الدقة العلمية للتعابير الكونية في الآيات القرآنية


الخميس/يناير/2022
   

رنا عبد الرحيم فرخ

في القرآن الكريم عدد كبير من الآيات الكونية فيها دلالات بينّة على وحدانية الله تعالى. ومع كل علم جديد أو اكتشاف باهر ينتصب هذا الكتاب الكريم متحدياً، مبيناً أنه ألمح إلى هذا العلم قبل أربعة عشر قرناً. وتظهر الحجج والبراهين على ذلك من خلال التفسير العلمي ومعرفة الحقائق الكونية.

وفي هذا البحث أودّ أن أتحدث عن الحركة في القرآن الكريم وهي كثيرة جداً ولكن أكتفي بذكر بعضها، حركة الشمس وحركة الأرض والقمر وحركة الفلك في البحر، وهل هذه الحركة هي جريان أم هي حركة خطيّة أم دورانية أو اهتزازية.

1-الحركة في اللغة:(حركَّه): أخرجه عن سكونه، و(تَحَرَكَ): حروك في قوة. وأما (الحركة) في العرف العام فهي انتقال الجسم من مكان إلى مكان آخر، أو انتقال أجزائه كما في حركة الرّحى([2]).

تحديد الحركة: هل هي جريان خطي أم دوران حول محور أم هي مزيج من الحركة الخطية والحركة الدورانية؟

يدور القمر حول الأرض، وتدور الكواكب حول الشمس في مدارات شبه دائرية، ومن خلال القوانين التي اكتشفها (كبلر)، أثبت أن الكواكب تدور حول الشمس في مدارات أهليجية بيضاوية.

ويعتمد الدوران على المبدأ التالي: إذا استمر الجسم بالسير في نفس الاتجاه حول نقطة ثابتة لمسافة ثابتة فلا بد له أن يعود إلى النقطة التي انطلق منها في الاتجاه الآخر.

لكن في حالة توسع الكون لا توجد أيّ نقطة دارت بشكل دائري أو إهليجي عائدة إلى نقطة الصفر التي بدأت منها. ذلك أنه مع توسع الكون فإن كل نقطة فيه ستتبع هذا التوسع، وستستمر في الحركة جارية باتجاه توسع الكون متباعدة عن النقطة التي بدأت منها.

2-بعض الآيات التي تتحدث عن الحركة في القرآن:

وباستعراض آيات الحركة في القرآن الكريم نقرأ التعابير التالية: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى … {13} (فاطر).

لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ {40}، (يس).

وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {38} (يس).

…وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ … {32} (إبراهيم).

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ {5} (الزمر).

ومن هنا جاءت المفارقة وبدأت أبحث في آيات القرآن الكريم حول أي وصف لأي حركة في الكون في الدوران وللأسف لم أجد الفعل دار ولا الفعل يدور ولا الفعل سيدور… ولم يطلق القرآن وصف الدوران إطلاقاً على أي حركة داخل الكون ولا حتى على سلوك البشر ولا حتى على الدواب… بينما وجدت أن كلمة “يجري” هي المعتمدة لحركة النجوم والكواكب، كقوله تعالى: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ {29}، (سورة لقمان).

ثم رجعت أبحث عن معنى كلمة يسبح فوجدت أنها تعني طفا على الماء أي أن الماء تغلّب على ثقل الشيء ولم يتركه يهوي تحت تأثير كتلته إلى الأسفل لذا فإنني عندما عدت إلى الآيات وجدت أن الآيات أضافت إلى فعل السباحة هذه كلمة يجري، وكلمة يجري مستعارة من جري الماء.

ولقد استلهم علم الفيزياء وصفه للحركات الفيزيائية الموجيّة من حركة أمواج الماء، والموجة المائية في الفيزياء عبارة عن تذبذبات ترتفع وتنخفض ولكنها لا ترتفع وتنخفض بشكل عامودي ولكن بشكل بيضاوي ذلك أنه عندما يعوم جسم على موجة فإنه في نفس الوقت الذي يرتفع وينخفض فيه فإن الموجة تتحرك إلى الأمام والخلف في مكانها راسمة مساراً بيضاوياً وكل ما على الجسم الطافي هو أن يتبعه.

