هشيم سورة الكهف والكائنات الدقيقة

دكتور دسوقي عبد الحليم

استاذ التكنولوجيا الحيوية المشارك

بمدينة مبارك للأبحاث العلمية

سورة الكهف هى سورة مكية تقع في منتصف القرآن الكريم في الجزء الخامس عشر وعدد آياتها 110، تبدأ السورة بحمد الله عز وجل وتنتهي بتوحيده وتنزيهه جل شأنه عن الشركاء والأنداد، وبين بداية السورة ونهايتها، تناولت السورة أربع قصص بديعة مليئة بالعبر والدروس والتجارب لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فمن قصة أهل الكهف، هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى، وجهادهم لرفع كلمة الله، إلى قصة هذا الجبار المتكبر صاحب الجنتين، ثم مشاهد نبي الله موسى مع الخضر عليهما السلام ودرس هام لكل البشر "أن فوق كل ذي علم عليم" ثم تختتم السورة بقصة الاسكندر ذو القرنين، هذا الملك المؤمن صاحب الجاه والسلطان والعلم.

في هذه السورة آية كريمة تستحق بحق ويجدر بنا أن نعيرها الكثير من التدبر والفهم، فيها يقول ربنا عز وجل: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً) (الكهف 45)، والهشم هو كسر الشيء الرخو كالنبات. قال تعالى: (فأصبح هشيماً تذروه الرياح) (الكهف45)، (فكانوا كهشيم المحتضر)(القمر31)، ويقال هشم عظمه أي كسره، ومنه: هشمت الخبز، والهاشمة هي الشجة تهشم عظم الرأس، واهتشم كل ما في ضرع الناقة، إذا احتلبه.

ويقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: واضرب " يا محمد للناس مثل الحياة الدنيا في زوالها وفنائها وانقضائها " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض " أي ما فيها من الحب فشب وحسن وعلاه الزهر والنور والنضرة ثم بعد هذا كله " أصبح هشيماً " يابساً " تذروه الرياح " أي تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال " وكان الله على كل شيء مقتدراً " أي هو قادر على هذه الحال وهذه الحال. وكثيراً ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل كما قال تعالى في سورة يونس " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام " الآية وقال في الزمر " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه " الآية وقال في سورة الحديد " اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته " الآية وفي الحديث الصحيح " الدنيا خضرة حلوة ".

سارت أغلب التفاسير القديمة والحديثة على هذا النهج، حيث يرون أن هذا المثل متكرر في آيات عدة من القرآن العظيم، وأن الماء ينزل من السماء فيختلط ببذور النباتات في الأرض فتنمو وتزدهر ثم ما تلبث أن تصيبها الشيخوخة والوهن والضعف فتتكسر وتموت وتصبح هشيماً تقلبه الرياح كيفما شاءت.

لكن ومن الناحية العلمية ربما نجد أن لكل مثل من هذه الأمثال معنى مختلف، فهذا التفسير ربما ينطبق على الآية الكريمة في سورة يونس ولا ينطبق على باقي الآيات الكريمات. وقد ذكرنا في مقال سابق "الماء والبعث وعجب الذنب" بهذه الموسوعة المباركة دور الماء الرئيسي والأساسي في إنبات النبات حيث قلنا أنه عند دخول الماء إلى بذور أو حبات النباتات المختلفة تحدث فيها تغيرات فيزيقية حيث تنتفخ الحبة وتزداد في الحجم بفعل قوى التشرب، فيتمزق الغلاف، وفي نفس الوقت تحدث عمليات كيميائية كبيرة حيث يبدأ الجنين في فرز كميات كبيرة من الإنزيمات المحللة للمواد الغذائية المدخرة في البذور والحبوب فتحولها إلى مواد بسيطة التركيب صغيرة الجزيئات تنفذ خلال أغشية وجدر الخلايا حيث يستغلها الجنين ويتغذى عليها. بعد ذلك تبدأ عمليات حيوية رائعة ومثيرة إنقسام خلوي عجيب ومغازل تنسج وجدر تبنى، وحرارة تنبعث وحياة تدب وهرمونات تتكون وفيتامينات تعمل وأعضاء تتكشف وجذير يتجه إلى الأرض وسويقة تتجه إلى أعلى في حماية عجيبة وتقدير دقيق وتتكون الأوراق والبراعم والأزهار والثمار وغيرها من بلايين العمليات الحيوية المعجزة.

أما الآية الكريمة في سورة الكهف فإننا نرى أنها تتناول شيئاً آخر غير الإنبات أو البناء إنها بكل بساطة تتناول عملية التهشيم أو التكسير أو الهدم "{واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً} الكهف 45.

إن عملية تحول النباتات وبقايا المحاصيل المختلفة إلى قطع صغيرة خفيفة الوزن لاتقاوم أقل سرعة للرياح لا يتم هكذا بالصدفة، أو نتيجة لتهاوي سيقان النباتات بعضها على بعض هكذا بلا مقدمات، وإنما يجدر بها أن تكون عملية تستند إلى نظام ثابت قادر على تكرار نفسه كل مرة بلا أخطاء تذكر مهما أختلف نوع النبات أو المواد العضوية المطلوب تهشيمها وتحللها.

