الالتزام بالمنهج العلمي لدراسة الإشارات العلمية في الأحاديث النبوية

 
الثلاثاء/ديسمبر/2019
   

إعداد الأستاذ الدكتور كارم السيد غنيم

أستاذ علم الحشرات ـ جامعة الأزهر

أمين عام جمعية الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

إذا كانت هناك كتابات أو مؤلفات وضعها أصحابها لإبراز بعض ما تحتويه الأحاديث النبوية من إشارات علمية، أو طبية، أو ما يسمى بالإعجاز العلمي، فإن البعض لم يكن من التحري والتمحيص بحيث يوصف بأنه سار في محاولاته على هدى منهج علمي واضح الضوابط والقواعد، ومن هنا كانت أهمية وضع البحث الحالي، لتحديد الجوانب الرئيسية في هذا المنهج، الذي يجب الالتزام به عند دراسة إشارات الأحاديث، أو بحث دلالاتها العلمية هذا المنهج الذي يتضمن خمس عشر قاعدة أو ضابطاً، إضافة إلى أساس جوهري في الموضوع هو الإخلاص لله تعالى، والتجرد عن الهوى والأغراض الشخصية في هذا العمل مع توفر الموهبة وامتلاك الأدوات الضرورية لولوج هذا الباب الذي يعد بحق من ضرورات تطوير وسائل الدعوة الإسلامية في العصر الحالي، عصر الثورة العلمية والقفزة المعلوماتية، عصر لا يمؤن فيه كثير من البشر إلا بالعلم وحقائقه.

أما ضوابط هذا المنهج او قواعده الخمس عشرة فهي: القواعد اللغوية والضوابط البيانية – توثيق النصوص – التثبت من المعطيات العلمية الحديثة – الوحدة الكلية ودور القرآن في فهم الحديث – خطورة رد أحاديث الآحاد – خطورة رد الأحاديث الصحيحة عموماً – الموقف من الأحاديث الضعيفة – الشرح الموضوعي للسنة – تخصيص العموم – معرفة أسباب الورود – الثابت والمتغير في الأحاديث – الجمع والتوفيق بين النصوص الصحيحة المتعارضة – الترجيح والتفضيل فيما بين النصوص الصحيحة المتعارضة – الناسخ والمنسوخ – الإشارات العلمية سبيل للهداية الإسلامية.

ويمكن إيجازها فيما يلي:

1- القواعد اللغوية والضوابط البيانية: إذا لا يتوقع فهم لمن لا يعرف لغة ما لنص مكتوب بها، ناهيك عما تتميز به اللغة العربية من أساليب متعددة وما طرأ على مفرداتها من تغيّر في الدلالة عبر العصور المتوالية، وعليه فمن الواجب مراعاة أقسام اللفظ، من خاص وعام ومشترك، ومن حقيقة ومجاز وصريح وكناية، وكذلك مراعاة تعدد مدلولات اللفظ وهذه خصيصة من خصائص اللغة العربية.

2- توثيق النصوص: إذ أن النصوص الواردة ليست جميعها في نفس الدرجة من الثبوت والنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثم فيجب قبل أية مسألة في الحديث النبوي أن نستوثق من ثبوته وصحة نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وفقاً للمعايير التي وضعها أهل الاختصاص، سواء كان هذا الحديث مندرجاً في السنة القولية أو السنة الفعلية أم السنة التقريرية، ويشتمل هذا السنة القولية أم السنة الفعلية أم السنة التقريرية ويشتمل هذا الاستيثاق على السند والمتن كما يجب على الباحث أن يكون ملمّاً بالقواعد العامة والأصول اللازمة في علوم الحديث وعلى دراية بمستويات كتب الحديث وأقسام الصحيح ومعرفة شروط رواية الحديث بالمعنى دون اللفظ.

3- التثبت من المعطيات العلمية الحديثة: فالمعارف العلمية في تطوّر دائم وهذه خاصية من خصائص العلم، ولذلك فعلى الباحث أن يكون واعياً لمستويات العلم ولذلك فعلى الباحث أن يكون واعياً لمستويات العلم، من ظنون وتخمينات وفروض ونظريات وحقائق، على أنه من الأحوط أن يقوم الباحث بشرح الأحاديث النبوية باليقيني الثابت من العلوم، لا بالظنون ولا بالنظريات لأن ربط النصوص الشرعية ( قرآناً وسنة ) بالمتغير من العلم، لا الحقائق الثابتة فيه، قد يؤدي إلى إنكار البعض من الناس لهذه النصوص إذا تغيرت الفروض والنظريات أو تعدلت أو رفضت أو هدمت.

ومن الواجب على الباحث – أيضاً – ألّا يجزم بأن ما توصّل إليه في فهم الحديث النبوي هو القول الفصل، بل يترك الباب مفتوحاً لفهم جديد وشرح مزيد مع توالي العصور وتطور العلوم، وذلك لنسبية المعارف العلمية كما أشرنا وإذا وقع تعارض بين نص من الوحي وبين نظرية أو حقيقة علمية فعلى الباحث أن يكون ملماً بكيفية معالجة هذا الأمر.