هذه المسارات البيضاوية هي نفسها التي بدت للعالم (كبلر) بيضاويه (فكبلر) نظر إلى هذه المسارات من على سطح الأرض ولو سافر خارج المجموعة الشمسية ونظر في مدارات الأقمار والكواكب لرآها موجيّة سابحة، وبنفس الطريقة يتحرك القمر بالنسبة للأرض.

3-حركة الأرض وحركة القمر: حتى نتخيل هذه الحركة يجب علينا أن نتخيل القمر والأرض يتحركان (يجريان) معاً [3] حيث يبدأ القمر حركته من خلف الأرض، فتزداد سرعته وينحرف إلى اليمين، ويتقدم إلى الأمام، حتى يصبح عن يمين الأرض من جهة النقطة البعيدة عن الشمس، ومن ثمّ يتحرك القمر والأرض معاً بعكس اتجاه عقارب الساعة، مع ملاحظة أن القمر يتحرك بسرعة أكثر من سرعة الأرض، وما أن يتجاوزها إلا ويبدأ في الانحراف إلى اليسار، فيتقدم عليها وهكذا ما أن يصبح القمر أمام الأرض إلا ويكمل انحرافه نحو اليسار بنفس الوقت الذي تبدأ تقل فيه سرعته عن سرعة الأرض عندما يكون على يسارها وعندما يصبح على يسار الأرض تكون سرعته أبطأ من سرعة الأرض فتتجاوزه إلى الأمام بينما يتبعها بنفس الوقت الذي ينحرف هو إلى اليمين إلى أن يصبح خلفها مباشرة، حتى إذا ما أصبح خلفها بشكل كامل يكون قد أكمل سباحة أو حركة موجية واحدة، تكون مدتها شهراً قمرياً كاملاً… وهكذا.

إذاً القمر يسبح ولا يدور، والقرآن الكريم لم يكتف بوصف حركة القمر بالسباحة بل وصفه بأنه يجري، وهو وصف يختلف في المعنى والدلالات عن وصف البشر له بكلمة يدور.

ونلاحظ هنا أن القمر في حركته أو سباحته هذه، تزداد سرعته وتتباطأ مثل حركة السبّاح في الماء وتشبه أيضاً الموجة المائية السابحة، من حيث الشكل ومن حيث الحركة فعندما تبدأ الموجة بالارتفاع تمتلك الموجة طاقة حركة تزداد من نقطة انطلاق الموجة من أدنى نقطة منها أو من قاعها، فتنطلق بسرعة حتى إذا وصلت إلى أعلى نقطة، أو إلى قمة الموجة، تكون قد قلّت سرعتها وطاقتها الحركية، التي تتحول إلى طاقة وضع فتهبط الموجة متسارعة إلى أسفل ويمثل هذا الشكل مراحل الحركة الموجية السابحة للقمر حول الأرض.

فبينما يبدو القمر دائراً حول الأرض بالنسبة للمراقب على الأرض، فإن القمر يبدو سابحاً في حركة موجية في الفضاء حول الأرض وذلك بالنسبة للمراقب الذي يكون في المجموعة الشمسية. إذاً القمر يسبح ولا يدور، وليس ذلك فحسب بل إن القمر يجري: … وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ …{13} (فاطر). وهذه هي الحركة الطبيعية لكل أجزاء الكون فكلّها تجري باتجاه واحد هو اتجاه توسع الكون.

ولهذا فقد اختار الله سبحانه نوعين من الحركة لهذه الأجرام حركة دائرية وأخرى خطيّة فالحركة الدائرية اختارها الله لحفظ الأقمار حول الكواكب والكواكب حول الشموس والنجوم حول مراكز المجرات والحركة الخطية اختارها لحفظ المجرات من الانجذاب لبعضها البعض.

