الرحلة إلى النور


الثلاثاء/ديسمبر/2019
   

بقلم: الأخت الآيسلندية آنا ليندا

  ترجمة : الأستاذ زكي الطريفي

سأحاول بقدر استطاعتي أن أكون واضحة، وآمل ألاّ يملّ أولئك الَّذين يجدون قصَّتي طويلة. سأبدأ منذ البداية…

ولدت كـ "آنا ليندا تراوستادوتير" لعائلةٍ آيسلنديَّةٍ-دانمركيَّة في ريكجافيك في آيسلندة عام 1966، وعُمِّدتُ في كنيسةٍ لوثريَّة. هاجرت عائلتي إلى فانكوفر في كندا، ومن ثمَّ إلى نيويورك عندما كنت صغيرة. أنهيت دراستي الثانويَّة في السَّادسة عشرة من عمري، وفي عام 1988 حصلت على شهادة البكالوريوس من جامعة مكجيل في مونتريال في كندا. ومنذ ذلك الحين وأنا في سفرٍ حول العالم دارسةً وعاملة. وكانت الدانمرك مقرَّ إقامتي منذ عام 1990.

في عام 1997 -وحين كنت أدرس اللغة العربيَّة في القاهرة- اشترت لي إحدى صديقاتي الإنجليزيَّات -وهي مسيحيَّةٌ من المولودين الجدد- إنجيلاً بعهديْه القديم والجديد. كنت مسرورةً غاية السُّرور لأنِّي قرَّرت بأنِّي بحاجةٍ لمعرفة ماهيَّة الإنجيل وما يحويه. فلقد شعرت بأنِّي أكاد بصعوبةٍ أن أدعو نفسي مسيحيَّة دون دراسة الإنجيل بتمحيص. وفي عام 1998 -وحين كنت أدرس في جامعة دمشق- قرأت الإنجيل كلَّه، من الغلاف إلى الغلاف، آخذةً بعض الملحوظات خلال قراءتي. وحين انتهيت من ذلك، أدركت بأنَّ هناك الكثير الكثير من المتناقضات، والكثير من الأشياء الَّتي لم أتَّفق معها. كوصف الإله والنِّساء، هذا دون ذكر كلِّ الأشياء الَّتي كتبها بولص في العهد الجديد. وحين قرأت عن أولئك الرِّجال المقدَّسين -الرُّسل (عليهم الصَّلاة والسَّلام)- كنوحٍ ولوطٍ وداود.. إلخ، وجدت بأنِّي لا أحترمهم. لقد أحببت وأُعجبت بموسى (من العهد القديم)، وبعيسى (من العهد الجديد) (عليهما صلوات الله وسلامه). وحين انتهيت من قراءة التَّوراة، حاولت الحصول على التلمود الكامل لليهود، ولكن من دون فائدة. لقد سمعت دوماً بأنَّ اليهود -عدا الإصلاحيِّين منهم- لا يعترفون بأيٍّ كان يدخل اليهوديَّة. وأيضاً هناك الكثير -ولكن ليس الكل- من اليهود الصَّهاينة (أولئك الَّذين يدعمون إسرائيل). وأنا من أشدِّ النَّاس عداوةً للصُّهيونيَّة وإسرائيل. وهكذا فأنا بالصُّدفة فلسطينيَّة التوجُّه. وكنت أيضاً أريد ديناً يقبل بالدَّاخلين فيه. ثمَّ انشغلت قليلاً بالبوذيَّة، ولكنِّي قرَّرت بأنَّها لا تناسبني، فالبوذيُّون لا يؤمنون بالله تعالى؛ وأنا أومن بالله تعالى بقوَّة، وكنت دوماً كذلك. لكن البوذيَّة بالنِّسبة لي كانت ما تزال تشكِّل طريقةً بديلةً ما للحياة. أُمِّي وأنا اعتدنا نقاش الهندوسيَّة، ولذا فقد كنت مهتمّةً بها جدّاً، ولكن هناك الكثير من الآلهة الهندوسيَّة بالنِّسبة لي؛ لذا فقد كانت الهندوسيَّة خارج النِّقاش. والواقع أيضاً بأنَّك لا تستطيع الدُّخول في الهندوسيَّة.

