشروط فهي معرضة للهلاك والفناء، وبناء على هذا يكون التعريف المنطقي للطبيعة وفقاً لقانون الانتخاب الطبيعي لداروين هو المكان الذي تقوم فيه الكائنات الحية بكفاح مرير فيما بينها من أجل البقاء فيبقى القوي ويفنى الضعيف.

واستناداً إلى هذا التعريف يجب على كل كائن حي أن يكون قوياً ومتميزاً بالقوة عن الآخرين في سبيل الكفاح والبقاء. وفي وسط مثل هذا لا يمكن الحديث عن بعض الميزات مثل الإيثار والتضحية والتكافل، فهي قد تصبح ذات آثار سلبية على الكائن الحي نفسه. ووفقاً لهذا المنطق يتميز بمنتهى الأنانية ولا همّ له سوى البحث عن الغذاء وإنشاء البيت الذي يؤويه وحماية نفسه من خطر الأعداء.

ولكن هل صحيح أن الطبيعة هي المكان الذي يضمّ كائنات تخوض صراعاً مريراً للقضاء على بعضها بمنتهى الوحشية والأنانية؟. إن الأبحاث الجارية بهذا الشأن حتى يومنا هذا قد أبطلت ادّعاءات دعاة التطور. فالطبيعة تحوي في أركانها أمثلة لا حصر لها تكشف صوراً غاية في التضحية من أجل الآخرين.

يذكر جمال يلدرم في كتابه "التطرف وقانون التطور".

أن الأسباب التي جعلت داروين وغيره من رجالات العلم في عصره يصورون الطبيعة على أنها تمثل مسرحاً للحرب بين الأحياء يمكن إجمالها في النقاط التالية: كان رجال العلم في القرن التاسع عشر يقبعون في مختبراتهم أو أماكن عملهم لمدة طويلة ولا يدرسون الطبيعة ميدانياً ولهذا ذهب خيالهم ببساطة إلى الاستسلام لفكرة كون الكائنات الحية في حالة حرب صامتة فيما بينها، وعالم فذ مثل هالي Haleyلم يستطع إنقاذ نفسه من براثن هذا الوهم (11).

أما العالم بيتر كروبوتكين Peter Kropotkin  الذي يؤمن أيضاً بنظرية التطور فيذكر في كتابه Mutual Aid: A Factor in Evolution أو "الهدف المشترك: العامل المؤثر في التطور" الخطأ الذي وقع فيه داروين ومؤيدوه قائلاً: داروين ومؤيدوه عرّفوا الطبيعة على أنها مكان تخوض فيه الكائنات الحية حروباً مستمرة فيما بينها. ويصور هاكسلي Haxley  عالم الحيوان باعتباره حلبة مصارعة تقوم فيه الحيوانات بصراع مرير فيما بينها وتكون الغلبة من بينها للذكي والسريع وهو الذي يستطيع العيش ليبدأ في اليوم التالي صراعاً جديداً وهكذا. ويتبين لنا منذ الوهلة الأولى أن وجهة نظر هكسلي بشأن الطبيعة ليست علمية(12).

وهذا الوضع يعتبر شاهداً على عدم استناد نظرية التطور إلى ملاحظات علمية، ويغلب على العلماء من دعاتها التزمت الفكري من خلال تحليل بعض الظواهر الموجودة وفقاً لهواهم. والحقيقة أن الحرب التي يدعي داروين انتشارها في أرجاء الطبيعة تبيّن أنها خطأ كبير فلا نجد الأحياء التي

يقف البطريق على قدميه لمدة أشهر لحماية صغيره من البرد.

تكافح من أجل البقاء فقط بل نجد أيضاً كائنات حية تبذل تعاوناً ملحوظاً نحو الكائنات الحية الأخرى، والأعجب من هذا أنها تؤثرها أحياناً على نفسها. من هنا فدعاة التطور عاجزون عن تفسير ظواهر الإيثار. وورد في مقالة صادرة في إحدى المجلات العلمية نص يصور عجز هؤلاء: "المشكلة تكمن في السبب الذي من أجله تتعاون الكائنات الحية، وبالنسبة إلى نظرية داروين فهي تقول إنه يجب على كل كائن حي أن يكافح من أجل البقاء والتكاثر، ومعاونة باقي الكائنات الحية يقلل من فرص نجاح ذلك الكائن الحي في البقاء وعلى هذا الأساس يجب أن يُزال هذا النمط السلوكي عبر التطور، ولكن الملاحظ أن الإيثار لا يزال موجوداً في سلوك الكائنات الحية (13) .

