الأحد  19  نوفمبر  2017 مـ

شبهة عدم تناسب الكلمات والآيات في القرآن الكريم

الدكتور عبد الرحيم خير الله الشريف

  تاريخ النشر : 26/6/2010         عدد المشاهدات   12760

بقلم الدكتور: عبد الرحيم الشريف

دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن الكريم

من الشبهات الواردة في مواقع الإنترنت وعدد من منتدياته: الطعن في الإعجاز القرآني من خلال زعم عدم تناسب آيات القرآن الكريم، ومما ورد إلى الموقع من استفسارات في ذلك..

أولاً: تناسب الكلمات:

1. جاء في صفحة (هل القرآن معصوم ؟) تحت عنوان " خلط الأسماء ":

" جاء في سورة الأنعام  84-86 "وَوَهَبْنَا لهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَاليَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاً فَضَّلْنَا عَلَى العَالَمِينَ".

ونحن نسأل: كيف صُفَّت هذه الأسماء بلا نظام ولا ترتيب، بما فيها من تقديم وتأخير يدعو للتشويش والخلط ؟ فما الداعي لذكر داود وسليمان قبل أيوب ويوسف وموسى وهرون ؟ وما الداعي لذكر زكريا ويحيى وعيسى قبل إلياس ؟ وما الداعي لذكر إسماعيل بعد إسحق ويعقوب وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس؟ وما الداعي لذكر أليشع ويونس قبل لوط ؟ مع أن الترتيب التاريخي معروف قبل القرآن بمئات السنين، وهو: أيوب في بلاد عوص. وإبراهيم وابن أخيه لوط وابناه إسماعيل وإسحاق وحفيده يعقوب وابن حفيده يوسف. ومن بعدهم موسى وهرون. ومن بعدهم داود وسليمان ابنه. ومن بعدهما إلياس وأليشع تلميذه. ومن بعدهما يونس. هؤلاء كلهم في العهد القديم. ومن بعدهم زكريا ويحيى وعيسى في العهد الجديد! ".

 

الجواب:

 لا يمكن الاعتماد على التاريخ المذكور في كتابهم المقدس؛ لتناقضه وتحريفه ومخالفته للحقائق التاريخية المتفق عليها، بل القرآن الكريم هو المهيمن تاريخياً عليه، كما سبق بيانه. ولم تصرح الآية الكريمة بالتزام الترتيب التاريخي في ترتيب الأسماء الواردة أعلاه، فالواو العاطفة لا تفيد الترتيب. [1] 

وقد اجتهد بعض العلماء في توجيه ترتيب الأسماء بما يلي: [2]

الآية التي سبقت ما استشهد به، قوله تعالى: " وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ".

فتلك الحجة في إظهار التوحيد لله تعالى والذب عنها، نعمة أنعم بها الله تعالى بها على إبراهيم. ومن نعمه عليه أيضاً أن جعل في ذريته النبوة، التي أغلبها من سلالة إسحق ويعقوب.

وقدم ذكر إسحق على إسماعيل؛ لأنه أظهر في الامتنان، حيث رزقه إياه بعد الكِبَر. وتمتع برؤيته ولم يفارقه.. ومن ذريته خرج القوم الموحدون الذين نشروا الإسلام الذي كان يدعوا إليه.

ثم ذكر نوحاً كي لا يظن ظان أن الهداية محصورة في أبناء إبراهيم فقط دون غيرهم، فأعاد الأذهان إلى مَن هدى الله تعالى مِن أقوام سبقوا بني إسرائيل.

وفصَل بين نوح وباقي الأنبياء بالجار والمجرور، إشارة إلى تراخي زمانه عن زمان من بعده.

ثم جمعَ بين الأنبياء الكرام ( نبيَّين نبيَّين ) للرابط بينهما:

فثنى ـ بعد إبراهيم ـ بذكر داود وسليمان؛ لأنهما رفعا قواعد المسجد الأقصى، وتكفلا بعمارته. كما رفع إبراهيم وإسماعيل [3]قواعد البيت الحرام.. وهما متوافقان في أنهما جمعا بين الملك والنبوة.