4- الوحدة الكلية ودور القرآن في فهم الحديث: إذ من الواجب فهم جزئية معينة في الحديث النبوي في إطار العام، وضمن الوحدة الكلية للحديث، أي لا يجوز اجتزاء عبارة أو جملة أو لفظة من السياق أو انتزاعها دون وضعها في جو السياق العام لها أما الاهتداء في فهم الحديث بما ورد بشأن موضوعه في القرآن الكريم، فهو مما لا شك في ضرورته إذ إن القرآن هو الميزان الأساسي لقبول الحديث أو لفهمه فهماً صائباً.

5- خطورة رد أحاديث الآحاد: وهي الأحاديث التي يخطئ البعض حين يظن بأنها هي من رواها راو واحد، بل حديث الآحاد هو الذي لم يصل نقلته مبلغ الحديث المتواتر ومعظم الأحاديث في كتب الصحاح من هذا الصنف، إذ المتواتر فيها قليل، أما إنكار أحاديث الآحاد، أو عدم الاحتجاج بها فليس وليد العصر، بل يمتد إلى عصر الخوارج والرافضة والمعتزلة وذلك لأسباب متعددة تتعلق بالأهواء الشخصية والتوجهات المذهبية إلا أن العمل بأحاديث الآحاد له شروط، سواء في الراوي ( المخبر ) أم في مدلول الحديث ( المخبر عنه ) أم في اللفظ الدال ( الخبر نفسه )

وأما حجية العلم بأحاديث الآحاد فثابتة، وعلى هذا تعددت الدلالات من القرآن ومن السنة ومن الإجماع وهناك أمور ومسائل وموضوعات شتى ثبتت عن طريق أحاديث الآحاد كالشفاعة العظمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزاته كلها ما عدا القرآن وأحاديث بدء الخلق وصفات عوالم الغيب.

6- خطورة رد الأحاديث الصحيحة عموماً: فهناك أحاديث صحيحة، توقف البعض عندها، ولم تسعفهم قرائحهم بإدارك ما فيها أو بفهم مدلولاتها فردها البعض أو أنكرها أو اعتبرها من الضعيف أو الموضوع، وليس من الصحيح الثابت سنداً ومتناً. ومن أهم الأحاديث التي يمكن ضربها في هذا المجال: حديث خلق العالم الأرضي، حديث الذباب، وحديث الفأرة… وإن كانت هناك أحاديث صحيحة كثيرة يردّها البعض كأحاديث الشفاعة !!

7- الموقف من الأحاديث الضعيفة: فإذا كان بعض العلماء قد أجاز الأخذ بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال والحث على الخير والبر، فإن في الصحيح ما يغني عن الضعيف، إذ أن الأحاديث الضعيفة ما هي إلا ملفقات نسبها البعض زوراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا فهم يدخلون في الدين ما ليس منه أما رواية الحديث الضعيف في فضائل الأعمال، فإنها لا تعني إثبات حكم به، ويجب على الباحث أن يبتعد عن الأحاديث الضعيفة التي تشتمل على مبالغات أو تهويلات يمجّها العقل أو الشرع أو اللغة.

8- الشرح الموضوعي للسنة: يجب جمع الأحاديث الصحيحة التي تشير تصريحاً أو تلميحاً إلى الحقيقة الكونية أو الطبية، وكذلك روايات الحديث الواحد وردّ متشابهها إلى محكمها، وحمل مطلقها على مقيدها، وشرح عامها بخاصها، بهدف دراستها وبيان ما تدل عليه من حقائق علمية أو حكم صحية، وإنه لمن الخطورة بمكان عظيم، أن يقتصر الباحث في فهم الظاهرة الكونية أو الحقيقة الطبية على حديث نبوي واحد، أو على رواية واحدة للحديث النبوي، إذ قد لا يتبيّن هذا إلّا في ضوء بقية الأحاديث المتعلقة بالموضوع.

9– تخصيص العموم: وردت أحاديث نبوية عديدة في مناسبات خاصة وظروف معينة، وبالرغم من ذلك سحبها البعض لتعم وتشمل ولا تخص أو تقصر.. والأحاديث المحتوية لإشارات علمية أو حكم صحية أو أمور طبية، قد تكون مفيدة لجميع الأحوال وكافة البيئات، وقد لا تكون هكذا وهذا يتضح من فقه التخصيص الوارد فيها ودراسة ظروفها… كما أن هناك قاعدة أخرى متعلقة بالقاعدة الحالية، هي ( الحصر النسبي) أي الحصر غير المطلق، وهذا شكل من أشكال بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم في التعبير، وذلك لجذب الانتباه، ولكن دون أن يقصر قصراً حقيقياً، ولعل حديثه الشريف: ( الشفاء في ثلاثة في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار وأنهى أمتي عن الكي ) لدليل على عدم عصر هذه العلاجات الثلاث، إذ إنه صلى الله عليه وسلم وصف أنواعاً أخرى لعلاج الأمراض والعاهات والأوجاع والآلام في مناسبات أخرى.