وأبسط مثال على الإيثار هو سلوك عاملات النحل فهي تقوم بلسع أي حيوان يدخل إلى خليتها مع علمها يقيناً أنها ستموت، فإبرتها اللاسعة تبقى مغروزة في الجسم الذي تلسعه ونظراً لارتباط هذه الإبرة الوثيق بالأعضاء الداخلية للحشرة تسحب معها هذه الأعضاء خارجاً متسببة في موت النحلة. يتّضح من ذلك أنّ النحلة العاملة تضحي بحياتها من أجل سلامة باقي أفراد الخلية.

أمّا ذكر البطريق وأنثاه فيقومان بحراسة عشهما حتى الموت، فالذكر يسهر على رعاية الفرخ الجديد بين ساقيه طيلة أربعة أشهر متصلة دون انقطاع، ولا يستطيع طيلة هذه الفترة أن يتناول شيئاً من الغذاء أمّا الأنثى فتذهب إلى البحر لتجلب الغذاء وهي تجمعه في بلعومها وتأتي به إلى فرخها ويبديان تفانياً ملحوظاً من أجل فرخهما.

أنثى التمساح تحمل صغارها في فمها لحمايتهم.

ويعرف عن التمساح كونه من الحيوانات المتوحشة إلا أنّ الرعاية التي يوليها لأبنائه تثير الحيرة الشديدة، فعندما تخرج التماسيح الصغيرة بعد فقس البيض تقوم الأم بجمعها في فمها حتى تصل بها إلى الماء ثم تعكف على رعايتها وحملها حتى تكبر ويشتد عودها وتصبح قادرة على مواجهة المصاعب بنفسها، وعندما تشعر التماسيح الصغيرة بأي خطر سرعان ما تلوذ بالفرار ملتجئة إلى فم أمّها وهو الملجأ الأمين بالنسبة إليها. إن هذا السلوك يثير الاستغراب خاصة إذا علمنا أن التماسيح حيوانات متوحشة والمنتظر منها أن تأكل أبناءها وتلتهمهم لا أن ترعاهم وتحميهم

وهناك بعض الأمهّات من الحيوانات تترك القطيع الذي تعيش فيه لترضع أولادها، فتتخلف الأم مع ولدها وتظل ترضعه حتى يشبع معرّضة حياتها لخطر جسيم. والمعروف عن الحيوانات أنها تهتم بأولادها الذين ولدوا حديثاً أو الذين خرجوا من البيض لمدد طويلة تصل إلى أيام أو أشهر أو حتى بضع سنين فتوفر هذه الحيوانات لصغارها الغذاء والمسكن والدفء وتقوم بالدفاع عنهم من خطر الأعداء المفترسين. وأغلب أنواع الطيور يقوم بتغذية صغاره من 4 20 مرة في الساعة خلال اليوم الواحد، أمّا إناث اللبان فأمرها مختلف إذ يحتم عليها أن تتغذى جيداً عندما ترضع صغارها حتى توفر لهم اللبن الكافي، وطيلة هذه الفترة يزداد الرضيع وزناً بينما تفقد الأم من وزنها بشكل ملحوظ.

أما الطبيعي والمتوقع في هذه الحالات فهو أن تهمل هذه الحيوانات غير العاقلة صغارها وتتركها وشأنها لأنها لا تفهم معنى الأمومة أو العطف ولكنها على العكس من ذلك تتحمل مسؤولية رعايتها والدفاع عنها بشكل عجيب.

ولا تقوم الأحياء باتخاذ مثل هذا السلوك مع صغارها فقط وإنما قد تبدي العطف نفسه والحنان نفسه إزاء الحيوانات الأخرى أو الأفراد الأخرى التي تعيش معها في المجموعات نفسها، ويمكن ملاحظة ذلك عندما تشح مصادر الغذاء، فالمتوقع في مثل هذه الحالات العصيبة أن ينطلق القوي منها ليبيد الضعيف ويستحوذ على ما يوجد من الغذاء، غير أن الذي يحدث هو عكس ما يتوقعه دعاة التطور. ويورد كروبوتكين وهو معروف بتأييده لهذه النظرية أمثلة عديدة تتعلق بهذا الموضوع منها مثلاً: يبدأ النمل بتناول ما ادخره عندما تشح مصادر الغذاء بينما تبدأ الطيور بالهجرة بشكل جماعي إلى مكان آخر، كما تتوجه القنادس الشابة إلى الشمال والكبيرة في السن إلى جنوب الأنهار حيث تعيش هناك مزدحمة (14).