ثم أيوب ويوسف وكلاً منهما كان آية في الصبر، وكلاهما عانا من فراق الأهل.

ويجمع بين الأربعة (داود وسليمان وأيوب ويوسف) أن كلاً منهم ابتلي فصبر، ثم اغتنى وشكر، ورفِع شأنه بين الناس.

ثم بعد ذِكر يوسف الذي أعز الله تعالى شأنه في مصر، ذكَر موسى وهارون اللذين أرسلا إلى مصر، ولكنهما تسلطا على الحاكم فكانا سبباً في قتله.

ثم ذكر زكريا ويحيى، وكلاً منهما تسلط عليه الحاكم فقتله.

ثم ذكر عيسى واليسع، وكلاً منهما حاول الحكام قتلهما، ولكن الله تعالى أنجاهما.

ثم ذكر إسماعيل واليسع اللذين لم يكن بينهما وبين الحكام أمر، وكان إسماعيل سبباً في عمارة المسجد الحرام، واليسع سبباً في عمارة المسجد الأقصى، كما هدى الله تعالى قومهما بلا عذاب.

ثم ذكر يونس ولوطاً وكلٌّ هلك طائفة من قومه بعذاب.. وختم بهما؛ لكونهما ليسا من ذرية إبراهيم ـ صلى الله وسلم عليهم أجمعين ـ.

والذي يرجحه الباحث: أن الترتيب لم يأت حسب الزمن والفضل والحصر؛ لانصراف الذهن إلى أن جميع الأنبياء في شتى العصور، مهما كان فضلهم، أياً كان قومهم.. كانوا على دين واحد، هو دين الإسلام. [4]

وكلُّ ذلك لمزيد التأكيد على ربانية القرآن الكريم، وأنه ينفرد بكونه يحمل معه إعجازه، وردَّه على الشبهات المثارة حوله أيضاً؛ فهذا الترتيب للأنبياء الكرام، حجة على مدَّعي تلفيق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم القرآنَ الكريم عن الكتب السابقة، وما كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليعرِّض نفسه للنقد بلا داعٍ إن خالفَ ما تعلَّمه على يد معلميه المزعومين، أو اطَّلعَ عليه من الكتب، في ترتيب أنبياء بني إسرائيل.. وما أيسر ترتيبهم زمنياً لو كان له يد في ذلك.

كل هذا يضيف مزيداً من الأدلة، على أن أي شبهة حول القرآن الكريم لن تزيده إلا رسوخاً، ولإعجازه بياناً.. وسبحان الله العظيم !

2. وجاء في صفحة (قراءة نقدية) ثلاثة مواضع زعِمَ عدم مناسبتها مع كلماتها في الآيات الكريمة:

" ونجد في القرآن آيات لا يمت نصفها الأول إلى نصفها الثاني بأي علاقة. فخذ مثلا الآية الثالثة من سورة النساء: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنىً وثلاث ورباعَ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ". [النساء: 3] فما علاقة القسط في اليتامى وزواج ثلاث أو أربع زوجات ؟ يقول القرطبي [5] إن خفتم ألا تعدلوا في مهور اليتامى وفي النفقة عليهن، فانكحوا ما طاب لكم غيرهن.. وربما سهواً كتب الشخص الذي كان يجمع القرآن " فانكحوا ما طاب لكم من النساء". وقد يكون النصف الثاني من الآية سقط سهواً أثناء جمع القرآن، أو أُسقط كما أُسقطت آيات كثيرة ذكرناها سابقاً.

