الأحد28 صفر 1436 هـ

فراس نور الحق
*
Chinese German English French Kurdish Farisi Italian Spanish Russian
 طباعة الصفحة  طباعة المقال  |  أرسل لصديق 

بعض أسرار القسم الرّباني بمواقع النجوم

تاريخ المقال : 20/6/2010 | عدد مرات المشاهدة : 20949


أ. د. حسين يوسف راشد العمري

 قسم الفيزياء/ جامعة مؤتة ـ الكرك ـ الأردن

ملخّص

يبيِّن البحثُ قليلاً من الأسرار الفيزيائيّة الفلكيّة الكثيرة والعظيمة الّتي ينطوي عليها القسم الرّباني بمواقع النجوم، ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إنّهُ لقُرآنُُ كريم) (الواقعة الآيات 75-77). وذلك من خلال ذكر بعض التَّعقيدات الفيزيائيّة الّتي تكتنف حساب أبعاد النُّجوم عن كرتنا الأرضيّة.

المقدمة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، الحمد للّه ربّ العالمين، وأفضل الصّلاة وأتمُّ التّسليم على الرّسول الكريم، محمّد بن عبداللّه، خير خلق اللّه، وخاتم الرّسل والنّبيّين، بعثه في الأميّين (يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين). أللّهمّ آت محمّداً الوسيلة والفضيلة، والدّرجة الرّفيعة العالية، وابعثه اللهُمَّ مقاماً محموداً الّذي وعدته.

أمّا بعد، فهذا البحث محاولة فيزيائيّة من أجل الوقوف على بعض جوانب الإعجاز والعظمة في القسم الرّباني بمواقع النّجوم. فمن أجل لفت الأنظار إلى أهمية مواقع النجوم، أقسم الله بها. قال تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) (الواقعة الآيات 75-76). من واجبي كمسلم أن أوظّف تخصّصي من أجل بيان جوانب العظمة الّتي اشتملت عليها آية القسم بمواقع النُّجوم إلى حدٍّ مقبول وغير مسبوق. أمّا الإحاطةُ بجميع جوانب الإعجاز في هذه الآية، فهي ولا شكٌّ فوق مقدور البشر (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)، ولا يعلمها إلاَّ خالقُ الأكوان ومُنزِّلُ القرآن.

وسينصبُّ البحث فقط على بيان بعض جوانب الإعجاز والأسرار الفيزيائيّة الفلكيّة الّتي انطوت عليها الآية الكريمة على اعتبار أنَّ المقصود بمواقع النُّجوم هو موقعها (position vector) وبعدها (distance)من الكرة الأرضيّة.

يقع البحث في مطلبين اثنين: الأوَّلُ مواقع النُّجوم من الوجهة الشّرعيّة، والثاني الاستعانة بالفيزياء الفلكيّة من أجلِ التّعمُّق في فهم مدلول آية القسم بمواقع النّجوم

المطلبُ الأوَّلُ: مواقع النُّجوم من الوجهة الشّرعيّة

الفرع الأوّل: أقوال بعضُ المفسِّرين في "مَوَاقِعِ النُّجُومِ"

مواقع النُّجوم مساقطها ومغاربها في قول قتادة وغيره. عطاء ابن أبي رباح: منازلها. الحسن: انكدارها وانتثارها يوم القيامة (1) وقال ابن عبّاس: يعني نجوم القرآن، فإنّه نزل جملة ليلة القدْر من السّماء العليا إلى السّماء الدُّنيا، ثمَّ نزل مفرّقاً في السّنين بعد، ثمَّ قرأ ابن عبّاس هذه الآية، وقال مجاهد: "مَوَاقِعِ النُّجُومِ" في السّماء ويقال مطالعها ومشارقها، وهو اختيار ابن جرير، وعن قتادة: مواقعها: منازلها، وعن الحسن: أنَّ المراد بذلك انتثارها يوم القيامة (2).

الفرع الثاني: قرب مجرّتنا من البناء السَماوي الأوّل

- حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي السَّمْحِ عَنْ عِيسَى بْنِ هِلالٍ الصَّدَفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ الْجُمْجُمَةِ أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ هِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا أَوْ قَعْرَهَا (3).

- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي السَّمْحِ عَنْ عِيسَى بْنِ هِلالٍ الصَّدَفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ جُمْجُمَةٍ أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا أَوْ قَعْرَهَا (4).

