الإثنين25 ذو الحجة 1435 هـ

فراس نور الحق
*
Chinese German English French Kurdish Farisi Italian Spanish Russian
 طباعة الصفحة  طباعة المقال  |  أرسل لصديق 
انشر المقال

الزواج آية من آيات الله تبارك وتعالى

تاريخ المقال : 10/8/2011 | عدد مرات المشاهدة : 39838


بقلم: د. عبدالرحيم الشريف
رئيس قسم أصول الدين
جامعة الزرقاء/ الأردن

 مقدمة: الزواج حرث للنسل، وسكن للنفس، ومتاع للحياة، وطمأنينة للقلب، وإحصان للجوارح. كما أنه نعمة وراحة، وسنة وستر.
والزواج في الإسلام عقد لازم وميثاق غليظ وواجب اجتماعي وسكن نفساني وسبيل مودة ورحمة بين الرجال والنساء، يزول به أعظم اضطراب فطري في القلب والعقل، ولا ترتاح النفس ولا تطمئن بدونه؛ كما أنه عبادة يستكمل الإنسان بها نصف دينه، ويلقى ربه بها على أحسن حال من الطهر والنقاء. [1]
ومن امتنان الله تعالى على الإنسان ما ورد في قوله تعالى: " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون " [الروم: 21]، ويظهر من خلال الآية الكريمة أن الزواج يجمع بين كونه آية ومودة ورحمة، بحسب التفصيل التالي.
أولاً: الزواج آية كونية:
فطر الله كل من الزوجين على حب الآخر وطلبه والجد في البحث عنه ذلك لأن الفطرة البشرية هادية إلى الزوجية فهي تسوق كل رجل إلى طلب الازدواج بامرأة، وكل امرأة إلى قبول الاتحاد مع رجل، وهي التي تربط قلبيهما وتمزج نفسيهما وتوحد مصلحتيهما، وتجعل الصلة بينهما أقوى من كل صلة بين اثنين في هذا العالم ، حتى يسكن كل منهما إلى الآخر عند كل اضطراب ، ويأنس به ما لا يأنس بالأهل والأصحاب [2]
لذا عبر عنه سبحانه وتعالى بأنه آية من آياته:
- فالمرأة تفخر بأبيها أيما فخر، ولكن أباها الذي نشأت تحت كنفه لا يداني زوجها في السكون إليه والراحة والانبساط.
فلك أن تتخيل امرأة تسافر مع أبيها إلى الحج، وأخرى تسافر مع زوجها الذي اقترنت به قبل سويعات.
ستجد الثانية مرتاحة في سفرها أكثر، رغم أن شريكها في الرحلة لم تتعرف إليه إلا قبل سويعات، فما الذي جعلها ترتاح له في مبيتها وسفرها وطلب حاجاتها أكثر من والدها؟
قد عرفنا وجه الإعجاز الإلهي في العلاقة الزوجية فما المودة وما الرحمة:
ثانياً: المودة:
المقصود بالمودة : أن يحب كل من الزوجين من يحب الآخر من أهله وعشيرته وأصدقائه؛ فيسر لسرورهم، ويستاء لاستيائهم، ويتمنى لهم الخير والنعمة، ويقوم بأداء حقوقهم كما جرى من العرف بين أمثالهم في ذلك.
وهذا النوع من التودد : هو الذي نأمر به من تزوجا في أنفسهما سكونًا يبعث كلاً منهما على مودة الآخر ظاهرًا وباطنًا، بقصر كل من الزوجين طرفه على الآخر وقناعته بالاختصاص به لكمال سكون نفسه إليه، وإخلاصه في مودته ومحبته.
سكون الزوج إلى الزوج سبب من أسباب سعادة الزوجين، وهناء معيشتهما خاص بهما لا يشاركهما فيه أحد من الأقربين والمحبين، وأما المودة بينهما فهي من أسباب سعادة عشيرتهما أيضًا؛ لأنها متعدية ؛ فهي مبعث التناصر، والتآزر والتعاضد والتساند وبهذا تكون سببًا من أسباب سعادة الأمة المؤلفة من العشائر المؤلفة من الأزواج فهذا التأليف هو الذي يتكون من مزاج الأمة فما يكون عليه من اعتدال وكما يكون كمالاً في بنية الأمة وقرة عين لمجموعها وما يطرأ عليه من فساد واعتلال يكون مرضًا للأمة يوردها موارد الهلكة.