والذي يفهم من هذه الأمثلة أنه لا وجود لمنافسة أو مزاحمة بين الحيوانات من أجل الغذاء بل على العكس يمكن مشاهدة نماذج عديدة لتعاونها وتضحياتها حتى في أقسى الظروف. وهي تعمل في أحيان كثيرة على التخفيف من وطأة الظروف وقسوتها. ومع هذا فهناك مسألة يجب أخذها بعين الاعتبار وهي أن انعدام التفكير هو الذي يجعلها تتخذ هذه القرارات وتنشئ هذا النظام. كيف يمكن تفسير تجمع هذه الحيوانات في مجموعات ذات هدف واحد وعملها مجتمعة لتحقيق هذا الهدف المشترك؟.

بلا شك إن الذي خلق هذه الأحياء وألهمها اتباع ما ينفعها والذي يحافظ عليها هو الله رب العالمين جلت قدرته. مصداقاً لقوله عزَّ وجلَّ لها:  ]وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ  [. [هود: 6]

أمام هذه الحقائق تسقط ادعاءات التطور عن كون الطبيعة مسرحاً للحرب لا ينتصر فيها إلا من كان أنانياً ومن لا يرى سوى مصالحه فقط، سأل John Maynard Smith  التطوري المشهور سؤالاً لأقرانه في الفكر يتعلق بهذا النوع من السلوك لدى الحيوانات: إذا كان الانتخاب الطبيعي يعني اختيار الصفات الصالحة للكائن الحي والتي تضمن له بقاؤه وتكاثره فكيف يمكن لنا أن نفسر صفة التضحية لدى بعض الحيوانات؟ (15)

غريزة الحفاظ على النسل

مثلما اتضح في الصفحات السابقة فإن دعاة التطور لم يكن بإمكانهم تفسير التضحية في سلوك بعض الحيوانات. وهناك أمثلة عديدة للتضحية في الطبيعة تهدم الأساس الفكري لهذه النظرية حتى إن ستيفن جي جولد Stephen Jay Goui  يتحدث عن التضحية كمشكلة عويصة تواجه نظرية التطور(16).

من جانب آخر يتحدث عنها جوردن تايلر Gorden Taylor  باعتبارها مانعاً أو سداً كبيراً أمام النظرية ليعبر عن عمق المأزق الفكري الذي يواجه هؤلاء في دفاعهم عنها. وهذه التضحية والرأفة التي يمكن مشاهدتها تحمل مفهومات كبيرة وتعتبر طعنة قاتلة في جسد نظرية أولئك الذين ينظرون إلى الطبيعة نظرة مادية بحتة ويعتبرونها نتاج مصادفات لا غير.

وهناك بعض من غلاتهم قد فسر هذه الظواهر تفسيراً آخر مختلفاً سماه بقانون الجين الأناني، ورائد هذه الفكرة أحد الغلاة في وقتنا الحاضر ويدعى Richard Dawkins  وهو يرى أن التضحية التي تعبر عنها بعض الكائنات ما هي إلا نتاج أنانيتها، وحسب قوله فإن الحيوان عندما يبدي تضحية ما فإنه لا يفعل ذلك دفاعاً عن الباقين بل حفاظاً على جيناته أي أن الأم عندما تذود عن صغيرها فهي في الحقيقة تدافع عن الجينات التي تولدت منها لأن صغيرها عندما يتم إنقاذه فإنه يستطيع أن ينقل هذه الجينات إلى أجيال لاحقة، وعلى هذا الأساس تصبح الكائنات الحية بما فيها الإنسان شبيهة بآلات لتوليد الجينات ومسؤولة عن نقلها إلى أجيال لاحقة.