وفي سورة فاطر، ألآية [الثامنة] " أفمن زُين له سوء عملهفراءه [الصواب: فَرَآهُ] حسناً فإن الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تُذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون". فبداية الآية تسأل: " أفمن زُين له سوء عمله فراءه [الصواب: فَرَآهُ !!] حسناً "، فالأنسان يتوقع أن يجد مقارنة مع شخص آخر مثلا، " كمن اهتدى". ولكن بدل المقارنة نجد " فإن الله يُضل من يشاء". لا علاقة البتة بين بداية الآية وبقيتها. وقد قال القرطبي "هذا كلام عربي طريف لا يعرفه الا القليل". [6]والقرآن لم ينزل للقليل وبعض الآيات بها جُمل اعتراضية لا تزيد في المعنى وليس لها اي سبب يجعلها تدخل في الآية، فمثلا في سورة الانعام ألآية 151 " قل تعالوا أتلوا عليكم ما [الصواب: أَتْلُ مَا] حرّم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق". فالآية كلها تتكلم عن الأشياء التي نهانا عنها الله، ولكن في وسطها نجد " وبالوالدين إحسانا". وواضح أن هذه ليست من المحرمات وإنما زُج بها هنا سهواً، فلم يحرم الله الرفق بالوالدين ".

 

الجواب:

هذا  من  الأدلة  على أن  القرآن الكريم ليس بكلام بشر، وأن ما فيه من نظم بديع أعجزهم. وبيان ذلك كما يلي:

أ. آية سورة النساء: لو خطب ولي أمر اليتيمةِ اليتيمةَ (لنفسه أو لابنه)، لكان الخاطب والولي واحد. والمعلوم أن الولي يحدد المهر، فحتى لا يكون غبن للمرأة في تحديد مهرها ـ وهي بطبعها خجولة وخاصة أمام ولي نعمتها ـ نبَّه القرآنُ الكريم الوليَّ إلى اختيار غيرها، فالمباح له ـ أو لِمَن يتولى أمره من الذكور ـ من النساء من غيرها كثير مثنى وثلاث ورباع. [7]

فكيف إن كانت اليتيمة غنية ؟

إن الآية الكريمة تحث على قطع طمع الولي بمال اليتيمة، سواء كان مما ورِثته، أو مهرها الواجب لها شرعاً.

ب. آية سورة فاطر: من البلاغة طويُ ذكر المعلوم بداهة، ولفت النظر إلى ما بعده من الأهم منه؛ ليكون أرعى لسمعه. وفي هذا الموضع " طوى المشبه به، وهو كمن أبصر الأمور على حقيقتها فاتبع الحسن واجتنب السيئ؛ لأن المقام يهدي إليه. وتعجيلاً بكشف ما أشكل على السامع، من السبب الحامل على رؤية القبيح مليحاً ". [8]

ج. آية سورة الأنعام: المقصود: والثاني مما أتلوا عليكم ـ أو مما وصاكم به ربكم ـ أن تحسنوا بالوالدين. وهذا التعبير يشمل الوصول إلى غاية الإحسان، ويقتضي ترك الإساءة ـ وإن صغرت.. ـ فحقوق الوالدين مقدمة على سائر الحقوق، والإساءة إليهما مقدمة على سائر الإساءات؛ ولهذا ناسب التعبير بذلك الأمر الواجب، في سياق كبائر المحرمات، للإيذان بأن الإساءة إليهما ليس من شأنه أن يقع ـ إلا خلاف الفطرة السليمة ـ واحتاج التنبيه عليه في مقام إيجاز. [9]

كما أن الإيجاز في ذكر مضار سم الأفعى بلاغة، بينما الإطناب في ذكر مضار التدخين ـ للمدخن الشاك ـ بلاغة؛ لأن الأول ظاهر معلوم، والفطرة والعادة تؤيده، مهما اختلفت ثقافة الناس ومداركهم.

