شبابية القرآن وفتوته

  بديع الزمان سعيد النورسي، رحمه الله
إنَّ القرآن الكريم قد حافظ على شبابيته وفتوته، حتى كأنه ينـزل في كل عصر نضراً فتياً.
نعم! إنَّ القرآن الكريم لأنه خطاب أزلي يخاطب جميع طبقات البشر في جميع العصور خطاباً مباشراً يلزم أنْ تكون له شبابية دائمة كهذه. فلقد ظهر شاباً وهو كذلك كما كان. حتى إنَّه ينظر إلى كل عصر من العصور المختلفة في الأفكار والمتباينة في الطبائع نظراً كأنه خاص بذلك العصر ووفق مقتضياته ملقناً دروسه ملفتاً إليها الأنظار.
إنَّ آثار البشر وقوانينه تشيب وتهرم مثله، وتتغير وتُبدَّل. إلاّ أنَّ أحكام القرآن وقوانينه لها من الثبات والرسوخ بحيث تظهر متانتها أكثر كلما مرت العصور.
نعم، إنَّ هذا العصر الذي اغترّ بنفسه وأصمَّ أُذنيه عن سماع القرآن أكثر من أي عصر مضى، وأهل الكتاب منهم خاصة، أحوج ما يكونون إلى إرشاد القرآن الذي يخاطبهم بـ(يا أهل الكتاب).. (يا أهل الكتاب) حتى كأنَّ ذلك الخطاب موجّه إلى هذا العصر بالذات إذ إن لفظ (أهل الكتاب) يتضمن معنى: "أهل الثقافة الحديثة" أيضاً!
فالقرآن يطلق نداءه يدوّي في أجواء الآفاق ويملأ الأرض والسبع الطباق بكل شدة وقوة وبكل نضارة وشباب فيقول:
(يا أهل الكتاب تعالَوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم..)! (آل عمران 64)
فمثلاً: إنَّ الأفراد والجماعات مع أنَّهم قد عجزوا عن معارضة القرآن، إلاّ أنَّ المدنية الحاضرة التي هي حصيلة أفكار بني البشر وربما الجن أيضاً قد اتخذت طوراً مخالفاً له وأخذت تعارض إعجازه بأساليبها الساحرة. فلأجل إثبات إعجاز القرآن بدعوى الآية الكريمة (قل لئن اجتمعت الإنس والجن..) لهذا المعارض الجديد الرهيب نضع الأسس والدساتير التي أتت بها المدنية الحاضرة أمام أسس القرآن الكريم.
فالمدنية الحاضرة تؤمن بفلسفتها: إنَّ ركيزة الحياة الاجتماعية البشرية هي "القوة" وهي تستهدف "المنفعة" في كل شئ. وتتخذ "الصراع" دستوراً للحياة. وتلتزم بـ"العنصرية والقومية السلبية" رابطةً للجماعات. وغايتها هي "لهو عابث" لإشباع رغبات الأهواء وميول النفس التي من شأنها تزييد جموح النفس وإثارة الهوى. ومن المعلوم أنَّ شأن "القوة" هو "التجاوز". وشأن "المنفعة" هو"التزاحم" إذ هي لا تفي بحاجات الجميع وتلبية رغباتهم. وشأن "الصراع" هو "التصادم" وشأن "العنصرية" هو"التجاوز" حيث تكبر بابتلاع غيرها.
فهذه الدساتير والأسس التي تستند إليها هذه المدنية الحاضرة هي التي جعلتها عاجزة -- مع محاسنها - عن أن تمنح سوى عشرين بالمائة من البشر سعادة ظاهرية، بينما ألقت البقية إلى شقاء وتعاسة وقلق.
أما حكمة القرآن فهي تقبل  "الحق" نقطة استناد في الحياة الاجتماعية بدلاً من "القوة".. وتجعل "  رضى الله ونيل الفضائل" هو الغاية والهدف، بدلاً من "المنفعة".. وتتخذ دستور "التعاون" أساساً في الحياة، بدلاً من دستور "الصراع".. وتلتزم رابطة "الدين" والصنف والوطن لربط فئات الجماعات، بدلاً من "العنصرية والقومية السلبية".. وتجعل غاياتها "الحدّ من تجاوز النفس الأمارة ودفع الروح إلى معالي الأمور وتطمين مشاعرها السامية لسوق الإنسان نحو الكمال والمثل العليا لجعل الإنسان إنساناً حقاً".