ويدعي هؤلاء أنّ الكائنات الحية مبرمجة على الحفاظ على النسل ونقل الجينات إلى أجيال لاحقة ولهذا تسلك سلوكاً يلائم هذا البرنامج. ونورد مثالاً على طريقة تفكير هؤلاء وتفسيرهم لسلوك الحيوانات من خلال الاطلاع على نص مأخوذ من كتاب في علم الأحياء يتبنى هذه النظرية وعنوانه Essentails of Biology :أو مبادئ علم الأحياء والنص كما يلي: كيف يمكن تفسير السلوك الذي يقود صاحبه إلى الخطر من أجل إنقاذ غيره؟ بعض السلوكيات المستندة إلى التضحية مصدرها الجينات الأنانية، والاحتمال الأكبر أن تكون الكائنات الحية وهي تعرض نفسها للخطر في سبيل جلب الغذاء اللازم لصغارها تسلك هذا السلوك وفق برنامج جيني محدد، وسلوكها هذا يهدف إلى سلامة انتقال الجينات من الأبوين إلى الأبناء ومنهم إلى أجيال لاحقة، ويبدو رد الفعل هذا من الكائنات الحية تجاه أعدائها نوعاً من السلوك لتحقيق هدف معين، ويتجلى هذا البرنامج المعين للسلوك الحيواني في الرائحة والصوت والمظهر الخارجي وأشكال أخرى(17).

ولو تأملنا في النص السابق لاتضح لنا أن الكاتب يقصد أنّ الكائنات الحية في سلوكها تبدو وكأنها تسعى إلى شيء معين لا عن دراية وفهم بل لأنها مبرمجة على أن تسلك مثل هذا السلوك، وهنا يطرح السؤال التالي نفسه: ما مصدر هذه البرمجة؟ والجين الذي نتحدث عنه هو شبيه بمجموعة من الشفرات المعلوماتية، ولكن هذه المجموعة من الشفرات لا تستطيع التفكير، والجين يفتقد الذكاء والعقل والتقدير. لهذا السبب إذا وجد جين خاص يدفع الكائن الحي إلى التضحية فلا يمكن أن يكون هذا الجين هو الآمر بالتضحية. لقد صمم الحاسوب من قبل مصمم عاقل وذي دراية على أن يتوقف عن العمل عند الضغط على زر الإيقاف، إذن فالحاسوب لا يغلق من تلقاء نفسه وزر الإيقاف لا يعمل بالمصادفة دون مصمم. إن أحداً قد برمج هذا الزر على أن يوقف الجهاز عن العمل عند الضغط عليه.

إذن هناك جينات مبرمجة على دفع هذا الكائن الحي نحو التضحية بنفسه، وهناك قوة ذات عقل ودراية صممت وبرمجت هذه الجينات بهذه الصورة، وهذه القوة تلهم الكائنات كل لحظة وتراقبها وتهديها إلى اتباع سلوك معين، وهذه القوة هي الله جلت قدرته، وهذه الحقيقة يذكرها القرآن كما يلي: ]وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُم مِن فَوقِهِم وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  [[النحل: 49 ـ 50].

]اللهُ الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً  [[الطلاق: 12] .

المصدر:موقع الكاتب التركي هارون يحيى


1Gordon Rattray Taylor, The Great Evolution Mystery (London: Martin Secker & Warburg Ltd, 1983), p. 222.

2 Ditfurth, Dinazorların Sessiz Gecesi 1, pp. 12-19

3 Charles Darwin, The Origin of Species (New York: The Modern Library), p. 184.

4 Francis Darwin, The Life and Letters of Charles Darwin (New York: D. Appleton and Co., 1896), Letter of C. Darwin to J. D. Hooker, Down, March 1, 1854.

5 Darwin, C., The Origin of Species, p. 208.

6 Cemal Yildirim, Evrim Kurami ve Bagnazlik (The Theory of Evolution and Bigotry) (Ankara: Bilgi Publishing House, January 1998), p. 185.

7 Taylor, The Great Evolution Mystery, p. 221.

8 Darwin, C., The Origin of Species, p. 185.

9 Ibid., p. 204.

10 Cemal Yildirim, Evrim Kurami ve Bagnazlik (The Theory of Evolution and Bigotry), p. 34.

11 Darwin, C., The Origin of Species, p. 124.

12 Ibid., p. 124.

13 Cemal Yildirim, Evrim Kurami ve Bagnazlik (The Theory of Evolution and Bigotry), p. 49.

14 Peter Kropotkin, Mutual Aid: A Factor of Evolution, Chapter I. (http://www.spunk.org/library/writers/kropotki/sp001503/index.html)

15 Bilim ve Teknik (Science and Technology Journal), no. 190, September 1983, p. 4.

16 Kropotkin, Mutual Aid: A Factor of Evolution, Chapter II.

17 John Maynard Smith, "The Evolution of Behavior", Scientific American, September 1978, Vol. 239, no. 3, p. 176.


الوسوم:


مقالات ذات صلة