melikgazi escort bayan

حين ولد ابني آندري عمر في أكتوبر 2001، سُئِلتُ إن كنت سأُعمِّده أم لا، وحتى حينئذٍ رفضت ذلك. فقد شعرت بأنَّ الأطفال البريئين سيدخلون الجنة حتماً، معمَّدين كانوا أو غير معمَّدين. وعلى أيَّة حال، كيف كان بإمكاني تقديمه للدِّيانة المسيحيَّة في حين كنت أنا نفسي لا أدعو نفسي بالمسيحيَّة المؤمنة،وهذا على الرُّغم من أنِّي ولدت وترعرعت كبروتستانتيَّة؟! فلم أكن أومن بالثالوث؛ ولا بمريم (عليها السَّلام) كـ "أُمٍّ" للإله؛ ولا بعيسى (عليه الصَّلاة والسَّلام)  كـ "ابن" للإله؛ ولا بعيسى الَّذي يموت (على الصَّليب) ليطهِّرنا من خطايانا؛ ولا بعيسى الَّذي يصرخ على الصَّليب باللغة الآراميَّة: "إيلي، إيلي، لِمَ شبقتني؟" أعني لماذا كان سيصرخ عيسى (عليه الصَّلاة والسَّلام): "إلهي، إلهي، لِمَ تخلَّيت عني؟" في حين أنَّه كان (يُفترض) بأنَّه كان يعلم أنَّ الله تعالى أرسله كرسول له لهذه المهمَّة؟!

لقد نُشِّئْتُ على أن أكون من أشدِّ النَّاس عداوةً للمسلمين والإسلام. هذه حقيقة؛ لقد كنت كذلك. وكنت أيضاً ضدَّ العرب قبل انتقالي للقاهرة لدراسة اللغة العربيَّة (لقد كان يعجبني الخطُّ العربيُّ الجميل). فقد ترعرعت في الولايات المتحدَّة الأمريكيَّة، وعلى الأفلام الأمريكيَّة الَّتي كانت دوماً تُصوِّر العرب على أنَّهم أُصوليُّون، ومتطرِّفون، ومضطهدون للنِّساء، ومتديِّنون متعصِّبون، وإرهابيُّون، وبأنَّهم ليسوا طبيعيِّين، وأنَّهم أُناسٌ محدودو الذَّكاء. والغالبيَّة العظمى من الَّذين يكرهون العرب لم يكونوا في أيِّ بلدٍ عربيٍّ أبداً؛ فالواقع هناك مختلفٌ تماماً.