الرِّوايتان السابقتان للحديث الحسن الصحيح المرفوع تؤكّدان قرب مجرَّتنا من البناء السّماوي الأوّل. كما تؤكِّدان أنَ طول السِّلسلة من سلاسل جهنّم كبير جدّا بالمقارنة مع البعد بين كرتنا الأرضيّة والبناء السّماوي الأوّل (5).

إنَّ قرب مجرّتنا وكذلك قرب العديد من المجرّات النّيّرة من بناء السّماء يجعله عرضةً للتّسخين من قبل المجرّات وللتّبريد البطيء المنتظم والمستمرّ نتيجة للتّمدّد، ممّا يؤدّي إلى مزيدٍ من تحسين التّركيب البلّوري لبناء السّماء (5). وممّا يشير إلى هذا الرّباط الوثيق بين النّجوم والسّماء الحديث الشّريف : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ كُلُّهُمْ عَنْ حُسَيْنٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ مُجَمَّعِ بْنِ يَحْيَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ( صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قُلْنَا لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ فَجَلَسْنَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ قُلْنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ قَالَ أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأَمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ) (6). الأمَنَةُ والأمن والأمان بمعنى واحد. ومعنى الحديث أنّه ما دامت النجوم باقية فالسّماء باقية. فَإِذَا انكدرت النّجوم وتناثرت في القيامة وهنت السّماء فانفطرت وانشقت وذهبت (6). إذن النّجوم يوم القيامة ستنفصل عن بناء السّماء وينفرط عقدها.

الفرع الثالث: أفلاك النُّجوم

إنَّ القرآن هو أول كتاب أشار إلى أهمية النجوم للسيارة كعلامات يهتدى بها في البرِّ والبحر. يقول سبحانه وتعالى: (وعلامات وبالنّجم هم يهتدون) [النحل آية 16]. وذلك أنَّ للنجوم مسارات، يقول سبحانه (لا الشّمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الّيل سابق النّهار وكلّ في فلك يسبحون) [لأنبياء آية 33].

المطلبُ الثاني: الإستعانة بالفيزياء الفلكيّة من أجلِ التّعمُّق في فهم مدلول آية القسم بمواقع النّجوم

إنَّ من بعض جوانب إعجاز القرآن إعجازه العلميّ، وهذه الآية كما يوضِّحُ البحث تحتوي على إعجازٍ فيزيائيِّ (physical) وكونيّ (cosmological).

الفرع الأوّل: عِظَمُ الأبعاد والمسافات الفاصلة بين النّجوم

إنَّ المسافات بين النجوم تبلغ حدوداً هائلة. فمثلاً نجد أن أقرب نجم إلينا، بعد الشّمس، يبعُد عنَّا 4.5 سنة ضوئية. أمّا نجوم المجرّات السحيقة، فبعدها من رتبة (of the order) عشرة مليار سنة ضوئيّة (7). حيث السّنة الضوئيّة هي المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة، وبسرعة 300 ألف كيلومترا لكلِّ ثانية.

الفرع الثاني: موقع الأرض

ثم إن هناك مدلولاً علميَّاً آخر للقسم بمواقع النُّجوم، فمثلا موقع الأرض يُعدُّ موقعاً بالغ الدِّقة بالنّسبة إلى الشّمس:

لو كانت الأرض تبعد عن الشمس ضعف بعدها الحالي، لنقصت كميَّة الحرارة التي تصلنا إلى ربع كميتها الحالية (8)، ولقطعت الأرض دورتها حول الشمس في وقت أطول من دورتها الحاليّة بما نسبته (9)، وذلك تبعاً لقانون كبلر الثالث (9)، وعندها يزدادُ طول فصل الشتاء بنفس النّسبة. وهذا يؤدِّي إلى تجمُّد الكائنات الحيّة على سطح الأرض شتاءً.

لو اقتربت الأرض من الشمس إلى نصف المسافة التي تفصلهما الآن لبلغت الحرارة التي تتلقاها الأرض من الشمس أربعة أمثال ما تتلقاه منها الآن (8)، مما يحول دون استمرار الحياة بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض. وينتج عنه تضاعف سرعة الأرض في دورتها حول الشمس بنسبة ، وبالتالي تنعدم الفصول، وتستحيل الحياة.