ومن المودة بين الزوجين : الممازحة والملاعبة، فكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يمازح نساءه ويداعبهن، وكان يسابق عائشة في الجري الشديد.
ويؤثر عن عمر أنه كان يقول: " كل امرئ في بيته صبي "، وكان يقول: " ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي فإذا التمسوا ما عنده وجدوه رجلاً ".
ثالثاً: الرحمة: لقد فطر الله تعالى قلوب البشر على الرحمة ليتراحموا فلا يهلك فيهم العاجز والضعيف، وكل أحد عرضة لاستحقاق الرحمة في يوم من الأيام، وجعل سبحانه حظ الوالدين والزوجين من الرحمة أرجح ليعنى بكل فرد من الناس أقرب الناس منه عند شدة الحاجة إلى العناية والكفالة؛ فالزوج لزوجه عند الضعف في المرض أو الكبر، كالوالدين لولدهما عند ضعفه في الصغر، بل تجد المرأة أرحم ببعلها في
مرضه أو كبره من أمه لو وجدت، وتجد الرجل أرحم بسكنه في مرضها أو كبرها من أبيها لو وجد إذا كانت الفطرة سليمة ، فإن لم يكن كل من الزوجين أرحم بالآخر في كبره من والديه فإنه يقوم مقامهما إذ لا يضعف كل من الزوجين ويحتاج إلى الرحمة إلا بعد موت الوالدين في الغالب، فإن مرض وهما في صحتهما فإنهما يكونان بعيدين عنه لا يسهل عليهما ترك بيتهما ومن عساه يكون فيه من محتاج إلى رحمتهما ؛ لأجل لزام ولدهما الكبير المتزوج.
فظهر أن كلاًّ من الزوجين في حاجة إلى رحمة الآخر به عند ضعفه لا يقوم بها سواه من الأقربين أو المستأجرين مقامه فيها .
لا شيء يخفف أثقال الفقر وأوزاره عن كاهل الرجل يتحمله مثل المرأة التي ترحمه في فقره فتظهر له الرضا والقناعة ولا تكلفه ما تعلم أن يده لا تنبسط له ، فما بالك إذا كانت ذات فضل تواسيه به ، ولا شيء يعزي الإنسان عن مصابه في نفسه وغيره مثل المرأة للرجل والرجل للمرأة إذا ظهرت عاطفة الرحمة في أكمل مظاهرها فشعر المصاب بأن له نفسًا أخرى تمده في القوة على مدافعة هذه العوارض التي لا يسلم منها البشر ، واعكس الحكم في القضيتين ، يتجلَّى لك وجه الصواب في الصورتين .
ما أجهل الرجل يسيء معاشرة امرأته ، وما أحمق المرأة تسيء معاشرة بعلها، يسيء أحدهما إلى نفسه من حيث يسيء إلى الآخر فهو مغبون غالبًا ومغلوبًا ، وما رأيت ذنبًا عقوبته فيه كذنب إساءة الزوج إلى الزوج [4]
ختاماً: قد يقول قائل لماذا لا يستشعر كثير من الأزواج هذه النعمة
يجيب محمد رشيد رضا: " وقد أفسد على الناس تلك المودّة والرحمة ، وحجبهم عن الموعظة بالحكمة ، وأضعف في نفوس الأزواج ذلك السكون والإرتياح ، غرور الرجال بالقوّة وطغيانهم بالغنى ، وكفران النساء لنعمة الرجال ، وحفظ سيّئاتهم ، وتماديهم في الذمّ لها والتبرّم بها ، وما مضت به عادات الجاهلية في بعض المتقدّمين ، وعادات التفرنج في المعاصرات والمعاصرين ، وقلّد به الناس بعضهم بعضاً ". [5]
 