في عام 1999 عُدْتُ إلى دمشق للعمل في إحدى السَّفارات. وهناك -في عام 2000- قابلت مهندساً يُدْعى مُهنَّداً. ثم تزوَّجنا بعد فترةٍ وجيزةٍ من لقائنا. ولأكون صادقةً، فإنِّي حين تزوَّجت مهنَّداً كان ذلك لأنِّي أحببته، وعلى الرُّغم من كونه مسلمًا! لكنِّي أدركت مع الوقت بأنِّي أحببته لأنَّه كان مسلمًا، ومسلماً جيِّداً. فقد قابلت الكثير من المسلمين هنا في الدانمرك وفي الشَّرق الأوسط، وكما هو الحال في حياتي كلِّها، فقد قابلت بعضاً من الطيِّبين وغير الطيِّبين من المسيحيِّين واليهود والهندوس والبوذيِّين.. إلخ. ولكنِّي اعتقدت بأنَّ كلَّ أولئك المسلمين الَّذين قابلتهم يمثِّلون الإسلام. وفي أيِّ وقتٍ كنت أسأل المسلمين أسئلةً عن الإسلام كان شيء يصدمني: فتقريباً كان كلُّ واحدٍ منهم يدَّعي بأنَّه خبيرٌ بالإسلام، حتَّى أولئك الَّذين أعطوني معلوماتٍ خاطئةً كما عرفت لاحقاً. وكان من الأجدى بهم أن يقولوا فقط: "لا أعرف"، أو "لست متأكِّداً". وفي حين أنِّي لم أكن أحكم أبداً على المسيحيَّة أو أيِّ دينٍ آخر من خلال أتباعه، إلا أنَّه من الغريب أنِّي حكمت على الإسلام من خلال كلِّ عربيٍّ التقيته، وذلك على الرُّغم من أنَّه: أوَّلاً، ليس كلُّ العرب مسلمين. فمنهم البروتستانتيُّون، والكاثوليك، واليهود، والدروز، والأقباط، والعلويُّون.. إلخ؛ وثانياً: أكثر المسلمين ليسوا عربًا. فالمسلمون في إندونيسيا، والهند، والصِّين، ومقدونيا، وماليزيا، وروسيا، وتايلند، وإفريقيا، والبوسنة، وأمريكا، والسُّويد.. إلخ؛ وإلى جانب هؤلاء هناك العرب أيضًا. لقد نُشِّئْتُ على ألا أكون متحيِّزةً، ولكنِّي كنت كذلك. لقد استغرقني وقتاً طويلاً لأُدرك ذلك.

فقط، وبعد ساعاتٍ لا تُحصى من الحوار -وفي بعض الأوقات من الجدل- مع زوجي، إلى أن أصبحت منفتحة العقل بما فيه الكفاية لأُدرك بأنَّه لم تكن لديَّ الصُّورة الشَّاملة.