المجموعة الشّمسيّة هي جزءٌ من مجرَّة درب التّبانة وتقع على بعدٍ متوسِّط من مركز المجرَّة. بعدها عن المركز حوالي 8500 فرسخ(parsec) (10 )، حيث الفرسخ 3.26 سنة ضوئيَّة (11).

إنَّ مجرَّة درب التّبانة تقع في مكانٍ قريبٍ من بناء السّماء الدُّنيا، وهذا موقع أمانٍ لأنَّ النّجوم يوم القيامة ستنفصل عن بناء السّماء وينفرط عقدها (5). وكل نجم في موقعه المتباعد عن موقع باقي نجوم المجرّة، قد وضع هناك بحكمة وتقدير. وهو منسق في آثاره وتأثراته مع سائر النجوم.

سيجهد الباحث في تسليط الضوء على بعض جوانب عظمة القسم بمواقع النُّجوم. وتُعرضُ جوانبُ الإعجاز بشكلٍ أكبر كثيراً جدَّاً مما كان يعلمه الصَّحابة –رضوان اللّه عليهم- المخاطبون بالقرآن أوّل مرَّة، وهو في الوقت ذاته أصغر بما لا يقاس من الحقيقة الكلِّيَّة لعظمة القسم: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ).

الفرع الثالث: كيفية تحديد مواقع النُّجوم

1) زاوية اختلاف المنظر أو التزيّح (Trigonometric Parallax)

يستخدم الفلكيّون زاوية اختلاف المنظر أو التزيّح من أجل قياس أبعاد النجوم القريبة منَّا (12). فعندما تقوم بتوجيه بصرك نحو إحدى البنايات مثلاً، فإنك سترى بيوتاً أو علامات أخرى بعيدة خلف البناية. ولو تحرّكت قليلاً إلى اليمين أو اليسار، ونظرت إلى نفس البناية، سترى أن العلامة التي كانت تقع خلف البناية قد تحرَّكت (ظاهرياً) وأصبحت في مكان آخر. وستجد بذلك أنَّك صنعت مثلثاً متساوي الساقين، قاعدتُه هي المسافة التي تقع بين النقطتين اللتين وقفت عندهما. ولو قِسْتَ الزَّاوية التي تراها من كلِّ جانب لاستطعت أن تجد زوايا هذا المثلث، وإذا قِسْتَ المسافة بين النقطتين اللتين وقفت عندهما، فيمكن من خلال حساب المثلثات أن تعرف بعد هذه البناية.

الشكل التالي يبين كيفية حساب بعد النجوم عن الأرض من خلال استخدام زاوية اختلاف المنظر أو التزيح

عندما يقوم الفلكيّون بقياس البعد D  لنجمٍ ما عنَّا، فإنّهم يعتبرون المسافة الفاصلة بين طرفي مدار الأرض حول الشَّمس كقاعدة للمثلث، وهذه المسافة تساوي 300 مليون كيلومتراً، وذلك لأن متوسّط نصف قطر مسار الأرض حول الشمس (AU) يساوي 150 مليون كيلومتراً (13).

ووفقاً لهذه الطريقة يتم قياس الإختلاف في زاوية المنظر عند رصد النَّجم من موقعين على طرفي قطر دائرة الأرض حول الشمس . وفي الحالتين يتمُّ قياس الزَّاوية عندما يقع النَّجم البعيد مع القريب على خطِّ النّظر (14). بعد النّجم هو:

2) نجوم باقي المجرَّات والمجرَّات البعيدة

أما النجوم البعيدة نسبياً، والموجودة في مجرَّات غير مجرتنا فتقاس أبعادها عن طريق مقارنة شدَّة لمعانها مع شدَّة لمعان نجم قريب داخل مجرَّتنا. ويراعى هنا أن يكون للنجمين نفس الخصائص الطيفية (Same spectral class) (15).