 

3. أما صفحة (أكذوبة الإعجاز العلمي) فقد أرادت تقديم خدمة إلى المسلمين، بإعادة ترتيب الآية الثالثة من سورة الإخلاص: " سورة الإخلاص" ، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد". لو أننا كتبنا كلمات هذه السورة لقلنا: " ، الله الصمد، ما وُلد ولا ولدْ، وما له كفو أحد ". فان " لم يلد ولم يولد " بها خطأ زمني، فلا يمكن أن كائنا يلد قبل أن يولد و" لم يكن له كفؤاً احد " تشمل الماضي فقط. أما " ولم يكن له كفوا أحد" فتشمل كل زمان ومكان !!!!! ونحن المسيحـين نفضّل أن نتلو كلمات هذه السورة مصححة، فالله - بالمعنى الحرفي - ما وُلد، ولا ولدْ ".

 

الجواب:

ليس لما يفضله النصارى أثر في عقيدتنا، فعقيدتنا ليست كعقيدتهم.. وكتابنا ليس ككتبهم التي أقحموا بها ما شاؤوا بحسب أهوائهم.. أما الترتيب الخاص في الآية الكريمة فلحِكَم بيانية، وأغراض بلاغية معجزة، ملخصها:

1. ليست الآية الكريمة على الترتيب البشري لولادة الإنسان، فالإنسان يولد أولاً.. ثم يكبر ويبلغ ويتزوج، ثم يلد الولد. فخالفت الآية الكريمة الترتيب البشري؛ للدلالة على تفرد الله تعالى ووحدانيته (وهذا موضوع السورة الكريمة)، وأنه منزه عن المشابهة لخلقه حتى في نفي النقص عنه. [10] 

2. والتعبير بالمضارع " يَلِدْ" و " يُوْلَدْ" لبيان تنزيه الله تعالى دائماً وأبداً عن كل نقص، فالمضارع يفيد الاستمرار (كان ومازال وسيبقى متصفاً بذلك).. بينما الماضي فلا يفيد إلا نفي الحال الماضية فقط (كان)، مع احتمال جوازها في المستقبل.

3. كفواً وكفؤاً بالمعنى ذاته، وأصل الكلمة بالهمز: كفأ، يكفؤ، كفؤاً. وهو كفؤ: أي مثيل ومشابه ومساوٍ. وقلبت الهمزة واواً للتخفيف. [11]

بهذا يتبين أن " كتاب الله لو نزعت منه لفظة، ثُمَّ أُدير لسان العربِ في أن يوجد أحسن منها لم يوجد. ونحن تبيَّن لنا البراعة في أكثره، ويخفى علينا وجهها في مواضع؛ لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذٍ، في سلامة الذوق وجودةِ القريحةِ". [12]

ثانياً: تناسب الآيات:

جاء في صفحة (قراءة نقدية): " وهناك سور من الواضح جداً انها أُدخلت عليها بعض الاضافات، سواء أُدخلت هذه الاضافات عندما جمع زيد بن ثابت القرآن، أم بعد ذلك، فمن الصعب أن نجزم بذلك، ولكن المهم أن هذه السور توضح لنا أن القرآن لم يُكتب كما قرأه محمد على أصحابه. فمثلا سورة المدثر تتكون من آيات قصيرة مسجوعة على الراء، ولكن الآية 31 في منتصفها لا تنسجم مع طول ألآيات ولو انها تنسجم مع السجع: 1- "  2- " قم فأنذر"    3- " وربك فكبر" 4- " وثيابك فطهر"5- " والرجز فأهجر [الصواب: فَاهْجُرْ] "31- " وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا ليستيقين الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ايماناً ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً كذلك يُضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا و[الصواب: هُوَ] وما هي إلا ذكرى للبشر"32- " كلا والقمر" 33- " والليل إذا [الصواب: إذ] أدبر 34- " والصبح إذا أسفر "

من الواضح جداً أن الآية 31 لا تنسجم مع بقية الآيات وأنها أُضيفت اليها لاحقاً. وهذا دليلٌ قاطع على أن القرآن أُدخلت فيه آيات لم تكن أصلا من السور وحُزفت [الصواب: حذفت] آياتٌ أخريات، مما يجعلنا نقول أن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو القرآن الذي قاله محمد حرفياً...

 يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم"  14- " ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهنٍ وفصاله في عامين إن  اشكر لي ولوالديك اليّ المصير" 15- " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً وأتبع [الصواب: وَاتَّبِعْ] سبيل من أناب إليّ ثم إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون" 16- " يا بني إنها إن تك مثقال حبةٍ من خردلٍ فتكن في صخرةٍ أو في السماوات أو في ألارض [الصواب: الأَرْضِ] يأت بها الله إن الله لطيف خبير" 17- " يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الامور" 18- " ولا تصّعر خدك للناس ولا تمشي [الصواب: تَمْشِ] في الارض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور"  19- " واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن انكر الاصوات لصوت الحمير". ففي الآية 13 المتكلم هو لقمان يعظ ابنه، ثم فجأة في الآية 14 يصير المتكلم هو الله فيوصي الانسان بوالديه ويضيف عليها ان الحمل والرضاعة يجب أن تكون عامين ثم يُفصل الطفل، ويستمر الله في وصية الانسان في الآية 15. ثم نرجع إلى لقمان في الآية 16 وما بعدها ليكمل وصية ابنه. فالآيتان الرابعة عشر والخامسة عشر أُدخلتا هنا بطريق الخطأ ولم يكونا [يقصد: تكونا] أصلا جزءاً من السورة ".

الجواب:

1. آية المدثر: مناسبة تماماً لما قبلها، فهي تبدأ بتقرير حقيقة الملائكة الذين يماري بعددهم ويتندر بقلته الكافرون، زاعمين أنهم قادرون عليهم. [13]

قال تعالى: " وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ(27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ(28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ(29)عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ(30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31) ".

ولاحظ تناسب الآية الكريمة بما بعدها.. " كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) ".ربط حقيقة الآخرة الغيبية، بحقيقة كونية مشهودة تمر على البشر الغافلين، مدللة على قدرة الله تعالى التي ليس كمثلها قدرة. [14]

2. آية لقمان: بعد أن وصى الله تعالى الوالد بولده ـ ببذل النصح له كما فعل لقمان ـ، ناسب أن يوصي الولد بوالده. فالإسلام يراعي التوازن والوسطية والعدل في الحقوق والواجبات لجميع أصناف الناس.

كما أن النهي عن الشرك، لا يعني عدم جواز طاعة الوالدين، بحجة خشية الوقوع في الشرك. [15]

ولا يستبعد أن تكون التوصية بالوالدين جزءاً من موعظة لقمان لابنه، ونسَبَها إلى الله تعالى (ووصينا) بإسناد فعل التوصية إلى الله تعالى؛ إشارة إلى أنه لولا شريعة الله تعالى لما فطنتم لمثل هذا، فمصدر الهداية هو الله تعالى.

أو يكون المراد: وصينا بمثل ما وصَّى به، وأسند الفعل إليه ـ سبحانه وتعالى ـ؛ لبيان أهمية طاعة الوالدين. [16]