4-تعريف المجرّة:

يحصي علماء الفلك في الجزء المدرك من الكون مائتي مليار مجرّة على الأقل فقد بلغت آخر الإحصاءات لعدد المجرات في الجزء المدرك من الكون ما بين مائتي مليار وثلاثمائة مليار مجرة، وتتفاوت هذه المجرات في الشكل، والحجم، والكتلة، وفي سرعة الدوران حول محورها، وسرعة الجري في مداراتها فمنها المجرات البيضاوية، والحلزونية وغير المحددة الشكل، وتبلغ كتلة مجرتنا (الطريق اللبني) حوالي 230 مليار مرة قدرة كتلة شمسنا.

والحشد المجري الأعظم الذي تنتسب إليه مجرتنا يضم مائة من الحشود المجرية على هيئة قرص يبلغ مائة مليون من السنين الضوئية وسمكه عشر ذلك (أي عشرة ملايين من السنين الضوئية) وهي نفس النسبة بين طول قطر مجرتنا وسمكها[4].

وتحتوي كل مجرة في المتوسط على مائة مليار نجم وما يتبع هذا النجم من كواكب وأقمار ويبلغ متوسط المسافة بين مجرتين متجاورتين 25 مليار مليار كيلومتر أو ما يعادل 2.5 مليون سنة ضوئية[5].

حركة المجرات:

إن العلماء اليوم وبعد أحدث الأبحاث العلمية يشبهون حركة المجرًات أيضاً بحركة الماء داخل مجرى النهر، بل إنهم عندما رسموا خريطة للكون وجدوا أن الكون عبارة عن “شبكة طرق” تتدفق خلالها المجرات بشكل بديع يشهد على عظمة الخالق عز وجل [6].

5-جريان النجوم:

النجوم تجري أيضاً، فمن عجائب المقالات مقالة بعنوان (star stroming) أي “جريان النجوم” فقد وجد العلماء بعد دراسة طويلة أن النجوم بما فيها الشمس جميعها تتدفق بما يشبه النهر أو الجدول ووجدتهم يستخدمون كلمة (يجري) أو stream للتعبير عن حركة الشمس والنجوم. وهي الكلمة القرآنية ذاتها!!! كما وجدت أنهم يستخدمون كلمة rest أي المستقر معتمدين الكلمة القرآنية ذاتها !!!

6-حركة الشمس:

لنتأمل أولاً كيف عبّر القرآن عن حركة الشمس، بقوله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {38} (يس)، ففي معنى قوله تعالى (لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ) قولان:

أحدهما: أن المراد مستقرها المكاني وهو تحت العرش… ففي البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه قال: “كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال صلى الله عليه وسلم :” يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟ “قلت الله ورسوله أعلم قال صلى الله عليه وسلم فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فذلك قوله تعالى وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا. وقال صلى الله عليه وسلم حين سئل عن قوله تبارك وتعالى وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا، قال:” مستقرها تحت العرش”.

والقول الثاني: أن المراد بمستقرها هو منتهى سيرها وهو يوم القيامة يبطل سيرها وتسكن حركتها وتكوّر وينتهي هذا العالم إلى غايته وهذا هو مستقرها الزماني[7].

بعد تفاسير القرآن، دعونا نأتي إلى علماء الفلك أنفسهم والذين لم يؤمنوا بالقرآن ماذا يقولون؟

لفتت ظاهرة حركة الشمس انتباه أحد العلماء، ففكر أن يدرس المسار الحقيقي للشمس فيما لو نظرنا إليه من خارج المجرة وبالطبع الشمس هي نجم في مجرتنا التي تحوي أكثر من مائة مليار نجم!!

فالشمس وبسبب كتلتها الكبيرة تجذب جميع الكواكب إليها تماماً كما تجذب الأرض القمر الذي هو أصغر من الأرض بكثير، ولذلك اعتقد العلماء الأوائل أن الشمس ثابتة والأرض تدور حولها! ولكن بين بعد ذلك أن الشمس تنجذب كذلك باتجاه مركز مجرتنا درب التبانة.