هذا ويصعب تمييز النُّجوم عن بعضها البعض داخل المجرات البعيدة، وعندها نستطيع فقط حساب بعد هذه المجرات ويتعذر تحديد مواقع النجوم داخلها (16). ومن أجل قياس بعد هذه المجرات، يقوم الفلكيون بقياس الحيود نحو الأحمر أو الإزاحة الحمراء (Doppler Red shift) لأطياف هذه المجرَّات (17). فلقد لاحظ الفيزيائيون أن الأطياف الواصلة من الأجسام التي تتحرك مقتربة منا يحصل لها حيود نحو الأزرق (18). أما إذا كان هذا الجسم يبتعد عنا فإن موجات الطيف الواصلة منه سوف تطول أي أن الطيف سيحيد نحو الأحمر (Red shift) (18). وتستطيع أجهزة قياس الطيف تحديد بعد الجرم السماوي المرصود من خلال تحديد حيود الطيف، وبالتالي معرفة بعد الجرم المرصود .

أما المجرات ذات البعد السحيق فلا يُعرف ما إذا كانت سرعة ابتعادها v عن بعضها البعض تحقِّق قانون هابل الخطي v = Hd، أم أن سرعة تباعدها تتناسب مع مربع المسافة d الفاصلة بينها. وبالتالي لا يمكن قياس المسافة الفاصلة بينها بشكلٍ دقيق (19). وممّا يزيد في التّعقيد أنَّ القيمة العدديَّة لثابت هابل Hubbles constant) H )، تنحصر ضمن نطاق واسع، ولا يمكن تحديدها بشكل دقيق، لا بل إنَّ قيمة H تتغيّر مع الزّمن (20-22).

هذا ويستحيل رصد نجوم قيمة انحرافها نحو الأحمر z تزيد عن ألف، وذلك أنَّ هذا يرجع إلى فترة ما قبل التَّمايز بين الإشعاع والمادّة (epoch of decoupling)ب(23).

3) المواقع قديمة

هذا وإنَّ المواقع التي نحسبها للنُجوم والمجرَّات هي قديمة، حيث أنَّ المجرَّات قد تحرَّكت وتغيَّرت مواقعها أثناء رحلة ضوئها إلينا، إذ أنّ بعد بعضها عنّا يزيد على مليار سنة ضوئيّة. وبالتالي فإنَّنا نستكشفُ تاريخ النّجوم وماضيها السّحيق. كما يستكشفُ رجلُ الآثار ماضي الحضارات الَّتي لرُبَّما قد بادت.

4) مسارات الأشعَّة غير محدّدة

هذا وإن مسارات الأشعة الواردة ليست مستقيمة، حيث أن الأشعة تنحرف عند تعرُّضها لجذب النُّجوم. وكذلك فإن مسار الضوء داخل الغلاف الجوي ليس مستقيماً. داخل الغلاف الجوي يلاحظ ازدياد إنحراف مسار الشّعاع عن الخطّ المستقيم عندما ، حيث  هي زاوية ميلان موقع النّجم عن الرّأسي (24). ونحن نرى النَّجم في موقع على استقامة الشعاع الواصل إلى أعيننا بعد أن تعرّض هذا الشّعاع لعدَّة انكسارات في مساره.

وإنَّ مسار الشّعاع الضوئي داخل الغلاف الجويّ يعتمد على درجة الحرارة وعلى الرّطوبة، كما ويعتمد على الإرتفاع عن سطح البحر. وبالإضافة إلى هذه العوامل، فإنَّ العتوميّة (Opacity) وبالتالي لمعانيّة النّجم يعتمدان كذلك على الطّول الموجي للشُعاع (25).

5) انحراف الأشعّة الواردة من النّجوم بسبب جذب الشّمس

هذا وإنَّ مسارات الأشعة الواردة ليست مستقيمة، حيث أنَّ الأشعة تنحرف عند تعرُّضها لجذب الشّمس. زاوية إنحراف مسار الشُّعاع الضوئي عن المسار المستقيم هي (26).

حيث 

   

 

 التَّكامل هو

للرتبة الأولى (first order) في ، زاوية إنحراف مسار الشُّعاع الضوئي هي

حيث M كتلة الشّمس. وأقرب مسافة بين مسار الشُّعاع والشّمس تعتبرُ مساوية لنصف قطر الشّمس.