10– معرفة أسباب الورود: لما كانت الأحاديث النبوية تعالج الكثير من الأمور الجزئية والمسائل الفرعية والشمائل الموضعية والتفاصيل الخاصة، التي لم يتناولها القرآن، فإن من الواجب على الباحث أن ينتبه للظروف والمناسبات والملابسات التي ورد فيها الحديث النبوي، حتى يمكن فهمه فهماً سليماً واستنباط ما يمكن استنباطه وفي السيرة أمثلة تدل على أن الصحابة تركوا العلم بظاهر بعض الأحاديث، حين تبدّلت تلك الحال عما كانت عليه في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.

11– الثابت والمتغيّر في الأحاديث: فالثابت هو الهدف والمتغير هو الوسيلة لتحقيق هذا الهدف ويجب عدم الخلط بين الاثنين كما يجب عدم الإهمال أو التركيز على الوسيلة دون الهدف، والأمثلة لذلك عديدة منها أحاديث فضل الرمي بالسهم، فالسهم وسيلة وليس هدف، وسيلة تتغير بتغير العصور وتقدم لا حضارة وتطور التقنيات، أما الهدف فهو الرمي وهو الثابت عبر العصور، وكذلك أحاديث رؤية أول رمضان للصوم فالرؤية المجردة كانت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الأمة كانت لا تكتب ولا تحسب ( وورد بهذا حديث نبوي شريف ) ولكن بعد تقدم العلوم أصبح الحساب الفلكي وسيلة مهمة لتحديد بدايات الشهور..

12- الجمع والتوفيق بين النصوص الصحيحة المتعارضة: لا يمكن أن يكون الاختلاف فيما بين النصوص ذاتياً، لأن مصدرها واحد ولأن مصدرها هو الوحي من الله، ولذلك فالتعارض فيما بين النصوص الثابتة الصحيحة لابد وأن يكون مصدره قصوراً في كفاءة الباحث. ولقد وضع العلماء شروطاً للعمل بقاعدة التوفيق أو الجمع بين هذه النصوص الصحيحة التي يبدو فيما بينها تعارض، منها: ثبوت الحجية لكل من الحديثين المتعارضين عدم إبطال نص شرعي إذا حدث الجمع بينهما، زوال التعارض فيما بينهما عدم الاصطدام بحديث ثالث يخالف هذا الجمع، أن يكون الحديثان واردين في زمن واحد حتى لا يكون أحدهما ناسخاً لما قبله… الخ

13- الترجيح فيما بين النصوص الصحيحة المتعارضة: وهو مذهب المتحدثين والفقهاء الأصوليين الذين أوجبوا العمل بالحديث الراجح دون المرجوح، أما الحديثان المتعارضان اللذان يخضعان لأعمال هذه القاعدة، فيجب استوائها في الحجية، ويجب إعمالها بعد تعذر الجمع بينهما، ويجب ألّا يكون أحدهما ناسخ للآخر، ويجب ألّا يكون أحدهما أو كليهما متواتراً لأن الأحاديث المتواترة قطعية وليست ظنية الدلالة.

14- الناسخ والمنسوخ: النسخ هو التوقف عن الأخذ بنص لأن هناك نص آخر جاء بعده فأبطله أو عدّله فكأن الآخر ( المتأخر ) قد نسخ الأول ( المتقدم ) ويمكن معرفة المتقدم تاريخياً بعدة أشياء كأن يكون المتن يصرح بذلك، او ينطق به لفظ الصحابي، أو يعرف من حكاية الصحابي له، أو من فهم الروايات.. الخ

15- الإشارة العلمية سبيل للهداية الإسلامية: لا يجوز عقد سباق يبن إشارات ومدلولات الأحاديث النبوية وبين الكشوف العلمية الحديثة، لأننا بذلك نزج بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في تفصيلات ليست من أهدافها الرئيسية فالرسول صلى الله عليه وسلم بعث لهداية البشر جميعهم، ولم يبعث ليعلم الناس قوانين الطفو ودوران الأفلاك وانشطار الذرة وغيرها.

كما يجب أن تكون المعرفة بالحقيقة العلمية طريقاً لتحصيل معارف أخرى، بمعنى أن الحقائق العلمية الواردة في الأحاديث الواردة في الأحاديث النبوية لم تأت لمجرد السرد العلمي، وإنما جاءت للاستدلال بها على حقيقة غيبية، كوجود الله أو بيان قدرته في خلقه…

 

يمكن إرسال التعليقات حول المقالة إلى فضيلة الدكتور كارم السيد غنيم

[email protected]

 

مقالات لها علاقة:


الوسوم:


مقالات ذات صلة