خلال شهر رمضان –شهر تشرين الثاني من عام 2002- سألت مهنَّداً إن كان بإمكانه مساعدتي في قراءة القرآن الكريم بالعربيَّة. كان لديه القليل من الوقت، ولكنِّي كنت مصمِّمةً على قراءة القرآن بالعربيَّة، وبمساعدة ترجمةٍ جيِّدة. حين قرأت القرآن -الكتاب الأقدس في الإسلام- فكَّرت كم هو جميلٌ، وعلميٌّ، ورحيمٌ، ومكرم للمرأة! كلُّ الكتب الَّتي قرأتها تقريباً عن الإسلام كانت مؤلَّفةً من قِبَلِ غير المسلمين، وكانت تُظهر الإسلام بصورةٍ سلبيَّة. وأولئك الَّذين كانوا يكتبون ضدَّ الإسلام كانوا في بعض الأحيان يقتطعون مقتطفاتٍ من القرآن تاركين ما يتبقَّى من الآيات؛ أو أنَّهم كانوا يترجمون الآيات بطريقةٍ خاطئةٍ، إما لهدفٍ ما أو عن طريق الخطأ. كنت أعرف ما يكفي من اللغة العربيَّة لأعرف بأنَّ ما كنت أقرأه كان لا يشبه أيَّ شيءٍ قرأته في حياتي. فهناك الكثير من العلم، والكثير من المعرفة، والَّتي لم تُكتشف إلا في العصر الحديث. أعني أنَّ النبيَّ مُحمَّداً (صلَّى الله عليه وسلَّم) ذكر: الثقوب السَّوداء، والسَّفر في الفضاء، والـ DNA وعلم الوراثة، والتطوُّر، والجيولوجيا، وعلم البحار والمحيطات، وتطوُّر الجنين، وأصل الحياة…. يا إلهي! لقد كنت دوماً أسمع بأنَّ القرآن ما هو إلَّا نسخةً كربونيَّةً عن الإنجيل، ولكن لم يكن أيٌّ من هذا في الإنجيل! وتساءلت مندهشةً كيف كان بإمكان أيِّ إنسانٍ قبل 1400 عام مضت أن يكتب شيئاً كهذا! وبعض هذه الأشياء لم تُكتشف إلا في هذا القرن فقط! عندئذٍ فكَّرت: "حسناً، فالعلماء العرب من الفلكيِّين، وعلماء الرياضيَّات والجغرافيا كانوا متقدِّمين جدًّا في ذلك الوقت، فربَّما اشترك بعضهم في كتابة هذا الكتاب من هنا وهناك معتمدين في ذلك على الإنجيل. ولكنِّي بعدئذٍ حين درست ذلك بشكلٍ أعمق أدركت بأنَّ الثَّورة العلميَّة العربيَّة (الإسلاميَّة) حدثت بعد ظهور الإسلام. وبعدئذٍ قرأت بأنَّ المسلمين يؤمنون بأنَّ القرآن أُوحي به لمُحمَّدٍ (صلَّى الله عليه وسلَّم) من خلال الملك جبريل (عليه السَّلام)، وأنَّه استمراريَّةٌ لكلمة الله تعالى. فالمسلمون يؤمنون بأنَّ أجزاءً من التَّوراة والإنجيل الَّتي تتحدَّث عن حياة عيسى أوحى بها الإله، أو "الله" كما يُدعى الإله باللغة العربيَّة، وليس هذا (اسم الإله "الله") فقط عند المسلمين، بل وعند النَّصارى واليهود الَّذين يتحدَّثون العربيَّة أيضاً. والمسلمون يوقِّرون إبراهيم، وسليمان، وموسى، وعيسى، ونوح (عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين)، وفي الحقيقة يوقرون كلَّ الأنبياء المذكورين في الإنجيل. ومذكورٌ أيضاً بأنَّ هناك أنبياء آخرين جاءوا لأقوامٍ آخرين ليجعلوهم أُناساً طيِّبين. وقد قيل أيضاً بأنَّ بوذا كان أحد هؤلاء الرُّسل، ولكنَّه كعيسى (عليه الصَّلاة والسَّلام) لم يقل للنَّاس بأن يؤمنوا بأنَّه مُساوٍ لله تعالى، وبأنَّه فقط رسولٌ من عنده تعالى. والمسلمون أيضاً يؤمنون بأنَّ مُحمَّداً هو خاتم الرُّسل، إلى أن يعود المسيح (عليه الصَّلاة والسَّلام) إلى الأرض.

إنَّ القرآن يقول بأن الله تعالى يمكن أن يختم على قلوبنا وسمعنا، وأن يضع على أعيننا غشاوة، فلا نستطيع أن نرى ولا أن نشعر برسالة القرآن؛ ففقط وبمشيئة الله تعالى نستطيع ذلك. في الثَّاني عشر من شهر كانون الأوَّل لعام 2002 رأيت رؤيا فظيعةً جعلتني أُفكِّر وأُمحِّص في الدِّين بعمقٍ أكبر. فالرُؤى مهمَّة جدّاً في آيسلندة، وتفسير الأحلام هو عمليّاً علم! لم أعتقد أبداً بأنِّي بحاجةٍ إلى الدِّين. ومع أنَّ الدِّين سحرني دوماً إلا أنِّي كنت أُومن بأنِّي على ما يرام بإيماني بالله تعالى فقط، وأني آخذةٌ جزءًا صغيراً من كلِّ الأديان المختلفة حتَّى حصلت على كوكتيلي الخاص: "خليط آنا".

في شهر كانون الثاني 2003 بدأت البحث على الإنترنت، كنت فقط أبحث عن أشياء مثل: "الإسلام"، "القرآن"، "المسلم".. إلخ. وفي شهر آذار -حين كنت في ريكجافيك- واتتني الفرصة للحديث مع واحدةٍ من أعزِّ صديقاتي الآيسلنديَّات، وهي مسلمة، وقد نصحتني بترجمةٍ جيِّدةٍ للقرآن الكريم بالإنجليزيَّة، وهي ترجمة عبد الله يوسف علي، لأقرأها مع النُّسخة العربيَّة الأصليَّة. فحصلت عليها في شهر نيسان وبدأت باستخدامها للمساعدة.