6) انحراف الأشعّة الواردة من النّجوم بسبب الإنكسارات الجاذبيّة

هذا وإنَّ مسارات الأشعة الواردة ليست مستقيمة. إنَّ للنجوم والمجرات والعناقيد الّتي تعترض الأشعة قوّة جذب، ممّا يجعلها تعمل كعدسة جاذبة (Gravitational lens) تكسر مسار الشّعاع بما يشبه تأثير العدسة المجمعة على مسار الضوء (27-32). عندما يقع كلٌّ من العدسة والمصدر والرّاصد تماماً على خطٍّ مستقيم، فإنَّنا نرى صورة المصدر والّتي تكون على شكل حلقة نصف قطرها(Einstein radius)، حيث M و d هما كتلة و بعد العدسة الجاذبة، D بعد المصدر، و . عندما لا يقع كلٌّ من العدسة والمصدر والرّاصد تماماً على نفس الخطٍّ، تتجزّأ الحلقة إلى صورتين أو أكثر. وفي الحالتين فإنّ الرّاصد لا يرى المصدر، وإنّما يرى صورته فقط (27).

7) طرق قياس المسافات

بالإضافة لأسلوب الإزاحة الحمراء، فإنّه يمكن إيجاد أبعاد نجوم خارج مجرَّتنا إذا عُرف كلاً من اللمعانية المطلقة (Absolute Luminosity) واللمعانية الظاهريّة (Apparent Luminosity) لها(33). أو بعبارة أخرى إذا علمت النّسبة بين القطر الحقيقي للنجم وقطره الزّاوي (Angular diameter)ب(34). وسبق القول أنّه يمكن إيجاد المسافة إلى نجم داخل مجرّتنا بطريقة الحيود أو زاوية اختلاف المنظر (Trigonometric Parallax). تتّفق هذه الأساليب الثلاثة في النّتيجة التي تعطيها فقط في حالة كون بعد النّجم عنّا أقل من حوالي ألف مليون سنة ضوئيّة (35). لذا يختلف أسلوب إيجاد الإزاحة الحمراء تبعاً لإختلاف بُعد المصدر الإشعاعي (36). وعلاوة على ذلك، فإنّهُ لا يوجدُ مفهومٌ فريدٌ للمسافة، حيث أنَّ النظريّة النسبيّة لا تجيز الفصل بين الزّمان والمكان (37).

8) مسار الشعاع

وممّا يزيد الأمر تعقيداً، أنَّ حساب اللمعان الظاهري والحيود لنجم ما يتطلّب معرفة مسار الشعاع الضوئي من المصدر إلى أن يصل الرَّاصد!. معادلة مسار الشُّعاع الضوئي هي

حيث كميّة موجبة متغيّرة تُحدِّد الموقع على المسار ( عند المصدر الضوئي)، المصدر الضوئي يقع عند ، وحدة متجهة ثابتة، و(38). العلاقة بين اللمعان المطلق L واللمعان الظاهري L (الطاقة الساقطة على وحدة المساحة لمرآة التلسكوب) هي (39).

الفرع الرَّابع: تعذّر وجود الوسيلة المناسبة لقياس بعد معظم المادّة الكونيّة عنّا

1) المصادر الرَّاديوية (Radio Sources)

لقد أسهم تطوير التلسكوب الرَّاديوي في رصد نجوم خافتة ومعظمها على مسافات بعيدة. غالبيّة هذه النّجوم لم يتمَّ رصدها بواسطة أجهزة رصد بصريَّة، وبالتالي فإنَّه لم يتوفَّر بعد وسيلة لقياس الحيود نحو الأحمر أو الإزاحة الحمراء (Doppler Red shift) لأطياف هذه النَّجوم، وذلك أنّه لم يتمّ بعد رصد أطياف راديوية من نجوم مختلفة يمكن تمييزها عن بعضها البعض (40).

صورة لتلسكوب راديوي عملاق صمم لرصد ودراسة النجوم الخافتة البعيدة

2) المادّة المظلمة

إنَّ غالبيّة مادّة الكون مادّة مظلمة غير مشعّة، ويُحسُّ بها فقط عن طريق تأثيرها الجذبي (42،41). هذا ولا يزال مانسبته حوالي 0.70 من المادّة الكونيّة مفقودٌ ولم يتوصَّل علمُ الكون والفلك بعد إلى تحديده (43). ولم يتيسّر بعد بيان ما إذا كانت المادّة نجميّة أو خلاف ذلك (44)، ناهيك عن أن يستطيع علماءُ الكون تحديد موقع هذه المادّة المظلمة.