إنَّ شأن "الحق" هو "الاتفاق".. وشأن "الفضيلة" هو"التساند".. وشأن "التعاون" هو إغاثة كل للآخر". وشأن "الدين" هو "الاخوة والتكاتف". وشأن "إلجام النفس وكبح جماحها وإطلاق الروح وحثها نحو الكمال" هو "سعادة الدارين".
وهكذا غُلبت المدنية الحاضرة أمام القرآن الحكيم، مع ما أخذت من محاسنَ من الأديان السابقة ولا سيما من القرآن الكريم.
وسنبين لكم أربعة مسائل فحسب من بين آلاف المسائل:
المسألة الأولى:
إنَّ دساتير القرآن الكريم وقوانينه لأنَّها آتية من الأزل فهي باقية وماضية إلى الأبد. لا تهرم أبداً ولا يصيبها الموت، كما تهرم القوانين المدنية وتموت، بل هي شابة وقوية دائماً في كل زمان.
فمثلاً: إنَّ المدنية بكل جمعياتها الخيرية، وأنظمتها الصارمة ونظمها الجبارة، ومؤسساتها التربوية الأخلاقية لم تستطع أن تعارض مسألتين من القرآن الكريم بل انهارت أمامهما وهي في قوله تعالى:
(وآتوا الزكاة) (البقرة: 43) و (..وأحلّ الله البيع وحرّم الربا) (البقرة: 275)..
سنبين هذا الظهور القرآني المعجز وهذه الغالبية بمقدمة:
إنَّ أس أساس جميع الاضطرابات والثورات في المجتمع الإنساني إنَّما هو كلمة واحدة.. كما أنَّ منبع جميع الأخلاق الرذيلة كلمة واحدة أيضاً. كما اُثبت ذلك في (إشارات الإعجاز).
الكلمة الأولى: (إن شبعتُ، فلا عليّ أن يموت غيري من الجوع).
الكلمة الثانية: (اكتسبْ أنتَ، لآكل أنا، واتعبْ أنت لأستريح أنا).
نعم، إنَّه لا يمكن العيش بسلام ووئام في مجتمع لا بالمحافظة على التوازن القائم بين الخواص والعوام، أي بين الأغنياء والفقراء، وأساس هذا التوازن هو رحمة الخواص وشفقتهم على العوام، وإطاعة العوام واحترامهم للخواص.
فالآن، إنَّ الكلمة الأولى قد ساقت الخواص إلى الظلم والفساد، ودفعت الكلمة الثانية العوام إلى الحقد والحسد والصراع. فسُلبت البشرية الراحة والأمان لعصور خلت كما هو في هذا العصر، حيث ظهرت حوادث أوربا الجسام بالصراع القائم بين العاملين وأصحاب رأس المال كما لا يخفى على أحد.
فالمدنية بكل جمعياتها الخيرية ومؤسساتها الأخلاقية وبكل وسائل نظامها وانضباطها الصارم عجزت عن أن تصلح بين تلك الطبقتين من البشر كما عجزت عن أن تضمد جرحَيْ الحياة البشرية الغائرَين.
أما القرآن الكريم فإنَّه يقلع الكلمة الأولى من جذورها، ويداويها بوجوب الزكاة. ويقلع الكلمة الثانية من أساسها ويداويها بحرمة الربا.
نعم، إنَّ الآيات القرآنية تقف على باب العالم قائلة للربا: (الدخول ممنوع). وتأمر البشرية: (أوصدوا أبواب الربا لتنسد أمامكم أبواب الحروب). وتحذّر تلاميذ القرآن المؤمنين من الدخول فيها.
الأساس الثاني:
إنَّ المدنية الحاضرة لا تقبل تعدد الزوجات، وتحسب ذلك الحكم القرآني مخالفاً للحكمة ومنافياً لمصلحة البشر.
نعم، لو كانت الحكمة من الزواج قاصرة على قضاء الشهوة للزم أن يكون الأمر معكوساً، بينما هو ثابت حتى بشهادة جميع الحيوانات وبتصديق النباتات المتزاوجة:
أنَّ الحكمة من الزواج والغاية منه إنَّما هي التكاثر وإنجاب النسل. أما اللذة الحاصلة من قـضاء الشــهوة فهي أجرة جزئية تمنحها الرحمة الإلهية لتأدية تلك المهمة. فما دام الزواج للتكاثر وإنجاب النسل ولبقاء النوع حكمةً وحقيقةً، فلا شك أنَّ المرأة التي لا يمكن أن تلد إلاّ مرة واحدة في السنة، ولا تكون خصبة إلاّ نصف أيام الشهر، وتدخل سن اليأس في الخمسين من عمرها، لا تكفي الرجل الذي له القدرة على الإخصاب في أغلب الأوقات حتى وهو ابن مائة سنة. لذا تضطر المدنية إلى فتح أماكن العهر والفحش!