وتتراوح سرعة الشمس في دورانها حول مركز المجرة 200-250 كيلومتر في الثانية.

ووجدوا أن للشمس حركة أخرى صعوداً وهبوطاً، لقد قام العلماء بدراسة حركة الشمس (المجموعة الشمسية) لمعرفة المسار الدقيق الذي ترسمه الشمس حول مركز المجرّة وقد وجدوا أن الشمس لا تدور دوراناً بل تجري جرياً حقيقياً!! وأن جريانها يشبه جريان الخيل في حلبة السباق لقد وجد العلماء أن للشمس حركتين داخل ا لمجرّة:

الأولى: حركة دورانية حول مركز المجرّة والثانية حركة اهتزازية للأعلى وللأسفل ولذلك فإن الشمس تبدوا وكأنها تصعد وتنزل وتتقدم للأمام وتُتم الشمس دورة كاملة حول مركز المجرّة خلال (250) مليون سنة! ويستغرق صعود الشمس وهبوطها بحدود (60) مليون سنة وهكذا تصعد وتهبط وتتقدم مثل الخيل الجارية في الصحراء.

فقد أقيمت دراسة حول حركة جريان الخيول في السباق بهدف رؤية المسار الحقيقي لجريان هذه الخيول وقد وجد أن المنحنى الذي يرسمه الحصان في جريانه يتطابق مع ذلك المنحنى الذي ترسمه الشمس في جريها!

الجريان باتجاه المستقر:

وجد العلماء بعد دراسة معمقة أن الشمس تجري باتجاه محدد أسموه مستقر الشمس أو solar apex (كوكبة النسر الواقع) ويعرّفه الفلكيون كما يلي: A Point toward which the solar system is moving; it is about 10° south west of the star vega.

وهو النقطة التي تتحرك الشمس (مع كواكبها ) باتجاهها، أي بزاوية تميل عشر درجات جنوب غرب نجم النسر بسرعة تقدّر بحدود 19.4 كيلومتر في الثانية. والمهم أن القرآن قد أشار إلى وجود مستقر ما للشمس في قوله تعالى وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {38} (يس).

وهذا قمة الإعجاز أن يتحدث القرآن الكريم عن هذا المستقر من قبل 1400 سنة فيما اكتشف ذلك حديثاً في القرن العشرين.

7-جريان القمر:

يقول الله تعالى: اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ {2}، (الرعد).

تؤكد هذه الآية أن القمر يجري أيضاً ولو تأملنا حركة القمر نلاحظ أنه يرسم مساراً متعرجاً يشبه مسار الشمس في دورانها حول المجرّة.

 

ونلاحظ من خلال الشكل أن الكواكب تدور حول الشمس وتنجرف أيضاً بحركة ثابتة ضمن حركة الشمس الاهتزازية حول مركز المجرة وبالتالي يمكننا القول أن القمر أيضاً يجري والأرض تجري والكواكب تجري وكذلك النجوم تجري ولقد ثبت علمياً أن القمر يسبق الشمس وذلك مصداقاً لقوله: لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ {40}،( يس).(27.7 يوماً مقابل 29.5 يوماً).

فالقمر يتحرك حركة ظاهرية وكذلك الشمس لأي راصد تدور من الشرق إلى الغرب ليل- نهار حركة نسبية. وعندما يكون القمر في حالة اقتران للشمس لا نستطيع أن نراه مباشرة من تلسكوب إلا بعد ست ساعات من ولادته لأن الشمس تعيق ذلك. وبالعين المجردة بعد (11) ساعة من اقتران القمر بالشمس.

بالنسبة للنجوم التي تبدوا لنا ثابتة الشمس هي التي تتحرك بالنسبة للنجوم (360ْ درجة) ودرجة واحدة بالنسبة للنجوم نحو الشرق، والقمر يتجه (13ْ) درجة بالنسبة للنجوم وخلال الشهر تعطي (360ْ) درجة. ولذلك فهي لن تدركه لأن القمر أسرع من الشمس (13×24.7= 360 تقريباً) وهذه الحركة هي التي تؤدي إلى منازل القمر طيلة الشهر.