وفي شهر أيار لعام 2003 ردَّت صديقتي الآيسلنديَّة الزِّيارة، وبَقِيَتْ معنا لمدَّة أسبوعين. تحدَّثنا عن القرآن، وأخبرتها بأنِّي أريد ترجمة القرآن للآيسلنديَّة، فأخبرتني بأنَّ هذا هو حلمها أيضاً. فاتَّفقنا على أن نقوم بذلك معاً. استخدمنا وقتنا بشكلٍ جيِّد، وكنَّا نناقش المسيحيَّة واليهوديَّة والإسلام طيلة اليوم، وكلَّ يوم. فقد تفحَّصتْ دينها اللوثريِّ (السَّابق)، وتأمَّلتْ في اليهوديَّة، وزارتْ إسرائيل (فلسطين المحتلَّة) مرَّتين، وفقط في زيارتها الثَّانية بدأت بتأمُّل الإسلام. لقد مرَّت بنفس الطِّريق كما حصل معي، ووصلت إلى نفس النتائج. وبالعودة إلى عام 1995 أذكر حين أخبرتني بأنَّها أصبحت مسلمة بأنِّي سلكت معها سلوكاً سيِّئاً، فقد كنت سلبيَّةً جدّاً؛ وعارٌ عليَّ أنِّي لم أشدَّ من أزرها!

الآن وجدت بأنِّي أرى نفسي كمسلمة. وأخبرت زوجي عن ذلك، فامتحنني بطريقةٍ مطوَّلة. ثمَّ سألني الانتظار بخصوص تغيير ديني. وأخبرني بأنِّي بدخولي الإسلام يمكن أن أجعل حياتي صعبةً جدّاً، وبأنَّ النَّاس الَّذين لا يعرفون الإسلام سيعاملونني بطريقةٍ مختلفة، وبأنَّه في ذلك الوقت -في عام 2003- وفي هذا العالم الَّذي نعيش فيه سيسخر النَّاس منِّي. وقال بأنِّي ربَّما سأخسر علاقاتي مع عائلتي وأصدقائي إن اعتنقت الإسلام. لقد خشي من أنَّ النَّاس الَّذين لا يعرفوني بشكلٍ جيِّدٍ، أو الَّذين لم أقابلهم منذ وقتٍ طويل، أو  الَّذين لم يلتقوه من قبل، سيظنُّون بأنَّه أكرهني على الدُّخول في الإسلام. فأخبرته بأنَّه إن كانت تلك حقيقة، فإنَّنا لم نكن لنتزوَّج أصلاً، لأنَّنا حين تزوَّجنا كنت ما أزال على المسيحيَّة، وكنت ما أزال مسيحيَّة حتى ذلك الوقت. وحاججته أيضاً بأنَّ النَّاس الَّذين يعرفونني جيِّداً يعرفون أيضاً بأنِّي قويَّةٌ في رأيي، ومدافعةٌ حقيقيَّةٌ عن المرأة والإنسانيَّة، وبأنَّني عنيدة، ولكنِّي لست منغلقة الفكر، وبأنَّه لا يمكن لأحدٍ أن يُسيطر عليّ…فقد حاول والداي ذلك لسنواتٍ دون فائدة!