الأساس الثالث:
إنَّ المدنية التي لا تتحاكم إلى المنطق العقلي، تنتقد الآية الكريمة: (للذَكَرِ مثلُ حظ الأُنثيين) (النساء:11) التي تمنح النساء الثلث من الميراث (أي نصف ما يأخذه الذكر).
ومن البديهي أنَّ اغلب الأحكام في الحياة الاجتماعية إنَّما تسنّ حسب الأكثرية من الناس، فغالبية النساء يجدن أزواجاً يعيلونهن ويحمونهن، بينما الكثير من الرجال مضطرون إلى إعالة زوجاتهم وتحمّل نفقاتهن.
فإذا ما أخذت الأُنثى الثلث من أبيها (أي نصف ما أخذه الزوج من أبيه) فإنَّ زوجها سيسد حاجتها. بينما إذا اخذ الرجل حظين من أبيه فإنَّه سينفق قسطاً منه على زوجته، وبذلك تحصل المساواة، ويكون الرجل مساوياً لأخته. وهكذا تقتضي العدالة القرآنية. [1]
الأساس الرابع:
إنَّ القرآن الكريم مثلما يمنع بشدة عبادة الأصنام، يمنع كذلك اتخاذ الصور التي هي شبيهة بنوع من اتخاذ الأصنام. أما المدنية الحاضرة فإنَّها تعدّ الصور من مزاياها وفضائلها وتحاول أن تعارض القرآن. والحال إنَّ الصور أياً كانت، ظلية أو غيرها، فهي: إما ظلم متحجر، أو رياء متجسد، أو هوى متجسم! حيث تهيج الأهواء وتدفع الإنسان إلى الظلم والرياء والهوى.
ثم إنَّ القرآن يأمر النساء أن يحتجبن بحجاب الحياء، رحمةً بهن وصيانة لحرمتهن وكرامتهن ولكيلا تهان تلك المعادن الثمينة معادن الشفقة والرأفة وتلك المصادر اللطيفة للحنان والرحمة تحت أقدام الذل والمهانة، ولكي لا يكنّ آلة لهوسات الرذيلة ومتعة تافهة لا قيمة لها[2]. أما المدنية فإنَّها قد أخرجت النساء من أوكارهن وبيوتهن ومزقت حجابهن وأدت بالبشرية أن يجنَّ جنونها. علماً أنَّ الحياة العائلية إنَّما تدوم بالمحبة والاحترام المتبادل بين الزوج والزوجة. بينما التكشف والتبرج يزيلان تلك المحبة الخالصة والاحترام الجاد ويسممان الحياة العائلية؛ ولا سيما الولع بالصور فإنَّه يفسد الأخلاق ويهدمها كلياً، ويؤدي إلى انحطاط الروح وتردّيها، ويمكن فهم هذا بالآتي:
كما أنَّ النظر بدافع الهوى وبشهوة إلى جنازة امرأة حسناء تنتظر الرحمة وترجوها يهدم الأخلاق ويحطها، كذلك النظر بشهوة إلى صور نساء ميتات أو إلى صور نساء حيات - وهي في حكم جنائز مصغرة لهن -  يزعزع مشاعر الإنسان ويعبث بها ويهدمها.
وهكذا بمثل هذه المسائل الأربع فإنَّ كل مسألة من آلاف المسائل القرآنية تضمن سعادة البشر في الدنيا، كما تحقق سعادته الأبدية في الآخرة.
فَلكَ أن تقيس سائر المسائل على المسائل المذكورة.
وأيضاً، فكما أنَّ المدنية الحاضرة تخسر وتُغلب أمام دساتير القرآن المتعلقة بحياة الإنسان الاجتماعية، فيظهر إفلاسها - من زاوية الحقيقة - إزاء إعجاز القرآن المعنوي، كذلك فإنَّ فلسفة أوربا وحكمة البشر - وهي المدنية  - عند الموازنة بينها وبين حكمة القرآن بموازين الكلمات الخمس والعشرين السابقة، ظهرت عاجزة وظهرت حكمة القرآن معجزة، وإن شئت فراجع "الكلمة الثانية عشرة والثالثة عشرة" لتلمس عجز حكمة الفلسفة وإفلاسها وإعجاز حكمة القرآن وغناها.