والصحيح: كله مراد [17]، وهذا من بلاغة القرآن الكريم، التي لم يعهد مثلها بشر. فـ " قد يكون الكل حقاً بالنسبة الى سامعٍ فسامعٍ؛ إذ القرآن ما نزل لأهل عصرٍ فقط بل لأهل جميع الأعصار، ولا لطبقة فقط.. بل لجميع طبقات الإنسان، ولا لصنف فقط بل لجميع أصناف البشر. ولكلٍّ فيه حصة ونصيب من الفهم. والحال أن فهم نوع البشر يختلف درجة درجة.. وذوقَه يتفاوت جهة جهة.. وميلَه يتشتت جانباً جانباً.. واستحسانه يتفرق وجهاًً وجهاً.. ولذته تتنوع نوعاً نوعاً.. وطبيعته تتباين قسماً قسماً. فكم من أشياء يستحسنها نظرُ طائفة دون طائفة، وتستلذها طبقة ولا تتنزل اليها طبقة. وقِس ! فلأجل هذا السر والحكمة أكْثَرَ القرآنُ من حذف الخاص للتَّعميم؛ ليقدِّر كلٌّ مقتضى ذوقه واستحسانه. ولقد نظم القرآن جُمَله ووضعها في مكان ينفتح من جهاته وجوه محتملة؛ لمراعاة الافهام المختلفة ليأخذ كلُ فهمٍ حصته. وقس!

فإذن يجوز أن تكون الوجوه بتمامها مرادة بشرط أن لا تردها علوم العربية، وبشرط ان تستحسنها البلاغة، وبشرط أن يقبلها علم أصول مقاصد الشريعة ". [18]

للتواصل:

د. عبد الرحيم الشريف

rhim75@hotmail.com

مواضيع ذات صلة :

الهوامش:

==============

1) قال صلاح الدين كيلكدي في كتابه: " الفصول المفيدة في الواو المزيدة "، ص 68: " الواو العاطفة تفيد مطلق الجمع، من غير إشعار بخصوصية المعية أو الترتيب، ومعنى ذلك: أنها تدل على التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي أسنِد إليهما، من غير أن يدل على أنهما معاً بالزمان، أو أن أحدهما قبل الآخر. ولا ينافي هذا احتمال أن يكون ذلك وقع منهما معاً، أو مرتباً على حسب ما ذكرا به ـ أو على عكسه ـ ولا يفهم شيء من ذلك، من مجرد الواو العاطفة. وهذا قول الجمهور من أئمة العربية، والأصول، والفقه ".

2) انظر: نظم الدرر، البقاعي 2/663-669، وتفسير المنار، محمد رشيد رضا 7/484-487. وقد اعتمدا على الإسرائيليات التي لا تخالف ديننا؛ لإضافة تفاصيل عن حياة بعض الأنبياء، ممن لا تفصيل لقصصهم في الصحيح المأثور.

3) لم يُذكر إسماعيل مع إبراهيم للتوافق بينه وبين إليسع ـ عليهم السلام ـ كما سيتبين.

4) انظر: الكاشف، محمد جواد مغنية 3/218.

5) في الجامع لأحكام القرآن 5/15 وما بعدها.

6) في الجامع لأحكام القرآن 14/234. وهذا حث على طلب العلم وتدبر القرآن الكريم، فبتدبره تظهر معجزته.

7) قال الشوكاني في فتح القدير 2/76: " وجه ارتباط الجزاء بالشرط: أن الرجل كان يكفل اليتيمة لكونه ولياً لها ويريد أن يتزوجها، فلا يقسط لها في مهرها ـ أي: يعدل فيه ـ ويعطيها ما يعطيها غيره من الأزواج. فنهاهم الله أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى ما هو لهنّ من الصداق، وأمِروا أن ينكحوا ما طاب لهنّ من النساء سواهنّ ".

وسبب نزول الآية الكريمة يزيد الأمر بياناً، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: " أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا، وَكَانَ لَهَا عَذْقٌ، وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ فِيهِ: " وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى" ". رواه البخاري في تفسير القرآن باب وإن خفتم ألا تقسطوا.. (4573). وانظر الحديث الذي رواه مسلم في التفسير (3018).

8) نظم الدرر، البقاعي 6/206.

9) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا 8/162.

10) للتوسع انظر: نظم الدرر، البقاعي 8/591-596. ومقال: مع سورة الإخلاص (2)، د. صلاح الخالدي، مجلة الفرقان، عدد37، شباط 2005م، عمَّان، ص12-13.

11) قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة 5/147: " كافأت فلاناً، إذا قابلتَه بمثل صَنيعه. والكفء: المِثْل. قال الله تعالى: " وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ" [الإخلاص: 4]. والتكافؤ: التَّساوِي ". وانظر: الموضح في وجوه القراءات وعللها، ابن أبي مريم 3/1414.

12) قاله ابن عطية في البحر المحيط 4/273.

13) قال ابن كثير في تفسير القرآن العظيم، ص1786: "قيل إن أبا الأشدين ـ واسمه كلدة بن أسيد بن خلف ـ قال: يا معشر قريش، اكفوني منهم اثنين، وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر ـ إعجابا منه بنفسه ـ ".

14) انظر: نظم الدرر، البقاعي 8/231. وفي ظلال القرآن، سيد قطب 6/3760.

15) ومن جانب آخر: لا تشرك بالله، حتى إن أمرك والداك بالإشراك بالله تعالى فلا تطعهما. ولا يعني الأمر بعدم طاعتهما في المعصية، أن لا تطعهما بسبب كفرهما، بل طاعتهما ـ في غير المعصية ـ واجب عليك.. يا لروعة الإسلام، ووسطية تعاليمه ! انظر سبب نزول الآية، في قصة سعد ابن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ مع أمه في تفسير الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 14/65.

16) قارن هذا الأمر الإلهي ببر الوالدين مع ما يزعم النصارى من موقف يسوع من والديه، حين بلغ الثانية عشرة من عمره، فخرج من البيت وذهب إلى القدس دون أن يخبر والديه.. ولما علِما باختفائه بحثا عنه عند الأقارب والمعارف ثلاثة أيام.. ثم وجداه في الهيكل يتعلم من العلماء ويسألهم (!!).. فسألته أمه ـ كما في إنجيل لوقا ـ: " يا بني لماذا فعلت بنا هكذا ؟ هوذا أبوك (!!) وأنا كنا نطلبك مُعذَّبين (49) فقال لهما: لماذا كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي ؟ (50) فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما ". أين الأدب مع الوالدين ؟ فقد روَّعهما بذهابه دون إذنهما، كما أساء الأدب في جوابه، وختم ذاك العقوق بتحديث والدته بما لا تعرف !! حاشا سيدنا عيسى عليه السلام أن يكون كذلك.

17) هذا يسمى التوسع في المعنى، والمقصود به: أن يؤتى بتعبير يحتمل أكثر من معنى، دون وجود قرينة ترجح معنى على آخر، فتكون كل هذه المعاني مُرادة؛ لأن اللفظ المتوسَّع في معناه، من المشترك اللفظي. مثلاً كلمة (أحكم) في قوله تعالى في سورة التين " أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ(8)" . ما المقصود بأحكم الحاكمين ؟ تحتمل أن تكون من الحكمة أو من القضاء. وقد ورد في القرآن الكريم " وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ.. " [المائدة: 49] تعني: القضاء، وقوله تعالى: " يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ"[الأنعام: 57] بمعنى: الحُكم. فهي تحتمل أن تكون من القضاء، أو من الحكمة. وهي تحتمل أن تكون: أقضى القضاة، وتحتمل أن تكون: أقضى الحكماء، وأحكم القضاة وأحكم الحكماء. فهي إذن جمعت أربع معاني في كل كلمة، احتمالين في الحكمة والقضاء. وهذا كله محتمل وجائز، وليس هناك قرينة تحدد معنى واحداً من هذه المعاني، دون غيره. إذن المراد كل هذه المعاني وهذا توسّع في المعنى في باب الألفاظ المشتركة. للمزيد من التفصيل والشواهد، انظر: موقع لمسات بيانية للدكتور فاضل السامرائي  http://www.islamiyyat.com/

18) إشارات الإعجاز، النورسي، ص 49.

كلمات افتتاحية

اقرا ايضا