3) تأثُّر الضوء بعوامل مجهولة

هذا وتوجد عوامل فيزيائيّة أخرى لم يتطرّق لها البحث، ومن شأنها التأتير على الضوء الصادر من النّجوم، ممّا يجعلها تظهر في غير موقعها الحقيقي. هذا ولا بدّ من وجود عوامل فيزيائيّة أخرى لم يتم بعد دراسة تأثيرها على الموقع المحسوب للنجم. وبالتالي يمكننا القول وبدون أدنى شكّ أنَّ معظم النّجوم لا يعلم مواقعها إلاَّ خالقها.

الخلاصة

يناقشُ البحث القليل من أسرار كثيرة وعظيمة ينطوي عليها القسم الرّباني بمواقع النجوم، وذلك من خلال ذكر بعض التَّعقيدات الفيزيائيّة الّتي تكتنف حساب أبعاد النُّجوم عن كرتنا الأرضيّة. وتبيّن أنَّ العلم الدّقيق بمواقع النّجوم ومنازلها لا يحيطُ به إلاّ خالقها سبحانه وتعالى. ويترتّبُ على ذلك عدم معرفة منازلها في السّماء، وعدم تحديد مطالعها ومشارقها بشكلٍ دقيق. وبالتالي أيّاً كان المقصود بمواقع النّجوم: منازلها في السّماء، مطالعها ومشارقها، انكدارها وانتثارها يوم القيامة، نجوم القرآن، فأيُّ شيءٍ من ذلك لا يحيطُ بعلمه إلاّ الخالق سبحانه وتعالى. إنَّ انكدار النُّجوم وانتثارها يوم القيامة لا يحيطُ بهوله إلاَّ اللَّهُ، ولا يأتي يومُ القيامة إلاَّ بغتةً، ولم يجلِّي سبحانه وتعالى علم السّاعة لأحدٍ من خلقه. إنَّ هذا القرآن لهو وحيُ الخالق العليم بما خلق إلى محمَّدٍ – صلَّى اللّه عليه وسلّم – الرّسول الأميّ الّذي ما كان ليعلم أسرار عظمة القسم بمواقع النّجوم لولا وحيُ الخالق إليه.

يمكن التواصل مع المؤلف على الإيميل التالي:

rashed@mutah.edu.jo

المصادر

القرآن الكريم

المراجع

-1القرطبي، أبو عبداللّه محمد ( ت 671 هجري)، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب العلميّة بيروت لبنان 1417 هجري-1996 ميلادي، المجلّد التاسع ، الجزء السّابع عشر ، صفحة 145).

-2الصَّابوني، محمّد علي، مختصر تفسير ابن كثير، دار القرآن الكريم بيروت (1402 هجري- 1981 ميلادي) المجلّد الثالث، صفحة 439)

-3قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَسَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ هُوَ مِصْرِيٌّ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ. الترمذي كتاب صفة جهنّم رقم 2513.

-4حَدَّثَنَاه الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو شُجَاعٍ عَنْ أَبِي السَّمْحِ عَنْ عِيسَى بْنِ هِلالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ. أحمد مسند المكثرين من الصحابة 6561.

-5العمري، حسين، بناء السّماء والمادة المظلمة الباردة دراسة مقارنة بين الفلك والقرآن، مؤتة للبحوث والدِّراسات سلسلة العلوم الإنسانيّة والإجتماعيّة، 2002، مجلّد 17، عدد 6، ص 187.

-6 صحيح مسلم فضائل الصّحابة حديث رقم 4596 .

7- Zeilik, Michale Astronomy The evolving universe, seventh edit. John Wiley and Sons Inc. New York, Page 492.

8- Bohm-Vitense, Erika Introduction to stellar astrophysics volume 2 stellar atmospheres, 1989 Cambridge university press, page 11.

9- Marion, J. B. Classical dynamics of particles and systems, Academic press New York, 1970, page 257.

10- Fowls Cassedy, analytical mechanics, Saunders College Publishing, fifth edition, page.

11- Zeilik, Michale Astronomy The evolving universe, seventh edit. John Wiley and Sons Inc. New York, Page 307.

12- Zeilik, Michale Astronomy The evolving universe, seventh edit. John Wiley and Sons Inc. New York, Page 305.

13- Zeilik, Michale Conceptual Astronomy, John Wiley and Sons Inc (1993). New York, Page 229.

14- Harwit, Martin, Astrophysical concepts, John Wiley and Sons, New York, 1973, page 54.