للتواصل
د. عبدالرحيم الشريف
rhim75@hotmail.com
 

------------
[1] الزواج، جار الله، ص22.
[2] مجلة المنار، 8/81
[3] المصدر السابق، 8/573
[4] المصدر السابق 8/656.
[5] تفسير المنار 3/232
 

Bookmark and Share

عرض التعليقات
الزواج باب من أبواب الجنة
أدخل بواسطة : محمد الجزائري | تاريخ التعليق : 24/06/2012 05:14:09 PM | بلد المعلق : الجزائر
مقال جيد ، بارك الله فيك أخي و نفعنا الله بعلمك و نصائحك الغاليةو أضيف قائلا ان الزواج نعمة ربانية عظيمة و باب من أوسع ابواب الجنة بالنسبة للمراة بطاعة زو جهاو حفظه في ماله و أهله و عرضهكما أخبر الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم و بالنسبة للرجل بمعاملة زوجته بالمودة و الرحمة و حسن العشرة.
الزواج نعمة
أدخل بواسطة : عبد الجبار | تاريخ التعليق : 09/09/2011 06:18:34 PM | بلد المعلق : العراق
الزواج نعمة من نعم الله وآية من اياته وسكون في نفس الزوجين وهدوء وراحة في البال . واقرب انسان الى المرآةهو زوجها واقرب انسان الى الرجل هي زوجته
شكر وعرفان
أدخل بواسطة : عادل الدخرى | تاريخ التعليق : 19/08/2011 11:24:45 AM | بلد المعلق : السودان
الحمدلله الذى وفق فقهاءنا على تواصلنا باحدث الوسائل ونسأل الله السداد على الخطى والتطبيق
نعمة الزواج
أدخل بواسطة : نانا | تاريخ التعليق : 16/08/2011 12:07:00 AM | بلد المعلق : سوريا
اللهم لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين اللهم أغننا بحلالك عن حرامك اللهمآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ياكريم
الحمدلله
أدخل بواسطة : عيسى الرفاعي | تاريخ التعليق : 14/08/2011 01:50:04 AM | بلد المعلق : سورية
جزاك الله كل خير يادكتور وكثر الله من أمثالك ونفعنا الله بعلمك كفيت ووفيت ماشالله حولك
الزواج
أدخل بواسطة : مرام سكر | تاريخ التعليق : 13/08/2011 01:23:16 AM | بلد المعلق : الاردن
قرأت هذا المقال لما قيل لي عنه من روعة..ولكن بعد قراءته انهم لم يوفوه حقه... مقال جدا رائع.. جزاك الله كل خير
شكر
أدخل بواسطة : حنين | تاريخ التعليق : 12/08/2011 03:24:11 AM | بلد المعلق : الاردن
موضوع الزواج جميل جدا .... ونشكر صاحب المقال على الموضوع
تقدير
أدخل بواسطة : سفيرة جامعة الزرقاء | تاريخ التعليق : 10/08/2011 02:26:21 PM | بلد المعلق : الاردن
فعلا ما شاء الله موضوع رائع و الأسلوب جميل و مشوق للقراءة شكرا جزيلا لصاحب قلم هذا المقال


السابق 1 التالي  

الرئيسية  |  القراّن الكريم  |  سير العلماء  |  أرسل بحثك  |  من نحن  |  اتصل بنا  |  أعلن معنا  |  ســاهم معنا
جميع الحقوق محفوظة © لموسوعة الاعجاز العلمي فى القراّن الكريم و السنة