من الواضح أن العوامل المشتركة بين عمليتي البناء والهدم أو الإنبات والتهشيم السابق الإشارة إليهما هي الماء والتربة، فعملية الإنبات لا تتم إلا في وجود الماء ثم الوسط الغذائي (التربة)، وكذلك عملية الهدم لا تتم إلا في وجود الماء والتربة. وسنتناول فيما يلي عملية الهدم أو التهشيم النباتي والتي تتم في حالتين، الأولى وخلايا النبات حية والثانية والنبات قد مات وتوقفت الحياة عن كل أطرافه وخلاياه.

عموماً الذي يتحكم في عمليتي البناء والهدم سواء في النباتات أو في الكائنات الحية الأخرى مجموعة من المواد الكيميائية تسمى بالإنزيمات، وهي مواد تساعد على التفاعل ولا تشارك فيه، وكما أن للبناء إنزيماته المتخصصة فكذلك للهدم إنزيماته المتخصصة أيضاً، وتعتبر إنزيمات التحلل المائي هي حجر الزاوية في هذا الشأن، حيث تؤثر هذه الإنزيمات على موادها بأن تضيف إليها الماء وبذلك تنشطر هذه المركبات الى مركبات أبسط وأقل تعقيداً، أو أن تعمل هذه الإنزيمات على سحب جزيء ماء من مادتين بسيطتين وبذلك يتحدا معا ليكونا مادة واحدة.

وأهم إنزيمات الهدم - وخلايا النبات حية - هي إنزيمات التحلل المائي للكربوهيدرات حيث يحول إنزيم السكريز السكروز إلى وحدات من سكر الجلكوز والفركتوز، كما يحلل إنزيم الاميليز النشا إلى جلوكوز، ويحلل إنزيم السليوليز السليولوز (المكون الرئيسي للنبات) إلى سكر الجلكوز، وتتحل الدهون داخل النباتات بواسطة إنزيم الليبيز إلى أحماض دهنية والبروتينات بواسطة إنزيم البورتيز إلى أحماض أمينية. وأهم وظيفتين لعملية التحلل المائي أو الهدم الإنزيمي المائي والخلية النباتية حية هو التزود بجزيئات المركبات الصغيرة لبناء مركبات أكثر تعقيداً لازمة لحياة الخلية، وإطلاق الطاقة المختزنة في الجزيئات التي يتم تكسيرها لإستخدامها في العمليات الحيوية المختلفة.

التكسير الأنزيمي للسليولوز وتحويله إلى سكر الجلوكوز

هذا والخلية حية، فكيف إذاً يتم تكسير وتهشيم النباتات وهي ميتة؟ ما دور الماء في إتمام هذه العملية؟ وما دور الأرض أيضاً؟ ومن أين تآتي إنزيمات التحلل المائي اللازمة لإتمام عملية الهدم؟. وللإجابة على هذه الاسئلة المتعددة دعونا نتفق أنه للحصول على إنزيمات التحلل المائي لا بد من وجود مصدر خارجي لا يمت للنبات الميت بصلة، هذا المصدر الخارجي يجب أن يكون قريباً وملتصقاً أيضاً بهذه النباتات وله القدرة على إنتاج هذه الإنزيمات بكميات كافية لإنجاح عملية التهشيم أو التحلل.

وبنظرة بسيطة وإحصائيات شيقة يمكن أن نلحظ أن التربة وهي الوسط الذي تتم فيه عملية التكسير به من الكائنات الحية الدقيقة ما يدهش العقل، فقد أحصى العلماء أن المتر المربع الواحد من الأرض الزراعية يسكنه 200 ألف كائن مفصلي، والهكتار الواحد (2.5 فدان تقريباً) به 1300 كيلوجرام من دود الأرض و1000 كيلوجرام من الكائنات المفصلية المختلفة، و3000 كيلوجرام من البكتيريا، و4000 كيلوجرام من الفطريات والنباتات وحيوانات أخرى كثيرة كلها مسخرة ومخلوقة لخدمة الانسان.

هذه الكائنات المتعددة الأنواع والأحجام والتي يكاد معظمها لا يرى إلا تحت الميكروسكوبات المكبرة، هي مصدر الإنزيمات التي تحلل وتهدم النبات، ودور الأرض هنا هو الوسط الذي يتم فيه التفاعل أما دور الماء فقد أظهرته الآية الكريمة "{ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير} (فصلت 39)، حيث أن الماء ينشط الكائنات الحية الدقيقه الموجودة في التربة فتبدأ في البحث عن غذائها الذي تجده في بقايا النباتات والمحاصيل المختلفة، ولكنها تواجه بصعوبة الحصول عليه والتهامه كما هو فتنشط عملياتها الحيوية في وجود الماء لتنتج إنزيمات التحلل المائي اللازمة لتكسير النباتات إلى مواد أبسط وبالتالي تحدث عملية التهشيم المشار إليها في الآية 45 من سورة الكهف، وتتحول النباتات والاشجار الضخمة بفعل هذه الكائنات إلى قطع صغيره لا وزن لها تتقاذفها الرياح يمنة ويسره.