8-حتى السفينة عبّر عنها القرآن بأنها تجري:

عبر القرآن عن حركة الفلك في البحر بكلمة (تجري) وهي الكلمة ذاتها التي استعملها القرآن من أجل التعبير عن حركة الشمس: وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ {32} (إبراهيم). 

وهنا نلاحظ وجهاً إعجازياً يتجلّى في كلمة (لتجري) فلو تأملنا حركة السفن في البحر نلاحظ أنها تأخذ شكل الأمواج صعوداً وهبوطاً ولكن هذه الحركة قد لا تظهر لنا مباشرة، إنما تظهر خلال المسافات الطويلة التي تقطعها السفينة في البحر وهنا نجد أن التعبير القرآني يتمتع بدقة علمية تامة.

9-من حركات الأرض في القرآن:

لمّا كانت حركات الأرض خفيّة على الإنسان وقد لا تصدق في العصور الأولى، جاءت الإشارات القرآنية إليها لطيفة غير مباشرة.

ومن تلك الإشارات القرآنية ما يتحدث عن جري الأرض في مدارها حول الشمس، ومنها ما يتحدث عن دوران الأرض حول محورها أمام الشمس، وقد استعاض القرآن الكريم في الإشارة إلى تلك الحركات الأرضية بالوصف الدقيق لسبح كل من الليل والنهار.

أولا: سبح  كل من الليل والنهار:

يقول تعالى في وصف حركات الأرض: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ {33}، (الأنبياء).ويقول تعالى في سورة يس: لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ {40}.

فالليل والنهار ظرفا زمان لا بد لهما من مكان والمكان الذي يظهران فيه هو الأرض ولولا كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس لما ظهر ليل ولا نهار والدليل على ذلك أن الآيات في هذا المعنى تأتي دائماً في صيغة الجمع {يسبحون}، ولو كان المقصود سبح كل من الشمس والقمر فحسب لجاء التعبير بالتثنية (يسبحان) كما أن السبح لا يكون إلا للأجسام المادية في وسط أقل كثافة منها.

والسبح في اللغة: هو الانتقال السريع للجسم بحركة ذاتية فيه- مثل حركات كل من الأرض والشمس والقمر في جري كل منهما في مداره المحدد له- فسبح كل من الليل والنهار في هاتين الآيتين إشارة ضمنية دقيقة إلى جري الأرض في مدارها حول الشمس، وإلى تكورها، وإلى دورانها حول محورها أمام الشمس.

وفي تفسير الآية كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ([8]). أي كل من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء.

ثانياً: مرور الجبال مرّ السحاب: يقول تعالى في سورة النمل:وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ {88}.

ونستخلص من هذه الأية أن الناظر إلى الجبال يظن أنها جامدة أي ساكنة لا تتحرك أبداً وهذه حقيقة لا ريب فيها أبداً فلا يمكن لأحد من البشر أن يحس بحركة الأرض وهذه رحمة ربانية.

ولكن القرآن الكريم يؤكد على حركة الجبال ليست ساكنة بل هي متحركة بقوله تعالى: تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ، وهذه الحقيقة لم يتمكن البشر من اكتشافها إلا بعد مرور ما يقرب عن ألف عام من ذكر القرآن الكريم لها.

إن اختيار الجبال كمثال للتدليل على حركة الأرض هو اختيار في غاية الحكمة بحيث ينظر إلى حركة السحاب في السماء لتستنتج  حركة الجبال تحته.