فقررت عندئذٍ بأنَّه إن كان أصدقائي أو عائلتي لا يريدون أيَّ اتِّصالٍ معي – لأنِّي قرَّرت أن أُصبح مسلمة – فليكن الأمر كذلك! فديني هو شأني الخاص، وأنا فخورةٌ ببحثي في المسيحيَّة، وفي اليهوديَّة، والهندوسيَّة، والبوذيَّة والإسلام. فقد استغرقني الأمر أعواماً عديدةً وساعاتٍ لا تُحصى من القراءة والبحث الرُّوحيِّ لأَصِلَ إلى هذه النُّقطة. فإيماني بالله تعالى هو شيءٌ كنت دوماً آخذه على مَحْمَلِ الجدِّ ولم أكن أبداً خجولةً من إعلان إيماني، وحتَّى عندما كان الآخرون يسخرون منِّي لإيماني بشيءٍ كانوا يقولون بأنَّنا لا نستطيع رؤيته. فكنت أُحاججهم: "انظروا حولكم، كيف لا يمكنكم الإيمان بكائنٍ أعلى خَلَقَ كلَّ شيءٍ من حولنا!". ولأولئك الَّذين ينظرون إلى الإسلام على أنَّه نوع من الموضة أقول: "إنَّه ليس كذلك. بل هو واحدٌ من أكبر الأديان في العالم، إن لم يكن الأكبر، فالآن واحدٌ من كلِّ أربعةٍ من النَّاس في هذا الكوكب هو مسلم. وهو الدِّين الأسرع انتشاراً".

هكذا وفي النِّهاية -في شهر حزيران من عام 2003- قرَّرت أن أصبح مسلمةً بشكلٍ رسميٍّ لكي أستطيع الذِّهاب إلى مكة للحج. لقد كنت أبحث عن الإجابات لوقتٍ طويل -منذ طفولتي- وفي منتصف التسعينات كنت أشتري الكتب عن مختلف الأديان. وفي أعماقي كنت أتخيَّل بأني سأجد الإجابات من أجل نفسي. وأذكر المرَّة الأولى حين سمعت الأذان، وحين نادى المؤذِّن: "الله أكبر" من مأذنة المسجد. كان يوماً جميلاً مشمساً -الأحد من شهر شباط لعام 1997- في القاهرة، وكانت أجراس الكنيسة تقرع أيضاً، ولكنِّي حين سمعت النِّداء للصَّلاة بدأت الدُّموع تنهمر على وجنتيّ، ودون إدراكٍ منِّي لذلك. لم أكن مسلمةً حينئذٍ، ولكنَّ ذلك حرَّك مشاعري. وواحدةٌ من أقدم وأعزِّ صديقاتي، وهي كاثوليكيَّة، كانت في بيروت قبل فترة، وكانت تُقِيمُ في فندقٍ حين صَحَتْ على صوت الأذان في السَّاعة الرَّابعة والنِّصف فجراً في ليلتها الأُولى في لبنان، فتأمَّلتْ في ذلك كم هو مؤثِّرٌ لدرجة أنَّها بكت أيضاً.

حين أقرأ القرآن أشعر به في داخلي، عميقاً في أحشائي، وبأنَّه المناسب بالنِّسبة لي. جمال الوحي القرآنيِّ يجعلني أبكي أحياناً. فهو الطَّريقة الشَّاملة للحياة. ولم يحرِّك مشاعري أيُّ كتابٍ دينيٍّ آخر لدرجة البكاء أبداً.

القرآن ببساطة هو أعقد كتابٍ قرأته في حياتي. فكلَّما قرأته أكثر، فهمته أكثر، وتساءلت أكثر. فالقرآن يلهمك أن تتعلَّم أكثر. ففي كلِّ مرَّةٍ تقرأه، تتكشَّف لك طبقاتٌ أخرى من الفهم. أنا لست خبيرة، ولن أكون أبدًا، حتَّى ولو قرأت منه كلَّ يومٍ لبقيَّة حياتي، فسوف أظلُّ أتعلَّم منه شيئاً جديداً، فهو مليءٌ بالعجائب. وما زلت أُلحق بدراستي القرآنيَّة دراسة الإنجيل، كإنجيل برنابا، والتوراة… إلخ.