ولقد إستفاد الإنسان من هذه الظاهرة أيما إستفادة واستخدمها في تحويل بقايا النباتات والأطعمة سهلة التحلل إلى سماد عضوي يستخدم لرفع خصوبة الأراضي الزراعية فيما يعرف بالكمبوست. هذا الكمبوست يتم تصنيعه بتجميع النباتات وبقايا الأخشاب في حاويات يوضع فيها طبقة من هذه النباتات وطبقة من التربة ثم يرش عليها الماء لتوفير البيئة اللازمة لنمو الميكروبات وبالتالي إتمام عملية الهدم أو التهشيم الحيوي كما في الشكل.

إن هذه الكائنات الحية الدقيقة سواء كانت بكتيريا أو فطريات أو غيرهما تحلل سنوياً ما يزيد عن 38 مليار طن من المخلفات البشرية والحيوانية والمحاصيل الزراعية، وهو ما يزيد عن وزن البشرية 2.5 مرة، وأنه بدون دور هذه الكائنات لأصبحت الحياة مستحيلة على الأرض، وأنه بعملية حسابية، لو كانت الطرق البشرية للتخلص من هذه المخلفات تعادل 0.02 من الدولار لأنفق الانسان سنوياً عليها ما يزيد عن 760 مليار دولار. كما أظهرت الاحصاءات أيضاً أن كمية بول وبراز الإنسان سنوياً تقدر بنحو 5167 مليار طن باعتبار أن متوسط انتاج الفرد من البول 1200 جرام والبراز 300 جرام يومياً، وأن عبء التخلص من هذه الكميات يقع على كاهل الميكروبات المختلفة التي تواصل العمل ليل نهار بلا كلل أو ملل أو طلباً لأجر من أجل نظافة البيئة وراحة الانسان، وإلا ماذا لو تصورنا الحياة بدون هذه الميكروبات، وصدق الله العظيم حين قال في سورة الحاقة معظماً لهذه المخلوقات ودورها الهام {فلا أقسم بما تبصرون، وما لا تبصرون) (الحاقة 38-39).

لقد ظل الجهل بالميكروبات تاماً حتى ظهر العالم "أنتوني فان ليفينهوك" منذ ما يزيد قليلاً عن ثلاثمائة عام (1676م)، واكتشف الحياة الميكروبية الحقيقية تحت المجهر الضوئي، وعندما رأى هذا العالم ما تحتويه قطرة ماء واحدة من ميكروبات قال "إن هذا المنظر جاء من أجلي أنا، فمن بين كل العجائب التي رأيتها في الطبيعة، يجب أن أؤكد أن من أعجب العجائب جمعاء ـ على الأقل بالنسبة لي ـ أنه لم يقع بصري على مشهد طبع في نفسي سروراً أكثر من هذه الآلاف العديدة لتلك المخلوقات الحية، والعجيب أنها كلها تحيا في قطرة ماء".

ويعتبر توظيف الميكروبات في مجال التطهير الحيوي للبيئة من أهم وأخطر التقنيات الحديثة التي تعتمد على الكائنات الحية الدقيقة، وذلك لما اكتشفه علماء التكنولوجيا الحيوية من قدرة سحرية لهذه الميكروبات على تدمير وهدم والتخلص من عدد هائل من الملوثات البيئية مما فتح المجال لدراسات كثيرة ومتعمقة في هذا المجال، والمدهش أن القرآن الكريم أشار لأساسيات هذا العلم – التكنولوجيا الحيوية البيئية- وبدقة متناهية بل مطلقة في الآية العظيمة رقم 45 من سورة الكهف كما أسلفنا. حيث أوضحت الآية الكريمة أنه ولإنجاح هذه التقنية لا بد من توافر عناصر ثلاثة أجمع علماء العصر الحديث على وجوب توافرها لاتمام عملية التحلل البيولوجي للمواد العضوية وهي الماء والتربة والنبات (المادة العضوية المراد تحللها).

لقد أصبحت هذه التقنية صناعة رائجة وتجارة رابحة حول العالم، وكما تتسابق الدول في التنقيب عن البترول والغاز تتسابق العديد من الجامعات ومراكز البحوث العلمية وشركات التكنولوجيا الحيوية في العالم كله في التنقيب عن هذه الميكروبات المحللة للملوثات في أماكن تواجدها المختلفة لتوظيفها بعد ذلك في تهشيم ما لا نرغب فيه وتحويله لذرات قد يستفاد منها أو تذروها الرياح حيثما شائت.

يستقبل فضيلة الدكتور دسوقي عبد الحليم تعليقاتكم على المقالة

على الإيميل التالي:

abdelhaleemm@yahoo.de

المراجع:

1- القرآن الكريم

2- تفسير ابن كثير

3- معجزة الماء، دكتور دسوقي عبدالحليم، دار السحاب 2009

4- التكنولوجيا الحيوية البيئية، دكتور دسوقي عبدالحليم، دار السحاب 2009

5- موقع البواحث www.kl28.com

كلمات مفتاحية:
اقرأ أيضاً :
مقالات ذات صلة