ومما يؤكد على أن هذه الآية تتحدث عن ظاهرة تحدث في حياتنا الدنيا وليس في الآخرة كما يقول بعض المفسرين هو تعقيب الله سبحانه وتعالى عليها بقوله: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ {88}، (النمل). فالله ليس بحاجة لأن يدلل على بديع صنعه في يوم تكون الجبال فيه كالعهن المنفوش والأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات إلى غير ذلك من مشاهد يوم القيامة المختلفة إضافة إلى أن كلمة تحسبها تنطبق على حال الدنيا حيث في الآخرة هناك اليقين فقط وليس الحسبان الذي لا يكون إلا في الدنيا.

إن منتهى الاتقان في الصنع ومن النعم التي انعم الله بها على البشر أنهم يعيشون آمنين مطمئنين على سطح هذه الأرض التي تسبح في هذا الكون بسرعات خيالية دون أن يشعروا بها ودون أن تصطدم بهذا العدد الهائل من مليارات النجوم والكواكب التي حولها.

وحبذا لو يتسع المجال هنا لوصف حركات الأرض المتعددة والمثبتة علمياً، لكننا حاولنا عبر هذا الاستعراض  أن نصف حركة بعض الكواكب والنجوم كما جاءت في الكتاب الكريم وتطابقت بشكل تام مع تعابير العلماء على أثر العلوم والمكتشفات الكونية الحديثة. وقد اشار القرآن الكريم إليها في أكثر من عشرين آية من أياته يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق ويؤكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان موصولاً بالوحي ومعلماً من قبل خالق السماوات والأرض[9].

وفي الخلاصة أن الإعجاز العلمي في القرآن بحر لا ساحل له وهدية ربانية لأهل هذا العصر وباب لتأكيد معجزة القرآن أنه من وحي الله وأن علوم النبي صلى الله عليه وسلم لا تصدر عن رجل أمي من بني البشر. فلكل اكتشاف جديد وقع في نفوس المؤمنين فيزدادوا إيماناً مع إيمانهم.

  وأن الإعجاز ليس غاية بحدّ ذاته بل تذكرة: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ {37} (ق)، وأنه حجّة مستمرة للخالق على خلقه. وأنه باب للتحدي، ليس بمعنى تحدّ ي الندّ للندّ وإنما لكي يذعن أكابر العلماء وأساطين الباحثين لعظمة الخالق وإبداعه ولصنعه المتقن[10].

 


[*]  مقتطفات من بحث” الحركة في القرآن الكريم”، أعد لاستكمال متطلبات دبلوم الإعجاز العلمي في القرآن بجامعة الجنان طرابلس، بإشراف الباحث الدكتور خالد حسين أستاذ علم الفلك وعضو الهيئة الإدارية لمنتدى الإعجاز العلمي للقرآن والسنة في لبنان.

[2] المعجم الوسيط، قام باإخراجه: ابراهيم مصطفى، أحمد حسن الزيّات، حامد عبد القادر، محمد علي النجار، الجزء الأول، الطبعة الثانية، المكتبة الإسلامية للطباعة والتوزيع، استانبول تركيا.

[3] مقال عن الانترنت بقلم وصفي أمين الشدياق.

[4] – آيات الإعجاز العلمي، السماء في القرآن الكريم، د. زغلول النجار، دار المعرفة بيروت لبنان، صفحة 313-314.

[5] -http://www.55a.net.

[6] – مجلة الإعجاز تصدر عن منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة لبنان، العدد الثامن، محرم 1430هـ، شتاء 2009م.

[7] – ابن كثير للإمام الحافظ ابن الفداء اسماعيل ابن كثير القرشي الدمشقي، الجزء الثالثن دار الجيل بيروت- لبنان.

[8] – صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، الجزء الثاني، الطبعة التاسعة منقحة، دار الصابوني القاهرة.

[9] -د. زغلول النجار، جريدة الشبيبة، 10/9/2007. http://www.elnaggarzr.com/index.php?ar&id=1636&cat=6″.

[10] – مجلة الإعجاز تصدر عن منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة لبنان، العدد الثامن، محرم 1430هـ، شتاء 2009م.


الوسوم:

[wpdreams_ajaxsearchlite]

مقالات ذات صلة