وقد حصلت على صديقاتٍ جديداتٍ عبر الإنترنت. فأثناء بحثي على الشبكة وصلت إلى موقعٍ إسلاميٍّ آيسلنديّ: www.islam.is، فاتَّصلت بالكاتبة وبدأنا المراسلة. وفي بداية عام 2004 تقريباً أرسلت لها تقريراً كتبته بعنوان: "الإسلام في آيسلندة 2003"، والَّذي أرسلته إلى حكومة المملكة العربيَّة السعوديَّة، فاقترحت بأن نقوم ثلاثتنا بالعمل على ترجمة معاني القرآن الكريم من العربيَّة إلى الآيسلندية، فهي أيضاً تتكلَّم اللغة العربيَّة. لذا يبدو بأنَّنا سنكون ثلاث آيسلنديَّاتٍ مسلماتٍ يعملن على ترجمة معاني القرآن الكريم. ولأولئك الَّذين يبحثون عن ترجمةٍ إنجليزيَّةٍ جيِّدة، فقد سمعت بأنَّ ترجمة (محمَّد أسد) أيضاً جيَّدة، وسأحصل عليها لنفسي أيضاً.

وقد اشتريت أيضاً كمّاً هائلاً من الكتب للقراءة في كوالالامبور الصَّيف الماضي. فهي مكَّةٌ جديدةٌ للمسلمين من حيث الكتب، وقد تموَّنت حقّاً! فلقد قضينا -زوجي وابني وأنا- شهراً في ماليزيا. ما أروع تلك البلاد! فمن البلاد الإسلاميَّة لم أكن إلا في الشرق الأوسط العربيّ، أما هنا فقد كان عالماً إسلاميّاً جديداً في جنوب شرق آسيا! كانت التجربة رائعة، وهذا أقلُّ ما يمكن أن يُقال. فقد كنت دوماً مغرمةً بالفنِّ والعمارة الإسلاميّيْن، وماليزيا تُعدُّ متحفاً إسلاميّاً في داخل بيوتها وخارجها! فَتَحْتَ حُكْمِ رئيس الوزراء السَّابق محاضر محمَّد، كان للإسلام انبعاثًا. وقد أراد توحيد كلِّ البلاد الإسلاميَّة، ليس فقط فيما يُدعى المؤتمر الإسلاميّ، بل وأراد أيضاً عملةً موحَّدةً، وهي الدِّينار الذهبيّ. يا لها من رؤيا! الإسلام في حاجةٍ لرجالٍ ونساءٍ مثله!

أحاول دوماً أن أكون إيجابيَّة، لذا أظنُّ بأنَّ هذا الزَّمن رائع -القرن الواحد والعشرون! فإن كان بإمكان واحدةٍ مثلي أن تصبح مسلمة، فهناك أملٌ لأيِّ أحد! أصدقائي الَّذين ناقشت معهم الدِّين في الوقت القريب يعرفون بأنِّي أصبحت مسلمة، وكانوا كلُّهم داعمين لي دون تردد. كنت مندهشة شيئاً ما بأنَّهم لم يُصدموا. وقالوا بأنَّهم كانوا يعتقدون بأنِّي لابد يوماً ما أن أجد محرابي الَّذي كنت أبحث عنه لوقتٍ طويل، فكانوا سعداء لأجلي. حتَّى أنَّ بعضهم دعوني باسمي الإسلاميِّ الجديد: نور. مع أنِّي ما زلت أستخدم اسمي "آنا ليندا"، لأنَّه الاسم الَّذي اختاره لي والداي، والذي يمثِّل الشَّخص الَّذي كنته لستةٍ وثلاثين عاماً مضت. "نور" هو فقط استمراريَّةٌ لكينونتي!

هذه هي نهاية قصَّتي: "الرِّحلة إلى النُّور". الرِّحلة التي لا تشكِّل في الحقيقة إلا بدايةٌ فقط!

مع السلامة، والله معكم.

 

المصدر: موقع مجلة الفرقان http://www.hoffaz.org 

 

 


الوسوم:


مقالات ذات صلة