وأيضاً، فكما أنَّ المدنية الحاضرة غُلبت أمام إعجاز حكمة القرآن العلمي والعملي، كذلك آداب المدنية وبلاغتها فهي مغلوبة أمام الأدب القرآني وبلاغته. والنسبة بينهما أشبه ما يكون ببكاء يتيم فَقَد أبوَيه بكاءً ملؤه الحزن القاتم واليأس المرير، إلى إنشاد عاشق عفيف حزينٍ على فراق قصير الأمد غناءً ملؤه الشوق والأمل.. أو نسبة صراخ سكير يتخبط في وضع سافل، إلى قصائد حماسية تحضّ على بذل الغوالي من الأنفس والأموال وبلوغ النصر. لأنَّ: الأدب والبلاغة من حيث تأثير الأسلوب، إما يورثان الحزن وإما الفرح. والحزن نفسه قسمان:
إما أنَّه حزن منبعث من فقد الأحبة، أي من عدم وجود الأحبة والأخلاء، وهو حزن مظلم كئيب تورثه المدنية الملوثة بالضلالة والمشوبة بالغفلة والمعتقدة بالطبيعة، وإما أنَّه ناشئ من فراق الأحبة، بمعنى أنَّ الأحبة موجودون، ولكن فراقهم يبعث على حزن ينم عن لوعة الاشتياق. فهذا الحزن هو الذي يورثه القرآن الهادي المنير.
أما الفرح والسرور فهو أيضاً قسمان:
الأول: يدفع النفس إلى شهواتها، هذا هو شأن آداب المدنية من أدب مسرحي وسينمائي وروائي.
أما الثاني: فهو فرح لطيف بريء نزيه، يكبح جماح النفس ويلجمها ويحث الروح والقلب والعقل والسر على المعالي وعلى موطنهم الأصلي، على مقرهم الأبدي، على أحبتهم الأخرويين. وهذا الفرح هو الذي يمنحه القرآن المعجز البيان الذي يحض البشر ويشوّقه للجنّة والسعادة الأبدية وعلى رؤية جمال الله تعالى.
ولقد توهم بعض قاصري الفهم وممن لا يكلفون أنفسهم دقة النظر: إنَّ المعنى العظيم والحقيقة الكبرى التي تفيدها الآية الكريمة (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بـعـضهم لبعـض ظهيراً) ظنوها صورة محالة ومبالغة بلاغية! حاشَ للّه! بل إنَّها بلاغة هي عين الحقيقة، وصورة ممكنة وواقعة وليست محالة قط.

 فأحد وجوه تلك الصورة هو أنَّه:
لو اجتمع أجمل ما يقوله الإنس والجن الذي لم يترشح من القرآن ولا هو من متاعه، فلا يماثل القرآن قط ولن يماثله. لذا لم يظهر مثيله.
والوجه الآخر: إنَّ المدنية وحكمة الفلسفة والآداب الأجنبية التي هي نتائج أفكار الجن والإنس وحتى الشياطين وحصيلة أعمالهم، هي في دركات العجز أمام أحكام القرآن وحكمته وبلاغته. كما قد بيّنا أمثلة منها.
المصدر: كليات رسائل النور، المجلد الأول (الكلمات). تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي، رحمه الله.
ترجمة الأستاذ إحسان قاسم الصالحي. الطبعة الأولى، استانبول 1992 نشر: دار سوزلر للنشر.
عنوان الأستاذ: إحسان قاسم الصالحي:
ihsankasim@gmail.com

[1]  هذه فقرة من اللائحة المرفوعة إلى محكمة التمييز، ألقيت أمام المحكمة، فأسكتتها وأصبحت حاشية لهذا المقام: (وأنا أقول لمحكمة وزارة العدل الموقرة!
إنَّ إدانة من يفسّر أقدس دستور إلهي وهو الحق بعينه، ويحتكم إليه ثلاث مائة وخمسون مليوناً من المسلمين في كل عصر في حياتهم الاجتماعية، خلال ألف وثلاث مائة وخمسين عاماً. هذا المفسر استند في تفسيره إلى ما اتفق عليه وصدّق به ثلاث مائة وخمسون ألف مفسر، واقتدى بالعقائد التي دان بها أجدادنا السابقون في ألف وثلاث مائة وخمسين سنة.. أقول: إن إدانة هذا المفسر قرار ظالم لابد أن ترفضه العدالة، إن كانت هناك عدالة على وجه الأرض، ولابد أن تردّ ذلك الحكم الصادر بحقه وتنقضه). المؤلف.
[2]  إن اللمعة الرابعة والعشرين تثبت بقطعية تامة: أن الحجاب أمر فطري جداً للنساء بينما رفع الحجاب ينافي فطرتهن. المؤلف.

كلمات مفتاحية:
اقرأ أيضاً :
مقالات ذات صلة