15- Zeilik, Michale Conceptual Astronomy, John Wiley and Sons Inc (1993). New York, Page 350.

16- Zeilik, Michale Astronomy The evolving universe, seventh edit. John Wiley and Sons Inc. New York, Page 440.

17- Harwit, Martin, Astrophysical concepts, John Wiley and Sons, New York, 1973, page 59.

18- Beiser, Arthur, concepts of modern physics, McGraw-Hill New York, 1987, page 12.

19- Shore, Steven N., “Dark Matter in the Universe”, Encyclopedia of Astronomy and Astrophysics, Academic Press Inc., San Diego California, 1987, page 12.

20- Rowan-Robinson, Michaelm Cosmology Clarendon press Oxford, Third edition, 1996, page 50.

21- Zeilik, Michale, Astronomy The evolving universe, seventh edit. John Wiley and Sons Inc., New York, pp 440-443.

22- Zeilik, Michale Conceptual Astronomy, John Wiley and Sons Inc (1993). New York, Page 353.

23- Rowan-Robinson, Michaelm Cosmology Clarendon press Oxford, Third edition, 1996, page 114.

24- Bohm-Vitense, Erika Introduction to stellar astrophysics volume 2 stellar atmospheres, 1989 Cambridge university press, page 9.

25- Bohm-Vitense, Erika Introduction to stellar astrophysics volume 2 stellar atmospheres, 1989 Cambridge university press, page 6-9, page 87-100.

26- Weinberg, Steven, Gravitation and cosmology: Principles and applications of the general theory of relativity, John Wiley and Sons New York, 1972 page 188-190.

27- Rowan-Robinson, Michael Cosmology 3rd. ed. Clarendon press. Oxford 1996 page 70-71.

28- Padmanabhan, T. (1998). "After the first three minutes the story of our universe", Cambridge University Press, United Kingdom, page 187-191.

29- Roos, M. (1994). "Introduction to Cosmology ", Wiley and Sons, Inc., Chichester, England, page 159.

30- Alcock, C., Akerlofm C-W., Allsman, R. A., et al., Nature, 365,

(1993) 621.

31- Auborg, E., Bareyre, S., Brehin, S., et al., Nature, 365,

(1993) 623.

32- Parker, Barry R. (1984). "Concepts of the Cosmos: Introduction to Astronomy", HBJ., USA, page 366.

33- Bohm-Vitense, Erika Introduction to stellar astrophysics volume 2 stellar atmospheres, 1989 Cambridge university press, page 9-11.

34- Bohm-Vitense, Erika Introduction to stellar astrophysics volume 2 stellar atmospheres, 1989 Cambridge university press, page 22.

35- Weinberg, Steven, Gravitation and cosmology: Principles and applications of the general theory of relativity, John Wiley and Sons New York, 1972 page 418.

36- Rowan-Robinson, Michael Cosmology Clarendon press Oxford, Third edition, 1996, page 51.

37- Bowers, Richard L. And Deeming, Terry. Astrophysics II Interstellar Matter and Galaxies, Jones and Bartlett Publishers, Boston 1984, page 478.

38- Weinberg, Steven, Gravitation and cosmology: Principles and applications of the general theory of relativity, John Wiley and Sons New York, 1972 page 419.

39- Weinberg, Steven, Gravitation and cosmology: Principles and applications of the general theory of relativity, John Wiley and Sons New York, 1972 page421.

40- Weinberg, Steven, Gravitation and cosmology: Principles and applications of the general theory of relativity, John Wiley and Sons New York, 1972 page 452.

41- Rowan-Robinson, Michael Cosmology Clarendon press Oxford, Third edition, 1996, page 102-104.

42- Zeilik, Michale Astronomy The evolving universe, seventh edit. John Wiley and Sons Inc. New York, Page 428, 445, 455.

43- Rowan-Robinson, Michael Cosmology Clarendon press Oxford, Third edition, 1996, page 104-105.

44- Rowan-Robinson, Michael Cosmology Clarendon press Oxford, Third edition, 1996, page 106-108.


 


الرئيسية  |  القراّن الكريم  |  سير العلماء  |  أرسل بحثك  |  من نحن  |  اتصل بنا  |  أعلن معنا  |  ســاهم معنا
جميع الحقوق محفوظة © لموسوعة الاعجاز العلمي فى القراّن الكريم و السنة